خيال علميمخمستقبل

من أنا

من أنا؟ ما هي الذات؟ ومن أين تأتي؟ قصة خيال علمي باطنها العلم التجريبي.

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

“لقد وجدتها” صرخ أحمد وهو ينظر خلال عدسات الواقع المعزز، كان يحرك يده يمنة ويسرة في الهواء ليحرك الصور التي التقطها دروني، “لقد وجدت الإشارة يا دروني”، مخاطبا الدرون الطائر، الذي يحلق حوله، ويصور كل يومياته، “إنها صورة التوت التي كنت أبحث عنها، إنها الإشارة التي تدلنا على المُوَصِّل الأكبر، عبد الله آل عياف”. نظر أحمد إلى دروني: “يبدو إنك نسيت أن تبحث عن صورة التوت.”

“من هو عبد الله عياف، ولماذا تبحث عنه؟” سأل الدرون الذكي باستغراب، لم يكن دروني مستغربا فعليا، ولكنه كان مبرمجا لكي يبدو مستغربا، دروني ذكي إلى حد ما، ولكنه بسيط في تفكيره، ومحدود في معارفه، وينسى الأومر بسرعة، صنع هكذا ليكون فضوليا.

رد أحمد: “الموصل الأكبر هو آخر الموصلين على الأرض، كل الموصلين الآخرين اختفوا، لا أحد يدري أين هم، قدرتهم في تحليل الأمور فائقة… كبيرة، هم الوحيدون الذين استطاعوا فهم توصيلات المخ، وهم الوحيدون القادرون على تركيب مخ إلكتروني وتوصيل خلاياه الإلكترونية لتصبح ذكية واعية.”

حام الدرون حول أحمد وهو يلتقط الصور ويحلل إجابة أحمد: “ببحث سريع على الإنترنت تبين إن الموصلين هم أكثر البشر ذكاء، لابد إن لديك سؤالا لا يستطيع الإجابة عليه سواهم، أليس كذلك؟”

“بالتأكيد، إنه السؤال الذي فكر في إجابته الفلاسفة منذ القدم ابتدأ من الهند وإلى يومنا هذا حول العالم من الفلاسفة المعاصرين وعلماء الخلايا العصبية، لا أدري إن توصلوا إلى معرفة الإجابة.”

“لقد شوقتني كثيرا،” طار دروني بحركة تشابه حركة النحل بطنين ناعم، تحرك يمينا ويسارا حول أحمد وبإثارة، “ما هو السؤال؟”

“من أنا؟” رد أحمد

رد دروني بسرعة: “أنت أحمد بن محمد”

“لا يا عبيط، أنا أعرف نفسي، أقصد إن السؤال هو: من أنا؟”

توقف دروني عن الحركة وهو يحلل المعلومات التي تلقاها: “أنت تعرف من أنت، ولكنك تريد أن تعرف من أنت؟”

“نعم أيها الكمبيوتر البليد، أنا أعرف إنني محمد بن أحمد، ولكني أريد أن أعرف ذاتي، ما الذي يجعلني أنا؟ هل جسمي هو أنا؟ هل أحشائي الداخلية هي أنا؟ هل ذكرياتي تكونني؟ أم إنني مكون من عواطفي؟ حينما يعرفني أحد للآخرين ما الذي يعرفه لهم؟ أي جزء مني يهمهم عند معرفتي؟ هل كلي يهمهم؟ ما هي طبيعة الذات؟”

يبدو إن الأسئلة كانت صعبة على دروني، فسـأل أحمد: “هل تريد أن أصور الزهور؟”

“لا يا دروني، أرني الموقع الذي صورت فيه صورة التوت.” فإذا بخريطة جوجل تظهر على عدسة العين التي يرتديها أحمد، “لننطلق إلى المكان”، صاح بصوت في حماس.

****

نزل أحمد إلى داخل الأرض عبر مصعد وإلى عمق كبير، وقد ترك دروني في الخارج، فقد منعت أجهزة الأمن دخول أي شيء آخر مع أحمد، لم يسمح لأحد أن يدخل هذا المكان سواه، ولم يسمح لأحد أن ينقل المعلومات إلى الخارج. توقف المصعد، وفتح الباب.

