mind-control-orwell

قراءة الأفكار وعرض مصور للأفكار (نهاية الخصوصية)ـ


قراءة الأفكار وعرض مصور للأفكار (نهاية الخصوصية)

speaker_icon disk
ipod

بداية النهاية لخصوصية أفكارك

قرأت خبرا جديدا مذهلا، ولربما لن تصدق ما سأقوله، الخبر يقول أن العلماء استطاعوا أن يمسحوا المخ ويستخلصوا منه الصور وقاموا بعرض الصور على الشاشة، تخيل معي أنك تفكر بفكرة ثم تراها على الشاشة كما هي، بعض عناوين الأخبار كانت بهذه الطريقة، ولكن التفصيل يختلف قليلا، وإن لم تُخفِّض من مستوى إنبهاري في الموضوع.

ما قام به العلماء هو عرض مقاطع أفلام على متطوعين، ومن خلال الف إم آر أي (fMRI) قاموا بتصوير تغيّر تدفق الدم والكمية والأكسجين في نظام القشرة البصرية (Visual Cortex System)، ومن خلال استخدام برنامج لتحليل هذه التدفقات استطاع العلماء إعادة بناء الصور لما يراه أولئك المتطوعين، تخيل أنك ترى شيئا بعينيك ثم يمر ذلك عبر العصب البصري إلى أن يصل إلى المخ عبر أمور أخرى بداخل المخ، حينها تقوم المليارات من الخلايا العصبية في المخ بتجزيئ كل هذه المعلومات، ثم يقوم الماسح بتصوير التغيرات الدموية في المخ وتؤخذ هذه المعلومات إلى الكمبيوتر ليحللها، فيقوم الكمبيوتر بإعادة بناء هذه الصور مرة أخرى، ثم يقوم بعرضها على شاشة الكمبيوتر، تخيل مستقبل هذه التكنولوجيا،  قبل أن تنام ليلا تقوم بوضع جهاز يقيس الدم في المخ، فتنام وترى أحلام مختلفة، ويتم تسجيل كل ذلك على الكمبيوتر، وفي اليوم التالي تستيقض من النوم – وبعد أن يحلل الكمبيوتر هذه المعلومات – يقوم بعرض أحلامك على الشاشة، ستكون التجربة بلا شك رائعة.

سأمر في هذه الحلقة على طرق قراءة الأفكار من قراءة الكلمات والصور وأشياء أخرى أبعد من ذلك، وسأطرح الفوائد والمخاطر لهذه لقراءة الأفكار.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

نقطة أخرى وهي عن برنامج جديد للآيفون والآيباد والآيبود صنع خصصيا للسايوير بودكاست، وهو برنامج يسهل عليك سماع البودكاست وإنزال الحلقات مباشرة، وكلما استجدت الحلقات تستطيع إنزلها من ضمن البرنامج، تستطيع إنزال البرنامج من الآب ستور بلا مقابل. http://www.q8connect.com، انصح بإنزال البرنامج.

قراءة المخ حلم يتمناه الناس

أتذكر حينما كنت صغيرا أجرى والدي علي وعلى أخواني بعض التجارب لمعرفة إمكانية أن نتبادل الخواطر، فكان يفكر في فكرة معينة، ويركز على الفكرة، ثم يطلب منا أن نغلق أعيينا وأن نركز على أفكاره، ثم نرسم رسمه لما نراه في مخيلتنا من صور، الأشكال التي كان يتخيلها الوالد بسيطة مثل الدائرة والمثلث والمربع والشمس وإنسان وما شابه، اختار هذه الصور البسيطة  حتى لا يعقد الأمور، كنا نرسم ونحاول التركيز بكل ما أوتينا من قوة متنمنين أن نرى ما بداخل مخ أبينا، ولكن لم تنجح تلك التجارب إلى ما ندر، فتوقفت التجارب وإن كانت بالنسبة لي مسلية جدا وفيها الكثير من الخيال.

حتى في الأفلام، هناك الكثير من الأفلام التي تطرح الفكرة بهذا الشكل، ففي فيلم “ما تريده (أو تتمناه) النساء” (What Women Want)، في هذا الفيلم يعمل ميل جيبسون في شركة دعاية وإعلان ويتوقع الترقية، ويفاجأ بأن رئيس الشركة يوظف إمرأة موهوبة في مجال التسويق، حاول أن يثبت نفسه، ولكنه لم يستطع، حتى تسببت صعقة كهربائية  أثناء وجوده في الحمام بإعطائه القدرة على سماع ما تفكر فيه النساء، واستخدم هذه الفكرة ليفهم ما تفكر فيه المرأة الموهوبة (والتي قام بتمثيل دورها هيلين هانت Helen Hunt)، وبمعرفته لأفكار هيلين هانت وقع في حبها، وتغلب عليها في العمل، ولكنه واجه المصاب بسبب هذه القدرة، ولك أن تشاهد الفيلم لتعرف التفاصيل.

