drawin and evolution

كيف تعمل نظرية التطور


speaker_icon disk
ipod

مقدمة

قام البروفيسور جون إندلر (John Endler) البيولوجي التطوري بتجربة مثيرة ليرى كيف تتطور أسماك الزينة الجابيز (Guppies) – أو بالعربية الجوبي – بحيث تتغير ألوانها للتناسب مع البيئة المحيطة بها (هذه الأسماك مشهورة جدا، ويقتنيها الكثير من الناس في الأحواض المنزلية) لاحظ إندلر- أن في الطبيعة – هذه الأسماك إذا ما كانت تعيش في مياه تحتوي على أسماك مفترسة، فستكون ألونها قريبة من ألوان الصخور التي حولها لتموّه عن وجودها فيه، بينما إذا كانت في بيئة حيث لا توجد الكثير من الأسماك المفترسة فإن ألوان الذكور تكون زاهية جميلة قزحية، ما السبب في ذلك؟

وضع فرضية تقول أن الأسماك التي تعيش في ظروف تكون تحت ضغط الافتراس تتطور تدريجيا إلى أن تتمكن من إخفاء نفسها من الأسماك المفترسة، بينما تلك التي تعيش في أمان، إنما تتغير ألونها مع الوقت لتصبح أكثر ظهورا حتى تكتشفها إناث الجوبي، في الحالة الأولى تحتاج أسماك الجوبي للتخفي في الحالة الثانية تحتاج للظهور.

فقام بتجربة في المختبر ليرى إن كانت فرضيته صحيحة، وصنع 10 أحواض من السمك، فوضع فيها أسماك الجوبي، وفي تلك الأحواض وضع نوعين من الصخور، في خمسة من قاع خمسة من الأحواض وضع حصيات صغيرة، و في الخمسة الأخرى وضع حصيات كبيرة، التنبؤ يقول أن لو كانت هناك أسماك مفترسة فإن أسماك الجوبي ستتغير أنماط تلاوينها لتتناسب مع الحصيات الكبيرة والصغيرة، أما إذا لم تكن معها أسماك مفترسة فإن ألوان الأسماك ستتغير بألوان مختلفة عن الأرضيات، فستكون أكثر وضوحا. بعد ذلك أدخل أسماك الجوبي إلى الأحواض، الأسماك المختارة للأحواض كانت عشوائية. بداية أبقيت في هذه الأحواض لمدة 6 أشهر بلا أي وجود لأسماك.

بعد ذلك قسم الأحواض إلى ثلاثة أقسام، فوضع في أربعة منها سمكة مفترسة واحدة لكل منها (اثنان بحصيات صغيرة واثنان بحصيات كبيرة)، وفي إثنين من الأحواض لم يضع أية أسماك مفترسة (مرة أخرى حوض بحصيات كبيرة وحوض بحصيات صغيرة)، وفي الأربعة أحواض الأخيرة وضع 6 أسماك شبه مفترسة للجوبي في كل منها. لماذا هذه الأعداد، كانت هذه لتماثل أعداد المفترسة والشبه مفترسة في الطبيعة بالمقارنة مع أسماك الجوبي.

وبعد خمسة أشهر من التجربة قام إندلر بحساب النقاط على الأجيال الجديدة من الأسماك، فلاحظ أن عددها – على الأسماك في الأحواض التي لا تحتوي على الأسماك المفترسة – ازدادت، بينما تلك الأحواض التي تحتوي على الأسماك المفترسة انخفضت، بل أكثر من ذلك، فالجوبي التي عاشت في الأحواض التي تحتوي على الصخور الصغير أصبحت نقاطها أصغر في ظل وجود أسماك مفترسة، بينما تلك التي تعيش في الأحواض المحتوية على الصخور الكبيرة أصبحت نقاطها أكبر، لتتناسب النقاط مع الصخور بحيث تعطي هذه الأسماك الإمكانية للتخفي من الافتراس. أما تلك الأسماك التي عاشت في ظل الأسماك الشبه مفترسة أو بلا أي افتراس تطورت فيها النقاط لتصبح على عكس الأرضية الصخرية، بحيث تكون أكثر وضوحا، لتصبح واضحة للأنثى وبالتالي تتمكن من التكاثر أكثر.

بعد ذلك قام البروفيسور إندلر بالتجربة خارج الأحواض، ووضع بعض أسماك الجوبي في الأنهار، فأخذ عينة من أسماك الجوبي التي كانت ألونها متشابهة مع الصخور، ووضعها في بيئة ليست فيها أسماك مفترسة أو أسماك شبه مفترسة، ثم عاد لها بعد سنة و11 شهرا، ووجد أن تلك الأجيال اللاحقة من تلك الأسماك بدأت بالتلون، وبعد 9 سنوات من التجربة عاد علماء آخرين لأخذ عينات من أبناء تلك الأسماك التي لم تكن ملونة في البداية، ووجدوا أنها مختلفة بشكل كبير من أسلافها التي نقلت للبيئة الجديدة، فكانت ألونها زاهية جميلة، والأكثر والأعجب من ذلك، الجوبي الموجود في البيئة المطمئنة كانت تنضج بعد فترة طويلة بالمقارنة مع تلك التي كانت في البيئة الخطرة، وكذلك كانت أكبر، ولم تكن تنتج أبناء كثيرة.

في يوم من الأيام سافر إندلر على طائرة داخلية في الولايات المتحدة الأمريكية، فتحدث معه المسافر الذي جلس بجانبه، وسأله عن عمله، فأجاب إندلر أنه يعمل في البيولوجيا، وبدأ بشرح بعض التجارب العلمية التي كان يقوم بها، فاستمتع صاحبه المسافر بالمعلومات، وتابع الفكرة باهتمام كبير، واعتقد أن منطق الفكرة صحيح، فما كان منه إلا أن سأله عن هوية النظرية التي يعمل بها، حتى إذا ما كشف له أن عمله كان في نظرية داروين للتطور والانتخاب الطبيعي حتى اشمأز صاحبه وتوقف عن المحادثة، وأدار وجهه عن إندلر إلى نهاية الرحلة.

ملاحظات عامة عن الحلقة

في هذه الحلقة سأتناول نظرية التطور، أعرف تماما مدى حساسية النظرية في المنظور الديني، وأن الكثير يرفضها رفضا قاطعا في مقابل فهمه للنص، ولكن لن أتحدث عن النظرية لإثباتها أو لرفضها، ربما الإثبات أو الرفض سيثر العديد من المستمعين، وربما ينفرهم ذلك عن الاستماع لبقية الحلقة، لذلك الحديث سيكون عن الآلية التي تعمل بها نظرية التطور بحسب ما يذكره علماء التطور.

تستطيع أن تعتبر هذه الحلقة شرحا للفكرة من غير الحاجة للرفض أو القبول لها، بل المطلوب أن تعتبرها وكأنها شرحا لطريقة عمل التيار الكهربائي في دائرة إلكترونية، أو طريقة تحضير كعكة في مطبخ بموادها المختلفة ومقادريها وأدواتها، أو طريقة صنع سيارة في مصنع السيارات. المعلومات التي سأذكرها هي عن الطريقة، وليست عن المصنع ولا عن حقيقة الصناعة، ولا عن هدف الصناعة، وسأكذر القليل من الأمثلة. فأرجو أن تستمع للحلقة بلا حاجة للخوف من الفكرة ولا تحفظ.

أما في الحلقة القادمة فسأقوم بمقابلة الدكتور فصيل الصايغ، الذي قدم محاضرة مطولة عن موضوع التطور سابقا، حتي يكون هناك تفصيل كامل عن النظرية، لتشتمل عدة جوانب، وسأقوم بدور الضد، وسأسأل أسئلة مضادة للنظرية، وقد طلبت من المتابعين أن يرسلوا لي أسئلة لمناقشة النظرية ولمعرفة حقيقتها، وقد وصلتني عدة أسئلة. وسيجيب عليها الدكتور فيصل في المقابلة.

يبقى أن من أهم ما لن أتطرق له في هذه الحلقة ولا في حلقة المقابلة هي الأسئلة الدينية، لعدة أسباب، أولها هو عدم اختصاصي بها، وثانيها أن الفكر الديني متنوع بحسب المذهب، وربما لا أستطيع أن أنصف الجميع مع قلة خبرتي في الموضوع. ثالثها، أن خلط الموضوع الديني مع نظرية التطور سيسبب إزعاج عام للمستمعين، رابعها، هو أن المواضيع التي أركز عليها غالبا ما تكون علمية تكنولوجية وفلسفية مع لمحات بسيطة دينية محايدة، لذا حتى الأسئلة التي سأسألها للدكتور فيصل الصايغ ستكون كلها في المحور العلمي أو الفلسفي أو المنطقي.

كيف تعمل نظرية التطور

لنبدأ بالشرح المجمل لهذه النظرية من خلال ثلاثة عوامل أساسية: التنوع والتوارث والانتخاب الطبيعي، ثم أبدأ بالشرح المفصل لكل نقطة من النقاط. هذه النقاط الثلاثة ليست هي الوحيدة التي تعالج نظرية التطور، ولكنها بداية لمعرفة كيف تعمل.