“تفضل” صاح عبد الله من بعيد، “تفضل”، لقد كان أحمد يحرك يده في الهواء وكأنه يمسك بشيء ثم يركبه على شيء آخر لا يراه أحمد، بالطبع علم أحمد إن الموصل الأكبر كان مشغولا بتركيب خلايا المخ الإلكترونية، فهذا تخصصه، وكان يراها من خلال عدساته. “علمت إنك تبحث إن إجابة للسؤال الأهم، من أنت، أو من أنا، أليس كذلك؟”

“نعم،” رد أحمد، وهو مرتبك أمام كبير علماء التوصيل، لم يكن هناك أي داع لكي يتساءل أحمد من أين علم عبد الله بانه كان يبحث عن الإجابة على هذا السؤال، فالموصل يستطيع الوصول لأي شيء بتوصيل نفسه بالشبكة، فإن وجد الموصل سؤالا مهما يطلب من الباحث عن الإجابة الإتيان إليه حتى يعلمه ويرشده، وفي العادة تكون الإرشادات مرتبطة فيما يقوم به الموصل في ذلك الوقت.

في الحقيقة لم يكن أحمد فقط يدري إن الموصل الأكبر يعلم عن السؤال، ولذلك لم يسأل، ولكن كانت الرهبة تملأ صدره، فلم يكن يتجرأ على السؤال، لقد جاء فقط للاستماع والمراقبة.

“هل بإمكانك أن تجيب على السؤال أيها الموصل الأكبر؟” سأل أحمد وهو يرتجف، لعله يضايق عبد الله في سؤاله.

“هل بإمكانك أن تتحمل الإجابة على الأسئلة؟ لا أعتقد إنك ستتحمل، ما ستراه يفوق كل التكنولوجيا التي أحطت بها في حياتك اليومية” نظر عبد الله إلى أحمد بنظرة ثاقبة محاولا فهم الحركات الميكروية المصغرة التي تدل على نواياه، عبد الله يعلم تماما ما سيحدثه من ربكة حينما يرى أحمد ما سيراه.

رد أحمد: “سأتحمل! وأراقبك بهدوء تام وتركيز شديد”.

“إذن لنبدأ، لقد انتهيت لتو من توصيل آخر وصلة كهربائية في المخ الإلكتروني، وسأبدأ بعملية النقل، لا تتحدث حتى لا أفقد تركيزي أثناء العملية.” استلقى عبد الله على فراش العمليات، وأوصدت عليه أسطوانة زجاجية، ثم تحركت الأضواء الألية مشعة على جسده، ثم تقدمت آلة مسح ليزر كانت غريبة جدا، لم ير أحمد مثلها، وكأنما أتت من فضائيين، تحركت الآلة تدريجيا لتمسح جسم عبد الله مسحا كاملا، ثم نزلت آلة أخرى وفيها إبرة مخدر موضعي، غرست في ذراعه، تحرك الروبوت من السقف وأنزل حاوية زجاجية صغيرة أحاطت بيده، وفي المنتصف بدأت الحاوية بقطع يده.

“آآآآآآآآه،” صرخ أحمد حينما رأى يد عبد الله وهي تُقطع، “ما هذا لماذا قطعت يدك؟ ما هذا التعذيب؟ لقد أتيت لمعرفة الإجابة على الذات، وأنت الآن تقطع يدك، أمر مقزز… أمر محزن” دهش أحمد من المشهد، ولم يستطع إمساك لسانه من الانفلات.

“لقد قلت لك إنك لن تستطيع التحمل، وقلت لك إن ما ستراه هو بعيد جدا عما تعرفه.” تكلم عبد الله بهدوء الحكماء.

بسرعة كبيرة أطبق أحمد بيده على فمه وتحدث من خلفها: “أعتذر منك أشد الاعتذار يا سيدي”.

صمت الإثنان، وأكمل أحمد المشاهدة وهو واضع يده على فمه ليس لكي يمنع نفسه من التحدث، بل لشدة الدهشة.