قراءة المخ عن بعد تسمى بالتخاطر (Telepathy)، وهي فكرة نقل المعلومات من عقل إنسان إلى عقل إنسان آخر عن بعد، والدراسات في هذا المجال كثيرة، واحدة من هذه التجارب التي أجريت فيها بحوث لمعرفة إمكانية التخاطر هي تجربة البطاقات الزينر (Zener cards)، على كل بطاقة من هذه البطاقات رسومات مختلفة، كل رسمة على بطاقة تختلف عن باقي الرسومات على البطاقات الأخرى، تعطى هذه البطاقات لشخصين، فيقوم الأول باختيار بطاقة من البطاقات من غير أي يراها الثاني، ثم يرسل أو يركز أفكاره ناحية الثاني، ثم يقوم الشخص الثاني “بسماع” خواطر الأول، ويقوم بمحاولة اختيار البطاقة التي يعتقد أن الشخص الأول اختارها.

لو كانت عدد البطاقات 5 مثلا، فمن الناحية الرياضية احتمال اختيار أي بطاقة بشكل عشوائي هو 20% (100% تقسيم خمس بطاقات)، فلو أن الشخص الثاني يستطيع أن يقرأ ما بمخ الشخص الأول فلابد أن يكون اختياره غير عشوائي، أي لابد له أن يصيب بقدر أكبر من عشرين بالمئة، فتخيل لو أجريت التجربة عدة مرات، فاختار الأول بطاقة معينة، سيُتوقع أن يصيب الشخص الثاني في اختيار البطاقة الصحيحة مرات ويخطئ مرات، فلو كان عدد مرات اختياره للبطاقة الصحيحة أكثر من 20% يكون قد تغلب على العشوائية، ويمكن الإعتراف أن الثاني يستطيع أن يقرأ أفكار الأول، ولكن التجربة تلو الأخرى لم تأت بنتائج واضحة تدعم وجود هذه القدرة بأي شكل منطقي علمي يمكن قبوله، أي لم يثبت أنه لأي شخص مُستقبِل للأفكار أن يتنقي البطاقة المطابقة لبطاقة الشخص المُرسل أفضل من الإنتقاء العشوائي للبطاقات.

بطاقات الزينر

طبعا لهذه الفكرة جانبان، الجانب الأول هو إمكانية إرسال الخواطر، والجانب الآخر قراءة هذه الخواطر، ما أتحدث عنه فيه هذه الحلقة هو إمكانية قراءة الخواطر أو الأفكار، ولا أتحدث عن إرسال الخواطر، حيث أن إرسال الخواطر له أثر مهم، وهو إمكانية التحكم بالأشياء عن طريق المخ، وهذه نقطة مهمة سأتطرق لها في المستقبل، حيث أن لها تطبيقات مهمة جدا في حياتنا، وحاليا يتم تطوريها بشكل غير مسبوق، وبدأت التجارب بتطوير أجهزة متطورة يتم تركيبها على المخ تمكن الشخص من التحكم بالأشياء في الخارج بمجرد التفكير، حاليا أنا أركز على أن تكون لنا القدرة على قراءة ما بمخ الشخص الآخر بغض النظر عن محاولة إرسال ذلك الشخص أفكاره أو عدم إرسالها، بل إن الذي يتم قراءة أفكاره سواء أأراد ذلك أم لم يريد.

قراءة الصور

في مقالة نشرتها مجلة النيوز ويك في سنة 2008، تحدثت شارن بيجلي (Sharon Begley) عن دراسة باستخدام الإف إم آر آي تبين كيف استطاع العلماء من مؤسسة ماكس بلانك (Max Plank Institute) أن يعلموا ما يشاهده الشخص من خلال قراءة أفكاره، كيف؟ يقوم الكمبيوتر بعرض صور عشوائية على متطوع، ويتم عمل مسح للمخ، ومن هذا المسح يتم التنبؤ بما رآه الشخص من صور باستخدام برنامج كمبيوتر يحلل معلومات المسح، فمثلا تعرض على الشخص صورة لمطرقة ودريل وقلعة وما شابه من الأشكال، ويطلب منه أن يفكر في الشكل الذي يراه، بعد مسح المخ يحلل الكمبيوتر ضخ الدم لمناطق في المخ، ومنها يستطيع الكمبيوتر أن يتنبأ بالأشياء التي رآها الشخص بدقة قدرها 78% (المشكلة في عدم الدقة ترجع لأن الشخص لا يستطيع أن يتحكم في أفكاره، حيث يسرح قليلا في أفكار آخرى مما يجعل هناك نسبة 22% من الخطأ).

هناك ملاحظة مهمة لابد أن أبينها، وهي عن طريقة معرفة الكمبيوتر بهذه الصور، الفكرة تكمن في أنه في المرحلة الأولى يأتي العلماء بمتطوع، ويرونه عدد محدد من الصور، ثم يطلب منه التفكير في هذه الصور، وتؤخذ قراءات للمخ من خلال الإف إم آر آي، ويتم تعليم الكمبيوتر الربط بين الإشارات والصور، فمثلا حينما يرى الشخص مطرقة، تؤخذ الصور لحركة تدفق الدم والأكسجين في المخ، ثم ترسل للكمبيوتر، ويقال للكمبيوتر أن يسجل تلك الحركة الدموية على أنها تعني مطرقة، ثم يُرى الشخص قلعة، وتؤخذ صور أخرى لضخ الدم، ستكون حركة الدم مختلفة، وتسجل هذه على أنها تعني قلعة، وهكذا مع باقي الصور، ويُصنع من هذه قاموس من الصور وفي مقابلها ضخ الدم (كل نوع من أنواع ضخ الدم تعني صورة معينة)، بعدها يجلب متطوع آخر، ويطلب منه أن يشاهد صورا من القاموس بتسلسل معين، يكون هذا التسلسل لا يعرفه أحد سوى المتطوع الذي يرى الصور، بعد ذلك يقوم بتحليل ضخ الدم في مخه، وبما أن تركيبة المخ للبشر بشكل عام متشابهة، ذلك يعني أن تحرك الدم والأكسجين سيكون متقارب، ولذلك يمكن التنبؤ بتسلسل الصور التي رآها المتطوع الجديد، إذن، في المرحلة الحالية لا يمكن للكمبيوتر أن يعرف ما الصورة التي يفكر فيها شخص إذا ما كانت صورة جديدة من وحي خيال الشخص، فلو فكر الشخص في خرتيت له جناحي خفاش ويمشي على أرجل نملة لا يمكن للكمبيوتر أن يعرف الصورة لأنها ليست بالقاموس.

إرجع قليلا لما قلته عن إرسال الخواطر وبطاقات الزينر، أليس هناك تقارب بين الفكرتين؟ هنا الشخص يفكر بصور معينة، والكمبيوتر من خلال المسح للمخ يستطيع أن يعرف ما فكر فيه الشخص، لاحظ أن المسح خارج المخ، لم يضطر أحد لفتح الجمجمة واستخلاص هذه المعلومات من الرأس، فمن خلال التصوير المغناطيسي للمخ يستطيع العلماء معرفة ما تفكر فيه، كما في توارد الخواطر، ولكن الفرق واضح، وهو أن توارد الخواطر لا يمكن أن يكون من غير أن تكون هناك تكنولوجيا متقدمة تساعد في نقل الفكرة، كما لو أن شخصا أراد أن يطير، لا يمكن له الطيران هكذا كما يفعل سوبرمان بلا أي مساعدة تكنولوجية، ولكن بإمكانه باستخدام التكنولوجيا مثل الطائرة أو الهليكوبتر أو النفاث للطيران.

تتخيل شارن هذه القصة الخيالية التي تبين التطبيق المباشر لمثل هذه التكنولوجيا، تخيل لو أن شخصا قبض عليه للاشتباه به في جريمة قتل باستخدام الفأس، ولكن لا يُعرف أين ذلك الفأس لأن المجرم تخلص منه، فيتأتي المحقق ويبدأ بسرد تفاصيل مسرح الجريمة معه، ثم ينتقل لتفاصيل الجريمة ذاتها، ولكن لا يذكر السلاح المستخدم في الجريمة نهائيا، حين يبدأ المتهم بتخيل الجريمة سيبدأ بتذكر السلاح المستخدم في الجريمة، فلو تخيل نفسه وهو يستخدم الفأس في القتل يمكن باستخدام الماسح للمخ معرفة الآداة التي تخيلها المتهم، فإذا تطابقت مع الأداة الحقيقة – وهي الفأس) قد يعني ذلك أنه هو المجرم.

قراءة الكلمات من المخ

أضف لذلك أن العلماء في جامعة يوتاه (Utah University) استطاعوا من خلال تركيب مجسات على المخ (تحت الجمجمة هذه المرة)، ومن خلال هذه المجسات استطاعوا أن يحددوا الكلمات التي يتكلمها الشخص بمجرد أن يفكر في الكلمات، كما في الحالقة السابقة لا يستطيع الشخص أن يفكر في أي كلمة شاء، ولكن ما قاموا به أنهم ركبوا هذه المجسات على متطوع ثم طلبوا منه أن يقرأ بعض الكلمات، ثم سجلوا الإشارات الصادرة من المخ، فربطوا بين كل إشارة وكل كلمة، بعد أن عرفوا العلاقة بين الإشارات والكلمات، طلبوا من المتطوع أن يفكر في إحدى الكلمات التي شاهدها من قبل، واستطاعوا بذلك معرفتها بنسبة من الدقة قدرها 76% إلى 90%، بالطبع التجربة كانت على مجموعة بسيطة من الكلمات، والدقة لم تكن كافية، ولكن بالإمكان إضافة قواميس مكونة من كلمات لا حصر لها، وبالتأكيد من الممكن أن تحسن الدقة بشكل أكبر.

ما الفائدة من مثل هذه التجربة؟ تخيل لو أن شخصا أصابه شلل ولم يستطع أن يتصل مع العالم الخارجي بسبب عدم تواصل المخ مع عظلات جسمه، هذا يعني أن سيكون لسانه مربوطا، ولكن لا يعني أن تفكيره مربوط، بهذه الطريقة الجديدة بإمكان المصاب بالشلل أن يتواصل بمجرد التفكير، فيمكن لهذا الشخص أن يعبر عن نفسه بعد أن حبس بداخل جسده، تخيل الوضع الذي يعيشه ستيفن هوكينج العالم الكبير المقعد على الكرسي، الوسلية الوحيدة التي يتواصل بها مع العالم الخارجي الآن هي من خلال تحريك ما تبقى له من عضلة في الوجه والعين، والصعوبة في التخاطب بهذه الوسيلة تكمن في أنه يحتاج لأن ينتقي حرفا حرفا من على شاشة الكمبيوتر ليكون كلمة واحدة (أرجوك تخيل معي أن هذا الرجل بهذه الحالة استطاع أن يكتب أكثر الكتب العلمية انتشارا في العالم)، ماذا يحدث لو أن مثل هذه التكنلوجيا تتوفر له، عندها سيستطيع التخاطب مع الآخرين بكل سهولة، وبلا تأخير (تخيل الآن كمية الكتب التي يستطيع أن يكتبها بمجرد تحريره من جسده المشلول).

من الأيضا أن تستخدم هذه للتخاطب بين الناس من غير التحدث، فمن الممكن لو تطورت هذه التكنولوجيا بحيث يمكن قراءة أي كلمة من المخ بالإمكان استخدامها في الحروب، تخيل أن مخ جندي المستقبل متصل بشريحة كمبيوتر تستطيع أن تقرأ أفكاره، يمكن أن تُبعث هذه الأفكار عبر الهوائيات (الوايرليس كما في الوايفاي) لأفراد كتيبته من غير أن يصدر صوتا واحدا، فيقود الكتيبة بصمت مطبق، بذلك لا يتم تعريض الكتيبة للخطر.

الدعاية والإعلان

واحدة من التطبيقات الحالية – التي قد لا تعلم عنها – لقراءة المخ هي الدعاية والإعلان، هل تعلم أن شركة إنتل (Intel)، وفاياكوم (VIACOM) وجونسون آند جونسون (Johnson & Johnson) وماكدونولدز كلها استفادت من أبحاث أقامتها شركة نيوروسينس (Neurosense) لتحسين من الدعاية والإعلان؟ ألا ترى كيف أن هذه الشركات لها تأثير هائل على المشترين بشكل عام؟ فبالإضافة للتسويق المتعارف عليه، تحاول هذه الشركات فهم كيف يفكر الشخص حينما يرى الدعايات، ما هي العواطف التي تنتابه وما هي الكلمات المؤثرة، وكيف يتعلم الشخص وماذا يتذكر، وكيف يتخذ القرار، كل تلك يمكن الحصول عليها من خلال الأجهزة المسح الحديثة مثل الإف إم آر آي (fMRI)، فلا داعي لأن يُسأل الشخص عن كيفية تأثره بالدعاية، بل يكفي أن نمسح المخ لنعرف الإجابة الحقيقة، المخ قد يخبرنا بقصة أدق من القصة التي يتم فلترتها قبل أن تخرج عبر الفم، من هذه التجارب اُكتشف أن أفضل وقت للتأثير على الناس دعائيا هو وقت الفطور (صباحا)، حيث يتم استيعاب وترميز وفهم الدعايات بشكل أفضل في ذلك الوقت، مما قد يدعو الناس للتفاعل مع المنتج بشكل أفضل.

قراءة المخ وعرض فيلم الصور التي يراها المخ

لأشرح بقليل من التفصيل كيف قرأ العلماء المخ لعرض لقطات من الفيديو لما يشاهده الشخص (الموضوع الذي ذكرته في البداية)، توجهت لموقع مختبر جالانت على الإنترنت والذي هو جزء من جامعة يو سي بيركلي (Gallant Lab at UC Berkley)، يتخصص العاملون العالمون بهذا المختبر بالنمذجة الحسابية للنظام البصري في المخ، أي أنهم يحاولون أن يطوروا نموذج يصف كيفية ترميز المخ للمعلومات البصرية، حسب هذا الموقع فإن النظام البصري في  المخ يتكون من شبكة عالية التواصل من مناطق مختلفة منظمة بشكل هرمي، هذه المناطق تتخصص بوضائف محددة مثل حدود الصور (مثلا حينما تنظر إلى كرسي يكون الكرسي له حدود من حوله) واستدارتها وحركتها وتكوينها النسيجي، ومن هذه الخلايا ما يتخصص بالوجوه والحيوانات وهكذا، يقوم جهاز الإف إم آر آي بتصوير نشاط المناطق هذه في المخ، ثم تؤخذ هذه المعلومات إلى الكمبيوتر لكي يعالجها، ثم يقوم بتحليلها، ثم… وهنا تمكن اللطافة في الفكرة.

الكمبيوتر يحتوي على قاعدة بيانات من لقطات كثيرة قصيرة مأخوذة من اليوتيوب، المدة الزمنية لهذه اللقطات هو 18 مليون ثانية، واللقطات منتقاه عشوائيا. تعرض على المتطوعين لقطات جديدة غير موجودة في قاعدة البيانات، وأثناء مشاهدة المتطوع للقطات يتم تصور حركة الدم في المخ، بعد ذلك يحلل الكمبيوتر المعلومات ثم يقوم بانتقاء من اللقطات (الـ 18,000,000 ثانية) أقرب 100 لقطة  يُتصور أنها تمثل ما يشاهده الشخص، بعد ذلك يحسب المتوسط الحسابي لها، وتعرض على الشاشة.

تستطيع مشاهدة لقطة اليويتوب التالية التي تبين الفرق بين الصورة الحقيقية والصورة التي تم استخلاصها من المخ، وستلاحظ أن الصورتان تحتلفان، التي يراها المتطوع واضحة، بينما التي يستخلصها الكمبيوتر ضبابية وغير واضحة، وربما فيها عشوائية، ولكن تصف الصورة المستخلصة بشكل عام ما يراه الشخص، فتلاحظ أنه حينما يرى المتطوع وجها تكون الصورة الكمبيوترية فيها وجه أيضا، ولكنه غير واضح (ليست للوجه ملامح)، وكذلك هناك صور لفيلين يسيران من الجانب الأيسر إلى الجانب الأيمن من الشاشة، ولكن ليست هناك صورة واضحة للفيل – ولو أن الصورة تبين أن وجود حركة لشيء ما يسير من اليسار إلى اليمين بنفس ارتفاع الفيلين، وهكذا، والصور لا تعطي نتيجة واضحة، ولكنها تقريبية.

يقول العلماء الذين عملوا على استخلاص المعلومات من المخ أنه لو أضيفت مقاطع أخرى لقاعدة البيانات لكانت النتيجة أفضل، وأيضا لو أن الإف إم آر آي كان أكثر دقة لكانت النتائج أيضا أفضل، مع الوقت سنرى نتائج أفضل من هذه بالتأكيد.

النتيجة ليست دقيقة، والصور لا تطابق بالضبط ما يراه المتطوع، ولكنها كافية لأن تضع المستقبل لهذه التجارب أمام عينيك، ما تعنيه هذه التجربة والتجارب التي سبقتها أن قد يأتي اليوم الذي يقوم به العلماء – ليس فقط بمعرفة ما تفكر به – بل بعرض مصور لما تفكر فيه من غير أن يجروا أي عملية جراحية للمخ، ولربما استخدمت هذه الطريقة في أشياء إيجابية وأخرى سلبية وأخرى لا نعلم إن كانت إيجابية أو سلبية، فمنها ما سيتستخدم لفهم أمراض المخ مثل السكتة الدماغية والخرف، ومن الممكن أن تساعد في بناء كمبيوترات متصلة بالدماغ وأيضا ستكون طريقة للتعامل مع البكم، والطرف الآخر السلبي، قد تستخدم هذه التكنولوجيا في الاستجوابات والتحقيقات وغيرها،  ومنها ما سيستخدم في تصوير الأحلام، ولا ندري إن كان ذلك جيدا أم سيئا.

قراءة النوايا

قد تتمنى بعد ذلك كله لو أن لك القدرة على قراءة الأفكار أو رؤية ما يراه الآخرون في مخيلتهم، تخيل لو أنكِ تجلسين مع صديقاتك وعلمت كل ما يدور في أذهانهن، تعرفين حينما تقولين شيء معين ماذا تفكر صديقتك، قد تقول صديقتك: “كم هي رائعة صديقتي”، فتكتشفين أنك محبوبة، أو تخيل أنك تقرأ تفكير حبيبتك واكتشفت أنها لا تحبك، أو تخيل أنك في الإختبار وتقرأ الحل من مخ زميلك في الدراسة، أو أنت بصدد القيام بصفقة تجارية هائلة، وقرأت عقل الطرف الآخر، وعلمت كم كانت قيمة العرض لمنافسك، لا يستطيع أحد أن يبقي أسراره عنك، قد يكون ذلك رائعا، أو قد يكون سيئا.

وقد تتصور أن قراءة الأفكار هو أبعد ما يمكن الوصول إليه، قد تقول أن بعد ذلك كله لا يمكن أن يكون هناك أبعد من قراءة المخ، فماذا بعد أن نعرف ما يفكر فيه الشخص ويتخيله؟ حينما ترى شخصا ما يحمل السكين وفي عينيه الشر، أنت تعرف مباشرة أنه ينوي أن يضر بأحد، أو لو أنك رأيت أحجهم يبتسم ابتسامة خبيثة ستعرف أنه ينوي أن يقوم بشيء خبيث، أليس كذلك؟ ماذا لو تمكنت من معرفة النوايا قبل أن تتكون الفكرة ذاتها؟ ماذا لو علمت أن شخصا ما ينوي القتل حتى قبل أن يشرع في القتل؟

بالتأكيد هناك ما هو قبل الفعل، هناك النية، قد لا تتصور أنه بالإمكان قراءة نوايا الإنسان، ولكن إعلم أن هذه العملية أصبحت واقع وإن كانت على شكل بسيط جدا في المرحة الحالية، خذ على سبيل المثال ما قام به جي دي هينز (JD Haynes) من مؤسسة ماكس بلانك، استطاع هو وفريقه أن يعرفوا النوايا حتى قبل اتخاذ القرار للقيام بشيء، في التجربة هذه طلبوا من متطوعين أن يقرروا ما إذا كانوا سيجمعون أو يطرحون رقمين، وقبل أن يروا هذه الأرقام قام الباحثين بعمل مسح للمخ، وقام الكمبيوتر بتحليل هذه الصور، ومن هذا التحليل تمكن الباحثين من معرفة ما هي نية المتطوعين بدقة قدرها 70%.

عبر عن هذه الفكرة الفيلم الشهير ماينوريتي ريبورت (Minority Report)، وفي هذه الفكرة يتنبأ ثلاث من المتنبئين بحدوث الجريمة في المستقبل قبل حدوثها، فيقوم شرطة “ما قبل الجريمة” بالتوجه للشخص الذي سيقوم بالجريمة، ويتم القبض عليه سجنه أبديا (بطريقة حديثة طبعا)، أي أن الجريمة تحسب ابتداءا من النية وقبل أن تحدث، ماذا لو علمنا بنية شخص بالقتل، هل يحق لنا القبض عليه قبل قيامه بالجريمة؟

من المؤكد بلا أدنى شك أن قراءة المخ تحولت من خيال إلى علم يمكن تحقيقه، ربما لا يكون ما توصل إليه العلماء دقيقا في المرحلة الحالية، الأجهزة الحالية مثل الإف إم آر آي تستطيع قراءة ضخ الدم على مئات الآلف من الخلايا، أي أنه يتعامل معها ككتل، وليس في هذا الجهاز من الدقة ما يمكنه من قراءة الخلايا كل منها على حدة أو حتى عدد محدود من الخلايا، مع تطور هذه التكنولوجيا بحيث يمكن معرفة ضخ الدم على كتل أصغر وأصغر للخلايا سيتمكن العلماء من قراءة المخ بشكل دقيق جدا، ومع ذلك فالوصول إلى المرحلة الحالية يعد خطوة أولية لمرحلة جديدة في حياة البشر، هذه المرحلة ستؤسس لها قوانين لحماية الخصوصية الفكرية، وقوانين أخرى تسمح بدرجة ما من التسلط على بعض هذه الخصوصية من أجل دفع الضرر عن المجتمع، وقوانين أخرى لعلاج المصابين بأمراض لها علاقة بالمخ، ومن المؤكد أنه حينما تصل هذه التكنولوجيا إلى مرحلة يمكن فيها أن نعرف كل ما يجول بخاطرنا، بل أكثر من ذلك، إن وصلت الأمور لمعرفة النوايا، قد تتغير القوانين لما هو أبعد من ذلك، هل يعني ذلك أن يعاقب المجرم على جريمة قبل قيامه بها؟ فنظلم المتهم لأن الجريمة لم تحدث، أو نترك المتهم  يقوم بالجريمة مع علمنا بها ثم نعاقبه، وبذلك نظلم الضحية، ربما تكون هذه مرحلة حرجة في حياة البشر، سنسن لها قوانين لم تكن موجودة من قبل، قوانين لم تخطر على قلب بشر ولم يقرأها من قلبه بشرا.

19 فكرة على ”قراءة الأفكار وعرض مصور للأفكار (نهاية الخصوصية)ـ

  1. مواضيع جذابه جدا .. وعناوين غايه في الغرابه و معلومات مذهله …. دائما من اسبوع الى اخر بانتظارك على احر من الجمر ..يادكتور قاسم … و نرجوا زيادة الجرعه عندما يتسنى لك الوقت …. تحياتي من القلب …طلال

  2. السلام عليكم ,, د. محمد
    اولا اشكرك على الموضوع القيم واتمنى لك التوفيق الدائم
    ثانيا اود التنويه بأن تجارب كروت زينر والتي اجريت في معهد بحوث راين في جامعة ديوك , كارولينا الشمالية , الولايات المتحدة
    قد تم الإعلان عن نتاجها منذ عام 1937 بمجلة العلوم الطبيعية , شهر مارس لنفس العام , بالإضافة الى الكتاب الخاص بالدكتور راين
    النتيجة تعدت حد العشوائية بالضعف وليس كما ذكرت مسبقا
    حيث نسبة الجواب الصحيح بالصدفة هي 5 لكل 25 كرت
    وبعد تكرار التجربة 100000 مرة على مدار 7 سنوات ,
    وصلت النتيجة الى 7 اجوبة صحيحة لكل 25 كرت

    , أحمد الظاهر
    طالب باحث في تاريخ التخاطر

    1. عزيزي أحمد

      أنا سعيد أنك من المعجبين في التخاطر لدرجة أنك تقضي من وقتك للبحث فيه، ولكن أود أن أوضح لك لو أن التخاطر كان حقيقة علمية لكان له نتيجة يمكن الاستفادة منها في العصر الحالي بعد مرور أكثر من 70 سنة على ذلك البحث (وأنا أشك في مصداقيته، لابد أن العلماء حطموه تحطيما كليا كما هو متعارف في هذا المجال)، قارن هذا مثلا مع الميكانيكية الكمية والتي لولاها لما كان للكمبيوتر الذي نتواصل أنا وأنت عن طريقه وجود، وقد بدأت بحوث الميكانيكا الكمية في الثلاثينات تقريبا، أي نفس أيام البحث الذي ذكرته في تعليقك.، مع فارق النتائج والاستفادات

      شكرا لك مع تمنياتي لك بالتوفيق

      1. اهلا بك دكتور وشكرا على ردك

        أنا حاليا اقوم بدراسة فرضية جديدة عن التخاطر قمت بوضعها ,,, تعليقا على ردك ,,
        حقيقة التخاطر اكمل اكثر من 162 ابحاث علمية مختلفة وكمان لا ننسى ان التخاطر لوحظ من 4000 سنة قبل الميلاد
        ,, وطبق المنهج العلمي خطأ اننا نحكم على شيء بكونه حقيقة علميه او لا بمجرد اننا نستفيد منه او لا ,,
        جرب مثلا الاطلاع على تجارب غانزفيلد في جامعة كامبريدج , كانت على بدايات استخدام التخاطر لكن المشروع مهما طال ما تطور حتى الان
        وما في عجب ان العلم هذا غير متقدم بما انه في شك بالنتائج وتحطيم من العلماء وعدم تقبل اجتماعي ,,
        ناهيك عن اختلاف نفس علماء الباراسيكولوجي بطريقة الدراسة الأفضل ,,
        علم الميكانيا والفيزياء والاحياء والكيمياء والهندسة , هذي كلها اشياء محسوسة ومرئية , كون التخاطر غير مرئي او محسوس رح يلغي او يأثر على كثير قوانين فيزيائية
        أنا لا أؤمن صراحة بكل ما البعض يقول
        لكن اعتقد بوجود انتقال الفكر , ولو اخذت البحوث على محمل الجد ,, أو اعطاء فرصة لبعض الابحاث اللي هدفها واضح , فقط
        فرصة , رح يبرز أشياء كتير جدا

        فعلا متحمس بالنقاش معك

  3. أهلا
    بك دكتور وشكرا على ردك

    أنا حاليا اقوم بدراسة فرضية جديدة عن التخاطر قمت بوضعها ,,, تعليقا على ردك ,,
    حقيقة التخاطر اكمل اكثر من 162 ابحاث علمية مختلفة وكمان لا ننسى ان التخاطر لوحظ من 4000 سنة قبل الميلاد
    ,, وطبق المنهج العلمي خطأ اننا نحكم على شيء بكونه حقيقة علميه او لا بمجرد اننا نستفيد منه او لا ,,
    جرب مثلا الاطلاع على تجارب غانزفيلد في جامعة كامبريدج , كانت على بدايات استخدام التخاطر لكن المشروع مهما طال ما تطور حتى الان
    وما في عجب ان العلم هذا غير متقدم بما انه في شك بالنتائج وتحطيم من العلماء وعدم تقبل اجتماعي ,,
    ناهيك عن اختلاف نفس علماء الباراسيكولوجي بطريقة الدراسة الأفضل ,,
    علم الميكانيا والفيزياء والاحياء والكيمياء والهندسة , هذي كلها اشياء محسوسة ومرئية , كون التخاطر غير مرئي او محسوس رح يلغي او يأثر على كثير قوانين فيزيائية
    أنا لا أؤمن صراحة بكل ما البعض يقول
    لكن اعتقد بوجود انتقال الفكر , ولو اخذت البحوث على محمل الجد ,, أو اعطاء فرصة لبعض الابحاث اللي هدفها واضح , فقط
    فرصة , رح يبرز أشياء كتير جدا

    فعلا متحمس بالنقاش معك
    كما ارجو منك التكرم بالاطلاع على الاستبيان الخاص بمشروعي
    goo.gl/3dGJD
    وارجو المساعدة في نشره

  4. شكرا دكتور على الموضوع الأكثر من رائع

    عندي استفسار بسيط .. ويمكن بعيد شوي عن الموضوع !

    شو اسم المقطوعة الموسيقية بآخر الحلقة ؟؟؟

  5. شكرًا جزيلا ، لدي سؤال بشأن قدرة العلماء على معرفة نية الانسان قبل قيامه بالفعل وعلاقتها بحرية الإرادة هل يمكن للإنسان ان يغير هذه النية وهل هي نابعة عن إرادة حرة ام هي نتيجة حتمية لقوانين الفيزياء ، اما سؤالي الثاني : مما تفضلت به ان العلماء يقيسون مقدار التغير في التدفق بالدم في نظام القشرة البصرية بواسطة جهاز (FMRI) عند عرض صور عشوائية على شخص معين فهل يختلف تفاعل دماغ شخص اخر مع نفس هذه الصور اي ان مقدار التغير في تدفق الدم يختلف من شخص لآخر او لا يختلف ، وشكرا على جهودكم

    1. سؤالين ممتازين جدا جدا، ويدلان على تفكير عميق في الموضوع.

      في الإجابة على السؤال الأول ستضطر للدخول في الفلسفة، وهناك آراء كثيرة في الموضوع، لم يحسم الصراع بين حرية الإرادة والحتمية بعد، ولن يحسم في القريب، ولا حتى بهذه التجارب، التجارب تعطي انطباعا عاما في وجهة الحتمية، ولكنها لا تؤكد عليه بعد.

      أما بالنسبة للسؤال الثاني، فالتجارب تمت على أشخاص معينين، وبدراسة خاصة لهم، الموضوع يحتاج لسرد طويل حتى أبين كيف تمت، ولكن من غير أن أخوض في التفاصيل، فهي تختلف من شخص لآخر، وبمعرفة ما بداخل مخ شخص لا يمكن التنبؤ ما بداخل مخ شخص آخر، لاختلاف التراكيب البنيوية للخلايا العصبية وبالتالي لتدفق الدم، بشكل موجز وسريع، لو أن العلماء صنعوا جهازا لمعرفة ما تراه من أحلام، فستحتاج لتدريبه على نفسك حتى تستطيع تسجيل الحلم، ولكن لو أخذت الجهاز وركبته على رأس شخص آخر، فلن يستطيع استخلاص الأحلام من رأسه، ربما ستكون هناك بعض المشتركات، ولكنها لن تكون بنفس الدقة.

      هل سيصل العلم إلى مرحلة يستطيع استخلاص الأفكار بشكل عام، أتوقع ذلك، ولكن بعد فترة زمنية طويلة من الآن.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s