بداخل خلايا كل كائن حي دي إن إي (DNA)، وهذا الدي إن إي ما هو الشفرة التي تعمل على تكوين كل كان حي بالشكل الذي تراه، وبتغير شكل الدي إن إي سيكون هناك تنوع في أشكال الحياة، وهذا ما نراه، فهناك أصناف مختلفة من الحيوانات والنباتات، كل نوع له شكل مختلف عن الآخر، وكل نوع من هذه الأنواع إنما يتحدد بتركيبة الدي إن إي في هذه الخلايا، بل حتى وإن كانت هناك تصنيفات لهذه الحيوانات مثل الكلاب والقطط والنمور الطيور والحيتان والزهور البقول والأشجار وما إلى ذلك، إلا أن هناك تنوع حتى على مستوى تلك التصنيفات، ففي عالم الكلاب هناك أنواع مختلفة تختلف بأشكالها وأطوالها وفي كل تفاصيلها الدقيقة، وحتى القطط في صنفها تأتي بأشكال مختلفة وفرو مختلف، حينما تأتي للزهور ستجد أشكال مختلفة وألوان وأطوال مختلفة وهكذا، وهذه أيضا ترجع إلى تراكيب الدي إن إي المتنوعة في خلايا كل تلك الأحياء.

بل لو أنك تنظر حتى لتلك لأصناف المتشابهة جدا، ستجد هناك اختلافات على المستوى الدقيق. فخذ على سبيل المثال الإنسان، فهو وإن اشترك مع الآخرين تحت صنف واحد يسمى بالإنسان إلا أن كل إنسان يختلف عن الآخر، فهناك الأوربي بأنفه الدقيق، وهناك الصيني بعيونه الصغيرة، وهناك الهندي الداكن البشرة، وهكذا، ولو أنك دققت أكثر من ذلك ستجد اختلافات بين الهنود أنفسهم، وبين الصينيين أنفسهم، وهكذا، بل لو تأتي لأسرة واحدة ستجد الاختلاف بين الإخوة من أب وأم واحدة. وهذا ما يقصد بالتنوع، أي أنه حينما تتناسل الكائنات الحية فإنها تتنوع، وهذا التنوع يأتي من الاختلافات في تراكيب الدي إن إي.

النقطة الثانية، وهي التوارث، وهذه أيضا تخص الدي إن إي، حينما يتكاثر الإنسان فإنه يلد إنسانا آخر نقلت إليه الصفات العامة، فحينما تنظر لأطفالك سترى بعض الصفات المشابهة لصفاتك والبعض الآخر مشابهة لصفات الأم، كل هذه الصفات المشتركة يتوارثها الأبناء من خلال الدي إن إي. وحتى في الحيوانات تكون العملية هذه مشتركة، فحينما تلد القطة فإنها تلد قطة أخرى توارثت منها الصفات المختلفة، بعضها من الأب الذكر، والبعض الآخر من الأم الأنثى، ولكن لا ننسى أن بعض الصفات تختلف فلا هي تتبع الأب ولا الأم.

النقطة الأخيرة، وهي الانتخاب الطبيعي، وهي العملية التي يتم فيها فلترة الكائنات الحية بحسب النوع الذي يستطيع أن يتأقلم مع الطبيعة التي ولد فيها أو انتقل إليها، فإذا ولدت قطتان في بيئة حارة، وكانت شعر واحدة منها كثيف جدا، والأخرى أقل كثافة، فذلك يعني أن القطة الأولى قد تموت بسرعة من الحر، والأخرى تعيش لتتكاثر ولتنقل جيناتها للجيل القادم، فبعملية التوارث ستنقل القطة صفة الشعر الأقل كثافة بينما القطة التي ماتت لن تنقل صفة الشعر الكثيف. فالانتخاب يُلغي الحيوان الذي لم يستطع أن يتأقلم ويُبقي الحيوان الذي تمكن من البقاء إلى أن يورث صفاته إلى الجيل القادم. وهذا أهم ما في الموضوع، ففي نظرية التطور البقاء يكون لأي حيوان قادر على التأقلم مع البيئة ليتمكن من التكاثر، لينقل صفاته مع القليل من التغيرات الطفيفة إلى الجيل الذي يليه.

وأهم ما في الموضوع أن كل هذه العمليات التي تنتج أصناف جديدة من الحياة إنما تحتاج إلى حقب طويلة جدا حتى تظهر الاختلافات بشكل واضح. ففي بداية الأمر التنوع يقدم صفاتا مختلفة بشكل بسيط جدا، ولكن مع الوقت تبدأ هذه الصفات بالازدياد إلى أن تصبح الحيوانات مختلفة بما فيه الكفاية، لتصبح غير قادرة على التكاثر مع الأصناف الأخرى التي انشقت عن الأصل، ولتتكون أنواعا مختلفة في نهاية الأمر، وهذا التنوع الذي نراه إنما هو نتاج توارث وتنوع وانتخاب طبيعي على مر ملايين أو بلايين السنين.

التوارث

لنبدأ من النقطة الثانية وهي التوارث، نحن نعرف التوارث بشكل جيد، فنحن نراه على مستوى الأصناف، فالقطة تلد قطة أخرى، والفراشة تنتج فراشة، والوردة تنتج وردة والإنسان كذلك ينتج إنسانا، فكل كائن يورث صفاته إلى الأبناء، كيف تنتقل هذه الصفات من الآباء إلى الأبناء؟ إنها تنتقل عبر مركبة الدي إن إي، هذا الجزيء الكبير – والمكون من تراكيب مختلفة من قواعد حمضية أربعة – هو السبب الرئيسي في انتقال الصفات.

حينما يكون هناك تزاوج بين ذكر وأنثى (وانتبه أن بعض الكائنات الحية تتكاثر لوحدها بلا حاجة لطرفين في عملية التزاوج)، فإن الدي إن إي الأب ودي إن إي الأم يدمجان مع بعضهما، لتتكون خلطة جديدة في الأبناء. فتنتقل إليها بعض صفات الأب وبعض صفات الأم.

كان يعتقد في القرن التاسع عشر أن التوارث يعني تمازج الصفات، وربما كان من أهم من اعتقد هذه الفكرة هو العالم آلفرد واليس (Alfred Wallace)، كان يعتقد أنه حينما تتزاوج الكائنات فإن صفاتها تتمازج مع بعضها، فحينما تتلاقح وردة حمراء مع أخرى بيضاء فذلك يعني أنها ستنتج زهورا وردية، أو طيفا من الألوان بين الأحمر والأبيض، ولكن هذه الفكرة غير صحيحة مطلقا، فحينما تتكاثر الحيوانات لا نجد أنها تلد صغارا بأطياف من مختلفة بين الذكورية والإنثوية، فإما أن تلدها ذكورا أو تلدها إناثا، وهذه الفكرة أشار إليها دارون في رسالة إلى آلفريد واليس في سنة 1866 ولكنه لم يكن يعرف الكيفية التي تتم بها عملية التوارث المعروفة اليوم، وهي من خلال الدي إن إي أو الجينات. فالجينات لا تتمازج كخلط الألوان إنما تختلط كما تختلط أوراق اللعب (مع فارق التشبيه).

المؤسس الرئيسي لفكرة توارث الصفات هو الراهب جريجور مندل (Gregor Mendel) النمساوي، وقد عاش مندل في نفس الفترة التي عاش فيها داروين، ولكن يبدو أن داروين لم يكن يعلم بفكرة مندل والتي تشرح مبادئ التوارث وعلم الجينات، بدأ بدراسة التوارث من خلال الفئران، ولكن الأسقف القديس توماس آبي (St. Thomas Abbey) لم يرض بأن يدرس راهبا الجنس بين الحيوانات، فتحول منديل إلى دراسة النباتات، واكتشف بعض أسس التوارث المهمة جدا، ولكن لم تقبل نظرياته في التوارث حتى اكتشف العلماء علم الجينات في القرن العشرين، حتى أن العلماء في عصره رفضوا المبادئ التي طرحها في ورقة علمية سنة 1866. أما اليوم فنظريات منديل مثبتة بالتجارب العلمية، وكذلك من الناحية الرياضية الإحصائية الدقيقة.

مندل هو الذي اكتشف أن النباتات لا تتمازج صفاتها، بل إنها تورث صفات محددة، فمن خلال دراسته لنباتات البازلاء وتلقيحها ببعضها وجد أن الصفات العامة لا تذوب في بعضها لتكوّن صفاتا بدرجات مختلفة، فألوان ورودها إما أن تكون بنفسجية أو بيضاء، فلا توجد ألوان وسطية بينها، وكذلك اكتشف أن هناك صفاتا محددة تعاود الظهور مهما كانت خلطة التزاوج، فواحدة كما ذكرت هو لون الورود، وأخرى هي طول جذع النبتة، وأيضا شكل البذور إما ملساء أو مجعدة، وكذلك بالنسبة لألوان البذور إما خضراء أو صفراء، وهكذا… كل تلك احتفظت بالصفات بلا تدرج.

اليوم مع معرفة الدي إن إي (DNA) والتحكم فيه بطريقة دقيقة استطاع العلم أن يفهم الكيفية التفصيلية التي يتم فيها التوارث، والتوارث يأتي بنقل المعلومات، والمعلومات هذه كلها موجودة في الدي إن إي. على عجالة سأذكر تفاصيل بسيطة عن الدي إن إي والجينات والآر إن إي (RNA) والبروتينات.