خرجت أسلاك موصلة وتحركت كأذرع الأخطبوط لتتصل بأعصاب عبد الله، وفي كل ارتباط كانت عيني أحمد تتسعان، تكنولوجيا متقدمة جدا تعمل على جسد عبد الله. مخيف ومدهش في نفس الوقت.

كانت الغرفة تشع بأضواء مختلفة، أثناء جر الكمبيوتر المعلومات من ذراع عبد الله، يرسل إشارات من الوصلات الإلكترونية الملتصقة بذارعه، فيهتز كتفه قليلا، إشارة أخرى يستشعرها عبد الله، فيصدر صوتا من فمه، أو يعرق جبينه، كان الكمبيوتر يرسل الإشارات لمعرفة رد فعل جسده، فيحتفظ بمعلومات اليد وارتباطها بالإشارات الآتية من المخ.

شاهد أحمد مشهد تقطيع يد عبد الله الثانية، ثم رجله اليمنى وبعد ذلك اليسرى، شاهدها وهو يتصبب عرقا، ويتألم، ولكنه حبس أنفاسه، بينما كان عبد الله مطمئنا، ولم يشعر بأي ألم، إلا ربما الألم الذي يرسله له الكمبيوتر لتجريب الإشارات المختلفة. وصل الجهاز إلى أحد أهم الأعضاء التي تبقي عبد الله على قيد الحياة، وصل إلى القلب، بدأت بالتقطيع..

“لا!!! لا تقتل عبد الله!!” صرخ أحمد بأعلى صوته وهو يقترب من الزجاج الاسطواني الذي أحاط بعبد الله، كان يخاطب الآلة التي لم تكترث له، أكملت الآلة طريقها في العمل، فأنزلت صمامات مؤقتة بديلة للقلب، فدق قلب عبد الله الإلكتروني، اتصلت الموصلات الإلكترونية بالأعصاب، وضُخ القلب الدم، ولكن عبد الله لم يتحرك، “لقد قتلتيه يا آلة” صرخ أحمد.

صدر صوت كهربائي بنبض قوي، فانتفض ما تبقى من جسد عبد الله مرة أخرى… انتفض جسد عبد الله للمرة الثانية، فإذا به يشهق، عد إلى الحياة مرة أخرى.

“أحمد، لقد قلت لك إنك لن تستطيع التحمل،”

تنفس أحمد الصعداء، بعد أن كانت أنفاسه كلها للصراخ، “سيدي الموصل، أنت حي، أعتذر منك، لقد اعتقدت إنك مت.”

“لم أمت يا أحمد، طالما إن الآلة تعمل فسأكون حيا، أرجوك، امتنع عن الكلام كما وعدت،” ذكر ذلك عبد الله، وهو متأرجح بين الحياة الموت.

“أعتذر منك أشد الاعتذار، أعدك إني لن أتكلم مرة أخرى، ولك أن تطردني من الغرفة إن فعلت ذلك.”

أكملت الآلة مسيرتها في إزالة الأعضاء الأخرى، شيئا فشيئا، وصلت إلى الفم والعين، وفتحت الرأس، وأخرت المخ، أوصلت الأسلاك به، وبدأت بضخ الإشارات، واستقبلت الردود منه.

ما رآه أحمد بعد ذلك لم يسمح له بالسكوت، كل شيء ذهب، كل أطراف عبد الله، كل أعضائه، كل خلاياه المستشعرة في جسده، لقد وصل الكمبيوتر إلى العضو الأهم، المخ، إن ذهب هو ذهب عبد الله، لم تعد الإجابة على السؤال مهمة، لم يعد لعبد الله لسانا ليتحدث به، ولن يمكنه الدفاع عن نفسه الآن، لابد أن يعترض، لابد أن يرفض، لابد له أن يوقف هذا الجنون.

صرخ أحمد بأعلى صوته، وضرب على الزجاج، ولكن صوته لم يكن له أثر، ولا حتى ضربته، كانت الآلة تقطع المخ قطعة قطعة، وتأخذ قراءات إلكترونية منها. رغم إن الوقت كان يمر بسرعة، إلا إن أحمد أحس بمرور الوقت ببطئ شديد وهو يرى نهاية عبد الله، أسند أحمد رأسه على الزجاج الاسطواني وهو يبكي على آخر الموصلين.

