Gravitational-Waves

اكتشاف الموجات الجاذبية، وعصر جديد من التلسكوبات الفلكية


speaker_icon disk
ipod

المقدمة

لابد أنك سمعت الخبر، الخبر الذي يعتبر نقطة تحول في تاريخ علم الفلك، الخبر الذي نقلنا إلى حقبة جديدة في معرفة الكون، إذا لم تسمعه بعد، كن معي في هذه الحلقة، وسأفصل لك المعلومات بالكامل، الموضوع كبير جدا، وهو واحد من أكبر إن لم يكن أكبر أخبار العصر الحالي.

هكذا افتتح الفيزيائي ديفيد رايتزي (David Reitzi) كلمته في مؤتمر مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية: “سيداتي وسادتي، لقد اكتشفنا الموجات الجاذبية، لقد نجحنا”، معلنا في أول جملة له أن الموجات الجاذبية التي تنبأ بها آينشتاين قد اُكتشفت عن طريق مرصد لايغو، وأكمل بقوله: “قبل 400 عام أدار غاليليو تلسكوبا إلى السماء وفتح الأجواء للمراصد الفلكية الحديثة، أعتقد أننا نقوم بشيء بنفس مستوى الأهمية اليوم، أعتقد أننا نفتتح نافذة على الكون، نافذة من فلك الموجات الجاذبية”. في هذه الجملة عمق كبير، وسنفهمه خلال الحلقة.

كان من أبرز من تواجد من المشاركين هو العالم الفيزيائي كيب ثورن، الذي كتب وأنتج فيلم انترستلر (بدأت في فيزياء الفيلم انترستلر الحلقة الماضية، وسأكمل لاحقا)، والأهم من ذلك، أنه هو أحد ثلاث علماء أسسوا المرصد لايغو الذي لم يكن فقط سببا لاكتشاف الموجات الجاذبية في الواقع (كما ذكر في الأخبار)، إنما كان السبب في اكتشاف الموجات الجاذبية في الفيلم الخيالي انترستلر، وهو الذي دل على وجود ثقب أسود تتحرك موجاته الجاذبية خلال ثقب دودي، لتصل إلى الأرض.

سأتناول هذا الاكتشاف وتاريخه، وكذلك المختبر لايغو، والسؤال الذي سألنيه الكثير من المتابعين: “ما هي أهمية الاكتشاف؟” وفي نهاية الحلقة سأسمعكم صوت الثقوب السوداء وهي تبتلع بعضها، والتي اكتشفت من خلال الموجات الجاذبية.

تاريخ الموجات الجاذبية

صدق آينشتاين حينما كتب رسالة لابنه ذكر فيها: “الأشياء التي حزت عليها من العمل المضني لن تكون ذا فائدة فقط للغرباء، بل حتى بالخصوص لأبنائي، في الأيام الماضية انتهيت من واحدة من أعظم الأوراق في حياتي”، كتبها لابنه وهو مثخن بساعات العمل المتواصلة على النظرية النسبية العامة، كان ذلك قبل أيام من تقديمه للنسخة النهائية من البحث، كان عمله مضنيا، أبعده عن أبنائه، ولكن نظريته كانت ذي فائدة لهم وللغرباء، وكانت من أعظم ما قدمه للبشرية من نظريات.

تنبأ آينشتاين بالعديد من النظريات الأخرى المعتمدة على الأساس المتين للنظرية النسبية العامة، وكلما تنبأ في نظرية أقام العلماء التجارب عليها لمعرفة توافقها مع التجربة، أثبت صحة ما تقدم به، ربما أخطأ آينشتاين مرات طفيفة، ولكن عدد نظرياته الصحيحة الكبير غفر له الأخطاء الطفيفة هنا وهناك، واليوم تتوج نظرية أخرى له بالتاج التجريبي من مرصد الجاذبية “لايغو”، ليضاف هذا النجاح إلى رزمة نظرياته الصحيحة.