الدي إن إي عبارة عن جزيء طويل جدا، يصل إلى مترين في بعض الخلايا تقريبا، ولو أنك جمعت الدي إن إي من كل خلايا جسدك لكان حاصل جمع أطوالها كلها تصل إلى الشمس وتعود أكثر من 300 مرة، كل دي إن إي مكون من أربعة قواعد وهي: أدنين (Adenine)، ساتوسين (cytosine)، جوانين (Guanine) وثايمين (Thymine)، هذه القواعد تتصل مع بعضها في سلسلة طويلة تتكون من 3 مليار قاعدة نووية.

حتى أُقرِّب شكل الدي إن إي تستطيع أن تتخيل السلم الذي يسند على الحائط، ستكون كل درجة فيه عبارة عن قاعدتين متصلتين ببعضهما البعض، عدد الدرجات هي 3 مليار تقريبا، تخيل نفسك تمسك بالسلم من أطرافه بالطول، ثم تلويه وتعصره كما تعصر المنشفة الرطبة، سيكون الدي إن إي ملتويا بنفس هذه الطريقة، المشكلة أن الدي إن إي بهذا الطول (مترين) لا يمكن وضعه في خلية ميكروسكوبية، لذلك تقوم بروتينات تسمى بهيستونات (Histones) بلفه حولها كما يُلف الخيط حول البكرة (عدة هيستونات تلف الدي إن إي الواحد)، حينما يلتف الدي إن إي بهذه الطريقة، فإنه يصبح كروموسوم.

كل خلية تحتوي على مجموعة من الكروموسومات، والكائنات الحية تحتوي على أعداد مختلفة من الكروموسومات، الإنسان – على سبيل المثال – يحتوي على 23 زوج من الكروموسومات في خلايا جسده، واعتمادا على نوع الخلية تكون الكروموسومات مكونة من زوج من الدي إن إي ليكون هناك 46 دي إن إي ككل، وبعض الخلايا، مثل البويضة والحيوان المنوي تحتوي كروموسوماتها على دي إن إي فردي (أي 23 كروموسوم). ولذلك حينما يلقح الحيوان المنوي البويضة، فإن الكروموسوم الجديد سيتكون من دي إن إي الرجل ودي إن إي الأم. إذن أنت نصفك مكون من أبوك والنصف الآخر من الأم. مع ملاحظة أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الصفات التي فيك هي منقسمة بالتساوي بين الأب والأم، بل إن هناك عوامل أخرى تتحكم في تشابهك للأم أو للأب بحسب ما يسمى بالصفات السائدة والصفات المتنحية.

بعد أن علمنا أن الدي إن إي هي السلسلة الطويلة من القواعد الأربعة النووية، ماذا يقصد العلماء بالجينات؟ الجينات عبارة عن مقاطع بأطوال مختلفة من سلسلة القواعد النووية، فلو أن لديك ذلك السلم الطويل، تستطيع أن تقول أن أول 3 درجات هي جين، وثاني 10 درجات هي الجين آخر، وثالث جين هو 7 درجات وهكذا، كل مقطع من مقاطع الدي إن إي هي عبارة عن جين، والجينات هي التي تعطي الصفات المختلفة للكائنات، فحينما تكون عيناك زرقاء فهذا بسبب تسلسل من قواعد محددة، ولو أنك تغير بعض القواعد سيتغير لون عينيك، وهكذا بالنسبة لأي جزء من أجزاء جسدك وكل تفصيل من تفاصيل أعضائك في خارج أو داخل جسدك، وكل كرة دم حمراء أو بيضاء، وحتى لون بشرتك، ونعومة شعرك، وخشونة أظافرك، كلها تعتمد على التركيبة لهذه الجينات.

نتساءل الآن كيف تُكوّن الجينات أو الدي إن إي جسدك؟ الدي إن إي هو الخريطة أو الشفرة أو المعلومات التي تعتمد عليها البروتينات لصناعتك، البروتينات هي آلات في منتهى الصغر، تعمل ليل نهار لصناعتك، هي التي تبني كل أجزاء جسدك: قلبك، كليتاك، كبدك، يدك رجلك، عيناك، دمك، وهكذا، هذه الآلات الصغيرة تعمل باستمرار اعتمادا على قوانين فيزيائية وكيميائية في حركتها وصناعتها، وحينما أقول أنها آلات أقصد أنها آلات فعلا، فهي تعمل كماكينة الحياكة، وهي تعتمد على الشفرة الموجودة في الجينات لكي تصنعك.

العملية تبدأ بالجينات وبعض البروتينات في الخلية، البروتينات تلتصق بالدي إن إي، وتقطعه بالمنتصف، لو نعود للسلم مرة أخرى، تخيل أنك تمسك بمنشار آلي، وتقطع الدرجات في المنتصف طولا، هكذا يفعل البروتين بالقواعد، وأثناء قطعه للدي إن إي يقرأ الشفرة في كل جين، ويبدأ بتكوين ما يسمى بالآر إن إي، والآر إن إي هو نسخة من كل جين مع اختلاف بسيط، كلما انتهى البروتين من قراءة جين، يرمي بالآر إن إي بعيدا عنه، ويكمل المشوار ليكون آر إن إي آخر بحسب الجين الذي يليه، وهو يقطع الدي إن إي من الأمام ويعيد تركيبه من الخلف، ويكرر هذه العملية.

بعد أن يتم إنتاج الآر إن إي يبدأ الآر إن إي بمساعدة البروتينات لإنتاج بروتينات جديدة، وكل واحدة من تلك الآر إن إي المختلفة تنتج بروتينات متخصصة، وكل منها يبدأ بتكوين أعضائك وسائر جسدك من الداخل والخارج.

إذن حينما يتم توريث الصفات، ما تورثه في الحقيقة هو هذا الدي إن إي الحامل للمعلومات، وهي الشفرة التي تعتمد عليها البروتينات لتكوين أبنائك، وهي خليط من صفات الأب والأم مورثة.

التنوع من خلال الطفرة (Mutation)

صحيح أن أبناءك يتشابهون معك في الصفات، ولكن ليس بالضرورة أن كل صفة فيهم تنطبق على الأب أو الأم، وكذلك بالنسبة لسائر الكائنات، صحيح أنها تتشابه مع الآباء ولكنها لا تتشابه في كل الصفات، فتكون هناك أحيانا بعض الاختلافات، بعض هذه الاختلافات هي نتاج طفرات، وهذه الطفرات هي نتيجة لأخطاء وتغيرات تحدث على الجينات، وهي تحدث بعشوائية، فلا يعلم ما الجين الذي سيتغير، ولا نوع التغير ولا متى سيحدث التغير، وإن حدثت هذه الطفرات في الجينات التي ستُنقل في الحيوانات المنوية والبويضة، هذه بدورها ستنتقل إلى الأبناء. وهنا تحدث التغيرات في الأبناء. هذه التغيرات أو الطفرات تحدث لعدة أسباب، منها ما هو بسبب المواد الكيميائية، ومنها بسبب الإشعاعات، ومنها بسبب أخطاء أثناء نسخ الدي إن إي (وهي الأكثر شيوعا)، وتحدث كذلك بسبب الفيروسات، وأمور أخرى، وأحيانا تطرأ التغيرات على جين أو عدة جينات.

يحدث وأن أحيانا يولد بعض الأبناء بعيون خضراء بالرغم من أن لآبائهم عيونهم سوداء، ولو تفحصت جينات الآباء لما وجدت تلك الجينات أي جين مسؤول عن اللون الأخضر، فمن أين أتى هذا اللون الجديد في عينا الأبن أو الأبناء؟ مثل هذا التغير يحدث بسبب طفرة في الجين المختص عن لون العين. مثل هذه التغيرات لا تحدث فقط في العين، بل هي تحدث في جميع أنحاء الجسد، أحيانا تحدث طفرات بحيث يتم تعطيل بعض الجينات فتختفي صفات معينة، فخذ على سبيل المثال الدجاج، الدجاج أصله ديناصور، والديناصور لديه أسنان، وعلى مر الأزمان حدثت لجيناته طفرات، فعطلت الجينات المسؤولة عن تكون الأسنان (حدث هذا التغير حوالي 70 مليون سنة)، وقد قام العالم ماثيو هاريس من جامعة ويسكانسون بملاحظة كيف يمكن لطفرة أن تزيل التعطيل، فقد قام بتعريض الجين المسؤول عن ظهور الأضراس لبروتين، فشغلّها، وظهرت أسنان للدجاج في بداية تكونه في البيضة، وتشابهت هذه الأسنان مع أسنان التمساح. إذن، جينات الأسنان موجودة في الدجاج، ولكنها أصبحت معطلة.

لماذا ينصح الأطباء بتناول المضاد الحيوي بالكامل؟ وهذه نصيحة مهمة لابد أن يتعامل معها المريض بجدية تامة، الكثير من المضادات الحيوية لم تعد قادرة على القضاء على البكتيريا، ويعود أحد تلك الأسباب لعدم اتباع نصيحة الطبيب، المضاد الحيوي يجب أن يؤخذ في ساعات محددة بالدقة، ويجب أن يتعاطاه المريض حتى آخر جرعة، ما السبب في ذلك؟ لأن الطفرات التي تحدث في البكتيريا تحدث بسرعة، وحينما لا تتعاطى جميع الجرعات لا تُقتل كل البكتريا، وبوجود هذه الطفرات ينتج جيل من البكتيريا لديه مناعة من الدواء، وفي المرات القادمة حينما تتعاطى الدواء ستسبح البكتيريا في هذا الدواء بلا مبالات. يعاني الأطباء من هذه المشكلة بشكل كبير لأن الأدوية لم تعد فعالة كالسابق، ولذا لو أنك تبحث في المضادات الحيوية ستجد أن هناك أجيالا منها، كلما تقدم الوقت وساء الاستخدام اضطر العلماء للبحث عن جيل جديد من الأدوية للتعامل مع البكتيريا التي تطورت. البكتيريا تتطور بسبب تغيرات تحدث لجيناتها عشوائيا.

حينما تذهب للطبيب ويطلب منك التصوير باستخدام الأشعة السينية، لماذا يغطي الأعضاء التناسلية بالخصوص؟ السبب يعود إلى أنه إذا ما أصابت الأشعة الدي إن إي وغيرته، قد تنتقل هذه التغيرات إلى أبنائك، وكذلك الأشعة الكونية التي تتساقط من السماء قد يحتمل وأن تصطدم مع الدي إن إي، وتغيره، لا يمكن طبعا الامتناع عن هذه الأشعة، فهي تخترق الجسم بشكل يومي، ومن هذه الأشعة أيضا أشعة جاما، وأشعة ألفا، حتى الأشعة الفوق بنفسجية تغير في الجينات. وهناك أيضا طفرات تحدث بسبب المواد الكيميائية، والمواد الكيميائية المسؤولة عن هذه الطفرات كثيرة، وهذه المواد الكيميائية والأشعة وحتى الفيروسات وما إلى ذلك تسمى بالمطفِّرة (Mutagens).

وهناك أخطاء تحدث أثناء نسخ الدي إن إي، على الرغم من أن البروتينات تقوم بتصحيح الأخطاء التي تحدث للجين، ولكنها أحيانا تخفق، عدد الأخطاء التي تحدث في الخلية في اليوم الواحد هو 10,000 إلى 1,000,000 خطأ أثناء النسخ، ولكن هذه الأخطاء تعد بسيطة، لأنها لا تمثل سوى 0.0001% من طول الدي إن إي، (لا ننسى أن الكروموسوم يحتوي على زوج من الدي إن إي، وكل واحد منها يحتوي على حوالي 3 مليار قاعدة) ولكن لا تنتهي القصة هنا، حيث أن أغلب الأخطاء تُصحح.

إذا ما بقيت هذه الأخطاء، فقد تتعطل الخلية وتموت أو أنها تتحول إلى خلية سرطانية، أو أنها تنتج بروتينات مختلفة تغير صفات الشخص، وإذا ما كانت هذه الأخطاء موجودة في الحيوانات المنوية أو البويضة فستنتقل إلى الأطفال، وكثيرا ما تتم فلترة الأخطاء أثناء الحمل، فيسقط الجنين قبل تكونه لوجود تشوهات فيه… ولكن بعض هذه الأخطاء تعود بفوائد على الكائنات الحية. إذن، هذه الطفرات تحدث في الجسم باستمرار، وبإضافة والتمازج بين جينات الأب والأم تتسبب هاتين الطريقتين بالتنوع في الكائنات الحية.

العشوائية (Randomness)

البعض من الذين يعتقدون في نظرية التطور يرفضون على الأقل مبدأ العشوائية في التعديل على الجينات، ومن حق أي إنسان يرى الحياة على ما هي عليه اليوم أن يرفض مبدأ العشوائية رفضا قاطعا، فكيف لهذه الصور المذهلة للحيوانات من أسماك وطيور ملونة بألوان زاهية، وورود ببتلات فائقة الجمال، والتعقيد المذهل في تراكيب الحيوانات، بل حتى الإنسان المبهر في كل نواحيه أن تكون للطفرة العشوائية أي دور في تكوين كل تلك أو تكوينه هو؟ بالطبع، من يرى هذه التفاصيل لن يقبل بالعشوائية كمبدأ لتطور الحياة. لفهم كيف تعمل العشوائية وارتباطها بنظرية التطور لابد من فهم نقطتين رئيسيتين، أولهما معنى العشوائية، وثانيهما الانتخاب الطبيعي. سأتحدث عن الانتخاب الطبيعي في الباب الأخير من البودكاست، ولكن لنفهم ماذا تعني العشوائية حتى نرى كيف تدخلت في التطور.

العشوائية بني عليها علم متكامل في الرياضيات، وهي مستخدمة اليوم في الكمبيوتر لحل أصعب المسائل الرياضية، وأنا شخصيا قمت باستخدامها في برامج الكمبيوتر في دراستي في الدكتوراة في مجال “التحسين” Optimization، واليوم تُدرّس من ضمن مواد مثل الاحتمالات والإحصاء (Probability and Statistics)، المتغيرات العشوائية (Random Variables)، وأيضا العمليات أو الوظائف العشوائية (Random Processes)، ولولا هذه الدراسات في العشوائية لما كان بإمكانك أن تقوم باتصال واحد على الهاتف المتنقل، ولا يمكنك الاستماع لهذا البودكاست، ولا كان بالإمكان دراسة الطقس، ولم يكن بالإمكان دراسة الميكانيكا الكم، ولا البيولوجيا، ولا انتشار الأمراض، ولا الأسهم أو الاقتصاد بشكل عام، فقد دخلت الاحتمالات والمتغيرات العشوائية في كل مجالات العلم.

امسك بيدك بحفنة من التراب، ارمها في الجو، هل تستطيع أن تعرف أين ستهبط حبات الرمل؟ بالطبع لا، مالم تحط بحركة كل حبة من الرمل وتحصيها كلها، وتعرف وجهتها على حدة، وتأثير الهواء عليها، ووزنها، وشكلها، لن تستطيع أن تعرف أين ستهبط، بل أبسط من ذلك امسك بعملة بيد، وقذفها بحركة دورانية في الهواء وتلقفها، هل تستطيع أن تعرف على أي وجه هبطت؟ لا طبعا، لماذا رميتها بالأساس، ربما كنت تريد نوع من العشوائية في اختيارك بين أمرين أليس كذلك؟ ربما تريد اختيار فريق يبدأ بركل الكرة مثلا، هذه هي العشوائية، حينما يكون النظام الذي تعمل من خلاله لا يمكن التنبؤ بنمط أحداثه نسميه بالعشوائي، والعلم قام على تحليل هذه العشوائية بتفصيل رياضي خارق.

قد تقول ربما لو أن لدينا كمبيوتر يتابع كل حبة من حبات الرمل سنتمكن من معرفة أين ستهبط كل الحبات على حدة، أو حتى في حالة العملة يمكننا معرفة الوجه، أليس كذلك؟ بالتأكيد ذلك صحيح، وقد قامت شركة بوضع كاميرا لتصوير عملة أثناء ارتفاعها ودورانها وسقوطها على الأرض للتنبؤ على أي وجه ستسقط عليه، إذن، نتوقع أنه بإمكاننا رفع العشوائية بالعلم الدقيق، أليس كذلك؟ للأسف… لا، الحقيقة أعمق من ذلك، ففي ميكانيكا الكم، العشوائية جزء لا يتجزأ من تكوين نسيج الكون، فلا يمكن بأي طريقة علمية التنبؤ بأي ذرة من الذرات ستطلق إشعاعاتها إن كانت في مادة مشعة، وقد أُثبتت هذه النظرية مرارا وتكرارا في المختبر، بل إن من أشهر النظريات العلمية في هذا المجال هي نظرية بيل (Bell’s Theorem) والتي أثبتت تجريبيا ولم تترك أي مجال للشك أن العشوائية هي جوهر أساسي في المادة، العالم الصغير يخضع لخواص عشوائية لا يمكن التنبؤ بها، ولا توجد في هذا العالم الصغير أي معلومات يمكن استخدامها للتنبؤ، حتى أن هذا المبدأ كان مزعجا جدا لآينشتين، ولكنه خسر هذا الرهان (هذا الموضوع هذا معقد، وإن وجدت طريقة مبسطة لشرحه في المستقبل فسأعود له مرة أخرى).

إذن حينما نتكلم عن العشوائية في التغيرات نحن نتكلم عن العشوائية بسببين، الأول عدم قدرتنا على التنبؤ لكثرة المتغيرات (مثل كثرة حبات الرمل)، والسبب الآخر يعود لوجود خاصية جوهرية في المواد مما يجعلنا غير قادرين على التنبؤ بها بأي طريقة. ولابد أن تلاحظ ملاحظة مهمة جدا، وهي أن قبولك بمبدأ العشوائية قد يضايقك، لأن ذلك سيعني قبولك بإحدى ميكانيكيات عمل التطور في الكائنات، ولو أنك رفضت مبدأ العشوائية في المقابل، ستدعي الحتمية والتي تعتمد عليها نظرية نيوتن، وستدعي أن الأمور تخضع لسلسلة من الأحداث من بداية تكون الكون إلى يومنا هذا، وهذا يعني بحسب بعض الفلسفات أنك لا تمتلك الإرادة الحرة، بل لنذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو أنك بمعرفتك لكيفية حركة الأشياء في الكون يمكنك التنبؤ في المستقبل، فأيهما تقبل؟ أتقبل بالعشوائية في التطور أو الحتمية وفقدان الإرادة والتنبؤ في المستقبل؟ بالطبع فإن المسألة لا ترجع للذوق الشخصي في الاختيار ولا حتى للفلسفة، بل هي خاضعة للتجربة الدقيقة التي تحكي قصة العشوائية.

وأخيرا بالنسبة للعشوائية، فإن وجود عشوائية لا يعني بالضرورة عدم وجود نظام، ولو لم يكن للعشوائية أنظمة أو أنماط لما ظهرت رياضيات لتعالجها، الفكرة في أن العشوائية يمكن دراستها في أحداث كثيرة بدلا من الحدث الواحد، أكتفي من موضوع العشوائية بهذا القدر، وأعيد وأذكر أن العشوائية جزء من نظرية التطور، وليست الكل بل إنها تحتاج لأهم عملية وهي الانتخاب الطبيعي.

الانتخاب الطبيعي

العشوائية وحدها لا تكفي، المشكلة في العشوائية أنها… عشوائية، فكيف لعوامل أحيانا تكون إيجابية وأحيانا سلبية أن تكوّن الطاووس بذيله الجميل، وأو طائر من طيور الجنة (وهنا أتحدث عما لقب بالجنة المكتشفة في بابا نيو جيني) برقصاته الجنونية الملفتة للنظر؟ أو ماذا عن بعض أنواع الأخطبوط الذي يتشكل جسده بأشكال متنوعة مشابهة للكائنات البحرية في بيئته وبألوان مختلفة ليتخفى عن الأسماك المفترسة؟ أو ماذا عن الطير الذي لديه جناحين يطير بهما؟ وماذا عن البكتيريا الفلاجيلام (flagellum) التي لديها ماكينة تستخدمها للحركة في الماء بتحريك ذيلها؟ هل يمكن للعشوائية أن تحدث كل التطورات في الكائنات الحية؟ لا، بالتأكيد لا، فلولا وجود الانتخاب الطبيعي لما تطورت الكائنات نهائيا.

نعود لقصة الأسماك التي بدأت بها في بداية البودكاست، لو أنك تستمع لنظرية التطور لأول مرة لفهمت هذه القصة فهما خاطئا، أنا ذكرت في البداية أن الأسماك التي وضعت في بيئة مفترسة تتغير ألونها للتناسب مع البيئة لتتخفى عن الأسماك المفترسة، بينما إذا كانت في بيئة خالية من الافتراس ستتغير ألونها لتختلف الصور في قاع الحوض، وبذلك تكون واضحة للإناث، ربما جاء في مخيلتك أن هذا التطور يحدث في حياة أسماك الجوبي التي وضعت في الأحواض، لو سمينا الجيل الأول من السمك (أ)، فإن الأسماك (أ) هي التي ستتغير ألونها تدريجيا كلما كبرت، وتأتي بعدها ذريتها من أسماك الجيل (ب) لتحتوي على ما حوته تحولات آباؤها، وهذه الفكرة غير صحيحة.

كان هذا هو الاعتقاد السائد في نظرية التطور قبل أن يؤصل داروين الفكرة الصحيحة، فكان البعض يعتقد أن الزرافة مثلا كانت لها رقبة صغيرة، ومع الوقت ومع احتياجها لأن تصل إلى أوراق الشجر العالية مدت رقبتها، فطالت قليلا، وبعد أجيال متعاقبة طالت الرقبة لتصبح ما هي عليه الآن، خطأ فادح في فهم النظرية، ولو أنك اليوم تقوم برفع الأثقال، ليصبح جسدك كمثل جسد فيل هيث (Phil Heath) بطل مستر أولوبيا لسنة 2012، لما ولد لك ولد بنفس العضلات أو حتى بعضلات تكاد تقترب من عضلاتك. والزرافة لا تورث لأبنائها طول رقبتها لمجرد محاولتها لمد الرقبة إلى الأعلى (على افتراض أنها تطول بهذه الطريقة)، ولا أسماك الجوبي تتغير ألونها أثناء حياتها لتورث لأبنائها اللون الجديد.

ما حدث بالنسبة للأسماك هو أمر أبسط من ذلك بكثير، في البداية حينما نضع عدد كبير من الأسماك في الحوض فإنها ستسبح في الماء بحرية، ولكن حينما نعرضها للفريسة، ستبدأ هذه الفريسة بأكل الأسماك الواضحة والتي تختلف ألونها عن البيئة. ذكرت في البداية أن الأسماك متنوعة، فلا تأتي كلها بمقاس واحد، ولا بلون واحد، كلها تختلف (وهذا هو التنوع الذي ذكرته في العشوائية والطفرات)، فأما السمك المسكين الواضح للأسماك المفترسة فسيكون لقمة سائغة لها، وسيُلاحق في الحوض إلى أن يُلتهم، أما تلك الأسماك التي تتشابه نوعا ما مع البيئة التي فيها فستتجاهلها السمكة المفترسة لأنها قد لا تراها، فتعيش لتورث جيناتها للجيل القادم.

إذن، الأسماك المفترسة تقوم فلترة الحوض من الأسماك الواضحة تدرجيا، إلى أن تبقى الأسماك القادرة على الاختباء، وهذه بدورها تستطيع التكاثر لتأتي بأسماك جديدة، وقد ذكرت في التوارث أن الأسماك ستنتج أسماكا متشابه معها في الصفات، أو قريبة من صفاتها، ولكنها بالتأكيد ستنتج أسماكا مختلفة ومتنوعة أيضا بسبب الطفرات الجينية، في الغالب ستكون هذه الأسماك قريبة في الشكل، ولكن بعضها سيكون قادرا على التخفي بأفضل من أسلافه، وبعضها سيكون واضحا بدرجة أكبر، ستعود السمكة المفترسة لتفترس الأسماك الواضحة، أما الأسماك التي استطاعت أن تتخفى ستنجو من الموت، أما الأسماك التي في الوسط، فربما ستمسك بها أو ربما لن تمسك بها الأسماك المفترسة، وهكذا مع كل جيل تتوالد أسماك الجوبي جوبياً أكثر قدرة على التأقلم مع البيئة، وكلما ولدت ستُنتخب تلك المتأقلمة، وتُمحى الغير متأقلمة.

أما عن الأسماك في الأحواض المريحة التي لا تحتوي على الأسماك المفترسة، ستكون هناك طريقة أخرى للانتخاب، الأنثى لديها عدد محدود من البيض، فأي الذكور سيكون محظوظا في تلقيحها؟ أيها ستختار الأنثى؟ إنها الذكور الأكثر وضوحا بالنسبة لها، ففي بادئ الأمر، ستكون تلك الأسماك واضحة نسبيا، ولكن مع الوقت كلما اختارت الإناث الأسماك الأكثر وضوحا وسمحت لها بتلقيح بيضها فذلك يعني أن الأسماك القادمة ستتوارث الصفات التي تعطيها الوضوح، أما تلك التي لا تحصل على فرصة للتكاثر مع الإناث ستندثر صفاتها مع الوقت لعدم تمكنها من نقلها للأبناء، وفي كل جيل تصبح الألوان أوضح سيكون للذكور فرصة أكبر للتزاوج. وهذا النوع من الانتخاب يسمى بالانتخاب الجنسي الذي يندرج تحب الانتخاب الطبيعي.

إذن الصفات التي تتغير لا تعني الصفات المتغيرة أثناء حياة الكائن الحي، بل هي صفات التي تتغير مع التزاوج ومع الطفرات فيتم توارثها عبر الأجيال المتعاقبة، ويتم انتخابها طبيعيا لتبقى الصفات التي تتأقلم مع البيئة ولإلغاء التي لا تتأقلم. وهنا لابد من ذكر نقطتين مهمتين جدا، الأولى هي أن القاء ليس – كما يُعتقد – للأقوى، بل إن البقاء لمن يستطيع أن يتأقلم مع البيئة حتى يتكاثر وينقل جيناته للجيل القادم، أكرر هذه النقطة لتكون واضحة، المهم في نظرية التطور هو نقل جينات الأبوين للذرية، والحيوان الذي يستطيع أن يجد مواردا للأكل، ويستطيع أن يهرب من الافتراس سيكون قادرا على نقل جيناته، ومع الوقت هذه الجينات تتعدل عشوائيا، وكل تعديل يتم تمحيصه وتجربته في الطبيعة، فإما إلى بقاء وإما إلى زوال.

