altruism

الإيثار من منظور العلم


speaker_icon disk
ipod

لقطة انتشرت على الإنترنت، وهي في غاية الإبداع والتأثير، وفكرتها كانت عن تقدُّم مجموعة من الشباب والشابات لشغل وظيفة، فقابلهم أحد الموظفين عن طريق الويب كام (أي عن طريق التواصل بالإنترنت من خلال الفيديو)، وأخبرهم عن الأمور المطلوبة منهم حتى يكونوا أهلا للوظيفة، بدأ الشخص المقابل بقوله أن هذه ليست وظيفة عادية، إنما هي من أهم الوظائف، وكانت المؤهلات هي كالتالي:

1. العمل يتطلب الحركة، أي أن الشخص يجب أن يكون واقفا معظم الوقت أو ربما كله، ينحني كثيرا، يحتاج لبذل مجهود جسماني كبير.

2. حوالي 135 ساعة إلى عدد ساعات غير محدود في الأسبوع، أو ربما 24 ساعة في اليوم، لمدة سبعة أيام في الأسبوع.

3. لا يوجد أي أوقات للراحة.

4. لا يستطيع المتقدم للعمل أن يأكل الطعام مالم ينتهي الشريك من أكل طعامه.

5. هذه الوظيفة تحتاج إلى أسلوب متميز بالتواصل والتفاوض.

6. على أن يكون الشخص لديه خبرات في الطب والاقتصاد والفنون.

7. الشريك يحتاج لاهتمام بالغ، إلى درجة أن المتقدم قد يبقى مع الشريك يقضا ليلا.

8. على المتقدم أن ينهي نشاطاته الشخصية، فلا وجود لإجازات، بل إن العمل أثناء الإجازات الرسمية والأعياد يزداد عبئا.

رد المتقدمين للعمل على الموظف بقولهم أن هذا العمل جنوني، لا أخلاقي، غير قانوني، غير معقول، وكانت وجوههم تعبر عن حالة من الاستغراب الشديد. بل أضاف لهم، أن هذه الوظيفة لا تقدم لهم أي مقابل مادي، لم يصدق أن أي من المتقدمين أن هناك وظيفة من هذا النوع، فأخبرهم الموظف أن هناك العديد من الناس الذين يعملون بهذه الوظيفة حول العالم: إنهن الأمهات! فانفجرت العواطف في المتقدمين، منهم من تحول وجهه من الاكفهرار إلى متسم، ومنهم من ضحك من شدة السعادة، ومنهم من تذكر أمه، ومنهم من بكي. كانت تلك دعاية بعيد الأم.

لا تحتاج لأن تقضي وقتا طويلا لكي تجد لقطات متعددة على اليوتيوب تبين أناسا يؤثرون على أنفسهم، ابتداء من تقديم خدمة بسيطة، مرورا بالتبرع بالأموال، وانتهاء بأقصى حدود الإيثار من حيث التضحية بالنفس من أجل الآخرين، وفي ظل مشاهدتك لهذه اللقطات ستجد نفسك تذرف دمعة من شدة أعجابك بذلك الشخص الذي قدم ما لديه، وتمنيت لو أن كل الناس كانوا مثله.

الإيثار ليس صفة يتفرد بها البشر لأنفسهم، بل هي صفة موجودة في الحيوانات كلها تقريبا، فنجد أن أمهات بعض الفيلة مثلا تلقي بنفسها في شراك الأسود لتنقذ أبنائها من براثنها، بالرغم من خطورة تعريض نفسها للموت، وكذلك فإن الخفافيش تتقيء الدم في فم الخفافيش الجائعة إن لم تجد الأخرى الطعام في تلك الليلة حتى لا تموت من الجوع (للعلم، ولو لم تؤثر الخفافيش على نفسها لمات منهم بقدر 80%)، بعض الحيوانات تصرخ بصوت عال لتُعلِم الأخرى أن الخطر قادم، وإن كانت هذه الصرخة تعلم الحيوان المفترس بوجود الصارخ، فهو أيضا يعرض نفسه للخطر في سبيل إنقاذ الآخرين، والإيثار أيضا ينطبق على الحشرات، فمثلا النحلة تضحي بنفسها لحماية الخلية، فهي حينما تقرص الجسم الدخيل على منزلها تموت بعد ذلك.