تصحيح: بما أننا بصدد النظرية النسبية العامة، لابد أن أصحح معلومة ذكرتها في حلقة “مرور 100 عام على نظرية آينشتاين النسبية العامة”، حلقة رقم 114، وهي معلومة حتى الكثير من الذين كتبوا عن آينشتاين لا يعلمونها، وهي عن المحاضرات الأربعة الأخيرة التي قدمها، وكان في الأخيرة منها تقديم ورقته حول النسبية العامة. كنت أجلس في قاعة بقسم الفيزياء في جامعة ساوثهامتون، وكانت ستقدم محاضرة عن النسبية العامة بعنوان “الفلك النسبي في القرن الواحد والعشرين” للفيزيائي Perdro Ferreira، كانت بمناسبة مرور مئة عام على النظرية النسبية العامة، كان يجلس أمامي قبل المحاضرة، وكان يخاطب الفيزيائي الذي دعاه من جامعة ساوثهامتون، فقال له الداعي أن آينشتاين قدم أربع محاضرات كل منها في أسبوع في الأكاديمية البروسية وسلم الورقة في الأخيرة، فرد عليه بيدرو أن هذا الكلام غير صحيح، فقلت له: “كيف أن هذا الكلام غير صحيح، كل وكالات الأخبار، وكذلك الكتب تذكر هذا الشي.” فرد علي أنه هو أيضا كتب هذه المعلومة في كتاب نشره، اسم الكتاب: “النظرية الكاملة: قرن من العبقرية وحرب على النظرية النسبية العامة”، ذكر في كتابه أن أينشتاين قدم تلك المحاضرات كما اشتهر عنه، فهو أيضا كان مخطئا في هذه القصة، ولكن مؤرخا ألمانيا راسله بعد قراءته للكتاب، وأرسل له الأدلة أن آينشتاين لم يقدم أي محاضرة، بل إن كل ما عمله هو أنه قدم أربعة أوراق، كل منها في أسبوع، وفي النهاية قدم الورقة الأهم (النظرية النسبية العامو)، وخرج. وقد تأكد بيدرو من المصادر، واتضح كلام المؤرخ صحيح. وأنت الآن تعلم معلومة قليل من الناس يعلمونها.

بعدما انتهى آينشتاين من النظرية النسبية العامة ونشرها، وحتى قبل أن تكتشف صحة النظرية عن طريق السير آرثر أدينغتون سنة 1919، تنبأ آينشتاين بوجود الموجات الجاذبية، ونشرها في مجلة علمية ألمانية، وكان ذلك في شهر يونيو سنة 1916، وفي سنة 1918 نشر ورقة أخرى – وكان مرغما عليها – تعالج أخطاء رياضية في ورقة سنة 1916، كانت هذه الورقة الجديدة بعنوان: “عن موجات الجاذبية”، فيها حسبت الموجات الجاذبية بالحسابات الرياضية، وكذلك كشف أن الموجات الجاذبية تحدث بسبب دوران جرمين كونين حول بعضهما، مثل نجمين، لكن بحسب النظرية في تلك الأيام لم يكن بالإمكان الكشف عن هذه الموجات بأي شكل من الأشكال، لأنها كانت ضعيفة جدا.

في تلك الفترة وحتى سنة 1936 لم يكن هناك توافقا تاما بين العلماء على الموجات الجاذبية، لقد كان هناك تحركا ناحية قبولها، وفي تلك السنة حينما كان آينشتاين في الولايات المتحدة الأمريكية كان يعمل معه العالم نيثن روزن (Nathen Rosen). وقدم له مجموعة من الحسابات الرياضية التي تدل على أن الموجات الجاذبية غير موجودة، فبعث آينشتاين رسالة إلى العالم الكبير ماكس بورن يقول فيها: “الفصل القادم سوف يكون لدينا المشارك المؤقت إنفيلد (Infeld) في برينستون، أتطلع للتناقش معه، معا ومع مشارك يافع وصلت إلى نتيجة مثيرة، وهي أن الموجات الجاذبية ليست موجودة، وقد كان يُعتقد أنها مؤكدة للتقريب الأولي.” وفي هذه الرسالة كان يبين أنه يعمل مع العالم نيثان روزن الذكي، والذي كتب معه ورقتين علميتين إحداهما كانت تتحدى مكانيكا الكم، والأخرى عن الثقوب الدودية، وفي الورقة الثالثة التي بدأ بكتابتها اكتشف هو ونيثان أن الموجات الجاذبية لم تكن موجودة، وأن ما نشره في سنة 1916 لم يكن إلا تقريبا للحسابات، وبعد حسابه إياها بمعادلات أدق توصل إلى خلافها.