****

“أحمد، الآن سأخبرك بما لم تستطع أن تتحمله…” صدر صوت عبد الله من سماعات الكمبيوتر الرئيسي، أدار أحمد رأسه ليسمع الصوت من كل الجهات، وارتسمت على وجهه الدهشة.

“سيدي الموصل الأكبر، ما الذي حدث؟ أين أنت؟”

“استمع لي يا أحمد، ولا تسأل، الآن ستعرف من أنت…” صوت عال واثق من نفسه، “سأطلعك على حقيقة الذات، من خلال ما رأيته، لن أعطيك الصورة الكاملة لأنها معقدة، سأحاول تبسيطها ، سأقدم لك جوانبا منها لعلها تستوعب ما حصل أمام عينيك.

“لقد رأيت جسدي يقطع، هل تساءلت إن كان جسدي هو ذاتي؟ هل الجسد يمثلني؟ لو إن صديقك قرر الذهاب ليحارب من أجل وطنه، وبعد أشهر رجع وقد قطعت قدماه بعد أن داس على لغم، هل ستقول إنه لم يعد صديقك الذي تعرفه؟ هل نقصان رجله من جسده يعني إنه شخص آخر؟

“هل الجسد أساسي في تعريف الذات، هل الذات تكون بسبب الجسد أم إن الذات هي التي تصور الجسد على إنه جزء منها؟ العديد من التجارب التي تبين إن المخ هو الذي يجعل من اليد والرجل والصدر والأجزاء الأخرى جزءا منه، وهو الذي يعد لها خريطة في المخ تدل على مكان كل جزء منها بداخله.

“تجربة أقيمت على الكثير من الناس، بينت كيف إن المخ مستعد لاعتبار جزء غريب خارج الجسد كجزء منه، أُجلس شخص ووضعت يديه على طاولة أمامه، وأخفيت يده اليسرى بحاجز بحيث لا يراها، ووضعت يد مصنوعة من مطاط أمامه لتبدو وكأنه امتداد جسده، الشخص يعلم إن اليد المطاطية ليست له

“قام المجرب بمسح اليد المطاطية التي يراها الشخص، وفي نفس الوقت مسح اليد الحقيقية خلف الحاجز، مسح ثم مسح ثم مسح، بدأ الشخص باستشعار المسح في اليد المطاطية رغم إنها ليست يده، وبعد فترة من تأقلم مخ الشخص لليد المطاطية، أتى المجرب بمطرقة، وضرب اليد والمطاطية، ومن شدة اعتقاد الشخص بأنها يده سحب يديه من على الطاولة بسرعة، ظنا منه إنه سيسحب اليد المطاطية أيضا، لقد استوعب المخ اليد المزيفة، لتكون جزءا من جسده.

“ليس ذلك فقط، فهناك من يفقد يده أو رجله في حادث حربي أو مروري أو ما أشبه، ورغم عدم وجود يده، إلا إنه يشعر بوجودها، يشعر بحكة في يده الشبحية التي لا وجود لها، لماذا؟ لأن خريطة المخ لا تزال تحتفظ تلك اليد كجزء منها، فشعوره بها هو شعور وهمي بوجودها، مساكين أولئك الناس، لا يستطيعون أن يتخلصوا من الحكة، فلا يوجد ما يمكنهم دعكه لكي تذهب تلك الرغبة.

“بل من هم مساكين أكثر من ذلك يطلق عليهم اصطلاح BIID، أولئك الناس في حالة معاكسة تماما، وهم موجودون من حولنا، ولكن عددهم قليل، أولئك الأشخاص لديهم جسد كامل، ولكنهم يشعرون وكأن جزءا من جسدهم ليس لهم، ومن المفروض إزالته، لا يستطيعون العيش من أرجلهم أو أيديهم مثلا، فيحاولون أن يخبؤوا أرجلهم بثنيها وربطها بحيث لا تظهر أمامهم، يقضون يومهم على عكازة وبرجل واحدة، لا يستطيعون تحمل رؤيتها لأنها ليست لهم.