والنقطة الثانية المهمة وهي أن الانتخاب الطبيعي يفضل التخفيض من الطاقة المستهلكة. فمثلا الانتخاب الطبيعي يفضل ألا يطير الطائر لأنه يستهلك طاقة كبيرة (من خلال التمثيل الغذائي Metabolism)، والطاقة الكبيرة تحتاج لموارد كثيرة، والبيئة تحتوي على موارد محدودة، ولكن التفضيل هذا لا يأتي على حساب الهروب من الفريسة، فالحمامة مثلا تطير، وتستخدم الجناح للهروب على الرغم من أن الطيران يستهلك طاقة كبيرة، النعامة في المقابل والتي تملك الجناحين لا تطير، مع أنها تنحدر من أصول طائر يطير، ولكن الجناحان أصبحا لا قيمة لهما في وجودها في بيئة لا تُفترس فيها بكثرة، وفي بيئة لا تحتاج لاستخدام جناحيها للهروب بالطيران، وفي بيئة يكون الطعام وافرا لا تحتاج لصرف طاقة عالية في التحليق وبالتالي ستخفض البيئة من استهلاكها للطاقة، وفي الأجيال المتعاقبة سيتم انتخاب تلك النعامات التي لديها أجنحة أصغر، وتستبدل الطاقة المصروفة في الطيران لحساب التكاثر. لن أشرح هذه الفكرة أكثر، فهي تحتاج لتفصيل دقيق.

تعال إلى الطاووس، لماذا ذيله طويل؟ ولماذا يحتوي على البقع الملونة في ذيله؟ أنه ذلك الطير الذي كان يشمئز منه داروين، حتى أنه كتب في رسالة إلى زميله أزا جري (Asa Gray): “إن مشهد ريشة في ذيل الطاووس – كلما نظرت إليه – يجعلني سقيما” (The sight of a feather in a peacock’s tail, whenever I gaze at it, makes me sick)، كيف لهذا الذيل الطويل الجميل أن يتطور؟ لا تنسى أن المشكلة ليست فقط في جمال الذيل، ولكن المشكلة الأدهى هي في ثقل وطول الذيل، وهو يسهل على الفريسة اصطياده، فكيف إذن نمى، وكيف أصبح بهذا الشكل المبقع الطيفي؟ بعد دراسة دارون لهذا الموضوع اكتشف الحقيقة، تلك التي تعتمد على الانتخاب الجنسي.

في العصر الحالي هناك عدة دراسات في الموضوع، وأشهرها ما قامت بها العالمة مارين بيتري (Marion Petrie) لمعرفة كيف تختار أنثى الطاووس الذكر، فوضعت ذكورا مختلفين أمام الإناث، كل منهم طول ذيله مختلف عن الآخر، ففضلت الإناث الذكور ذوي الأذيال الطويلة، وحتى تتأكد من أن طول الذيل كان سببا في الاختيار ولم تكن صفة أخرى لا يعلمها إلا إناث الطواويس في تلك الذكور، أخذت العالمة بيتري الذكور التي تم اختيارها التي كانت أذيالها طويلة، وقصتها لتصبح أقصر بقليل من الذكور التي لم تختارها الإناث، وعرضتها أمام الإناث مرة أخرى، فلم تخترها، واختارت الطواويس الأخرى (مع إن أذيالها كانت أقصر سابقا)، أضف لذلك أنها قامت بقطع عدد من البقع الجميلة على الريش، فإذا بالإناث تختار الطواويس التي رأت فيها بقعا أكثر.

وفي دراسة جديدة رائعة وضعت كاميرات صغيرة على رؤوس الإناث من الطواويس لتتبع مسقط عيونها بالضبط في موسم التزاوج (العلماء اليوم يستطيعون معرفة النقاط التي تتبها العين بدقة متناهية باستخدام التكنولوجيا، وقد جُربت علي هذه الكاميرات، وأعرف من التجربة الشخصية مدى دقتها في معرفة النقاط المحددة التي تقع عليها العين)، وجد العلماء أنه خلافا لما كان يعتقد، فإن الأنثى لا تنظر إلى ذيل الطاووس إلى الأعلى، بل إنها تنظر له من جنب إلى جنب، فبدلا من أن تقيم الطول، إنما هي تقيم العرض، وكذلك فهي تنظر للبقع على الذيل، وتقفز من بقعة إلى بقعة، ومن جنب إلى جنب، أضف لذلك أنها حينما تمسح بعينيها ذكر الطاووس فإنها تنتقل للنظر للبيئة من حولها لتكتشف إن كانت هناك أي حيوانات مفترسة لتهرب منها إن استدعى الأمر ذلك.

إذن حينما تختار أنثى الطاووس هذه الأذيال الطويلة إنما هي تختار من مِن الطواويس سينقل جيناته للجيل القادم، وستنقل جينات الطاووس ذو الذيل الطويل والمقبع ببقع أكثر. ويندثر ذلك الذيل الصغير، وكلما كان في الأبناء طاووسا بذيل أطول سيكون عرض للاختيار في المستقبل، لينتج طواويس بأذيال طويلة.

هل فعلا الطواويس تُميز الألوان الجميلة؟ هل هي تفهم بالفن لتختار الطاووس بحسب ألونه الزاهية؟ ماذا عن ذكور طيور الجنة التي تتراقص أمام الأنثى فتغريها للتزاوج معها، لو لم تشاهد هذه من قبل ابحث على اليوتيوب عن طيور الجنة وتجهز لتصعق من المشاهد التي ستراها لرقصات تلك الطيور الرشيقة، رقصات فنية مع رفرقات للريش مبهرة على أقل التقادير، فهل يعقل أن أنثى الطيور تفهم في الرقص؟ الموضوع أعمق من ذلك وأهم من أن يكون الفن سببا للاختيار، ففي كتاب “لماذا التطور حقيقة” للعالم (Jerry Coyne) يقول أن إحدى النظريات في هذا الموضوع أنه حينما ترى الأنثى مثل هذه الرقصات فإن ذلك يعطيها دليلا لها على أن هذه الطيور خالية من الأمراض، فحينما يستعرض الذكر ريشه الزاهي، ويرقص رقصاته المعقدة فذلك يعني أنه سليم صحيا ولا يحتوي على أمراض تعكر من ألوان ريشه، وحينما تنتخبه الأنثى فهي تنتخب لتوريث جيناته السليمة، وقد قامت العالمة بيتري بتجربة ثالثة على الطواويس لترى حقيقة هذه الأمر، فزوجت الطواويس بعشوائية بغض النظر عن طول أذيالها، فاكتشفت أن ذراري الطواويس الأقصر ذيلا كانت تحتوي على الأمراض، إذن، طول الذيل وأعداد التبقيع شهادة طبية عن صحة الطاووس.

قد تتساءل، فكيف للأنثى أن تعرف أن الرقصة أو الألوان الزاهية تعني أن الذكر خالي من الأمراض؟ هي بالطبع لا تعرف، ولكن يشرح كتاب “لماذا التطور صحيح” أنه لو ابتدأنا في البداية واختارت الأنثى بشكل عشوائي الذكور الضعاف المرضى، ذلك يعني أنها ستنتج ذكورا مرضى ضعاف، وقد لا يحصلوا على الفرصة للتزاوج لموتهم أو لعدم قدرتهم على التكاثر فتندثر جيناتهم السيئة، ولكن لو اختارت الأنثى الذكور الأقوياء الخالين من الأمراض فذلك يعني أنها ستنتج طيورا أقوياء قادرين على التناسل، ماذا لو أن على مر الأزمان أصبحت هناك طفرة جينية للإناث بحيث تكون لديهم الغريزة في اختيار الذكر الصحيح القوي الخالي من الأمراض عن طريق اختيار لون الريش أو رقصته الحيوية؟ مثل هذا الجين سيبقى لأنه سيختار الأفضل للتكاثر، وهكذا تصبح الأنثى قادرة على الانتخاب الجنسي بحسب طفرة جينية بقيت معها.

أحيانا يكون الانتخاب الجنسي قائم على قدرة الذكر على المصارعة والقتال لطرد الذكور والحصول على الأنثى، فذكور الغزال أو الوعل الآيرلندي الذي يمتلك القرن الكبير يستطيع أن يفرض نفسه على الذكور ذوات القرون الأصغر، وحينما تتقاتل على الأنثى فإنها تضمن أن تنقل جينتها للأجيال القادمة، وهذا يضمن بدرجة كبيرة انتقال جينات القرن الأكبر، ومع تنوعات في الذرية لأحجام مختلفة بين القرن الأصغر والأكبر – في الغالب – ستفوز الوعول الكبيرة القرن على تلك الممتلكة للصغيرة، وتحظى بالأنثى لتنقل جيناتها مرة أخرى، وهكذا تتكرر العملية، فتكبر القرون في كل جيل من جديد، ولا ننسى أن البيئة أيضا تفرض نفسها بطريقة أخرى، فلو أن هذه القرون كانت كبيرة بدرجة كبيرة بحيث تثقل على الوعل وتبطئ حركته، فلبرما لم يستطع الهرب من الحيوانات المفترسة، بذلك لا يتمكن من نقل جيناته، إذن لابد من توازن للبقاء على قيد الحياة لإنتاج جيل جديد من الأبناء.

هناك عدة تجارب ودراسات كلها تدل على أن التطور يحدث في المختبر أيضا، التطورات التي تحدث في المختبر بسيطة جدا، ولذلك لا يمكن مقارنتها مع التطورات الكبيرة التي تغير شكل الحيوان وأسلوب تكاثره على مر ملايين السنين، لنأخذ على سبيل تطور الصرصور في المختبر. قام العلماء بتجربة تبين كيف تتطور الصراصير وتتحول من محبة لمادة الجلوكوز إلى كارهة لها، تغيرت الصراصير بحيث تحمي نفسها من السم الذي تدسه شركات المبيدات الحشرية في السكر.