بعد ذلك أرسل آينشتاين ونيثان روزن ورقة علمية إلى المجلة التي تعد من أقوى المجلات العلمية في الفيزياء، وهي فيزيكال ريفيو (Physical review)، كانت الورقة بعنوان: “هل الموجات الجاذبية موجودة؟”، الإجابة على هذا السؤال وباستخدام القوانين الرياضية هي: لا، وبعد ذلك حضر إليه العالم ليوبولد إنفيلد (Leopold Infeld)، الذي لم يصدق أن آينشتاين غير رأيه عن الموجات الجاذبية، فاقتنع بما قاله آينشتاين رغم تشككه.

لم تقبل ورقة آينشتاين في مجلة الفيزيكال رفيو، وذلك بعد أن أرسلت إلى محكم، وبعد نظره في القوانين الرياضية اكتشف خللا فيها. أرسلت له الأخطاء الرياضية حتى يصحح الورقة، تضايق أينشتاين من الرفض، وأرسل رسالة شديدة اللهجة إلى محرر المجلة، قائلا فيها:

السيد العزيز،

نحن (السيد روزن ونفسي) قد أرسلنا لك كتابا للنشر، ولم نسمح لك بعرضه على مختصين قبل طباعته، أنا لا أرى أي مبرر لأن أرد على الأخطاء إن كانت موجودة وقد أتت من شخص مختص مجهول، وبناء على هذه الحادثة أفضل أن أنشر هذه الورقة في مكان آخر.

مع خالص الاحترام

لماذا كان آينشتاين يرد بهذه الطريقة؟ لأنه اعتاد ألا تراجع الأوراق العلمية في المجلات الألمانية، وقد قرأت في كتاب: السفر بسرعة الضوء (Traveling at the Speed of Light)، أن المجلة آنالين دير فيزيك التي نشر فيها النظرية النسبية الخاصة كانت ترفض فقط 10 بالمئة من المقالات العلمية التي تقدم لها، وأنها كانت تخشى من العلماء الذين كانت لهم سمعة قوية، وهذا ما لم يتوفر لآينشتاين في مجلة فيزيكال ريفيو، وخصوصا أن المحرر John Torrence Tate، والذي مسك المجلة سنة 1926 قلبها إلى مجلة ناجحة في حقل الفيزياء، ولم يكن ليفوت مقالة آينشتاين مهما كانت شهرته.

وفي تلك الأثناء تناقش ليوبولد إنفيلد مع الرياضي هاورد روبرتسون الهائل، وشرح له ما كان يعتقده آينشتاين، فاكتشف روبرتسون خطأ آينشتاين وذكر ذلك ليوبولد، فعاد ليوبولد ليخبر آينشتاين بالخطأ، وإذا به يكتشف أن آينشتاين هو أيضا اكتشف الخطأ واعترف به بسرعة، وصحح الرياضيات، وبعد فترة نشر الورقة العلمية في مجلة مؤسسة فرانكلين، والتي نشر فيها العام الماضي، ولكن هذه المرة غير العنوان إلى: “عن الموجات الجاذبية”، وتغيرت النتائج إلى وجود الموجات الجاذبية بدلا من نفي وجودها، لقد تغير النتائج 180 درجة. وقد ذكر في ورقة مرفقة مع الورقة العلمية تقديرا لمساهمة روبرتسون، من غير ذكر التفاصيل، ولو أن آينشتاين نظر في تحكيم مجلة الفيزياكال ريفيو لوجد الحل مباشرة.

الأدلة الواضحة تبين أن الشخص المجهول الذي اكتشف الأخطاء في ورقة آينشتاين حينما حكمت في الفيزيكال ريفو، والشخص الذي ساهم في تصحيحها لاحقا قبل أن تنشر في مجلة فرانكلين، هو نفسه روبرتسون، ولكنه لم يخبر آينشتاين بذلك، ربما أراد أن يصححه من غير أن يواجهه كما واجهه حينما حكم ورقته. مع ذلك لم ينشر آينشتاين ورقة علمية أخرى في مجلة الفيزيكال ريفيو، للأسف أن كبرياءه أثر في قراره.

كيف يمكن اكتشاف الموجات الجاذبية؟

أكتشف العلماء الذين يعملون في لايغو موجات جاذبية انطلقت من ثقبين أسودين على بعد 1.3 مليار سنة ضوئية، كانا يدوران حول بعضهما، بسرعة تعادل نصف سرعة الضوء، قطر أفق الحدث في الثقبين هو حوالي 150 كيلومتر، أي أنهما أصغر من دولة الكويت، وبداخل الثقب الأول ما يعادل 29 شمسا، والثاني ما يعادل 36 شمس، دار الثقبان حول بعضهما ثم تصادما بجبروت، وتكون ثقب واحد بعد الالتقاء، وهذا الثقب كتلته أقل من كتلتي الثقبين كل على حدة، بحيث أصبح يعادل 62 شمسا (لو جمعت 29 + 36 = 65، ولكن الكتلة النهائية كانت 62)، أين ذهبت هذه الكتلة المتبقية، إنها هي الطاقة التي كونت الأمواج الجاذبية وانطلقت عبر الكون، تخيل طاقة تعادل 3 شموس تحولت في لحظة إلى موجات جاذبية، هائل بكل المقاييس!

هذه كانت أول مرة يثبت فيه العلماء ثقوب سوداء ثنائية، أي أثبتوا اكتشاف ثقوب سوداء تدور حول بعضها، هذا الحدث تكون قبل 1.3 مليار سنة في الماضي لتصل موجاته إلى الأرض ليكتشفها لايغو بتاريخ 14 سبتمبر سنة 2015.

قبل أن أبدأ بشرح كيف يمكن اكتشاف الموجات الجاذبية، لأتحدث أولا عن ماهية هذه الموجات، فهي ليست مثل الضوء أو الموجات الكهرومغناطيسية، وليست كالجسيمات (وإن كانت هناك بعض النظريات التي تدعي أن الجاذبية هي جسيمات الغرافاتونز Gravitons، لم تثبت بعض)، الموجات الجاذبية هي تموجات جاذبية في الزمكان، أي أن الزمن والمكان يتموجان، ويحدث ذلك بسبب إعصار تسببت في الثقوب السوداء أو النجوم النيوترونية حينما تدور حول بعضها البعض، ويحدث أيضا حينما يكون هناك انفجار نجمي سوبر نوفا، أو دوران نجمة ليست كروية 100% حول نفسها، أو حدثت بسبب الانفجار العظيم في بداية الكون.

منذ أن فسر آينشتاين الجاذبية على أنها انحناء في الزمكان أو الزمن والمكان أو الفضاوقت ونحن ننظر للجاذبية على أنها تقعر رباعي الأبعاد، أحيانا ترى صورة أو فيديو يشرح هذا التقعر في بعدين مكانيين، حتى نتخيل الفكرة نستخدم الفراش الناعم، إن لم يكن عليه شيء سيكون مسطحا، ولكن بمجرد وضع كرة ثقيلة في الوسط سينخفض الفراش إلى الأسفل، ويتقعر، وإذا ما أطلقت كرات صغيرة على الفراش وبسرعة معينة بجانب الكرة، ستجد أن الكرات الصغيرة تلتف في هذا التقعر، وتدور حول الكرة الكبيرة، طبعا ستفقد طاقتها تدريجا وتنزل إلى الكرة الكبيرة، ولكن في الفضاء ليس هناك فقد بنفس الدرجة بالمقارنة مع الفراش، والفضاء أيضا ثلاثي الأبعاد، وفيه أيضا الزمان، وفيه كرات أو أجرام سماوية كثيرة، كل كرة تقعر السماء، فالشمس تقوم بذلك، ويدور في فلكها الأرض، والأرض تقعر السماء، ويدور في فلكها القمر والمحطة الفضائية الدولية، والقمر يقعر السماء وتدور حوله الأقمار الصناعية، وهكذا بالنسبة للكواكب كلها، والأجرام السماوية، وهو كذلك ينطبق على الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية الثنائية والثقوب السوداء الثنائية.

هذه الصورة التي طرحتها تبدل الجاذبية بهندسة لشكل الفضاوقت، ولكن هذا الشكل لا يعطي الصورة الكاملة له، فهي صورة هادئة جدا، كالفراش الذي ذكرته، ينخفض بتدرج ناحية الكرة الثقيلة، ولكنه أملس وغير متعرج، ولكن لو أدخلنا الموجات الجاذبية في الصورة لأصبح الفضاوقت متعرج، كما أنك لو كنت تقف بعيدا عن البحر وهو في حالة هدوء، ستراه صافيا، ولكن إن اقتربت سترى التموجات الصغيرة.

وهذا التعرج يتسبب به دوران الأجرام حول بعضها البعض أو حول نفسها في بعض الحالات أو الانفجارات الهائلة، فالأرض والشمس تصدران هذه التموجات أثناء الدوران، ولكن الموجات متناهية الصغر، وفي العصر الحالي لا يمكن الكشف عن تموجات بهذا الصغر، لذلك يلجأ العلماء للكشف التموجات لدوران النجوم النيوترونية حول بعضها أو حول الثقوب السوداء، أو من خلال الثقوب السوداء حول بضعها، وفي هذه الحالة ستكون الموجات الجاذبية أشد بكثير، وستسافر إلى مسافات بعيدة جدا.

وهنا يجب أيضا أن أتوقف عند فكرة مهمة، وهي هذه شكل الموجات، حينما أقول لك كلمة موجات، ماذا يخطر على ذهنك؟ فكر في صورة موجات الآن، ستجد أن الصورة التي تتكون هي موجات شبيهة بموجات البحر، وهذه تسمى بموجات عرضية، تتحرك الموجة إلى الأمام وهي تفعل ذلك صعودا ونزولا، ما يحدث هو أن الموجات الجاذبية هي موجات عرضية، ولكنها ليست تماما كموجات البحر، فهي تضغط الزمكان من جهة وتمدده من جهة ثم يتبدل الضغط والتمدد في الجهتين، امسك كرة صغيرة في يدك، اضغطها، ستجد أنها تنضغط من جهة وتتمدد في جهة أخرى، وهذه هي الفكرة بتبسيط شديد (كتبت مقالة على الجزيرة علوم، وأخطأت في هذا الجانب من شرح الموجات، والآن أنا أصحح الفكرة في البودكاست، حصلت لي لخبطة بسبب عدم التركيز، كنت أحضر للموضوعين هنا وهناك)

لما مرت الموجات الجاذبية على الأرض ضغطتها وضغطتك أنت بقدر أقل من حجم البروتون، وهذا ما كان كشفه العلماء باستخدام المرصد لايغو، لنرى كيف صنعوا مثل هذا المرصد، ليصبح بهذه الدقة.

(أنا شخصيا أفضل كلمة فضاوقت بدلا من زمكان، لأن كلمة زمكان تضع الزمن قبل المكان، والمكان فيه 3 أبعاد والزمن بعد واحد، والاصطلاح المستخدم في اللغة الإنجليزية هو Spacetime، أي فضاوقت، ولكني سأستخدم المصطلحين).

مختبر اللايغو

قبل أن أتحدث عن مرصد لايغو، لابد أن أذكر أن الموجات الجاذبية اكتشفت قبل أن يبنى هذا المرصد، ولكن الفرق بين هذا الاكتشاف الجديد سنة 2015 عن القديم سنة 1974 هو أن مختبر لايغو كشفها بطريقة مباشرة، بينما اكتشفت موجات الجاذبية عن طريق غير مباشر سابقا.

العالمان رسل هالس وجوزيف تايلار (Russle Hulse and Joseph Tyler) اكتشفا نجم نيوتروني ثنائي، أو نجمين يدوران حول بعضهما، وقد تعرفا عليهما من خلال الإشارات الراديوية على مدى سنة كاملة، ومن خلال معرفة سرعة دورانهما حول بعض اكتشفا أن السرعة تطابق قوانين آينشتاين العامة، راقب العالمان النجمين على مدى 8 سنوات أخرى، ولاحظا أنهما يقتربان من بعضهما بالضبط كما تنبأت قوانين آينشتاين للنسبية العامة، والسبيل الوحيد لحركة النجوم بهذه الطريقة هو أن تفقد طاقتها بالموجات الجاذبية. كان ذلك اكتشافا كبيرا، حتى أنهما حصلا على جائزة النوبل سنة 1993، واليوم وبعد مراقبة النجم الثنائي لمدة 40 سنة، لا تزال حركتهما مطابقة لنظريات آينشتاين للنسبية العامة. ولكن حتى مع وجود الاكتشاف الأول، فإن الموجات الجاذبية لم تكتشف بطريقة مباشرة حتى نهاية سنة 2015، وأعلن عنها في المؤتمر قبل أيام.

أول من طرح الطريقة العملية والمخبرية لاكتشاف الموجات الجاذبية هما العالمان الروسيان ميخائيل غيرتسنشتين وفلاديسلاف بوستوفويت (Mikhail Gertsenshtein and Vladislav Pustovoit)، وذلك في سنة 1962، لنتذكر أن الموجات الجاذبية ضعيفة جدا، ولا يمكن التقاطها بالأجهزة التقليدية، لذلك اقترح العالمان استخدام ما يطلق عليه بجهاز قياس التداخل (Interferometer). وأسست القواعد التي سيعمل عليها المرصد لايغو ليكشتف الموجات الجاذبية على مبدأ قياس التداخل سنة 1992، وذلك من قبل العالم الفيزيائي كيب ثورن، وكذلك العالمان رينر وايز (Rainer Weiss) ورونالد دريفر (Ronald Drever)، وفُعل المرصد سنة 2002، طوال هذه المدة تكلمت عن مرصد لايغو، في الحقيقة هناك مرصدان، واحد في واشنطن ستيت والآخر في لويزيانا، كلاهما في الولايات المتحدة الأمريكية.

kip and weiss

رونالد دريفر
رونالد دريفر

قبل سنة 1992، كان كيب ثورن يحلم في أن تُكتشف موجات الجاذبية وحتى قبل أن يصبح هو أحد منشئي مرصد لايغو، ستجد خارج مكتبه ورقة اتفق عليها هو زميله مبروزة فيها رهان، الرهان كان عن أنه ستكتشف الجاذبية سنة 1988، ولكن لم يتحقق هذه الشيء إلا اليوم، وقد خسر الرهان وانتهى بعشاء على حسابه الشخصي. وكتب العالمان على الورقة بعد خسارة الرهان.

“خسرت مع ندم حزين” كيب

“قبلت كذلك مع ندم.” بيرتوتي

كلمة لايغو (LIGO) هي اختصار لجملة (Laser Interferometer Gravitational-Wave Observatory) أو مرصد موجات جاذبية قياس تداخل الليزر.

Each LIGO detector has two arms. Space-time ripples will stretch one of the arms and squish the other. Lasers can measure the change.
مختبر اللايغو، 4 كيلو متر، ذراعين على شكل حرف L

لنتوقف قليلا عند كيفية عمل اللايغو، ما سأشرحه الآن قد يصعب فهمهمن السرد الكلامي، ولكن بإمكانك الرجوع للصور ليتضح لك الشرح أكثر، ولكن بما أنك ربما الآن تقود السيارة وأنت تستمع سأحاول قدر المستطاع أن أكون صورة ذهنية تشرح كيفية عمل جهاز قياس التداخل. إن لم تفهم الصورة فلا بأس، تستطيع مراجعة صفحة السايوير بود دوت كوم لاحقا.

المختبر لايغو بني على شكل حرف L باللغة الإنجليزية، طول كل ذراع من ذراعي حرف L هو 4 كيلومترات (لأن الذراعين طويلتين فهما يتأثران بتقوس الأرض، لذلك فإن المهندسين رفعوا الذراعين بقدر متر واحد عن الأرض تدريجيا من البداية إلى نهاية الذراع). بداخل زاوية حرف L، هناك جهاز يطلق أشعة الليزر، وفي البداية يمر الشعاع في مرايا نصف عاكسة، وهي توضع بزاوية 45 درجة من إشعاع الليزر الساقط عليها، المرايا ستمرر نصف الضوء، وتعكس نصفه، بحيث ينقسم الضوء إلى قسمين، أحدهما يدخل في ذراع، والآخر في الذراع الآخر.