“البعض منهم يتجه إلى دول فيها أطباء مشبوهين ليجروا عليهم عمليات جراحية للتخلص من الجزء الذي لا يرغبون بالعيش معه، فيتفقون مع الأطباء على القيام بالعملية بالخفاء، ثم بعد إجراء العملية وبعد قيامهم من المخدر يشعرون بسعادة عارمة، لم يعد الجزء الزائد موجود معهم، لقد أصبحوا كاملين بعد التخلص من الجزء الزائد.

“لعلك مصدوم من هذه المعلومة، ولكنها حقيقية، ابحث عنهم، ستجد إنهم موجودون.

صدم أحمد، ولكنه لم يتكلم.

****

” أما عن موتي بإزالة القلب، فما هو الموت؟ هل يختفي الإنسان بمجرد موت الجسد، هل الذات مرتبطة بالأعضاء لكي يكون الإنسان حيا، هل الحياة صفة يشعرك بها العقل؟ هل من الممكن ألا تكون حيا رغم وجودك، هل ذاتك مرتبطة بالجسد؟ بالطبع فإن الجسد يغذي المخ لكي تكون حيا، فإن مات المخ ستموت، ولقد كنت محقا في شعورك بالتخوف علي بعد إن أزيل قلبي الذي يضخ الدم إلى المخ، كوني حيا لا يعني كوني إن ذاتي موجودة.

“ديكارت يقول: أنا أفكر، إذن أنا موجود. هل فعلا كل إنسان يفكر يعتقد إنه موجود؟ هناك من الحالات ما تخالف ما كان يعتقده ديكارت. بعض الناس يعتقدون إنهم ميتون رغم إنهم أحياء، وليس هناك أي دليل تستطيع تقديمه لهم ليصدقوا إنهم أحياء.

“رجل مكتئب، أراد الانتحار، ملأ حوض الحمام بالماء، ثم ألقى بالسخان المتصل بالكهرباء في الحوض، انفجر الفتيل الكهربائي، ولم يمت، لقد نجى من الموت، ولكن في الأسابيع القادمة، بدأ بتكوين فكرة غريبة عن نفسه، اعتقد إنه مات.

حينما شرح له الأطباء إنه حي لأنه يتكلم معهم، ويسمع كلامهم، وهو يأكل ويشرب، كلها أدلة على إن مخه يعمل، كان يرفض رفضا قاطعا إن مخه حي، كان يعتقد إن عقله حي، ولكن مخه ميت. لقد تغيرت مشاعره الداخلية لتجعله يشعر إنه ميت، لم يعد يشعر بطعم ما يأكله وما يشربه وما يدخنه، لم يكن سعيدا، فقد شهيته ولم يشعر إنه يحتاج إلى طعام، وحتى إنه شعوره بالحاجة إلى النوم ، رغم إنه كان يقوم بكل ذلك، وفقد مشاعره، لقد مات حينما كان في الحمام، كما كان يعتقد.

“لم يكن هو الوحيد، بل إن امرأة كانت تعيش في القرن الثامن عشر أيضا كانت ميتة وهي حية، عالجها عالم الأعصاب كوتار، وأطلق اسم هذا المرض على اسمه: متلازمة وهم كوتار. أولئك الناس يشعرون إنهم ميتون أو غير موجودون أو إن أحشاءهم غير موجودة.

“حينما ربط ديكارت وجوده بعقله، اتضح لنا إنه هناك من الناس من لا يعتقد بوجوده رغم إنهم يفكر. الاعتقاد بوجود الذات هو إدراك ذهني يقوم به المخ، أنا أفكر إذن أنا قد لا أكون موجودا!

“بقائي حيا أو ميتا يرتبط لا بجسدي فقط، إنما يرتبط بالطريقة التي يجعلني المخ أفكر فيهما، المخ هو الذي يعطي الانطباع إن ذاتي موجودة،

هل الذات حقيقة أم إنها وهم في هذه الحالة؟ الذات تأتي من نتيجة تفاعل المخ مع الجسد، المخ يكون الذات لحظة بلحظة اعتمادا على إشارات تأتي من الجسد. ولذلك حينما أزالت الآلة جسدي شيئا فشيئا كانت تأخذ قراءات من الخلايا العصبية، فترسل لها إشارات، وترى النتائج، ليقوم الكمبيوتر بنمذجة جسدي الخالد بداخل ذاكرته، لن أحتاج إلى قلب أو أعضاء داخلي للبقاء على قيد الحياة، كل ما أحتاجه إليه هو نمذجة تعطيني الانطباع إنني حي، وفي حينها سأكون حيا.