من الناحية البيولوجية، الإيثار يُعرّف على أنه السلوك الذي يدفع بالفرد بأن يقلل من فرص نجاحه في مقابل زيادة فرص نجاح الطرف الآخر، أو هو السلوك الذي يقوم به الكائن الحي لمنفعة الآخرين مقابل ثمن يدفعه هو. من هذه الناحية، حينما يؤثر الكائن الحي على نفسه، ويضحي بما لديه، فإنه يقلل من فرصه للتكاثر في مقابل تكاثر الآخرين.

حينما نتحدث عن الإيثار من الناحية البيولوجية، قد نصطدم مع مشكلة في أساسيات التطور الدارونية، أذكركم في القواعد الأساسية الثلاث في نظرية التطور:

1. التوارث

2. التنوع

3. الانتخاب الطبيعي

التوارث أنت تعرفه من خلال توارثك لصفات أمك وأبيك، وستراه جليا حينما تنظر إلى أطفالك، الصفات تورث من الأبوين إلى أبنائهما، وهذا التوارث يحدث عن طريق الدي إن إي، حيث تقوم الجينات بنقل صفات الطرفين إلى الأبناء. أما التنوع (وهي النقطة الثانية في التطور)، فيعني أنه بالرغم من وجود التوارث، إلا أن الإبن لا يمتلك كل صفات الأم والأب، بل ستكون هناك صفات من الجانبين، وكذلك فإن الصفات تتغير بحسب الطفرات الجينية العشوائية، وهذا يعني أن الأبناء يأتون متنوعون، مختلفون عن بعضهم البعض، وعن آبائهم قليلا، وهذا واضح إن نظرنا إلى الفروقات الموجودة بين إخواننا وأخواتنا، أما الانتخاب الطبيعي، فهو الفرز الذي تقوم به الطبيعة بناء على ما يتأقلم معها، فإن كان المولود الجديد أتى بصفات تجعله غير قابل للتعامل مع الطبيعة، سيموت، ولن ينقل جيناته الضعيفة إلى الجيل القادم، ولكن إن كان المولود يحمل صفات التي تؤهله للنجاة في الظروف القاسية، فإنه سيتزوج، وينجب لنقل صفاته إلى أبنائه، وهكذا تكون نظرية التطور التي اكتشفها داروين. من يريد تفصيلا بالنظرية، فعليه مراجعة حلقة “كيف تعمل نظرية التطور“، وكذلك أربعة حلقات أخرى، حيث أقابل الدكتور فيصل الصايغ في حوار حول النظرية (1، 2، 3، 4).

ما يهمنا في هذه النقاط الثلاثة هو النقطة الأولى: التوارث، لقد ذكرت أن التوارث مهم، فهو ينقل الصفات الحسنة من الأبوين إلى الأبناء ليصبحوا قادرين على التأقلم مع البيئة المحيطة بهم، لينجوا بأنفسهم، إذن من المهم أن ينجوا الأبوان إن أرادا نقل صفاتهما للجيل القادم، وإن مات الذكر والأنثى قبل التكاثر ونقل جيناتهم لأطفالهم ذلك يعني اندثار صفاتهم، وهنا تكمن مشكلة الإيثار، فإن كان الذكر والأنثى مؤثران على أنفسهما، وكانا مستعدان للتضحية، فكيف ستنتقل جينات الإيثار إلى الجيل الذي يليه؟ قد يحصل وأن ينجبان عدد بسيط من الأبناء، ولكن بموتهما لا يمكن أن يتكاثرا بعدد كبير من الأبناء، ولو أنهم لم يضحيا بأنفسهما، ستكون لهما الفرصة بالتكاثر أكثر.