وضع العلماء نوعين من السكر للصراصر، الأول هو جلوكوز على شكل جيلي أحمر والثاني هو الفراكتوز الموجود في زبدة الفول السوداني، الصراصير تتغذى على النوعين من السكر، استطاع العلماء تطوير الصراصير بحيث تكره وتشمئز من الجلوكوز وتبقي حبها لتناول الفراكتوز. مع أن الصراصير الطبيعية تحب النوعين. لماذا تتفادى الصراصير ما كانت تحبه في السابق؟ لأنها تطورت لكي تكره الجلوكوز الموجود الجيلي تفاديا للموت.

كيف تطورت الصراصير لتتفادى الموت؟ لنبدأ بمعرفة سبب حب الصراصير لمادتي الجلوكوز الفراكتوز، السكر من هذين النوعين يُشغّلان لديها الخلايا العصبية الذواقة السكرية، فهي تميل لهذين السكرين لأنهما يشغلان هذه الخلايا. قارن هذا مع القهوة مثلا، الصراصير تتفادها لأن القهوة تشغل الخلايا العصبية الذواقة المُّرة.

لنعد للتجربة مرة أخرى، خلط العلماء السم مع النوع الأول من السكر وهو الجلوكوز، وقدموا النوع الثاني من السكر بلا سم، وأدخلوا الصراصير لتتغذى على النوعين من الطعام، ستكون هناك فئة من الصراصير التي ستأكل السم وأخرى التي ستتغذى على الطعام السليم، ستموت تلك التي أكلت السم، وستحيى لتتكاثر تلك التي تغذت على الطعام السليم. وهذا أمر طبيعي لا اشتباه فيه.

حينما تتكاثر تلك الصراصير التي بقيت حية، فإنها ستنتج صراصيرا متعددة ومتغيرة بتغيرات طفيفة، وهذه التغيرات تأتي بسبب طفرات جينية، ومن ضمن الجيل الجديد لهذه الصراصير سيكون هناك نوع يحب الجلوكوز ونوع يكره الجلوكوز ككرهه للقهوة، وحينما تتغذى على الجلوكوز فإن خلاياها العصبية الذواقة المُّرة هي التي ستشتغل، فتهرب منه، أي أن بعض الصراصير التي نتجت في الجيل الجديد منها ما سيحب الجلوكوز ومنها ما سيكرهه.

أما الصراصير الجديدة والتي ستتقبل الجلوكوز فستتناول الجيلي الذي خلط بالسم، وستأكله وتموت، وأما تلك التي تنفر من الجلوكوز لن تتناول الطعام المسموم، فتتوجه لتناول الفراكتوز، فتحيى لتنجب صراصير جديدة متنوعة، ولكنها ستنقل لها الطفرة الوراثية التي تحتوي على كره الجلوكوز، تدريجيا… وشيئا فشيئيا ومع كل جيل جديد ستتكون صراصير كارهة للجلوكوز المسمم، وبالتالي تتطور الصراصير لتصبح كارهة للجلوكوز ومحبة للفراكتوز. وهكذا تتطور الصراصير بحيث تتفادى الموت ولتنقل جيناتها إلى الأجيال القادمة.

عامل الزمن

إذن، التوارث ينقل الجينات، والجينات تنوع الحيوانات بطفراتها، والانتخاب الطبيعي ينتقي ما يتأقلم مع البيئة للتوارث مرة أخرى. وهذه الآلية تحدث في الطبيعية، وتحدث بتدخل الإنسان في مثل تطوير الكلاب، وتحدث في المختبرات، بل إن العلم وصل إلى مرحلة بحيث يمكن حياكة الدي إن إي كما يريد العلماء، وقد ذكرت هذا الموضوع في حلقة سابقة. ولكن نتساءل، أليست هذه طفرات بسيطة، ولا تؤثر تأثيرا كبيرا حتى تكون هناك تحولات كبيرة في الحيوانات لتصبح بهذا التنوع والأصناف المختلفة التي نراها الآن، إلى درجة أن بعضها لا يتزاوج مع الآخر؟

صحيح أن هذه التطورات بسيطة جدا، ولكن تأثيرها يتضح مع مرور قرون كثيرة، لا ننسى أن عمر الأرض هو 4.5 مليار سنة، وآلية نظرية التطور وإن كانت تقوم بتغيرات بسيطة، ولكنها في المحصلة النهائية تحدث تغيرات هائلة، فلو أخذنا مثالا على ذلك الزرافة، لو افتراضنا افتراضا خياليا أن في كل جديد من الزراف تكبر الرقبة ملي مترا واحدا في كل جيل، لنفترض أن الجيل الواحد للزرافة هو 25 سنة بما أنها تعيش بهذا القدر من السنين، وبحسب العلماء فإن الزرافة تفرعت عن أصلها بحوالي 10 مليون سنة في الماضي، بحساب بسيط يمكننا أن نعرف طول رقبة الزرافة الخيالية بعد مرور 10 مليون سنة.

عدد الأجيال = 10,000,000 ÷ 25 = 400,000 جيل.

طول الرقبة = 400,000 × 0.001 متر = 400 مترا

هذه الزرافة الخيالة سيكون ارتفاع رقبتها 400 مترا وهذا يعادل نصف ارتفاع برج خليفة، بالطبع فإن مثل هذه الزرافة الخيالية لا يمكن أن تكون موجودة، فكيف بها ستهرب من الافتراس برقبة طولها 400 مترا؟ إنها وجبة بوفيه لمملكة الحيوان المفترسة.

الآن لنتخيل أن إضافة للرقبة الأرجل طالت، والوجه طال، والذيل قصر، والبقع ظهرت على جسم الزرافة، فكل هذه يمكن تشفيره في الجينات، وهكذا بالتدريج على مر 10 ملايين سنة ستتكون هذه الزرافة التي تعرفها الآن من حيوان يختلف عنها في كل الصفات الأصلية، كلها تحولات جينية تؤثر بدرجة بسيطة جدا، ولكن محصلتها النهائية هائلة، وإن كان ملي مترا واحدا في كل جيل رقم كبير، فيمكننا أن نغير الرقم إلى عُشر الملي متر، فتصبح الرقبة طولها 40 مترا بدلا من 400 مترا. إذن، حتى التغيرات الطفيفة الميكروسكوبية تنتج تحولات هائلة في الحيوانات.

وهذه التغيرات لا تشتمل على الشكل الخارجي، بل أنها تحدث حتى بداخل الجسم، إلى درجة أنها تُغير طرق التناسل، فتصبح الحيوانات غير قادرة على التزاوج مع أبناء عمومتها في الشجرة التطورية، وهذا موضوع آخر لوقت آخر.

وننتهي في هذه الحلقة بإعادة ذكر أساسيات نظرية التطور:

1. التوارث

2. التنوع

3. الانتخاب.

على فترة طويلة من الزمن لتنتج كل ما نعرفه من كائنات.

المراجع

1. كتاب Why Evolution is True للمؤلف Jerry Coyne

2. كتاب The Greatest Show on earth: the evidence for evolution للمؤلف Richard Dawkins

3. Randomness، Wikipedia

4. Do you think I’m sexy? Why peacock tails are attractive، BBC News

5. Animal attraction: peacocks and sexual selection، Science

6. Bittersweet: Bait-Averse Cockroaches Shudder at Sugar, NC State University, News Room, Dr. Coby Schal

7. DNA Packaging: Nucleosomes and Chromatin, Anthony T. Annunziato, Nature Magazine

4 أفكار على ”كيف تعمل نظرية التطور

  1. أعتقد إن إقترابنا من ثقب أسود تنيج السباحة في الكون أمر وارد ويصادفه زلازل وخسف لأن الثقب الأسود عين لجهنم ويغير الصفات الوراثية للكائنات والمكروبات وهذى هو سبب تطور الحياة ومسخ بعض الكائنات إنضر النضرية التالية بتمعن

    في الحقيقة يجب فهم الكون أولا وعندها نستنتج وجود عالم مادي واحد فالكون ينقسم إلى 3 امور
    خلق الله جهنم ومادتها أقوى شيئ بالكون وتخترق النجوم والكواكب ولا تضعف وهي محيطة بالكون وسبب الظلمة والبرودة والجاذبة الموجودة في الجسام كلها لأن كل نقطة في أى ذرة تقابلها قوة دافعة من كل الجوانب مصدرها خارج الكون وهذة الشموس السوداء كما هو موضح بالأسفل سبب عدم تفجر النجوم وهي المبرد لهذى الكون وسبب ثبات المجرات والنجوم وسبب إنتشار الضوء من مصدره
    2-الجنة وهي مادتها أخف شيئ في الكون ولا تضهر إلا بإزاحة العالم المادي(النجوم والكواكب )
    3-العالم المادي مثل (النجوم والكواكب ) ومنها يأتي عالم البرزخ وسببه النفخ الهائل من المادة المضلمة الناتجة عن الشموس السوداء من خارج الكون وتتجه إلى مركز الكون
    تفسير رد الرسول على رسول هرقل الذي سأله تزعم أن الجنة عرضها السماوات والأرض فأين جهنم ؟ فرد عليه السلام سبحان الله فأين الليل من النهار—- اذن جهنم تكون محيطة بالكون من الخارج كيف ؟ لمعرفة الاجابة بشكل فلسفي حقيقي الذي يربط كل أحداث علامات الساعة:

    بدأ الكون عندما أجاب لطلب الله// نعم بأمر الله( أأتيا طوعا أو كرها فقالتا أتينا طائعين )(عندما أتا الشخص الذي أرسله هرقل ليسأل المصطفا محمد عليه السلام تزعم أن الجنة عرضها السماوات والأرض فأين جهنم ؟؟ فأجاب الرسول عليه السلام ((سبحان الله فأين الليل من النهار))أي أن جهنم المتمثلة بالليل هي محيطة بالكون …كيف؟ والله أعلم / ان الكون أصله جهنم 7 نجوم عندما خلق الله الوجود وهو قبل الكون الذي نعرفه كلمة أتينا طائعين لا تعني رقم 1 بل عدد وأصل الكون على شكل نجمة داوود سداسية تدور حول الكون بسرعة الضوء وهي الشموس السوداء عددها 8 (6+1مقسومةالى 2على شكل مخروطي شمال وجنوب ) العدد الكلي 7 شكل الشمس السوداء اسطواني في عمدان داخلية ممددة بسبب سرعة الضوء عند دورانها حول الكون وموجاتها تحمل الظلمة والبرودة وهي عندها قدرة هائلة لاختراق النجوم والكواكب فهي المبرد لهذا الكون لولاها لتفجرت النجوم و منها يأتي سبب دوران الأرض والشمس ودوران الالكترون حول النواه (هذا هو علم اليقين ) وهي أيضا سبب ثبات النجوم اذ أن الشموس السوداء ليس لها جاذبية بل العكس هي دافعة وهي سبب الضغط الكوني الذي سبب تكور كل شيء بالكون نتيجة الضغط الخارجي المتوازن من الشموس السوداء والذي أدى لتوسع الكون *****************
    نستنتج :
    *حدوث تغيرات في الضغط الكوني يكون عند اقترابنا من الثقب الأسود ونحن اقتربنا منه من سنين والدليل خسف بالمشرق 2005 والخسف بالمغرب 2010 غرب أمريكا
    *سبب الزلازل نتيجة حتمية خارجية بسبب السباحة الكونية (كل في فلك يسبحون ) لاختلال الضغط الكوني بشكل منتظم من أيام سيدنا نوح وليس بسبب داخلي كما يعتقد الجيولوجيون
    *سبب الثقوب السوداء في المجرات
    ان الضغط الكوني ودوران النجوم السوداء الدافعة حول الكون يسبب دوامات كونية (المعارج)ساحبة تقوم بتغذية الشموس السوداء (وقودها الناس الحجارة)
    داود سليمان
    أبو سليمان
    —————————————————————
    كيف تطوى السماء كطي السجل ؟؟ان الكون يأخذ شكل كرة دائرية تتمثل داخل نجمة داود يحيط بها الشموس الستة حولها لكن اذا ما قربنا 3 على اليمين و3 على الشمال يتكون لدينا شكل العين التي لهى 3 خطوط يمين وشمال مثل العين التاريخية المرسومة على رأس الهرم ثم هناك الشمس المقسومة الى نصفين بشكل مخروطي فوق وتحت والتي اذى ما اقتربت من الكون ضغطته فيصبح أكثر تسطحا ويكون مفلطح ثم يتكون واديان في الكون بالأعلى والأسفل مثل كرات الدم الحمراء لكن مع وجود الضغط الكوني عن اليمين3 شموس دافعة والشمال 3 نجوم دافعة يؤدي ذلك الى عملية الطي عن اليمين والشمال فطوى السماء كطي السجل للصحف
    ————————————————————-
    ان اتساع الكون سببه:(1) ابتعاد الشموس السوداء وهي 6 المحيطة في الكون على شكل نجمة داود الى الخارج لأنها شموس دافعة فتبتعد عن مركز الكون وهي تسير بسرعة الضوء لذى لا يوجد ما هو أسرع من سرعة الضوء وهي ذات 3 شعب على شكل هرمي مقلوب واتصالها مع بعظ يكون الصراط ؟؟(وما منكم الى واردها) يعني عند المشي على الصراط (2) هناك شمس سوداء سابعة وهي مقسومة نصفين على شكل مخروطي تقع فوق وتحت هذى المجسم الكوني ليتشكل لنا الكون كأنه ألماسة وهما الأقرب الى الكون لذى يكون الضغط الكوني الناتج منهما أقوى فترى المجرات تتشكل من هذى الضغط الكوني كأنها مضغوطة من الأعلى والأسفل وينتج عن ذلك الحزام السديمي بشكل دائري ونكتفي بذلك

    ان اتساع الكون سببه:(1) ابتعاد الشموس السوداء وهي 6 المحيطة في الكون على شكل نجمة داود الى الخارج لأنها شموس دافعة فتبتعد عن مركز الكون وهي تسير بسرعة الضوء لذى لا يوجد ما هو أسرع من سرعة الضوء وهي ذات 3 شعب على شكل هرمي مقلوب) هناك شمس سوداء سابعة وهي مقسومة نصفين على شكل مخروطي تقع فوق وتحت هذى المجسم الكوني ليتشكل لنا الكون كأنه ألماسة وهما الأقرب الى الكون لذى يكون الضغط الكوني الناتج منهما أقوى فترى المجرات تتشكل من هذى الضغط الكوني كأنها مضغوطة من الأعلى والأسفل وينتج عن ذلك الحزام السديمي بشكل دائري
    من هذه النظرية الفلسفية من أفكاري لمعرفة ماهية الكون وماهي الظلمة الموجودة في الكون وسبب الجاذبيه وسبب الظغط الكوني وسبب تكور النجوم والكواكب وهي النظرية التي كان ينبغي أن تكون
    نستنتج أن الكون يكون على شكل ألماسة وأن الكون يدور حول نفسه بدوران الشموس السوداء التي على شكل نجمة سداسية وواحدة مقسومة نصفين أعلى وأسفل ولابد من توقف الدوران هذى تمهيدا للدوان العكسي حيث يؤدي هذى الدوران العكسي إلى نتائج ينبثق عنها علامات الساعة –
    إذ أن دوران الأرض حول نفسها ليس ذاتي بل هو خارجي إذ أن إحتكاك الهواء بالجبال سيؤدي لتباطأ الأرض وهذا لم يحدث
    إن تباطأ دوران الشموس السوداء حول الكون وتوقفها ثم الدوران العكسي سيأدي إلى –
    1- توقف الثقوب السوداء وهي المعارج فلا توبة عندها لأن الأرض تكون قد تباطأت تمهيدا لشروقها من المغرب ولن تعرج الملائكة في يوم كان مقداره 50000 عام أي لا يوجد إمكانية لصعود الأعمال
    2-إن دوران الإلكترون حول النواه ليس ذاتي بل خارجي مرتبط بالكون الخارجي فعند تباطأ الأرض سنلاحظ قبلها تقطع في الكهرباء وعندها تظهر قوة الدجال بكامل قوته عند توقف الأرض عن الدوران (يحكم يوم بسنة ويوم بشهر …) إذ أن الفوتونات لن تستطيع تمرير الكهرباء عند تباطأ الإلكترون عن الدوران وعند شروق الشمس من المغرب يكون الموجب سالب والسالب موجب لكن قبل ذلك لن يكون هناك كهرباء قد تكون تلك الفترة بضع سنين
    إن هذا هو علم اليقين الذي يعرفك بجهنم (كلا لو لعلمون علم اليقين لترون الجحيم ) وجهنم أعظم من خلق الإنسان (لخلق السماوات أعظم خلقكم) وأعظم ما في خلق الإنسان عقله وأ عظم ما في العقل الذاكرة والإبتكار وجهنم بذلك تعي كل شيى في الكون والدليل أنها يوم القيامة تعرف المجرمين من بعيد وهي مثل الرادار تسجل كل شيئ بأمر الله عز وجل

    1. كيف يمكن لشموس الدافعة ان تتحرك بسرعة الضوء في حين ان الكون يتوسع بسرعة اسرع من الضوء؟
      و احتكاك الهواء ياثر على الجبال لا على الارض لان حركة الهواء ليست بحركة معاكسة الارض فهو يتحرك مع الارض وفي نفس الوقت في اتجاهات مختلفة كمن يركب القطار ويتحرك في داخله كمايشاء من دون ان تتغير سرعة القطار

  2. كل شيء واضح وبسيط للفهم ، لكنه بدون إثباتات وإنما مجرد نظرية طالما أنها مبنية على الخيال أي ماقبل ملايين السنين أو بعد ملايين السنين.. لماذا يتم أخذ الموضوع بجديه كبيرة إذا لم يكن له فائدة حقيقية ملموسة على أرض الواقع على مدى آلاف السنين؟
    التغييرات البسيطة المدروسة لاتعني أبدا ان التغييرات ذاتها تستمر طولا وعرضا مع الزمن قد تتراجع ثم تتقدم بحسب الظروف.. وهذا لا يثبت إختلاف كائن حي إلى كونه كائن حي مختلف تماما! غير منطقي بالنسبه لي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s