****

“قد تتساءل، ما هي هذه الذات التي يكونها المخ؟ ما هي الأنا التي يشكلها المخ بناء على المعطيات المختلفة؟ هل أنت القصة التي تبنيتها في ذاكرتك؟ هل أنت التجارب الشخصية التي مررت عليها بحياتك؟ قد نجد بعض الإجابات على ذلك في المصاب بمرض آلزهايمر.

“حينما يصاب الشخص بمرض آلزهايمر تبدأ ذاكرته بالفشل، تبدأ قصته الشخصية المتراكمة بالانهيار، تلك الذاكرة التي تكون الشخص تختفي تدريجيا، وتنمحي بحيث لا يبقى من الأنا فيه.

ربما سمعت بهذه القصة عن امرأة فقدت معلوماتها

“‘ما اسمكِ؟‘ سأل الطبيب المرأة المريضة،

“‘أوغست‘ أجابت المرأة

“‘ما اسم زوجك؟‘

“‘آه… زوجي‘ بدت وكأنها لم تفهم السؤال

“‘كم لك هنا‘ سألها الطبيب

“حاولت التذكر: ‘ثلاثة أسابيع‘

“أراها قلم رصاص، وسألها ‘ما هذا؟‘

“فأجابت: ‘قلم ناشف‘

“أكلت قرنبيط مع لحم الخنزير، لما سألها الطبيب ماذا تأكل قال: ‘سبانخ‘

“لم تتذكر أشياء رأتها قبل قليل.

“توفيت المرأة المريضة سنة 1906، وكان طبيبها هو آلويس آلزهايمر،

“هذا المرض أصبح معروفا منذ ذلك الحين، وليس له علاج إلى يومنا هذا، بغض النظر عن الأسباب البيولوجية له، نتساءل ما الذي يفعله في الذات؟ إنه يسرقها، يسرق القصص التي توفر للشخص فهم ذاته، والتي توفر إجابات للسؤال: ‘من أنا؟‘ تلك القصص التي نقولها للآخرين عن أنفسنا سواء الشخصية أو العامة، كلها تذهب ويذهب معها الشخص. ينخر فيها مرض الآزهايمر، فيفقد الشخص ذاكرته تدريجيا لتصبح لديه جزر من الذكريات إلى أن يصل النخر إلى مرحلة اللاأنا.

“بل القصص الشخصية لا تكون فقط ماضوية، إنما مستقبلية، حينما يفكر الشخص في نفسه لا يفكر فقط في كيف كان، بل حتى كيف سيكون، وسيرسم مستقبلا لنفسه، هذه أيضا تختفي مع المرض، فلا ماضي ولا حاضر، ولا قصة ولا أنا.

“المخ أيضا مسؤول عن امتلاكك لأناتك، أفكارك هي ملكك، إن فكرت في شيء الآن، ستعرف إن تلك الأفكار تابعة لك، ولكن إن أتينا لمرضى الفصام نجد إنهم فقدوا شعورهم بالامتلاك، يسمعون أصواتا بداخل أذهانهم، ولكنهم لا يعلمون إنها ملكهم، يعتقدون إن الأصوات قادمة من مالك آخر.

