seqD_063a_half

المادة الداكنة والطاقة الداكنة في الكون 1


المادة الداكنة والطاقة الداكنة 1

speaker_icon disk
ipod

قصة

انتهى فارس من تقديم محاضرته عن اتساع الكون، أمام علماء من كواكب متفرقة في الكون في بث مباشر عبر الفضاء، وبعد تداول سريع من العلماء على الموضوع أتت نتائج تقييم المحاضرة على أنها خيال بالعربية، Imagination بالإنجليزية، 想像力 بالصينية، بجميع اللغات الكونية الأخرى. اتفق الجميع على أن الكون لا يتمدد، بل أن الكون مكون من نجوم وما بعد النجوم هو فضاء كبير مظلم فارغ من المادة. تفرق العلماء بعد التقييم وبقي فارس مع نوح في خطاب شخصي.

فارس: “يبدو أن العلماء غير متفقين معي على أن الكون بدأ من نقطة صغيرة، وهو يتسع ويكبر مع مرور الوقت، يبدو أن البحث العلمي لم يكن مقنعا.”

نوح: “يا فارس ما قدمته من معلومات في رأيي هي المعلومات الأكثر صحة بحساباتي الإحصائية والتاريخية، وبالرغم من محاولتك لإثبات هذه الفكرة للعالم لأكثر من ألف عام إلا أنهم لم يقتنعوا بها. لقد حان وقت التجربة، وفي رأيي أن التجربة ستثب بالدليل القاطع ما تدعو إليه.”

فارس: “يا نوح، لم يعمر أحدا مثلما عمرت، أنت موجود الآن لأكثر من ترليون سنة، ألم تكتشف من خلال بحثك أن ما أدعو إليه هو صحيح بلا أدنى شك؟ لماذا الاحتمالات، من المفروض أليس من المفروض أن تكون تريلون سنة كافية؟”

نوح هو كمبيوتر صنع قبل تليون سنة، لا أحد يعرف من صنعه، ولا أحد يعرف كيف تطور خلال تلك الفترة، ولكنه الكمبيوتر الذي يغذي الكون كله، على الأقل الكون الذي اعتاد أن يراه الناس من نجوم وفضاء مظلم.

نوح: “لقد جمعت معلومات على مر الأزمان، وعلى مدى التريليون سنة السابقة وجدت أن أصول الإنسان ترجع إلى كوكب يسمى بكوكب الأرض في هذه النقطة من النجوم.” شغل نوح شاشة ثلاثية الأبعاد أمام فارس، فكانت الصورة مليئة بالنجوم وهي تدور حول مركز نجمي، ضخّم نوح الصورة ليصل إلى المجموعة الشمسية، فأراه مكان الشمس ومكان كوكب الأرض، كانت تلك هي الأرض قبل أن يتم تدميرها بالشمس – التي تحولت إلى نجم قزمي، وأكمل نوح: “في ذلك المكان كانت هذه النجمة القزمية تسمى بالشمس، وكانت هناك عدة كواكب تدور حولها، ولكن بعد 8 مليارات سنة كبرت هذه الشمس لتبلع ذلك الكوكب، أما البشر فقد انتقلوا قبل ذلك ليستعمروا الكون كله، المشكلة في ذلك كله أن عمري لا يتجاوز الترليون سنة، أما بحسب إحصاءاتي فإن تلك الأرض تعود لأكثر من تريلوني سنة في الماضي، لذا فتنقصني معلومات ترليون سنة، وفي تلك الفترة يختلف الكون عن شكله الحالي تماما.”

فارس: “هذه القصص معروفة شعبيا، لكن ليس هنا دليل واضح غير قصصي يمكن الاستناد عليه للتأكيد على هذه القصة، وربما كانت هذه هي مشكلتي في طرح البحث في المجمع العلمي.”

نوح: “صحيح، ولكن ما أريد الوصول إليه هو أن القصص تدعي أن هذه النجوم الكثيفة التي نراها حاليا في السماء كانت منفصلة عن بعضها في مجموعة من المجرات، وتدريجيا امتزجت تلك المجرات القديمة لتكون هذا الكون الذي نعيشه الآن. ومن خلال التقصي والبحث بين هذه القصص، يبدو لي أن الكون كان في بدايته يتكون من المليارات مما يسمى بالمجرات كل منها كان مثل هذه المجموعة الهائلة من النجوم، وكانت على شكل جزر في الفضاء، ومع اتساع الكون بدأت المجرات بالتباعد عن بعضها، وتفرقت، ولم تعد ترى الآن.”

فارس: ” هذا بالضبط ما توصلت لها من خلال أبحاثي، ولكن لا توجد دلائل على ذلك سوى الفولكلور الشعبي.”

نوح: “نعم، ولذلك سأقوم بتجربة علمية تثبت أو تدحض صحة إدعاءاتك، ومن خلال هذه التجربة سنكتشف من أين أتينا وإلى أي نحن نتجه.”

فارس: “ماذا تقصد بالضبط يا نوح؟”

نوح: “إركب المركبة، وستعرف.”

جلس فارس على كرسي المركبة، وضغط الزر بيده، فتكون مجالا مغناطيسيا شفافا حوله، وأمسك بأيده الأربعة المقابض ليبدأ بالرحلة.

نوح: “اترك المقابض، دع القيادة لي، سآخذك إلى مركز الكون الآن.”

اهتزت المركبة اهتزازات بسيطة، ثم تسارعت اهتزازاتها، وإذا بها تختفي من مكانها، وتظهر في منتصف المجرة.

نوح: “الآن يا فارس سأريك شيئا لم تره في حياتك من قبل، شيء لم يره أحد من قبلك، ولن يراه أحد من بعدك.”

فارس: “لقد أثرت انتباهي بشكل كبير، ماذا ستفعل؟”

نوح: “الطريقة الوحيدة لمعرفة ما إذا كان الكون يتسع أم لا هي بإرسال نجوم إلى خارج الفضاء، خارج المجموعة النجمية التي نعيش فيها، أولا سأقذف بنجوم ستنفجر في آخر عمرها، ستنفجر بعد مليار سنة من الآن، وحينما تنفجر، سأقوم بقياس الضوء البعيد المنطلق منها، فإذا كان الكون يتمدد بحسب ما أظن فإن موجة الضوء ستمدد، وبتمدد الضوء الذي ينطلق من هذه النجوم في الفضاء سنعرف ما إذا كان الكون يتمدد أم لا.”

جلس فارس وهو يستمع لشرح نوح لدراسته للكون على مدى تليون سنة، والوسيلة التي سيقذف بها بالنجوم إلى الفضاء، ربما استخدم تكنولوجيا قديمة، ولكنها فعالة.

“أنظر أمامك يا فارس” قالها نوح وتوقف عن الحديث.

انطلق النجم الأول إلى السماء، انطلق النجم الثاني إلى السماء، قذفت بعدها واحدة تلو الأخرى، دهش فارس من عظمة المشهد، فقال: “خيال، Imagination، 想像力” تصاعدت النجوم كالألعاب النارية.

انحنى فارس واستقر في كرسيه، ونظر إلى السماء وتأمل، وعلم أن الأجيال القادمة بعد ملايين السنين ستفهم ما كان يدعو له، أما الآن فسيستمتع بهذا المشهد الجميل، المشهد الذي لم يره أحد من قبل ولن يراه أحده أبدا.

مقدمة

من المهم قبل أن أبدأ بالتحدث عن المادة الداكنة والطاقة الداكنة في الكون أود ان أشرح القصة، فصحيح أنها خيالية، ولكنها تعتمد على حقائق علمية مثيرة، وقد اقتبست فكرة القصة من كتاب “كون من لا شيء” (A Universe from Nothing) للعالم لورنس كراوس (Lawrence M. Krauss).

أحداث القصة تدور بعد تريليوني سنة من الآن، لماذا تريليوني سنة؟ لأن بعد مرور هذا الوقت الهائل (الذي لا يعتبر شيئا في عمر الكون المستقبلي) في هذا الكون الهائل الضخامة الدائم الاتساع ستكون المجرات المختلفة بعيدة عن مجرتنا إلى درجة أنه لا يمكن ترى، الكون يتمدد بشكل متعجل، وبحسب ما ذكره لورنس كراوس في الكتاب فإننا  سنكون نحن في مجرة واحدة، وهذه المجرة ستكون مكونة من المجموعة من المجرات التي حولنا، مجرتنا موجودة من ضمن مجموعة محلية من المجرات عددها 54 مجرة (ويقال أنها أكثر من ذلك، ولكن لأن بعضها مكون من مئات النجوم فإنه من الصعب اكتشافها، وهذه تشمل المجرات القزمية)، وأكبر مجرتين في هذه المجموعة المحلية هما مجرتنا مجرة درب اللبانة، ومجرة الآندروميدا، وستندمج هذه المجرات مع بعضها لتكون مجرة واحدة، والمعروف أن مجرتنا هي في وجهة تصادم مع مجرة الآندروميدا، وسيتحدث هذا بعد حوالي 5 مليارات سنة، وستندمج هاتين المجرتين مع بعضهما، ومع الوقت ستندمج المجرات الباقية في المجموعة المحلية كلها، أما باقي المليارات من المجرات والتي تعتبر خارج مجموعتنا والتي هي بعيدة عنا فإنها ستتباعد أكثر وأكثر إلى أن تصبح غير قابلة للمشاهدة، سيبدو وكأنما الكون عبارة عن مجموعة من النجوم (والتي هي مجموعة المجرات المحلية في كتلة واحدة) في وسط ظلام دامس.

العلماء استطاعوا أن يعرفوا اتساع الكون من خلال مراقبتهم للمجرات الغير محلية، وعلموا أنها تتباعد عن بعضها باستخدام الضوء المنطلق منها، حيث أن الضوء الآتي من المجرات المتباعدة  يتمدد فيحصل انزياح للون الأحمر (وهذا الموضوع سأتحدث عنه في الحلقة القادمة بوضوح أكبر)، ولكن كيف سيعرف العلماء أن الكون يتسع حينما تبتعد هذه المجرات بدرجة كبيرة جدا؟ المشكلة أن الضوء ستكون طول موجته كبيرة جدا إلى درجة أنه لا يمكن رؤية المجرات الأخرى لمعرفة ما إذا كانت تتحرك أم لا.

هذا الاتساع يعتمد على طاقة الداكنة التي تدفع المجرات ومجاميع المجرات عن بعضها البعض. أما المجرة فهي لا تتسع ولا تتمدد، أي أن الطاقة الداكنة التي تدفع الكون للاتساع لا تؤثر على مكونات المجرات الداخلية كما تؤثر على المجرات ومجاميع المجرات ككتل متكاملة، فهي متماسكة بسبب المادة الداكنة (وسيأتي الحديث عن هذا التماسك لاحقا).

وإذا لم يعرف العلماء المستقبليون أن الكون يتمدد، كيف سيعرفون أنه بدأ من انفجار عظيم؟ كل الدلائل على هذا الاتساع وهذا الانفجار ستنمحي من الفضاء، وستبقى هناك مجموعة من الكواكب والنجوم بداخل مجرة واحدة، وسترجع الأمور كما كانت من قبل أن نعلم بوجود مجرات معتددة، حيث أن العلماء وقبل أن يكتشفوا أن الكون يتسع كانوا يعتقدون أن الكون كله لم يكن إلا مجموعة من النجوم في الفضاء فقط.

ولذا فإن الطريقة الوحيدة برأي لورنس كراوس لمعرفة اتساع الكون هي بالضبط ما ذكرته في القصة، وهي أن يقوم البشر في المستقبل البعيد بإرسال نجوم في نهاية عمرها إلى الفضاء، وأقصد بنهاية عمر النجم أنها ستنفجر انفجارا نيوترونيا هائلا، لماذا؟ لأنها حينما تقذف في السماء (طبعا باستخدام تكنولوجيا متطورة جدا) وتسافر بعيدا عنا ثم تنفجر انفجارا نيوترونيا فأن هذا الانفجار سيضيئ السماء بشدة كافية بحيث يمكن مشاهدة هذه النجوم من بعيد، ومن خلال حركتها في السماء وتباعدها يمكن قياس اتساع الكون، ويمكن بعد ذلك الافتراض أن الكون ابتدأ من نقطة صغيرة إذا ما قلبنا اتجاه اتساع الكون.

على هذا المبدأ اعتمدت القصة، وإن كان هناك الاحتمال أن حضارة البشر بعد ترليوني سنة من الآن ستكون متطورة بما فيه الكفاية، وأن لديها القدرة والأدوات لاكتشاف حقيقة الكون بطرق لا نستطيع أن نحلم بها، فكما أنه لا يمكن لأي فلكي قبل 500 عام أن يتنبأ بالثورة التكنولوجية التي مكنتنا من فهم الكون بطريقة لم يفهمها ولم يشرحا بهذا التفصيل أحدا من قبل، لا يمكن أن نتنبأ بدقة كيف ستكون هذه الحضارة المستقبلية.

المادة الداكنة

علماء الفلك وحتى فترة قصيرة كانوا يعرفون مكونات الكون من مواد تجتمع في الجدول الدوري من ذرات، وكذلك أصغر من الذرة مثل الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات والمواد المضادة البروزيترون والبروتون المضاد وغيرها من الجسيمات، وكذلك يعرف العلماء بوجود الضوء بشتى أطيافه، ولكن المفاجأة أتت حينما اكتشف العلماء خصائص الكون الغريب، فمن تماسك المجرات مع بعضها البعض اكتشف العلماء المادة الداكنة، ومن خلال اتساع الكون وتعجله اكتشف العلماء الطاقة الداكنة، كل هذه المكتشفات تدل على وجود شيء يمسك بمكونات الكون، وفي المسافات الهائلة يدفعها ويمزق الكون. لا تزال نسب مكونات الكون غير دقيقة، وستجد أن المقالات المختلفة كل منها يدعي أرقاما قريبة من بعضها البعض، ولكنها لا تتفق مع بعضها البعض بالدقة المتناهية.

في هذه الحلقة سأتحدث عن المادة الداكنة، ولكن قبل أن أشرح الموضوع لأذكر ما توصل إليه العلماء حاليا في مكونات الكون، فهو بحسب حساباتهم الحالية يتكون من 72% طاقة داكنة، و23% مادة داكنة، والباقي الـ 5% هي كل ما نراه من جسيمات معروفة في الكون، ماذا يعني ذلك؟ ذلك يعني أن 95% من الكون مجهول، والعلماء في ظلام دامس، لا علم لهم اليوم بأغلب ما يتكون منه الكون. في هذه الحلقة سأتحدث عن الـ 23% من مكوناته، وهي المادة الداكنة، وفي الحلقة القادمة سأكمل الحديث ليشتمل على باقي مكونات الكون من الطاقة الداكنة.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

الانطلاقة لمعرفة المادة الداكنة

قبل أن ينتهي آينشتاين من إكمال النظرية النسبية العامة وفي سنة 1912 أراد أن يعطي العلماء طريقة لاكتشاف صحة نظريته التي كان يعمل عليها، فوجد فكرة ذكية تعتمد على بعض الحسابات البسيطة، وهي أن الضوء ينحني بقوة جاذبية النجوم، وأنه بهذه الطريقة تصبح النجمة وكأنها عدسة مكبرة، تكبر الصورة التي خلفها، وأحيانا تنتج صورة مكررة، حتى أنه كان يعتقد أنه لو أن كانت هناك نجمة بعيدة خلف نجمة أخرى، فإن هذه النجمة التي في الخلف ستظهر وكأنها حلقة مشوه حول النجمة التي في المقدمة.

العالمة الفلكية أفالين جيتس (Evalyn Gates) تعطي مثالا على هذه الفكرة في كتابها “تليسكوب آينشتاين: مطاردة المادة الداكنة والطاقة الداكنة في الكون” (Einstein’s Telescope: The Hunt for Dark Matter and Dark Energy in the Universe). تقول اكسر قاعدة كأس شراب الواين الدائري، ثم انظر خلاله، ستجد صورة مشوهة لما خلف القاعدة على محيط الدائرة، هذه الصورة المطولة الممتدة على استدارة القاعدة هي بالضبط ما تنبأ به آينشتاين، ولكن كان ذلك على النجوم بدلا من الزجاجة. الفكرة كانت بعيدة المنال بالنسبة لآينشتاين، فالإمكانيات لرؤية مثل هذه الظاهرة تحتاج لتلسكوبات هائلة ودقيقة، فقرر ألا يكتبها في الورقة العلمية، وألا يدرجها في هامش الورقة أيضا، بالإضافة إلى أنه لم يتحدث لأحد عن الفكرة قط.

حينما نشر آينشتاين نظرية النسبية العامة سنة 1916 لم تكن هناك أدلة تجريبية على صحة النظرية، هذه النظرية التي لم تظهر أهميتها إلا بعد أن كشف عن صحتها السير آرثر آدينجتون، حيث أبدى اهتماما كبيرا فيها، وكتب فيها مقالات تدعمها، وطلب من الحكومة البريطانية وقتها (هو والفلكي فرانك واتسون دايسون) أن تدعم رحلتين لتسجيل الكسوف الكلي للشمس، ومن خلال الكسوف الكلي يمكن التحقق من نظرية آينشتاين، فانطلق السير آرثر أدينجتون إلى جزيرة برنسيبي (Principe) بالجانب الغربي لأفريقيا (أسفل نيجريا). وبدأت بأخذ قياساته هناك.

كان الهدف من هذه القياسات هو معرفة ما إذا كان ضوء النجوم خلف الشمس ينحني ليتناسب مع نظرية آينشتاين، أرسى السير آثر التلسيكوب وانتظر اللحظة التي تصبح الشمس فيها في حالة كسوف. ما هي أهمية الكسوف؟ الكسوف يغطي أشعة الشمس، ومن خلال هذه التغطية يمكن رؤية النجوم لأن السماء ستكون مظلمة نسبيا, الآن لنتخيل الصورة التي حاول أدينجتون الكشف عنها، تخيل لو أن هناك نجمة خلف الشمس، ذلك يعني أن الشمس ستغطيها، ولن تستطيع أن تراها (كما لو ترفع يدك أمام الشمس لتغطي أشعتها، يدك ستغطي الشمس ولن ترى القرص)، النجم يصدر الضوء في خطوط مستقيمة في جميع الاتجاهات، إذا كنت أمام الشمس مباشرة لن ترى الضوء الصادر من النجمة المار باستقامة من النجم إلى عينيك لأن الشمس عائق بين الإثنين، ولكن ماذا عن الأشعة التي تمر بجانب الشمس؟ هذه الأضواء ستمر بالشمس من غير أن تلحظها عينيك أيضا، لأنها تمر بزاوية بعيدة عنها، من الممكن أن تسقط على خدك مثلا، وتحتاج لأن تحرك رأسك قليل لتسقط هذه الأشعة مباشرة في العين.

لنرجع إلى المكان الذي تغطيه الشمس، الشمس كتلتها كبيرة جدا، وبسبب هذه الكتلة الكبيرة فإنها تقوّس الفضاء الذي حولها، وحينما يسير الضوء بجانب الشمس فإن هذا الضوء سينحني بزاوية صغيرة جدا ليتحول مساره إلى العين بدلا من الخد، أو في حالة السير آرثر أدينجتون إلى التلسكوب، وسيظهر هذا النجم وكأن الشمس لم تغطيه، وهذا ما حصل فعلا من خلال القياسات حيث شاهد السير آرثر الضوء المنحني من النجم من خلف الشمس بالتليسكوب.

ومن هذه النتائج أعلن أدينجتون أن النظرية صحيحة، وانفجرت شهرة آينشتاين في العالم كله، وللعلم فإن هذه الشهرة الكبيرة لآينشتين انطلقت بالضبط بعد هذه النقطة، وربما كان السير آرثر أدينجتون هو المحرك الأساسي لها، وخصوصا أنه كان يدعم النظرية بشكل كبير، وكتب مقالات وكتب (منها كتاب ألفه سنة 1920 أسماه ” الفضاء، الوقت والجاذبية” (Space, Time and Gravity)) في هذا المجال، وحتى أنه كتب شعرا على نمط رباعيات الخيام تتناسب مع هذا الاكتشاف:

Oh leave the Wise our measures to collate One thing at least is certain, light has weight One thing is certain and the rest debate Light rays, when near the Sun, do not go straight

أترك للحكيم قياساتنا للتراكم

شيء واحد على الأقل مؤكد، الضوء له وزن

شيء واحد مؤكد والباقي جدال

أشعة الضوء، حينما تكون بالقرب من الشمس، لا تتحرك باستقامة

هذا بالنسبة لانحناء الضوء بسبب الجاذبية، وهناك أيضا الفكرة التي تسمى اليوم باسم خاتم آينشتاين والتي لم يقبل بنشرها حتى سنة 1936، وذلك تحت إصرار صديقه الفلكي الهاوي رودي ماندل (Rudi Mandle)، فقد ألح عليه أن ينشر المقالة العلمية وإن لم يكن مقتنعا بإمكانية تطبيقها عمليا، فأرسل آينشتاين رسالة إلى محرر مجلة ساينس (Science) وفي هذه الرسالة أخبره: “دعني أشكرك كذلك على تعاونك مع النشرة الصغيرة والتي عصرها مني السيد ماندل، ليست لها قيمة ولكنها تجعل من المسكين سعيدا”، ولم يكن يعتقد آينشتاين أن هذه الظاهرة ستكون لها تطبيقات عملية.

هذه الظاهرة التي لم يتوقع آينشتاين أن ستكون لها أهمية ولا تطبيقات عملية، وأنها نشرة صغيرة أصبحت هي واحدة من أهم الطرق للكشف عن المادة الداكنة. الشخص الذي انطلق بهذه الفكرة هو العالم الفلكي فريتز زوكي (Fritz Zwicky)، وبإلحاح من رودي ماندل أيضا، فبدلا من أن يحاول أن يرى خاتم آينشتاين من خلال النجوم قرر لأن يذهب لأكبر من ذلك، فاستخدم المجرات كقوة هائلة للتأثير على الضوء، فالمجرات ضخمة ولديها القدرة على إلواء الضوء بطريقة لا يمكن للنجوم أن تقوم بها بانفراد.

الكشف عن صحة نظريات زويكي

قبل الانطلاق في فهم انعطاف الضوء بسبب المجرات لنتساءل عن الضوء نفسه، أي ضوء نقصد؟ ما هو الضوء الذي يبحث عنه العلماء؟ اكتشف العلماء الكويزارات (Quazars) سنة 1963، وهي أجسام مضئية إضاءة شديدة، ويعتقد أنها عبارة عن ثقوب سوداء فائقة الضخامة، وتكون في وسط المجرات، وبقوتها الهائلة في تحطيم النجوم التي حولها وابتلاعها للغازات والنجوم تصدر بريقا هائلا في السماء، ويرى هذا البريق على مدى مليارات من السنوات الضوئية، وترى من المسافات الهائلة على أنها نقاط من الضوء، وتبدو وكأنها نقاط مضيئة كالنجوم القريبة.

حينما تكون هناك مجرة هائلة أو مجموعة من المجرات بين التلسكوبات على الأرض وبين الكويزارات فإن هذه المجرات تعمل كالعدسة التي تعطف الضوء، وتكوّن هالة دائرية مشوهة حول هذه المجموعة من النجوم لضوء الكويزارات البعيدة، إذا ما كانت هذه الكويزارات خلف المجرة في الوسط فستتكون حلقة أو خاتم كما ذكرت بالنسبة لقاعدة كأس الخمر، ولكنها حينما تكون إلى الجانب من الخلف فإن صورة الكويزار تتكرر عدة مرات بدلا من أن تصبح كالخاتم، وقد شاهد الفلكيين هذه الظاهرة واضحة، وصوروا عدة صور لمجرات وحولها خاتم آينشتاين، وهذا لا يدع مجالا للشك أن المجرات تضغط على السماء لتقعرها بقوتها الهائلة لتوي الضوء. ومن هنا تظهر فائدة المجرات، فهي تعمل كالعدسة، والعدسة هذه تكبر ما خلفها لترى المجرات الأبعد، وتعمل – كما أسمتها الفلكية جيتس – بـ “تليسكوب آينشتين”.

كيف يكون شكل هذه العدسة الكونية؟ حينما تحدثتُ عن تعديس المجرات ربما خُيل لك أن المجرات هذه وكأنها العدسات الزجاجية المتناسقة في الشكل كالعدسة التي تستخدم للتكبير، الحقيقة أن المجرات ليست كذلك، فأشكالها تختلف عن بعضها البعض، وهي تحتوي على أعداد مختلفة من النجوم والكواكب والثقوب السوداء والغازات وغيرها من الأمور، وهي تضغط على السماء كل منها بطريقته الخاصة، ومن خلال التعديس الذي تكونه هذه المجرات يمكن للعلماء معرفة كيف يكون شكل المجرة، وكذلك كثافة النجوم التي تكون هذه المجرة، والتي تضغط على الفراغ بحيث تلوي الضوء.

في سنة 1933 نشر العالم فريتز زويكي ورقة علمية كتبها بعد ملاحظته شيئا غريبا في المجرات، كان هدفه الأساسي من مراقبة المجرات هو البحث عن أكبر ثقل يمكن أن يجده في المجرات القريبة، فراقب مجموعة من المجرات تسمى بمجموعة كوما (Coma Cluster)، وتحتوي هذه المجموعة على أكثر من 1000 مجرة، كانت هذه المجرات تدور حول مركزها بسرعة هائلة، ولكنه حينما دقق في النظر إلى ثمانية من تلك المجرات لاحظ أنها تتحرك بسرعة أكبر من الطبيعي، ما المشكلة في أن تكون سرعة المجرات في دورانها أكبر من الطبيعي؟

تخيل معي لو أن الأرض تدور بسرعة مختلفة عما هي عليه الآن حول الشمس، فلو أن سرعة دوران الأرض أكبر لقذفت بعيدا عن الشمس، ولو أن سرعتها أقل لسقطت الأرض بشكل حلزوني باتجاه الشمس، هذا السرعة الحالية تتناسب مع جاذبية الشمس بحيث تبقى الأرض في مدار ثابت، لو أنك تقارن سرعات الكواكب في المجموعة الشمسية، لوجدت أنه كلما كان الكوكب أبعد من الشمس كلما كانت سرعة دورانه حول الشمس أقل، هذا ينطبق مع المجرات، من المفروض أن المجرات تتناسب سرعتها بحسب الجاذبية التي تنتجها مجموعة المجرات، وبحسب بعدها عن مركز المجرة، ولكن ملاحظة زويكي بينت أن المجرات كانت تجري بسرعة 2 مليون ميل في الساعة، وهذا يكفي لكي تُقذف تلك المجرات خارج المجموعة، ولكن هذا ما لم يحدث.

بحساب زوكي للجاذبية لكل المجرات فإن هذه الجاذبية لا تكفي لكي تجر المجرات السريعة لتثبيتها في المجموعة، ما الذي يحدث  إذن؟ هنا ادعى زوكي أن مجموعة كوما تحتوي على 50 ضعف الكتلة للمواد المكونة للمجرات التي فيها، وهذا يعني أن معظم المجرة غير مرئي، وهنا سمى الفلكي هذه المادة بالمادة الداكنة (Dunkle Materie)، ولكن لم ينضم العلماء لهذه الفكرة إلا بعد مرور 35 سنة لنشره الورقة العلمية، حيث قامت العالمة فيرا روبن (Vera Rubin) بملاحظة حركة الغازات حوالي مجرة آندروميدا القريبة من مجرتنا، فاكتشفت أن سرعة دوران الغازات لا تتوافق مع ما تتنبأ به القوانين الفيزيائية، وبهذه الفروقات تبين أن هناك مادة داكنة.

أما اليوم فقد قام العلماء بدراسة أكثر من 1000 مجرة، ومن خلال دوران النجوم في هذه المجرات يتضح أن سرعة النجوم في أطراف المجرة يتساوى مع دوران النجوم بداخلها، وهذا يؤكد بلا أدنى شك أن المادة التي تكوّن المجرات لا تكفي وحدها لتعليل هذا الدوران السريع، ولابد أن يكون هناك شيء يمسك المجرة من انفلات نجومها وتناثرها في السماء، وبحسات مكونات المجرات يتضح أن المجرة تتكون من 90% مادة داكنة وهي المسؤولة بشكل رئيسي على تماسكها، والباقي الـ 10% تتكون منه الغازات والنجوم والكواكب وأنا وأنت.

تتضح قوة وكثافة المادة الداكنة حينما يتم اكتشاف تأثيرها على الضوء، ذكرت كيف أن انحناء الضوء استخدم في التحقق من النظرية النسبية العامة، وذكرت أن آينشتاين ألف ورقة يذكر فيها تكون خاتم من التشوه حول نجم، وهذا ما شاهده العلماء تماما ولكن ليس بسبب النجوم، إنما بسبب مجرة أو مجموعة من المجرات، وبسبب القوة الهائلة الجاذبة التي تتسبب فيها المادة الداكنة والمكون الرئيسي للمجرة فإن هذه المجرات تلوي الأضواء كالعدسة، فتكبر وتكوّن صورا مشوهة لما خلفها من مجرات وكويزارات.

أول اكتشاف لخاتم آينشتين كان سنة  1987 أو سنة 1988 عن طريق العالمة جاكولين هيويت (Jacqueline Hewitt) باستخدام التلسكوب الراديوي الملقب بالمرصد المصفوف العظيم (Very Large Array)، ومنذ ذلك الحين والصور لهذه الخواتم تُكتشف في السماء، وبعضها اُكتشفت عن طريق التلسكوب هبل. وكذلك هناك اكتشاف لأربعة كويزارات حول مجرة واحدة، ولكن هذه الأربعة كويزارات لم تكن سوى واحدة أتت من خلف مجرة، وبسبب جاذبية المجرة الهائلة تكونت عدة صور لها، وسميت هذه بصليب آينشتين، ويبعد هذا الكويزار عنا بمسافة 8 مليارات سنة ضوئية، والمجرة التي عطفت ضوء ما خلفها تبعد عنا 400 مليون سنة ضوئية، ولو تشاهد الصور لرأيت وكأنما هناك أربعة نقاط رئيسية ونطقة واحدة في الوسط، النقطة التي في الوسط هي السبب في تكون نسخ لللكويزار الخلفي في الأعلى والأسفل والجنب الأيمن والأيسر. أكتشفت هذه سنة 1990.

وكل هذه الصور التي صورتها المراصد تبين كيف ضغطت هذه المجرات على نسيج الكون ليلوي الضوء بهذه الطريقة، ولا يمكن للمجرات بما تحويه من مادة معروفة أن تلوي الضوء بهذه الطريقة الكبيرة إلى بوجود مواد تختلف عما نعرفه، بل هناك دراسات مستفيضة تبين القدر من المواد التي لابد أن تكون متوفرة في المجرات وبين المجرات في المجاميع حتى يكون لها هذا القدر من التأثير، ولكن كل هذه التفسيرات لا تعرف ما هي هذه المادة التي تكون القدر الأكبر من المجرة، ولذا فهي مادة داكنة غائبة عن الأجهزة الدقيقة الحالية، وهي داكنة إما لأن إضاءتها خافتة بحيث لا يمكن للأجهزة الحالية التقاطها، أو لأنها لا تمتص ولا تطلق أشعة ولا تعكس الأشعة الضوئية.

ماذا يمكن أن تكون هذه المادة الداكنة؟

هناك مجموعة من الفرضيات التي تحاول أن تفهم هذه المادة الداكنة، وأهمها هي أن المادة الداكنة هذه تتكون مما يسمى بالويمبز (WIMPs)، وهناك أيضا الفرضية التي تدعي أن هناك ما يسمى بالماتشوز (MACHOs)، وأخيرا هناك فرضية أن تكون قوانين نويتن وبالتالي قوانين آينشتاين هي الخاطئة، وتحتاج إلى تعديل أو ما يسمى بـ (MOND)، أما بالنسبة للماتشوز فإن هذه تم إلغاؤها من الفرضيات عن طريق التجارب العلمية، وأما تخطيء قوانين نيوتن، فهذا ما يستعيذ العلماء بالله منه، فهم يخشون أشد الخشية من أن تكون القوانين خاطئة، فتصبح الكثير من الحسابات الكونية غير دقيقة، والتجارب أيضا تبين أن فرضية خطأ قوانين نيوتن غير صحيحة، إذن يتبقى لدينا الويمبز وهو ما يركز عليه العلماء حاليا.

الويمبز (WIMPs) هو اختصار (Weakly Interacting Massive Particles)، أو جسيمات كبيرة الكتلة ضعيفة التفاعل، وهنا المقصود أنها ربما تكون جسيم من نوع واحد أو عدة جسيمات (Particles). والمقصود في أنها ضعيفة التفاعل (Weakly Interacting)، أي أنها إلى يومنا هذا لم تكتشف بأي من الأجهزة الحالية لأنها لا تتفاعل مع شيء يمكننا به التحقق من وجودها، سوى أن التفاعل الوحيد يحدث هو عن طريق الجاذبية الضعيفة جدا (Weakly Interacting)، صحيح أن الجاذبية ضعيفة ولكنها تكاثفها تؤثر على دوران محتويات المجرة المرئية وكذلك على انعطاف الضوء والتعديس (كما تعرفون أن الجاذبية أضعف القوى كلها،  ولكنها هي المحرك الأساسي للكون).

المستمع للحلقات البودكاست التي نتحدث فيها عن النجوم النيوترونية أو الثقوب السوداء قد يتصور أن مثل التماسك في المجرات يرجع لهذه الأجرام الفائقة في ضخامة كتلها، فالثقوب السوداء على سبيل المثال تحتوي على كتل عشرات إلى مليارات النجوم، أليس كذلك؟ فلم لا تكون هذه الثقوب هي التي تمسك بالنجوم بالمجرة، وقد تكون هذه الثقوب السوداء منتشرة في المجرة وبين المجرات بحيث تمسك بكل ما فيها، ولاحظ أيضا أن الثقوب السوداء خفية، لا ترى، فهل يمكن اعتبارها هي السبب في ما تبقى الـ 90% من مكونات المجرات وما بين المجرات؟ بل لنذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، المجرات تحتوي على مليارات النجوم، وكذلك مليارات الكواكب، لاحظ أنه حينما نذكر أن هناك مليارات الكواكب لا يقصد أن الكواكب بالضرورة تكون في مجاميع نجمية، كالتي نعيش فيها (المجموعة الشمسية)، بل هذه الكواكب منتشرة في المجرة تسبح بحرية، وبما أن هذه الكواكب لا تضيء إذن فهي لا ترى بسهولة، إذن فمن الممكن أن تضاف هذه إلى قائمة الأجرام التي تكوّن الكتلة التي لم يتكتشفها العلماء، فبذلك تعلل وجود المادة الداكنة.

العلماء أسمو هذا الخليط من الأجسام بالأجسام الهالة المكونة من كتل الكبيرة المضغوطة  (MAssive Compact Halo Objects)، أو ماتشوز (MACHOs)، ولاحظ المفارقة بين كلمتي ويمبز وماتشوز، ويبمز باللغة الإنجليزية تعني الضعيف، وحينما يقال عن شخص أنه ويمب فذلك يعني أنه جبان، في مقابل هذه الكلمة فإن كلمة ماتشو تعني الشخص القوي المختال بقوته، وقيل أن كلمة ماتشوز أتت كمزحة من فلكي على الغداء، حيث طرح  السؤال هل الكون يتكون من الويمبز (الجبناء) أو الماتشوز (الأقوياء)؟ وبقيت هذا التعبير حتى بعد محاولة العالم الذي أطلقها أن يسحب هذه الكلمة.

منذ سنة 1990 والفلكيين يبحثون عن هذه الأجسام الكبيرة ز (MACHOs)، ولكن كل الدلائل تشير أن لا وجود لها، فقد استخدموا التلسكوبات وبطرق إحصائية دقيقة لم يكتشف أحد ما يدل على وجود مثل هذه الأجسام بكثافة كافية لتبرير جاذبية المادة الداكنة. وقد عملت عدة فرق على هذا البحث، الأول يتكون من الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، والثاني فرنسي والثالث أمريكي بولندي، ونظر العلماء إلى ما يقارب 34 مليون نجمة بنية قزمية لأكثر من 6 سنوات ولم تكتشف الماتشوز بالنسب المطلوبة، حتى إن البحث عن هذه الأجرام توقف سنة 1999. وكذلك بحث العلماء على الثقوب السوداء، ولكن النتائج لا تدل على كثافتها الكافية، وكذلك بالنسبة للكواكب ليس هناك دليل على أنها هي المسؤولة، وانتهى العلماء إلى أن الأقوياء المختالين الماتشوز لا يكفون لتبرير الكتلة الكلية للمجرات ومجاميع المجرات. وبقي البديل الأفضل هو الجبناء أو الويمبز.

أما عن تغيير قوانين نيوتن فهذا أمر لن يقبله العلماء بسهولة، ولكن لا يعني ذلك لو أن الأدلة كانت ضد هذه القوانين فأنهم لن يعيدوا حساباتهم من جديد، والدعوة لإعادة طريقة الحسابات تندرج تحت ما يسمى بالـ MOND أو (MOdified Newtonian Dynamics)، أو الديناميكية النيوتونية المعدلة، وتقترح أن يتم تعديل قوانين الجاذبية للأجرام بحيث لا تحتاج هذه الحسابات لمادة داكنة، ولكن الدلائل الرصدية تشير إلى أن القوانين صحيحة، وأن المادة الداكنة هي مادة حقيقيةـ، ولا حاجة لتعديل القوانين.

لقد قام العلماء بدارسة تصادم مجموعتين من المجرات، حدث هذا التصادم قبل 100 مليون سنة في الماضي، حينما تنظر للصورة سترى كيف شقت مجموعة الأخرى، لتبدو وكأن سفينة تشق البحر، فترى القوس الذي يتكون أمام طرف السفينة المدبب، أو حينما تطلق الطلقة في الماء لتكون أمام مقدمتها المحدبة ذلك القوس المائي، ولذا سميت هذه المجموعة الجديدة بمجموعة الطلقة.

بعدما تصادمت هذه المجموعتين حدث شيء غريب، وهو أن النجوم والكواكب وغيرها تماسكت مع بعضها، والغازات في المجرات تُركت في الخلف بعد التصادم، وهذا أمر طبيعي، ولكن حينما تأتي لأبعد من ذلك بعيدا عن مكان تصادم المجرتين ستجد أن المادة الداكنة انفصلت عن المجموعتين، وكأنما المجرات لها روح شفافة أو لنقل هالة، فبعد أن تصادمت خرجت تلك الهالة عن جسد المجموعتين.

هذه الهالة لا يمكن مشاهدتها بالأجهزة، فكيف عرف العلماء بوجودها في مكان آخر بعيد عن المجرات؟ اكتشفوها من خلال التعديس، فقد لاحظ العلماء أن الأماكن الخالية من المادة المعروفة وفي أثر المجرات انحنت فيها الأضواء بسبب قوة جاذبية السماء المظلمة، بلا وجود للغازات ولا وجود للأجرام الهائلة. فكيف يمكن لمكان معتم خالي من المواد أن يلوي الجاذبية؟ السبب الذي يفسر ذلك هو وجود مواد داكنة، ولذا لا حاجة للتعديل على قوانين نيوتن.

مجموعة الطلقة والتي تتكون من تصادم مجموعتين من المجرات

بعد أن ألغيت الماتشوز والموند كأسباب لتأثيرات المادة الداكنة يتبقى لدينا الويمبز، وهي جسيمات صغيرة بكتلة كبيرة تفاعلاتها ضعيفة، وهي بدرجة من الضعف في تفاعلاتها أنها تمر خلال الأرض وخلالي وخلالك بلا أدنى تفاعل مع مكونات أجسادنا، ولذا لا يمكن لنا اكتشافها بسهولة. إذن كيف سكيتشف العلماء هذه المادة الداكنة؟ وما هي الأدوات المستخدمة لتكوينها إن كان ذلك ممكنا؟ كل هذا ومواضيع أخرى مثل الطاقة الداكنة وشكل المجرات والمادة الداكنة في الكون سأتحدث عنه في الحلقة القادمة من السايوير بودكاست.

4 أفكار على ”المادة الداكنة والطاقة الداكنة في الكون 1

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s