أليس ذلك يعني أن المضحي الجريء لن يتمكن من نقل جيناته التي تدفعه للجرأة إلى أبنائه، وهذا يعني أن الكائنات الحية التي لا تمتلك الجرأة والتي تهرب فقط هي التي ستنجو لتنقل جيناتها، وبذلك لن تكون هناك أجيال من الكائنات تحمل صفات الإيثار، وستكون الصفة السائدة هي الخوف وعدم الجرأة والتضحية، وإذا كان الأمر كذلك، فمن أين أتت الكائنات التي تضحي وتؤثر بحياتها؟

دعونا نضرب مثلا واضحا يشرح الفكرة، لنأتي للقرود التي تنادي بصوت عال حينما تستشعر خطر اقتراب الأسد، تخيل أن هناك قردين أحدهما يمتنع عن المناداة، والآخر ينادي، الأول الذي يمتنع من المناداة سينجو بحياته، والآخر الذي ينادي سينقذ الأول، ولكنه سيعطي إشارة للأسد بمكان وجوده، وهذا يعني أن الأسد قد ينقض عليه، ويأكله، القرد الأول سيعيش بسبب القرد الثاني، وسينقل جيناته إلى أبنائه، أما الثاني فلن ينقل جيناته، وستنقطع سلالته، فإن كانت من ضمن جينات القرد الأول الخوف، فإن الخوف سينتقل إلى الأبناء، وسيكونون بنفس صفات الأب وسيمتنعون عن المناداة حين استشعار الخطر، أما القرد الشجاع الذي آثر بنفسه لن ينقل صفات الإيثار، فكيف إذن بقيت المناداة مع الأجيال اللاحقة بالرغم من اندثار الصفة مع اندثار المالك لها؟

هذه كانت هي مشكلة تحدث فيها داروين حينما طرح نظرية تطور البشر، حيث قال: “ذلك الشخص المستعد للتضحية بحياته، كما فعل المتوحشون، بدلا من أن يخون رفاقه، غالبا لا يترك ذرية ترث طبيعته النبيلة.”

ما يحدث في الطبيعة أن الصفات النبيلة، أو التي تدعو الكائن للإيثار بنفسه، تنتقل، رغما عن أنها من الناحية التحليلية البديهية وبحسب نظرية التطور من المفروض أن لا تنتقل.

في البداية، اعتقد العلماء أن الكائنات الحية تؤثر على نفسها في مجموعتها، ولا تؤثر على نفسها خارج المجموعة، ولكن هذه الفكرة لم تصمد طويلا، فلم تفسر انتقال الإيثار من جيل إلى جيل، ولكن بعد ذلك أكتُشف أن الكائنات الحية تؤثر على نفسها إن كانت ضمن أسرة، فالأب يؤثر على نفسه لأجل أبنائه، والإخوة كذلك من أجل إخوانهم، ولكن كلما كبرت الدائرة، كلما كان الإيثار أقل، أي أن الابن قد يؤثر على نفسه لأجل أخويه في مقابل أبناء العمومة، ولكنه سيؤثر على نفس من أجل أبناء العمومة في مقابل الغريب، ولكن بدرجة أقل من إيثاره للأخوة.

ما السبب في الإيثار رغم إلغائه وجود الشخص الذي يحمل هذه الصفة، السبب يعود لكون جيناته موجودة أيضا في إخوته، فبحسب المعادلات الاحتمالية أنت تشترك مع كل أخ من إخوانك بقدر 50% من الجينات، فإن أنقذت اثنان منهم فقد ضمت احتماليا أن تنتقل جيناتك إلى الجيل القادم، إذن حتى لو توفي المؤثر، فإنه سيضمن انتقال جيناته إلى الجيل الذي يليه، وبما أن المؤثر والأخوين يشتركون في جينات الإيثار، فهذا يعني أن الإيثار سينتقل رغم موت أحد الحواضن.