“المخ هو الذي يعطي الشخص ملكية لأفكاره وأفعاله، يقارن المعلومات مع بعضها ليصل إلى نتيجة تحدد ما إذا الشيء كان صادرا من ذاته أو من ذات أخرى، كمثال بسيط في الكائنات الحية لنأخذ صرصور الليل أو الكريكت، كيف يعرف حينما يصدر صوتا في ظلام الليل إنه الصوت هذا له وليس لغيره؟ الصوت الذي يصدره هو يشابه تلك الأصوات التي تصدرها كل الصراصير الأخرى من حوله،

“حينما يحك الصرصور جناحيه يصدر صوت صفير عال، بدخل الصرصور هناك خلية عصبية واحدة مسؤولة عن تمييز صوته عن أصوات الصراصير الأخرى، لكي يحك جناحي الصرصور بعضهما تقوم خلية عصبية حركية بإصدار الأوامر لها، وفي نفس الوقت تقوم الخلية بإطفاء خلايا السمع لديه، ولذلك تصبح لا يسمع نفسه فقط، وهذا ينطبق على بعض الطيور التي تصفر، وكذلك بعض أنواع القردة، وبهذا المثال البسيط يمكنك تعقيد العمليات بشكل كبير جدا على مستوى المخ.

“حينما يعلم المخ إن الصوت الصادر هو له يعطل جوانب أخرى كي لا تحدث أية تناقضات، خذ على سبيل المثال حينما تدغدغ نفسك، لماذا لا تتدغدغ؟ لأن مخك يقارن الإشارات الصادرة من يدك إلى تلك التي تأتي إليه من مكان الدغدغة، فيعرف إنك دغدغت نفسك، فيلغي ذلك الشعور الذي يجعلك يضحك أو تسحب نفسك، الكثير من المصابين بالفصام يستطيعون دغدغة أنفسهم، لقد تعطلت قدرة المخ على فهم الإشارات ففقدت قدرتها على معرفة من الذي يدغدغهم.

“أولئك الناس يفقدون شعورهم بالملكية، ذاتهم لا تستحوذ على كل أفعالهم وأفكارهم.

“من أهم مهام المخ التنبؤ، إشارات كثيرة تصل إليه، وفي محاولته لفهمها بدقة لا ينتظر حتى تصل إليه، لأن بعضها يتأخر، وهذا قد يسبب مشاكل كثيرة، ولذلك يتنبأ بمعلومات الإشارات لكي تنتظم الأفكار، من تلك الأشياء التي تعتمد على التنبؤ الشخصية، هناك من الناس من تتبدد شخصيتهم، امتلاكهم لذاتهم يتبدد، أناتهم تفقد، فيشعرون إن كل ما يقومون لم يقوموا به هم، يشعرون إنهم خارج أجسادهم، مشاعرهم مفقودة، لا يشعرون بالتعاطف، ويفقدون معلوماتهم الشخصية أو ملكيتهم لمعلوماتهم، وكذلك فإنهم يشعرون إنهم غرباء في محيطهم. المخ يشعر الإنسان بأن ما يقوم به هو تابع لذاته، ما يفكر به تابع له، وكذلك المشاعر هي يعطي الانطباع بامتلاكها.

“هناك أمثلة كثيرة على إن الذات هي من المخ، المخ هو الذي يكونها، وهو الذي يمتلكها، أي خلل فيها يخل بهذه المعرفة وامتلاكها، أي خلل في قدرة المخ على ربط المعلومات ببعضها والتنبؤ بها يخل بالذات، ليصبح كل ذي ذات بلا ذات.

“ما رأيت من تقطيع مخي، وقراءة معلوماته كان الهدف منه الإبقاء علي، الإبقاء على ذاتي، كل ما أعرفه عن نفسي موصل في تلك الروابط بين الخلايا، بعد أن سحب الكمبيوتر كل معلوماتها ربطها بجسدي الافتراضي، لتوفر للمخ الافتراضي معلومات يمكنه التنبؤ بها، الآن سأبقى حيا إلى الأبد، لن ينخر في ذاتي آلزهايمر، ولا الفصام، ولا تبدد الشخصية، ولا العيوب البيولوجية الأخرى، وإن اختل الكمبيوتر، ستكون هناك نسخ مني في كل مكان، أنا الآن في الشبكة العالمية، أنا الآن في كل مكان.

عندها توقف عبد الله عن الحديث… عم المكان هدوء قاتل… انتظر أحمد ليستمع للمزيد، لم يود أن يقاطع عبد الله كما فعل سابقا، ولكن عبد الله لم يتكلم، فعلم أحمد إن ذلك كان فراقا بينهما.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق