magnifying glass

الدليل بين السرد القصصي والعلم التجريبي


speaker_icon disk
ipod

مقدمة

حينما كنت في المدرسة الإبتدائية، كنت أجرب بعض التجارب، ومن هذه التجارب هي تكوين الصداع في المدرسين من خلال التركيز عليهم بالنظر إليهم من بعيد، فإذا سئمت من حصة كنت أنتقم من المدرس، فأنظر إليه بتركيز شديد، إلى الحد الذي تبدأ هالة زرقاء بالظهور من حول رأسه، فإذا بدأت هذه الهالة بالظهور بدأ هو بالاحساس بالصداع، وحتى أقوي نسبة التركيز كنت أضع قطعة معدنية بين أصابع يدي، وكنت أوجه هذه القطعة المعدنية كالذي يحاول تصويب الهدف باستخدام المهداف (المؤشر) على ظهر المسدس، فتراني أنظر من خلال القطعة المعدنية، وأوجه ليزر التركيز للرأس المدرس، وكان التركيز مؤثرا جدا، وأتذكر جيدا أنني سئمت من إحدى الدروس، فأخرجت القطعة من جيبي، وبدأت بالتركيز على المدرس لفترة من الزمن، وظهرت الهالة تدريجيا، وإذا به بعد فترة وجيزة يضع يده على رأسه، لقد بدأت بودار النجاح في خطتي، وبعدها بقليل، لم يعد يحتمل المدرس شدة التركيز عليه، وإذا به يوقف الحصة، ويستأذن للذهاب للطبيب، حيث أنه لم يعد يتحمل الصداع الذي في رأسه، رائع، لقد أوقفت الحصة بقوة تركزي، جرب ذلك الشيء بنفسك، وسترى أن التجربة تأتي بثمارها.

هذه قصة صحيحة، وأنا قمت بذلك فعلا، والنتائج أتت كما ذكرت، ومن خلال القصة إدعيت أن بإمكانك أن تقوم بخطوات معينة للحصوال على نتائج، هل صحيح أن لو أنك قمت بهذه العملية ستنجح في تكوين الصداع في الآخرين؟ إذا كان لديك الخيال الكافي لأن تصدق أن تجربتي السخيفة هذه هي تجربة علمية، فإنت وقعت في فخ تأثير وسحر القصة.

القصة جاذبة، ولها تأثير كبير على الناس، وحينما يبدأ أحدهم بسرد قصة معينة فإن الأنظار تتوجه له، إجلس في أي مجلس، إبدأ بذكر حادثة سيارة كادت أن تحدث لك، انقلبت سيارة في الشارع أمام عينيك كانت من الممكن أن تكون أنت لولا أنك تأخرت في الخروج من البيت بسبب وضع عامل النظافة برميل القمامة خلف سيارتك، أو اذكر قصة نسيان طبيب لمقص في بطن المريض بعد إجراء العملية لإخراج عملة معدنية، أو حب مع بنت اتضح في الآخر أنها بنتا للقاضي الذي سيبت في قضية الطلاق بينك وبين زوجتك، أو حلم حلمته قبل سفرك في الطائرة عن وقوع الطائرة التي ستسافر بها، فإذا بك تستيقض متأخرا عن موعد الرحلة التي انتهت بسقوط الطائرة التي كنت ستركب عليها، إذا ما سردت مثل تلك القصص ستجد العيون متجهة إليك، والآذن كلها صاغية لك.

لربما ليس هناك أي ضرر من سرد تلك القصص، لكن الضرر يأتني حينما تستشهد بهذه القصص لإثبات فكرة أو  للاستدلال على صحة إدعاء معين أو مبدأ أو قانون، عندها تتحول القصة إلى آلة توظف لخدمة هدف، صحيح أن القصة بإمكانها خدمة الهدف من خلال التأثير على الناس، ولكنها في نفس الوقت ليست دليلا علميا على صحة الفكرة، ولربما تأثر الشخص بالقصة واعتقد بها وأدت به إلى فقدان ماله أو صحته – وفي الحالات القصوى – إلى الموت. بالطبع، فإن من الممكن استخدام القصة كمثال، ولكن من المهم جدا أن نعرف أن القصة وإن صحت لا تعني أنها دليلا على صحة المعلومات التي تطرحها، والبديل المناسب للقصة هو العلم الحديث، هو الذي يثبت أو ينفي صحة إدعاء، وصحيح أن العلم ربما لا يأتي في كل مرة بنتائج مضمومة 100% ولكنها على الأقل أفضل أداة لدى البشرية في تثبيت أو دحض الإدعاءات والفرضيات والنظريات.

في هذه الحلقة سأبين الفرق بين القصة وبين العلم التجريبي، وسأبين أهمية العلم التجريبي في الحصول على النتائج الدقيقة، وبعض الآراء الفلسفية التي تحدد الفرق بين العلم وشبه العلم.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

العلماء حذرون

كنت أستمع لمقابلة على البرنامج الأمريكي العلمي ساينس فرايدي (Science Friday) ذات يوم، عنوان المقابلة هو: “ماذا يختبئ في رأس رشاش الدوش؟” (What’s hiding in your Showerhead؟)، وكانت المقابلة عن الميكروبات التي تأتي من رشاش الدوش (في حمام السباحة)، فكان البروفيسور نورمان بيس (Norman Pace) يتحدث عن التجربة التي بينت لهم أن الماء الذي يخرج من رأس الرشاش يحتوي على الكثير من الميكروبات الضارة جدا، والتي قد تتسبب بأمراض خطيرة (طبعا ليس بالضرورة أن تصاب بهذه الميكروبات، راجع الرابط حتى تعرف عن الموضوع أكثر، ليس هدفي هو شرح هذه الموضوع بالذات)، فسأله مقدم البرنامج السؤال التالي: “أنت تعلم، هناك أنواع كثيرة من رؤوس رشاشات الدوش، هناك المعدنية، هناك البلاستيكية، هل أي منها تقاوم البكتيريا بشكل أفضل؟”

فاجابه البروفيسور بيس بجواب تحتاج أن تنتبه له، وهو يبين الدقة التي يتناول فيها العلماء محاولتهم الإجابة على تساؤل دقيق: “حسنا، ليست لدينا معلومات مؤكدة على ذلك، لدينا معلومات قصصية فقط…” ثم يكمل بعد شرح بسيط عن طريقة المقارنة بين أنواع الرشاشات ليقول، “النتيجة الغير المعتَمِدة على التفكير الدقيق في هذه المرحلة من اللعبة تبين أن استخدام الرشاشات المعدنية قد تكون الشيء الأفضل الذي يمكن القيام به بالمقارنة مع الرشاشات البلاستيكية.”