الآن لدينا ضوء متجه إلى نهاية هذين الذراعين، حيث تتحرك موجتاهما بتناغم تام، حينما يصل شعاع الليزر إلى نهاية الممر، ينعكس على مراية معلقة هناك ويرجع، وهذا ما يحدث في كل من الذراعين، ليعود الشعاعان على شبه المرآة التي بدأ منها، وحينما يصلان، سوف ينعكس أحدهما، وينفذ الآخر، ويجتمعان في نقطة واحدة على مستشعر ضوئي.

الآن نأتي للحالة الطبيعية حينما لا تكون هناك موجات جاذبية، لما يعود شعاعي الليزر إلى المستشعر فإنهما سوف يلغيان بعضهما بالكامل، ولن تظهر أي إشارة على المستشعر، عدم ظهور إشارة يعني أنه لا توجد موجات جاذبية ضاغطة أو ممدة، ولكن لو أن الموجات الجاذبية مرت على الأرض، فإن الذراع الأول سوف يتمدد، والذراع الآخر سوف ينكمش، ويتم يتبادل التمدد والانكماش بينهما، وستتغير الأطوال الموجية لشعاعي الليزر، ثم تجتمع الموجتين على المستشعر من غير أن تلغي أحداهما الأخرى، فتكتشف، وعندها تبدأ التحليلات لمعرفة ما إذا كانت تلك التغيرات هي بسبب موجات الجاذبية.

لكي تُحكم أجهزة قياس الموجات اتخذت احتياطات خيالية في المقاييس البشرية الاعتيادية، حتى يُلغى التشويش فُرغ الذراعين من الهواء، ولو نفخت كرات بهذا الهواء لملأت به 1.8 مليون كرة قدم، وكذلك فالمرايات التي وزنها 40 كيلوغراما متعلقة ببندولات لمنعها من التذبذب الأرضي الخفيف الناتج من الزلازل البعيدة مثلا أو ذبذبات أخرى، والحرارة كذلك أخذت في الاعتبار، وهناك مستشعرات لحالة الطقس، وميكروفونات تلتقط الصوت، ومستشعرات تلتقط المغنطة، ومستشعرات تلتقط الإشاعات الكونية، وحتى التشويش الناتج من ميكانيكا الكم ألغي، وكذلك فإن فيه 100,000 قناة تراقب جهاز التداخل Interferometer، ناهيك عن وجود لايغو آخر مثله يقوم بنفس الوظيفة، كل ذلك لكي يضمن العلماء صحة اكتشاف الإشارة.

والأمر الذي قد يكون الأكثر غرابة، أن هناك من المسؤولين من يقوم بضخ إشارة مزيفة بين الحين والآخر، حتى يختبر العلماء، فلا يخبر بها أحدا، ويرى كيف يعمل العلماء لكشف صحتها، وقد قاموا بذلك قبل سنوات، وفي العادة، في مثل هذه الظروف، ينطلق العلماء على جانبي البحث، فيبدأون بكتابة بحث علمي على أساس أن الإشارة صحيحة، وفي نفس تلك الأثناء يعملون على اكتشاف صحة الإشارة. حتى إذا ما اكتشفوا أنها صحيحة سيكون البحث جاهزا، وإذا ما اكتشفوا أنها مزيفة، سيلغون البحث من غير أن يحرجوا بعد نشره.

لم يكن آينشتاين ليحلم بإمكانية إقامة مثل هذه التجربة، فالموجات الجاذبية البعيدة – مثل تلك المكتشفة – لا يمكن التقاطها بأي وسيلة كانت متوفرة في أيامه، ولكن العلماء الأذكياء في عصرنا استطاعوا بناء مرصد هائل يمكنه استشعار الموجات الجاذبية التي تمدد وتضغط الزمكان حتى وإن كان بقدر 1000 مرة أصغر من البروتون الموجود في نواة الذرة

لعل أبرز ما يمكن أن نتعلمه من هذا المستوى من الدقة أن العلماء لا يريدون نشر معلومات خاطئة، وإن فعلوا (وهذا يحدث أحيانا) فهم عملوا ما بوسعهم لتفادي الوقوع في الخطأ، وحتى بعد أن يعملوا ما بوسعهم وينشر العلم، يتحقق علماء آخرين من عملهم ليكشفوا أي خطأ، وهذا ما لا تجده في أي مدرسة أخرى. لن تجد نفس مستوى التدقيق، ولا نفس مستوى المصداقية.