حاول أن تفكر في الموضوع من زاوية الجينات بدلا من الفرد، هدف الجينات هو أن تنتقل إلى الجيل القادم، هي لا تهتم بمن يحملها، المهم أنها تنتقل، فالأب والأم يتكاثران، ويلدا الصغار، وهؤلاء الصغار يحملون جيناتهم، إذن لدينا أسرة مكون من نفس الجينات، وقد تكون في طياتها صفة الإيثار، لو أن أحد الأجسام الحاملة لجين الإيثار ضحى من أجل الآخرين، فإن جين الإيثار لم يندثر، فهو موجود في الأبناء الآخرين. إذن الجين مستعد للتخلص من القالب الذي يحمله، طالما أن المحصلة النهائية أنه ينجو هو بقالب آخر. وقد فصل ريتشارد دوكنز هذه المعلومة في كتابة “الجين الأناني”.

الإيثار في المجموعة

هل الإيثار فقط ينطبق على الأسرة؟ لا طبعا، نحن نعلم أن الإنسان يؤثر على نفسه في غير أسرته، فهو يقدم الطعام للفقراء والمساكين رغم أنه بأمس الحاجة للطعام هو، أو من الممكن أن يؤثر على نفسه لأصدقائه، أو بإمكانه أن يحارب في معركة حتى الموت من أجل وطنه، وهكذا، هذه الصفة وإن كانت متوفرة في الإنسان بشكل خاص ومعقد، إلا أن العلماء لاحظوا وجود الإيثار خارج نطاق الأسرة حتى في الحيوانات ليشتمل على “الأصدقاء” في المجموعة، ولكن الحيوانات تختلف، فعدد بسيط من الحيوانات لديه الاستعداد للإيثار بنفسه خارج نطاق الأسرة.

من الأمثلة التي اكتشفت في الإيثار في المجموعة توجد في الخفافيش، فهي تذهب للبحث عن كائنات تمتص منها الدماء… بعضها يكون محظوظا، وبعضها لا يحالفه الحظ، ذلك الخفاش الذي لا يحالفه الحظ قد يموت خلال ثلاثة أيام إن لم يجد الطعام الكافي، لذلك حينما تعود الخفافيش لمسكنها، يقترب الخفاش العطشان من الخفاش المرتوي، فيحضنه، ويلعق فمه، فيبدأ الآخر بتقديم الدم له ليشرب، وقد لاحظ العلماء أن الخفافيش تقوم بهذا العمل رغم عدم وجود رابطة أسرية بين الإثنين. وقد لاحظوا أيضا أن الإيثار تبادلي ، حيث أن الخفاش الذي عطش اليوم، سيرد الجميل للخفاش المرتوي إن هو عطش في يوم آخر.

وكذلك فقد نشرت مقالة علمية حول تجربة حديثة تبين أن خاصية الإيثار بين الأصدقاء موجودة بين الفئران، فقد جرب العلماء بوضع فأرين بغرفتين صغيرتين، واحدة بها ماء، والأخرى جافة، وبينهما بابا لا يمكن فتحه إلا من الغرفة الجافة، الفئران بطبعها لا تحب الماء، ستعمل ما بوسعها للسباحة حتى لا تغرق، ولكن بعد أن يكتشف الفأر الموجود في الغرفة طريقة فتح الباب فإنه يفتح الباب ليخلص زميله.

وحينما وضع العلماء الطعام في غرفة ثالثة بالقرب من الغرفة الجافة، فإن الفأر في معظم الأوقات يختار أن يفتح الباب لزميله أولا، ثم يذهب لتناول لطعام. أي أنه فضل أن ينقذ صاحبه على أن يأكل الطعام أولا، ولا تستهن بهذا العمل، فجاذبية الطعام بالنسبة للحيوانات كبيرة جدا.

وقد علل العلماء هذا النوع من الإيثار بقولهم أن الفأر لديه القدرة على التعاطف مع الفئران الأخرى. ولكن رد عليهم علماء الآخرين، بقولهم أنه قد يكون وأن الفأر يقوم بهذا العمل من ناحية مصلحية بحتة، حيث أنه يحتاج لرفيق معه. وفي دحض هذه الفرضية الأخيرة، وضع العلماء الفأرين في غرفتين جافتين منفصلتين، فلو كان الفأر يريد رفيقا، فسيفتح له الباب (رغم أن الفأر الآخر ليس في حالة طارئة)، ولكنهم اكتشفوا أن الفئران لا تفتح باب إن لم يكن الآخر في حالة غرق.

قصة جورج برايس

اُكتشف جورج ميتا منتحرا في لندن، بعد أن طعن رقبته باستخدام مقص تقليم الأظافر، وجه الضربة إلى شريان الرقبة السباتي، فضGeorge_Robert_Priceمن لنفسه الموت، توفي وهو لا يمتلك شيئا في هذه الحياة، بعد أن قدم كل ما يملك للفقراء، توفي بعد أن اكتشف واحدة من أهم قوانين الإيثار في عالم البيولوجيا، وهي التي أثبتت أن الإيثار لباس هش يغطي العمق الأناني في الكائنات الحية، توفي بعد أن حاول أن يثبت عكس ما اكتشفه.

جورج برايس هو عالم أناني، كان يبحث عن الشهرة بأي ثمن، حتى أنه تواصل مع 5 علماء حاصلين على جائزة النوبل آملا أن يتعاون معهم على فكرة… أي فكرة حتى لو كانت خارج تخصصه، فلربما يحوز هو أيضا على الجائزة، اشتغل ككيميائي على مشروع ماهاتن (المتعلق بالقنبلة الذرية)، واشتغل في شركة آبي إم (IBM)، ولكنه استقال من عمله متذمرا، حيث كان يدعي أنه هو الذي ابتدع فكرة برامج الرسم الملقب بالكاد (CAD). كان يعمل بمعدل 55 ساعة في الأسبوع، حتى أنه كان منقطعا عن أسرته.

هجر أسرته المكونة من زوجته وابنتيه وهما في الخامسة والسادسة من العمر، وكان يرتبط معهم فقط من خلال الرسائل البريدية. هجرهم وهو في الولايات المتحدة الامريكية حينما كان بالقرب منهم، وهجرهم إلى ما هو أبعد، حيث غادر نيويورك، وتوجه إلى بريطانيا على متن سفينة.

عاش في بريطانيا حياة انعزالية، وبدأ بالعمل على نظرية التطور، وقد كانت من أشهر الأفكار حينذاك هي فكرة الإيثار من المنظور البيولوجيا.

أصدر العالم وليام هاميلتون (William Hamiton) نظرية في الإيثار بين الأقرباء (أو ما يلقب باصطفاء القرابة) بقانون بسيط جدا (rB>C)، هذا القانون البسيط يبين أن الكائنات الحية تؤثر على نفسها كلما كانت صلة القرابة أكبر بين أفراد المجموعة، بهذه المعادلة البسيطة استطاع أن يفسر كيف تُؤَثر الصفات الوراثية على النحل لكي يلدغ الجسم الغريب الذي دخل إلى الخلية، وبذلك يحافظ عليها وعلى باقي إخوانه، ليموت هو في هذه الحماية، وكذلك فالأب يؤثر على أطفاله أكثر من أبناء عمومته، وعلى أبناء عمومته أكثر من الغريب، لماذا؟ لأن الجينات التي تحتويها القرابة هدفها البقاء، ولا يهمها بأي جسم كانت، طالما أنها في نهاية المطاف تصل في سفينة الجسد، فإن مات الأب من أجل أبنائه، فقد ضمن جيناته، وإن مات الأخ من أجل 2 من أخويه فقد ضمن جيناته، وإن مات ابن العم من أجل 8 من أبناء عمومته، فقد ضمن أن تنتقل جيناته إلى الجيل القادم، هذا الإيثار بالنفس يرجع إلى أصول تطورية جينية، خطت على الكائنات الحية. الإيثار هو أمر مفروض من الجينات على الكائنات الحية. الجنيات تحافظ على نفسها في عموم المجموعة، ولكن لديها الاستعداد الكامل للتضحية بالفرد.

ذهب جورج إلى 13 مكتبة، انتقل بينها، وقضى وقتا طويلا فيها، في البداية كان يتساءل عن الأسرة، لماذا… أسرة؟ لماذا ترتبط الأسرة مع بعضها، وأراد أن يكتب بحثا في هذا المجال، فبعث رسالة إلى ابنته: “العزيزة كاثلين، ورقتي الكبرى ستكون عن الأصل التطوري للأسرة البشرية، في معظم الفصائل الثدية الأب يتزاوج مع الأم، فتقوم هي بتربية الأطفال بنفسها، ولكن في الفصيلة البشرية، فإن النمط الغالب يشتمل على اهتمام الذكور البالغين بأطفالهم، مشكلة: لماذا تطورت فصيلتنا بهذه الطريقة؟” (هذا كان اختصارا لرسالته لابنته)، ولكنه سرعان ما انتقل إلى السؤال الأعم: لماذا يساعد أي الفرد فردا آخر؟

بناء على أفكار وليام هاميلتون عن اصطفاء القرابة استطاع جورج أن يضع قاعدة رياضية أكثر تعقيدا، كانت تشرح الاصطفاء من جانب، ومن جانب آخر كانت تبين التغيرات التي تحدث على الجينات عبر الزمن.

أخذ هذه المعادلة الرياضية الأكثر تعقيدا والأشمل، وتوجه إلى جامعة كوليج لندن حيث قابل الدكتور سميث، وقدم له ورقة صغيرة ليس فيها ولا حتى مرجعا واحدا (أي أنه لم يعتمد على أي فكرة سابقة)، نظر المختص برياضيات الجينات الدكتور سميث إلى معادلة جورج برايس (لم يكن جورج متأكدا إن كانت المعادلة مكتشفة سابقا)، وإذا بها معادلة جديدة لم ينشر مثلها في ورقة علمية من قبل، أخذ سميث بيد جورج إلى عميد الجامعة، وفي خلال 90 دقيقة قدم له مفاتحا لمكتب خاص به، وكذلك أعطاه منصب الدكتوراة الفخرية في الجامعة.

عند هذه اللحظة، لحظة اكتشاف القانون، انطلقت أفكار جورج برايس، لقد كان أنانيا طوال حياته، فلم يهتم بأسرته، وغادرهم، وبحث عن الشهرة بأي طريقة، والآن هو أمام معادلة اكتشفها بنفسه، وهي المعادلة التي تؤكد على أنه لا وجود للإيثار الحقيقي، كل ما هنالك أن الجينات تطورت عبر مليارات السنين لتكتشف الطريقة التي تضمن انتقالها إلى الأجيال القادمة، حتى لو كان ذلك على حساب النفس، فتعب من هذه الفكرة، وأراد أن يثبت أن معادلته خاطئة، وأن للإيثار وجود حقيقي.

خرج جورج إلى الشوارع، وبدأ بتقديم المساعدات للفقراء، وللسكارى، قدم لهم المال، والطعام، وفي رسالة إلى ابنته: ” كلما ذهبت إلى مكان ما أقابل السكارى المساكين، أقدهم لهم أي شيء، وأجلس معهم وأشرب من قنانيهم إن قدموها لي”. بعد ذلك أدخلهم إلى منزله، لكي يناموا فيه، حتى أضطر للخروج من المنزل بعد أن اكتظ بهم، فذهب هو للمكتب لكي ينام فيه.

مع مرور الوقت فقد الكثير من وزنه، وأصبح نحيفا، فبدت ملابسه وكأنها معلقة على شماعة المعطف المعدنية، أرسل رسالة إلى صديقه يخبره أنه لم يعد في جيبيه سوى 15 بنسا (ربع دولار)، وسيكون سعيد لو أنه تخلص منها هي أيضا.

وفي يوم من الأيام أتى جاره إلى منزله، ووجد الباب مفتوحا قليلا، دفع الباب، وإذا بجثة جورج برايس على الأرض، والدماء من حوله، فقد ضرب نفسه في مقص الأظافر في الرقبة، ومات منتحرا. دفن جورج برايس في مقبرة لا يوجد لها شاهد، حضر تشيع جنازته ثلاثة من الفقراء، وعالمان كبيران في بيولوجيا التطور، أحدهما كان وليام دونالد هاميلتون المؤسس لقانون الإيثار.

مات جورج فقيرا، مؤثرا، وقد تعدى إيثاره أهله، ليشتمل على الناس الذين لا يعرفهم.

ملاحظات

لابد أن أبين أمرا مهما جدا عن هذه الحلقة، وهو أنه وإن كنت قد خلطت بين نوعين من الإيثار، إلا أن الإيثار من الناحية البيولوجية يعني شيئا مختلفا تماما عن الإيثار السيكولوجي، فالإيثار البيولوجي هو عمل يقوم به الفرد وقد يضر به هو، بحيث أنه قد يفقد قدرته على التكاثر، ولكنه في الوقت ذاته استطاعت الكائنات الأخرى أن تتكاثر بسببه، وهذا من أجل الهدف الأشمل وهو انتقال جيناته إلى الأجيال القادمة، وقد يحدث هذا الشيء بلا علم أو نية من المؤثر. أما الإيثار السيكولوجي فهو يعتمد على النوايا، لكي يكون العمل الذي يقدمه الشخص إيثارا لابد أن تكون النية معقودة لمساعدة الآخرين من غير أن تكون هناك دوافع شخصية للاستفادة بالمقابل. فيكون الهدف هو الطرف الآخر في هذا النوع الإيثار وليس الذات.

نبيل قدم كليته لرانيا، فقد كانت بأمس الحاجة إليها، العملية كانت خطرة بالنسبة لنبيل، ولكنه أقدم عليها رغما عن ذلك، وهو لا يعرف رانيا تمام المعرفة، ولكن ذلك سينقذ حياتها.

بمعرفتك لهذه المعلومات فقط ستقول أن ما فعله نبيل هو صورة حقيقية للإيثار، ولكن ماذا لو قلت لك أن نبيل كان يعرف من هي رانيا المليونيرة، وقد تبرع بكليته حتى يحسن من فرصته للزواج منها، بهذه المعلومة ستغير رأيك تماما، ولن تقبل أن يقال عن نبيل أنه مؤثر.

والشيء الآخر، أنني ذكرت كما ذكر ريتشارد دوكنز في كتابه: “الجين الأناني” أنانية الجين، ولكن وكما يعترف هو وكذلك الكثير من المفكرين والعلماء، أن الجين ليس لديه العقل لكي يكون أنانيا أو مؤثرا، ليس هناك في الجينات مع يجعلها واعية، طرح الجين بهذه الصورة المجردة يجعلنا نفكر في طريقة عمل الجينات في الطبيعة مع الانتخاب الطبيعي بحيث تنتج كائنات مؤثرة بيولوجيا.

أخيرا، اختلاف الإنسان عن الكائنات الأخرى في الإيثار لا يعني أن الإنسان لا يتأثر ببيولوجيته لكي يكون مؤثرا بحسب التعريف البيولوجي، فهو يؤثر على أطفاله أكثر مما يؤثر أبناء العمومة، وعلى أبناء العمومة أكثر من الغريب، ولو طبقت القوانين الرياضية عليه لانطبقت، ولكن في الوقت ذاته الإنسان هو كائن متطور عن بقية الكائنات، وهو يتأثر بأمور اجتماعية لا يتأثر بها أي كائن آخر بنفس الدرجة، فمن الناس من يقوم بالتبني، ليلقي باهتماماته وتركيزه على أبنائه الذين تبناهم، وبذلك يفقد قدرته على نقل جيناته إلى الأجيال التالية، فيكون مؤثرا حقيقيا بنوايا صادقة.

لا تنسوا أن تؤثروا بأوقاتكم، وترسلوا السايوير بودكاست للناس لكي يستفيدوا منها، حتى لو لم ينقل هذا النوع من الإيثار جيناتكم، ولكن بهذا النوع من الإيثار تضمنون انتقال الأفكار التي تحبونها.

المصادر

1. Biological Ultuism

2. The Price of Altruism: George Price and the Search for the Origins of Kindness

3. The Selfish Gene

4. RadioLab: The Good Show

5. George Price Wikipedia

6. The Homeless Scientist Who Tried to Prove Selflessness Doesn’t Exist

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s