لابد من ملاحظة دقة اللغة في التعبير عن المعلومة في هذه المقابلة، البروفيسور بيس قام بتجارب معينة في المختبر وعلم من خلالها البكتيريا الموجودة في الرشاش، وكان الهدف من تجاربه هو معرفة ما هو مخبأ فيها من ميكروبات، وأيضا قام بتجارب بسيطة وغير دقيقة على أنواع الرشاشات، ولكن البحث في أنواع الرشاشات لم يكن الهدف، فلم يتجرأ أن يؤكد الفروقات بين أنواع الرشاشات بصورة جازمة، بل قال أن كل ما يستطيع أن يقدمه هو “سردا قصصيا”، أي أنه لديه تجربة معينة بسيطة في الفروقات بين الرشاشات، ولكنها لم تكن كافية لتسمى تجربة علمية دقيقة.

كلمة “الأدلة القصصية” (Anecdotal Evidence) متداولة بين العلماء، فهم يميزون بين أن يقوم الشخص بتجربة علمية دقيقة، وبين أن يقوم الشخص بذكر تجربة شخصية أو غير علمية، الأولى دقيقة وتقام بضوابط وتحاول أن تكشف عن الأسباب، بينما الأخرى غير دقيقة، حينما أتكلم عن الدليل القصصي هنا، فأنا لا أقصد السرد القصصي المتعارف عليه مثل القصص التي ذكرتها في مقدمة البودكاست فقط، بل تشمل تلك التجارب الشخصية أو النقلية التي لا تعتمد على التجارب العلمية الدقيقة. لماذا يا ترى الاهتمام في المعلومة الدقيقة؟ لأن الاعتماد على الأدلة القصصية يؤدي لتلويث  الفكر، وإمراض الناس، وحتى قتلهم، نعم قتلهم.

شخص يتوجه للطبيب حينما يصاب بالزكام فتجده يطلب من الطبيب مضادا حيويا، فيخبره الطبيب أنه لا يحتاج لذلك لأنه مصاب بفيروس وليس ببكتيريا، ولكن المريض يصر، لأن ابن عمه جرب المضاد الحيوي في آخر زيارة للطبيب وشفي تماما، يا سلام! وإذا ما سألت ابن عمه تجد أن ابن خاله جرب نفس التجربة وشفي، جيد، وهل ذلك يكفي لأن يكون دليلا على أن السبب في علاج الزكام هو المضاد الحيوي؟ وهل نرمي رأي الدكتور الذي جاهد لأكثر من سبع سنوات للحصول على شهادته الطبية في القمامة؟ وهل رأي ابن عمه أفضل من رأي الطبيب؟

يأخذ المريض المضاد، ومن المعروف أنه  لابد من إكمال تعاطي المضاد بكامل جراعته حتى لا تتكون مناعة عند البكتيريا، فيبدأ المريض بتعاطي الجرعات اليوم الأول، والثاني، فيشعر بالتحسن، فيعتقد أن المضاد قاوم المرض، بالرغم من أن الجسم هو الذي قاوم الفيروس، فيتوقف عن تعاطي باقي الجرعات، وهكذا يتم تكرار هذه العملية من الشخص عدة مرات، وكذلك من الكثير من الناس، العديد من المرات حتى تتكون مناعة عند البكتيريا بسبب سوء استخدام الأدوية، بذلك تصبح المضادات الحيوية غير فعالة، مثلما بدأت بعض المضادات بفقدان مفعولها فعليا كما تدل عليه الأبحاث العلمية، وهذه مساهمة مباشرة للاستدلال باستخدام السرد القصصي في تقوية الميكروبات، فلتنفعه الآن قصة ابن عمه.

تذكر أن تكرار تداول فكرة معينة مرة تلو الأخرى لا تعني بأي شكل من الأشكال أنها صحيحة، فإذا شفي ابن العم وابن الخال والخال والأب والأم والأخت من المرض بعد تعاطيهم دواءا معينا، فإن تكرار ذكرهم لقصصهم  لك لا يعني شيئا في النطاق العلمي، السرد القصصي قد يكون نقطة بداية للكشف عن صحة الإدعاء، والتجارب هي التي تنفي أو تؤكد صحة القصة.

هناك دراسة غربية تقول أن 56% من الناس لديها الاعتقاد أنه إذا كان هناك شخص في الخلف يحدق النظر إلى رأسك ستحس بأنه ينظر إليك، وهذه فكرة كانت منتشرة بين الناس، ولكن أثبتت التجارب العلمية التي قام بها البروفيسور إدوارد تيشنر (Edward Tichener) على أن مثل هذه الأشياء غير صحيحة، ونشرت له مقالة سنة 1898 في مجلة السانيس (Science Magazine) وبينت عدم صحة هذا الزعم، فلماذا يا ترى يعتقد البعض بهذا الشيء، لأنه بكل بساطة نحن نتذكر تلك اللحظات التي أدرنا فيها وجوهنا للخلف لنكتشف أن شخصا يحدق في رؤسنا، وننسى كل تلك الحالات الأخرى المخالفة لها، وحينما سئل البروفيسور إدوارد تيشنر عن السبب الذي يدعوه للقيام بمثل هذه التجربة، قال أن التجارب “لها مبرراتها في تحطيم الخرافات التي لها جذور منتشرة في الوعي الشعبي”، بالرغم من ذلك فإن مثل هذه الأفكار لم تختفي حتى بعد الدراسة العلمية الدقيقة (المرجع)، وهذه هي قوة تأثير السرد القصصي الغير قائم على العلم.

العلم لا يجامل أحدا، فهو يحاول أن يكتشف طريقة عمل الأشياء كما هي، وليس كما نعتقد، الإنسان حينما يبدأ بالتفكير وبعد ذلك يقوم بطرح فرضية معينة هو يستخدم الخيال، ربما يكون ما يتخيله صحيحا وربما يكون خاطئا، ولكن التجربة المنضبطة الدقيقة تكشف ما إذا كانت تلك الفرضية صحيحة، وإذا كانت صحيحة فبالإمكان الاستفادة منها، وإذا كانت خاطئة إما التعديل على الفرضية أو إلغائها.

التنين في كراجي

كتب كارل سيجن قصة في كتابه “عالم مسكون بالشياطين: العلم كشمعة في الظلام” (Demon-Haunted World: Science as a Candle in the Dark) عن تنين يبث النار في كراجه، ويقول لو أنني أخبرتك الآن أن هناك تنين في كراجي، فلا شك أنك تريد أن ترى ذلك التنين، أليس كذلك؟ فتأتي إلى كراج كارل وتدخل فترى سلما وعلب من الصبغ الفارغة ودراجة على أرض الكراج، ولكن لا تجد التنين، فيقول لك كارل سيجن أنه موجود هنا، ويلوح كارل بيده لمكان التنين، ويقول لك أيضا أنه نسي أن يخبرك أن هذا التنين هو تنين خفي، لا تستطيع أن تراه.

لا بأس، بإمكانك أن تجري بعض التجارب حتى تتحقق من وجود التنين، فتقول لكارل سيجان لننثر القليل من الطحين على الأرض، حتى نرى آثار أقدام التنين، فيقول لك أن هذا التنين في الحقيقة طائر، وهو مرتفع عن سطح الأرض، ولا يمكنه أن يترك أثرا لأقدامه في الطحين.

لا بأس، إذا كان التنين ينفث النار، نستطيع أن نجرب تجربة أخرى، نستطيع أن نأتي بجهاز يقيس حرارة ناره، فيرد كارل سيجن عليك بأن النار هذه باردة ولا يمكن قياسها بأجهزة الحرارة.

لا بأس، لنرش صبغ على التنين حتى نستطيع أن نراه، وفيرد عليك كارل أن التنين معنوي، ولا يمكن لأن يلتصق الصبغ بجسمه.

فتحاول وتحاول أن تبثت وجود هذا التنين بكل ما أوتيت من علم، فتفشل أمام كل تفسيرات كارل ومبرارته. هنا نتساءل، ما الفرق بين تنين خفي معنوي طائر ينفث نارا لا يمكن قياسها مع تنين غير موجود في الأساس؟ إذا لم تكن هناك طريقة لدحض أو تأكيد لوجود التنين بأي تجربة كانت، فماذا يعني أن يقول كارل أن هناك تنين؟ الشيء الوحيد الذي من الممكن أن نتعلمه من إصراره على وجود تنين أنه هناك شيء غريب يدور في عقله. الحقيقة أن المشكلة تكمن في إيجاد تبريرات لأي احتمال للكشف عن حقيقة وجود التنين، وهذا ما يحدث فعليا في الكثير من الحقول الغير علمية، أو الشبه علمية.

وهنا نقطة أساسية لابد من ملاحظتها، وهي الطريقة التي ينظر بها الناس للأدلة القصصية، البعض يسرد القصة معتمدا عليها لتثبيت القصة، وحينما تسأل عن الأدلة يقول لك: “بعض الأشياء لا يمكن تفسيرها، فتلك الأشياء خارقة للعادة” والغريب أن هذا المنطق متناقض، حيث أنه يقول: “هناك أشياء لا يمكن تفسيرها، إذن هذا هو تفسيرها.” في الوقت الذي لا يجد الشخص طريقة لتفسير الخوارق هو في الحقيقة يقوم بتفسيرها.

هنا يطرح كارل سيجن بطريقة غير مباشرة فكرة فلسفية أسس لها الفيلسوف كارل بوبر (Karl Popper)، وهي فلسفة التفنيد أو الدحض (Falsifiability)، وهي تختلف عن فكرة تأكيد النظرية، الفكرة تعتمد على أن أي فرضية أو نظرية تطرح لابد أن تكون لها طريقة لتفنيدها من خلال التجربة أو الملاحظة، فمثلا تخيل أنني أقول لك أن “كل البجع أبيض اللون”، هذه هي نظريتي أو فرضيتي، وحينما نقوم بإحصاء البجع، نجد أنه بالفعل لا توجد بجعة سوداء واحدة، في هذه الحالة فإن الطريقة التي يمكن أن تدحض فيها نظريتي هي أنك تجد بجعة واحدة فقط لونها أسود، عندها تفند النظرية، وهذه الطريقة غير موجودة في قضية التنين، فمهما حاولت ليست هناك أي طريقة لتفنيد النظرية، فما الفرق بين أني أقول أن هناك تنين أو فيل خفي أو إنسان خفي أو سيارة خفية أو أي شيء في محل التنين؟ لا فرق. والطريقة الوحيدة التي يمكن لأي شخص أن يصدق بوجود التنين هو بالاعتماد والتصديق لما قاله كارل سيجان، وهو أنه يعتقد بوجود ذلك التنين، ولا توجد أي طريقة أخرى، وهنا يمكننا أن نطرح التساؤل التالي: إذا لم توجد أي طريقة لاختبار وجود التنين كيف اقتنع كارل بوجوده في الأساس؟

لأوضح الفكرة بشكل أفضل من خلال فلسفة كارل بوبر، حيث كتب مقالة رائعة جدا في سنة 1962، وهي ربما تكون من أهم المقالات التي جعلت هناك خطاً فاصلا بين العلم التجريبي وبين وشبه العلم أو الفلسفة، كنت أود لو أنني ترجمت المقالة لاستحقاقها لذلك، ولكني سأمر على النقاط الأساسية التي فيها من خلال شبه الترجمة.

كان يحاول كارل بوبر أن يكتشف الفرق بين العلم التجريبي وشبه العلم، فالعلم يخطئ أحيانا وشبه العلم قد يكون صحيحا أحيانا، قد نعتقد أن العلم التجريبي يأتي من خلال الفرضية والتجربة أو من خلال الملاحظة فقط، المشكلة في ذلك أن هذه  التجربة والملاحظة قد لا يضعان حدا فاصلا بين العلم التجريبي وشبه العلم، خذ على سبيل المثال التنجيم أو الأبراج، الأبراج تعتمد على تجارب عديدة وتعتمد أيضا على الملاحظة، ولكن هل تعتبر الأبراج علما تجريبيا؟ من الممكن أن نسأل نفس هذا السؤال من نظرية كارل ماركس أو حتى نظريات فرويد، ما الذي يفرقها عن النظرية النسبية العامة لآينشتاين؟ لماذا نحس أن هناك فرقا واضحا بين تلك النظريات الاجتماعية والنفسية وبين نظرية أينشتاين، على الأقل ربما تحس أنت بذلك على المستوى الوجداني، أنت تحس أن هناك فرقا بين نظريات فرويد ونظريات آينشتين، وربما تقول أنه يمكن إقامة التجربة على نظرية آينشتاين  لإثباتها، أليس كذلك؟ صحيح، ولكن كذلك نظريات فرويد يمكن التحقق من صحتها (Verfication) أيضا، هنا يختلف كارل بوبر في رأيه معك، الموضوع أبعد من أثبات النظرية من خلال التجربة، بل هناك بعدا آخرا مهما يفسر الفرق بشكل واضح.

بدأ كارل بوبر بالشك بادعاءات كل من المدرسة الماركسية والمدرسة الفرويدية على أنهما ينتميان للعلوم التجريبية، حيث أنه لاحظ أن كل تلك النظريات في ما عدا النظرية النسبية الخاصة كلها كانت أقرب للأساطير منها للعلم التجريبي، وهي أقرب لمبادئ للتنجيم أو الأبراج منها لمبادئ الفلك. المشكلة في تلك النظريات هي قدرتها المبهرة على تفسير الأشياء لصالحها، أي أن لديها القدرة على تفسير أي ظاهرة في مجال اختصاصها، فتخيل لو أنك كنت تتبنى نظرية كارل ماركس وكنت تقرأ الجريدة الآن لفسرت جميع الأمور من خلال النظرية بلا أدنى تردد، ولو أنك كنت تتبنى نظريات فرويد والذي قال: “إني وجدت في نفسي حبا دائما لأمي وغيرة من أبي، وإني أجد تلك ظاهرة عالمية في الطفولة”، لقلت أن كل حالة نفسية هي نابعة من حب الإنسان لأمه وغيرته من أبيه، حدد المدرسة التي تنتمي لها وسترى نفسك تفسر الأمور بعيون تلك المدرسة، كل شيء بالنسبة لك يبدو وكأن له تفسيرا منطقيا وواضحا.

لأضرب مثالا آخرا، لنفترض أنني أقول لك أن أي عمل  – بلا استثناء – يقوم به أي شخص إنما هو نابع من حب الذات، فليس هناك أي عمل يمكنك القيام به لا تنطبق عليه هذه النظرية، فترد علي لتدحض الفكرة: “أنا أقدم الصدقة، فلو أن الصدقة نابعة من حبي لنفسي لفضلت أن أحتفظ بالمال لنفسي” فأرد عليك بالقول أن بسبب حبك لنفسك فإن الصدقة هذه كانت لأنك تريد الحصول على الحسنات، ولذلك أنت تصدقت، فتقول لي: “لو قلت لك أنني أتصدق من غير أي مقابل، فلا أريد أن أجازى، إنما هي لوجه الله،” فسأرد عليك بأنه حتى لو دفعت الصدقة من هذا الباب إنما هي تشعرك بالسعادة والطمأنينة لأنك ترضي الله، وهكذا حتى لو ذكرت لي الأم التي تضحي وتقوم في منتصف الليل لإرضاع طفلها بالرغم من أن ذلك يضنيها ويتعبها نفسيا، فأقول لك أن قيامها مدفوع بحاجتها للتخلص من الحليب الذي يملأ ثديها، أو أنها تقوم حتى توقف الشعور بالذنب أن طفلا رضيعا بحاجة ماسة للرضاعة ولم ترضعه، أو تقوم لأنها تحب طفلها، وذلك يشعرها بالسعادة.

إذن، أنا أنتمي إلى مدرسة حب الذاب، وأرى كل شيء بعيون هذه المدرسة، ليست هناك أي طريقة يمكن فيها دحض نظرية حب الذات، بل بالعكس كل تجربة تحقق (Verify) وتؤكد على صحة النظرية هذه، ولا يمكن تفنيدها بأي وسيلة، وأضف لذلك أن أي شخص يعترض على هذه النظرية إنما هو شخص لا يريد أن يعرف الحقيقة، والسبب الوحيد لأي شخص أن يعترض على هذه النظرية إنما اعتراضه نابع من عدم إنتمائه لهذه المدرسة، أو أن الاعتراض يحتاج للتحليل لاكتشاف الخلل فيه، وليس في النظرية.

يذكر كارل بوبر نقاشا دار بينه وبين الدكتور في العلاج النفسي آلفريد آدلر (Alfred Adler)، آدلر أنشأ مبدأ سيكولوجية الفرد (Individual Pscychology)، أتى بوبر إلى آدلر وشرح له حالة لطفل لم تبدو لبوبر على أنها تتماشى مع المبادئ التي أسس لها آدلر، فقام آدلر بتفسير حالة الطفل من خلال نظرية عقدة النقص، وتخيل أن آدلر قضى وقته في تفسير الحالة السيكلوجية للطفل من غير أن يراه، فصُدم بوبر لذلك، وسأله كيف يمكن له أن يثق بما قاله، فرد عليه آدلر: “بسبب تجربتي المضاعفة بقدر ألف مرة”، فرد عليه كارل بوبر: “وأعتقد أن مع هذه الحالة الجديدة تجربتك تضاعفت ألف وواحد مرة.” رد جميل ومنطقي من بوبر.

ومن هذه الإنطلاقة، وبما أن كل شيء يصب في صالح النظريات، وكل شيء يؤكد على صحة كل من تلك النظريات، والتي ربما يعتبرها البعض مصدر قوة لها، اتضح لكارل بوبر أن مصدر القوة ليس إلا ضعفا فيها، وبدا له أن نظرية آينشتين تختلف عن باقي النظريات، ولكن ما هو هذا الاختلاف؟ قبل فترة وجيزة (بالنسبة للفترة التي عاش فيها كارل بوبر) قام السير آرثر أدينجتون بتأكيد صحة نظرية النسبية العامة لآينشتين، نظرية آينشتين تنبأت بشيء وفعلا ثبت للسير آرثر أدينجتون صحة التنبؤ، كانت هناك درجة عالية من الخطورة في هذا النوع من التنبؤ، لو أن الملاحظة لم تتطابق مع التنبؤ فكان بالإمكان القول أن النظرية غير متوافقة مع بعض نتائج الملاحظة المحددة،  كان بالإمكان رفض النظرية، وهذا يختلف تماما من النظريات الأخرى، تلك النظريات متوافقة مع أغلب السلوكيات البشرية حتى المتباينة منها، ولم يكن بالإمكان وصف أي سلوك إنساني لا يحقق النظرية.

وهكذا توصل كارل لعدة نتائج لتفريق العلم التجريبي من شبه العلم، وهو أنه بدلا من البحث عن شيء يؤكد النظرية لابد أن تكون النظرية قابلة للدحض، أي لو أن النظرية تنبأت بشيء معين دقيق وخالفت التجربة هذا التنبؤ، يمكن عندها إلغاء النظرية، فمثلا التنجيم أو علم الأبراج، لم يجتز اختبار التكذيب أو الدحض، المنجمين أعجبوا كثيرا بالأدلة التأكيدية التي تبين قدرة الأبراج على التنبؤ، ولكن هذا الاعتقاد مضلل، أضف لذلك أن التنبؤات التي يتنبأ بها المنجمون دائما ما تكون غامضة ومبهمة لدرجة أنه بإمكانهم تفسير أي شيء مخالف لنظرياتهم لصالحهم، فقد جعلوا لأنفسم متسعا للتفسير، وحتى يهربوا من دحض النظرية دمروا أي طريقة لاختبارها.

وهنا أيضا شمل كارل بوبر النظرية الماركسية ، حيث كان بالإمكان اختبار النظرية، ولكن يبدو أن بعد أن فشلت النظرية بتفسير بعض الأشياء، أصر معتنقيها على تغيير تفسير النظرية والأدلة حتى يتوافق كل منهما، فأنقذوا النظرية من النقض، وبذلك تبنوا آلة لا يمكن نقضها، وبهذه الحيلة دمروا الدعاية التي تقول أن النظرية الماركسية هي علم، أما بالنسبة لفرويد وآدلر، فلم تكن هناك طريقة لاختبارهما ومن ثم إيجاد طريقة لتكذيبهما، وكل الملاحظات كانت تؤكد صحة النظريات تلك كما في التنجيم.

بالطبع أن تلك النظريات كانت فيها أفكار جيدة، وصحيح أنها كانت غير قابلة للاختبار، ولكن كانت إنطلاقة لأفكار أخرى مفيدة. علم النفس اليوم يعتبر في الكثير من جوانبه علما تجريبيا، فهو يقوم بدراسات ميدانية، ويقوم بعمليات إحصائية دقيقة، ولذلك هو يختلف عن المدرسة الفرويدية (إن صح التعبير).

كارل بوبر لا يدعو الناس للتخلي عن كل ما لا يمكن دحضه، إنما كان يريد أن يجعل خطا فاصلا بين العلم التجريبي (Science) وأشباه العلوم (Pseudo-science)، حتى أن الفلسفة التي استخدم أدواتها المنهجية لا تدخل في حقل العلم التجريبي، إذن حتى الفلسفة لم تدخل إلى الخط الفاصل بين العلم وشبه العلم.

الإنحياز التأكيدي

واحدة من الأمور التي تدفعنا لتقبل السرد القصصي على أنها دليل هو ما يسمى بالانحياز التأكيدي (Confirmation Bias)، ماذا تعني هذه الكلمة؟ حينما تعتقد بفكرة معينة فستعمل على التركيز على ما يؤكد لك هذا المعتقد، أي أنك ستنحاز لأي قصة تدعم ما تعتقده، وإذا ما كانت هذه القصة غير واضحة وقابلة لعدة تفاسير، ستجد نفسك تفسرها بطريقة تؤكد ما تعتقده، تاركا الاحتمالات المختلفة ومركزا على احتمال واحد، وستجد نفسك تسأل الأسئلة التي توصل لإجابة مؤكدة لفرضيتك، وحتى حينما تريد أن تتذكر شيء، فستقوم بانتقاء الذكريات التي تدعم فكرتك، لاحظ حينما تناقش أحدا في المرة القادمة، وركز على طريقة استرجاعك للمعلومات، ستجد أن كل فكرة تنتقيها من الذاكرة ستكون داعمة لرأيك، وستترك كل ما يناقضها.

قدرة العلم على التنبؤ

قام الساحر جميس راندي في تجربة ليدحض بها الأبراج، توجه لصف من الطلاب، وقدم لكل طالب ورقة وعليها اسمه، وكتب بداخل كل ورقة وصف للشخص بناءا على برجه، وقيل للطلاب أن الذي كتب تلك الصفات هو شخص متخصص في التنجيم بناءا على المعلومات التي قدمها الطلاب عن موعد ومكان ولادة كل منهم، بعد أن انتهى كل طالب من قراءة محتوى الورقة طلب منهم جيمس راندي بتقييم مستوى التنبؤ، هل أنه يصفهم بطريقة دقيقة أو غير دقيقة، وطلب منهم أن يقدروا ذلك برقم بين 1 و 5، بحيث يكون الرقم 5 دليلا على أعلى دقة للوصف، والرقم 1 هو الأقل دقة، وحينما سألهم أن يرفعوا أيديهم للرقم 1، لم يرفع أحدا يده، ثم 2، ثم 3، إلى أن وصل إلى 4، فرفع عدد من الطلاب أيديهم، وكذلك بالنسبة للرقم 5 رفع الباقي أيديهم، إذن، الطلاب يعتقدون أن التنجيم المكتوب يصفهم بشكل دقيق جدا.

هنا كشف جيمس الخدعة، فطلب من الطلاب تبادل الأوراق، بحيث تقوم الصفوف الأمامية بنقل الأوراق للصفوف الخلفية، والصف الذي في المؤخرة يقدم أوراقه للصف الذي في المقدمة، ماذا تتوقع أن يكون الشيء الذي اكتشفه الطلاب؟ صدم الطلاب عندما قرأوا الأوراق، حيث أن الأوراق كلها كانت نسخة واحدة من نفس الصفات. علام يدل ذلك؟ ألا يدل على أنه يمكن خداعنا بكل سهولة؟ بالطبع.

لا نقف عند حد التجربة، فصحيح أن التجربة تفند أو تؤكد على صحة الفرضية، ولكن العلم يذهب لأكثر من ذلك، العلم لديه قدرة على التنبؤ، بينما التنجيم بالرغم من بقائه معنا لأكثر من 2000 سنة إلا أنه لم يقدم للبشرية شيء، لابد من ذكر ملاحظة هامة، وهي أن المقصود بالتنبؤ ليس العامود القصير في نهاية الجريدة الذي يخبرك بأنك ستواجه مصاعب اليوم فلا تطع شريكك لأن طلباته ستزيد من سوء حظك، ولا تسرف بالمال، وأن الرقم 11 هو حليفك لهذا اليوم، أقصد أنه حينما يكتشف العلم السبب لمرض معين هو البكتيريا فبالإمكان أن يخترع مضادا حيويا لعلاج ذلك المرض، أو أنه إذا قال أن بحسب هذا القانون الرياضي يمكن أن تجعل جناح الطائرة بطريقة لتكوّن الرفع يمكنك صنع طائرات تحلق في السماء، وإذا ما تنبأ أنه يمكن تحويل المادة إلى طاقة استطاع أن يصنع القنبلة الذرية، وإذا ما تنبأ أن الكواكب تدور بحسب تلك القوانين استطاع أن يعرف مواقيت  الكسوفات المختلفة، إلى آلاف السنين وبدقة متناهية.

والقدرة هذه للعلم تترجم مباشرة إلى منشآت جبارة في كل مجالات الحياة، منها لصناعة السيارات والطائرات وللأدوية وللطب وللكمبيوتر وللفضاء وللسفن، وللبناء، وللمصدمات، وللروبوتات، وللمخ، للنفس، للاجتماع، وحدث ولا حرج، كل ذلك يخدم البشرية مباشرة بطريقة معنوية ومادية، في المقابل، حاول أن تذكر مؤسسة قائمة نشأت على دعائم التنجيم، أين المختبرات، وأين نتاج التنبؤات، لا تجد لها نتيجة بعد كل هذه السنوات، نعم تجد لهذه المؤسسة وجود يخدم وجودها، ويصب فيها هي، وهذا هو الفرق بين العلوم وأشباه العلوم.

بالطبع هذا الكلام لا ينطبع على التنجيم فقط، هناك مجالات كثيرة، وتستطيع أن تعرف من خلال الإنترنت إذا ما بحثت عن كلمة Pseudoscience.

التهويل في  فشل العلم

الكثير يستخدم مصطلحات قوية جدا في تضعيف العلم، فحينما يُكتشف قانون جديد يصحح القانون القديم، البعض يستخدم ذلك شماعة لكي يقول أن العلم متغير وغير ثابت، والمثال الذي تطن له الأذن من كثرة سماعه هو قانون ينوتن للحركة في مقابلة قانون آينشتين للنسبية، فيقول لك أحدهم مثلا أن قوانين نيوتن انهارت بعد أن ظهرت قوانين آينشتين، بالضبط كيف انهارت قوانين نيوتن؟ ما هو الذي انهار في الحقيقة؟

السيارة تعمل بقوانين نيوتن، الطائرات بقوانين نيوتن، المراكب الفضائية تعمل بقوانين نيوتن، تخيل معي ماذا تعني أن تنهار هذه القوانين، إنهيارها بعد ظهور قوانين آينشتين تعني أنه فجأة تنقلب السيارة وتقع الطائرة وتنقذف المركبة في الفضاء بلا رجعة، كل ذلك لم يحدث، مع أنها تعمل بقوانين نيوتن، غريب، المفروض أن تنهار، المفروض أن تلغى القوانين هذه من الكتب المدرسية، فما الداعي لتعليم الطلاب هذه القوانين بعد أن أتت قوانين أعلنت بتحدي الميكانيا النيوتونية؟ الجواب بسيط، قوانين نيوتن لا زالت تعمل في نطاقها الطبيعي، نعم، قوانين آينشتين أدق وأصح، ولكن حتى تبدأ الفروقات في قوانين نيوتن وآينشتاين بالظهور لابد من التحرك بسرعات عالية، ولابد أن تكون الجاذبية كبيرة جدا، هنا تبدأ الفوارق، وفي استخداماتنا اليومية لا تظهر عيوب قوانين نيوتن، ولذلك هي لم تلغى، ولذلك هي لم تنهار، ولذلك لن يتوقف العلماء من استخدامها ولا من تدريسها في المدارس.

والمقارنة هنا لا تتوقف، قوانين آينشتين لا تعمل في العالم الصغير، بل هناك تبدأ قوانين المكانيكا الكمية، فهل تنهار قوانين آينشتان أيضا، لماذا لا نلغيها هي أيضا؟ لأنها كما في قوانين نيوتن لا تزال تفسر الأمور في نطاقها، نعم الكثير كان يعتقد أن قوانين نيوتن هي الوصف الكامل لطريقة عمل الكون، ولكن اليوم نحن نعرف أنها تعمل في نطاق محدود، ونظرية آينشتاين أشمل وأعم، ولكن هدم النظرية السابقة بالكامل هذا ما لم يحدث.

صحيح أن الكثير من الناس والفلاسفة والعلماء أيضا يستخدمون نفس هذه اللغة لوصف قوة قوانين آينشتين في مقابل قوانين نيوتن وقوة الميكانيكا الكمية في مقابل قوانين آينشتاين، التعابير المستخدمة بلاغية، ولكنها لم تكن من باب التقليل من شأن تلك القوانين، وعلى الأقل ليس من باب القول أن هناك ما هو أفضل منها، البعض الآخر يستخدم هذه اللغة للتعبير عن ضعف العلم، اعتقادا منه أن العلم فعلا ضعيف، وعلى تقلب من حال إلى حال، وعلى عدم ثبات، في مقابل ماذا بالضبط؟ ولنقل أنه فعلا حدث وأن أخطأ العلم في نقطة معينة، لنكن صادقين، هذا هو العلم، يقبل الخطأ ويصحح من المسار، فصحيح أن العلم يخطئ ويتأقلم، ولكنه يصبح أكثر دقة، وأكثر قدرة على التنبؤ بالأشياء، أنظر حولك لترى النتائج، قارن ذلك مع العلوم الأخرى، هل ترى نفس التواضع  في قبول الأخطاء، ونفس القوة في تفسير الأشياء؟

كشف سر الحبل السحري الهندي

الكل يعرف القصة الشهيرة التي ربما بدأت من ابن بطوطة عن الساحر الهندي أو الصيني الذي يرمي بحبل طويل في الهواء، فيتعلق بلا سقف في الهواء، ثم يأمر طفلا للصعود على ذلك الحبل. أنت تعرف القصة ربما إلى هنا، ولكن ربما لم تكمل القصة بالكامل، بعد أن يصعد الطفل إلى أعلى الحبل يختفي عن الأنظار، وحينما يدعوه الساحر للنزول، لا يستجيب الطفل، فيأخذ الساحر سكينا ويعض عليه بأسنانه ويصعد على الحبل، فيغيب هو أيضا في السماء، بعد ذلك تقع أجزاء جسم الطفل المقطعة على الأرض، بداية بيده ثم برجله، وهكذا إلى رأسه، لقد قطع الساحر الطفل إلى قطع بعد أن عصاه.

بعد ذلك ينزل المشعوذ من الحبل وهو يلهث وثيابه ملطخة بالدماء، وبعد أن قبل الأرض وقبل يد الأمير، وأمر الأمير بشيء من المال له، جمع الساحر أجزاء الصبي، وركبها على بعضها، ثم ركل الجثة، وإذا بها تقوم من مكانها.

الكثير من الناس تؤمن بأن مثل هذا الشيء حدث، وخصوصا في الهند.

إذا ما ذهبت إلى اليوتيوب اليوم لتبحث عن ساحر يقوم بهذا السحر لوجدت هناك من يقوم برفع الحبل، فيتصلب، فيصعد عليه طفل، ثم ينزل مرة أخرى، أي أن الاختفاء لا يتحدث أبدا، ولا التقطيع، ولا التركيب، هذا السحر بالتفصيل الذي ذكره ابن بطوطة لم يتم عمله إلى يومنا هذا على حد علم الكثيرين، ومع ذلك تجد أن قصصيا هذا السحر منتشر في بعض أنحاء الهند.

الفيسلسوف دانيال دينيت (Daniel Dennett) تحدث في إحدى المحاضرات – التي تحدث فيها عن الوعي –  عن هذا السحر، وكشف الطريقة التي تجعلك قادرا على القيام بسحر الحبل الهندي، هذه هي الطريقة:

1. أجمع جمهور، وادعي أنك ستقوم بسحر الحبل الهندي.

2. خدرهم أو نومهم تنويما مغناطيسيا.

3. أوحي لهم أنهم رأوا سحر الحبل الهندي مع ذكر التفاصيل المعروفة، ثم دعهم ليفيقوا.

ربما لن تعجبك هذه الطريقة، فهذا ليس سحرا، هذا خداع، فيقترح طريقة أخرى:

1. ادعي أنك ستقوم بسحر الحبل الهندي.

2. إرشي بعض الصحافيين حتى يقوموا بنشر الخبر بقيامك بالسحر في جريدة اليوم التالي.

ربما لم تعجبك هذه الطريقة أيضا، وهذه أخر طريقة:

1. ادعي أنك ستقوم بسحر الحبل الهندي.

2. استأجر متخصصين في الخدع السينمائية، ليصنعوا لك لقطة تبدو وكأنها حقيقية لدرجة أنها تخدع المتخصصين في السي إن إن.

3. أرسلها للسي إن إن أثناء البحث المباشر مدعيا أنك حاليا تقوم بالسحر على الهواء مباشرة.

كل هذه الطرق لن تعجبك، لماذا؟ ربما لأنها خداع، عم تبحث؟ هل تبحث عن السحر الحقيقي؟ لماذا إذن حينما تذهب لساحر لتشاهده يقوم بسحره على المسرح لا تتضايق؟ لأنك لا تتوقع أن يكون ما يقوم به هو سحرا حقيقيا، أنت تعلم أن المسرح تم تجهيزه بالكامل بكل ما يمكن أن يصور للناس أن ما يقوم به الساحر هو خارق للطبيعة، إذن، لماذا تتضايق حينما تعرف طريقة دانيال دينيت في كشف السحر؟ هل تتمنى أن يكون سحر الحبل الهندي فعلا خارق للطبيعة؟ العلم لا يعمل بهذه الطريقة، العلم يفترض فرضيات واقعية، وإذا ما اكتشف أن تلك التجربة تأتي بخلاف الفرضية سيقوم بفرض أخرى، وبتجربة أخرى، حتى لا يدع مجالا للشك في النتيجة النهائية.

إن أردت أن تؤمن أن قصة الحبل السحري صحيحة، أو أن تنين كارل سيجن موجود، فلا بأس وهذا الشأنك حتى في غياب الأدلة، وربما تقول أنه ربما العلم سيكتشف شيئا يثبت صحة ما أؤمن به في المستقبل، ربما، ولو أن هذه تعتبر مغالطة تسمى بمغالطة “الجدل من الجهل” (Ad Ignorantium)، وهو القول بأنني أعتقد بأن هذا الشيء صحيح لأنه لا يوجد دليل على عدم صحته، غياب الدليل ليس بدليل على صحة الشيء، ولكن مع ذلك، تستطيع الإصرار على إيمانك بهذه الأمور، والعلم سيقول لك: “سأحاول أن أصبر إلى أن يأتي الدليل،” ولكن في المقابل لا تفرض إعتقادك على الآخرين في ظل غياب الأدلة، كن معقولا في التعامل، كن حذرا، وإلا إن كشف العلم السر، فستكون أنت الخاسر.

الخلاصة

القصة بلا شك ترتبط بطريقة التواصل بين البشر لنقل المعلومات، وهي تستخدم – كما استخدمتها أنا في هذه الحلقة – لإعطاء بعض الأمثلة، ولكن لا يمكن الاعتماد على القصة لتكون هي الدليل الكامل على فرضية أو نظرية، حينما نتحدث مع بعضنا البعض ونسرد القصص لا نتوقع أن يثبت القصاص تفاصيل القصة أو حتى المعاني التي يريد إيصالها، ولكن إذا استغل الشخص القصة لكي يثبت قضية معينة عندها الأمور تختلف والبرهان مطلوب، القصة قد تكون بداية لشرح الفكرة، وبعدها لابد للعلم أن يتدخل في إثبات أو نفي الفكرة أو الفرضية، لابد أن يكون هناك تحقيق دقيق وصارم لقطع الطريق أمام أي شبهات، ربما لن يكون للعلم الكلمة الأخيرة، ولكن ليس هناك ما يضاهي العلم في قدرته على الكشف عن الحقائق.

لماذا العلم؟ لأن العلم يتحدى الحكمة السائدة، لا يدع مجالا للسرد القصصي أن يمر مرور الكرام، نعم العلم يستخدم الخيال، ولكنه يقوم بنقد هذا الخيال، العلم منضبط، ويحتوي على آلية لتصحيح الخطأ، نعم العلم يبدأ بفكرة، ثم بفرضية، ثم بنظرية واختبار، وقد يفشل الاختبار، وذلك يدعو العلماء لتعديل الفرضية أو النظرية ثم إعادة الاختبار مرة أخرى وهكذا، لماذا؟ لأن العلم يحاول أن يفسر كيف يعمل العالم، وليس كما نشتهي أن يكون العالم، الكون لا يتفاوض، لا يقوم على مبادئ  نتمنى أن تكون، بل هو قائم على مبادئ دقيقة، إما أن نكتشفها كما هي أو أننا نغوص في بحر من الأوهام، إما أن نقوم بالتجارب للكشف عن حقيقة الأشياء ومن ثم تفسيرها ونعيد النظر فيها مرة تلو الأخرى، أو أننا نبدأ بنخلط الحقائق مع التمنيات، عند ذلك الخلط لن يستجيب الكون.

16 فكرة على ”الدليل بين السرد القصصي والعلم التجريبي

  1. أنت رائع ، وكفى
    انتظر حلقاتك واحدة بعد الأخرى ، واتمنى أن تستمر للأبد
    لك خالص الشكر والعرفان والتقدير
    يا دكتورنا النبيل

  2. حلقة رائعة جدا جدا .. اتمنى ان المضمون يكون وصل للمستمع وان يكون ذلك بداية تغيير في تعاطيه مع العديد من المسائل الفكرية … دمت بخير استاذنا

  3. أكثر من رائع,دمجت أسلوب كارل سيجان بأسلوب بوبر بشكل أنيق لتوصيل الفكرة,لكن انتبه للأخطاء الاملائية,,جهدك مشكور..

  4. استمتع واستفيد من محاضر آتك دمت موفقا ومعطاءاً وزكاة العلم تعليمه
    والحقيقة أوقفني كلمة أشباه العلم حيث نقل عن مولانا امير المؤمنين علي علي السلام قوله في بعض خطبه الآتي
    وآخر قد تسمّى عالما وليس به ، فاقتبس جهائل من جهّال ، وأضاليل من ضُلاّل ونصب للناس أشراكا من حبال غرور وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، وعطف الحق على أهوائه ، يؤمن من العظائم ، ويهوّن كبير الجرائم ، يقول : أقف عند الشبهات وفيها وقع ، ويقول : أعتزل البدع وبينها اضطجع ، فالصورة صورة إنسان ، والقلب قلب حيوان ?، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه ، ولا باب العمى فيصدّ عنه ، فذلك ميّت الأحياء ، فأين تذهبون ؟.. وأنى تؤفكون ؟.. والأعلام قائمة ، والآيات واضحة ، والمنار منصوبة .. إلى آخر الخطبة . ص57

      1. اقتباس.. إذن، أنا أنتمي إلى مدرسة حب الذات، وأرى كل شيء بعيون هذه المدرسة، ليست هناك أي طريقة يمكن فيها دحض نظرية حب الذات، ؟؟
        استاذنا الفاضل هل هو سياق واستكمال للفكرة ام هو ايضاً تبني لها.. فهو اتجاه فلسفي ويوجد طريقة للرد عليه اذا اردة ويتسع صدرك لذلك وهذا مااظنه بكل تأكيد

  5. اقتباس من كلامك .اخي الكريم….(إذن، أنا أنتمي إلى مدرسة حب الذاب، وأرى كل شيء بعيون هذه المدرسة، ليست هناك أي طريقة يمكن فيها دحض نظرية حب الذات
    هل انت متأكد من هذا الكلام !!
    اهو مثال للشرح

  6. اقصد يا استاذي العزيز هل هو ماذكرته آنفاً تعتقد به حتى يتم التعقيب . وأتمنا عدم ازعاجكم بالسؤال واستمر الى الامام

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s