على مدى السنوات منذ أن افتتح المرصد سنة 2002، وإلى 2010، لم يستطع أن يقيس أي موجات جاذبية، أقفل لسنوات حتى يتم تطويره، وبدأ العمل عليه حتى سنة 2015، وأسمي بعدها بلايغو المتطور (Advanced LIGO)، تضاعفت قوة المرصد 3 أضعاف ما كان عليه في السابق، وبعد التشغيل بعدة أشهر التقط إشارة قادمة من ثقبين أسودين مباشرة.

سيتمكن العلماء من رفع المستوى إلى 10 أضعاف ما كان عليه. وهذا يعني أن المرصد سيتمكن من اكتشاف أشياء أبعد بقدر 10 مرات، وسيمسح الكون بقدر 3 أضعاف الحجم، وسيكون قادرا على قياس تغير في طول الذراع الناتج من التموج الجاذبي بقدر 1/10,000 حجم البروتون في نواة الذرة. دقة هائلة.

التحسينات أتت بثمارها بكل تأكيد، وسنرى أكتشافات أخرى قريبا أيضا. ليس فقط من مرصد لايغو الأمريكي، إنما من عدة دول تعمل على تطوير مراصد جاذبية بنفسها، وستعمل في المستقبل.

لايغو والفيلم إنترستلر

لقد استخدم كيب ثورن مرصد لايغو في الفيلم انترستلر لكي يكتشف الموجات الجاذبية القادمة من ثقب أسود في مجرة أخرى وعبر الثقب الدودي، أراد أن يكون موقع صدور الموجات بالقرب من زحل، ولكن كيف يمكن لمثل الموجات الجاذبية الهائلة أن تتكون بالقرب من زحل ولا توجد ثقوب سوداء بجانبه؟ ولو كانت موجودة فستمزق زحل أو تغير من تركيبة دوران الأجرام في المجموعة الشمسية، لكي تأتي الموجات من ذلك المكان فتح كيب ثقبا دوديا يطل على مجرة أخرى، وبداخل تلك المجرة ثقبا أسودا تعادل كتلته 100 مليون شمس، وحول ذلك الثقب عدة ثقوب أخرى ونجوم نيوترونية (هذا ما لا يعلمه الكثير ممن شاهد الفيلم)، دوران الثقوب الصغيرة حول الثقب الأكبر غارغانتشوا أصدر هذه الموجات، ثم عبرت خلال الثقب الدودي لتصل إلى الأرض، لتكتشف باستخدام لايغو.

أهمية الاكتشاف

العديد من المتابعين سألوني عن أهمية الاكتشاف في حياتنا، هناك نوعان من الناس الذين يسألون هذا السؤال، النوع الأول يريد أن يعرف إذا كان هذا الاكتشاف يؤثر مباشرة بحيث يضع على طاولته بيغ ماك وآيفون حتى يستطيع أن يأكل ويتواصل في التويتر، والنوع الثاني يسأل من باب أهمية الاكتشاف على المعرفة البشرية مستقبلا.

إجابة على النوع الأول من الناس، أن مثل هذه الاكتشافات لن نرى نتائجها مباشرة اليوم، إنما ستستفيد منها البشرية مستقبلا، فمثلا حينما أنتج آينشتاين نظريتيه الخاصة والعامة ولم يكن لهما أي فائدة في ذلك العصر، واليوم نحن نستخدمهما في حياتنا اليومية في الجي بي إس على سبيل المثال، وكما أيضا لم يكن هناك أي أهمية لميكانيكا الكمي في عصرها حينما اكتشف، ولم تكن سوى قوانين على ورقة، اليوم هي مستخدمة في أجهزة الإم آر آيMRI ، وكذلك في هاتفك النقال الذي تستمع للبودكاست من خلاله، ولذلك ومن هذا الباب، ستكون للموجات الجاذبية أثرا مستقبليا مباشرا على بيغ ماك وآيفون أحفادنا.

أما النوع الثاني من الناس، والذين يبحثون على الأثر المباشر على المعرفة، فإن هذا المرصد يقارن بالتلسكوب البصري الذي اخترعه جاليلو ليكتشف الكواكب في المجموعة الشمسية والنجوم، تخيل كيف تحول العالم حينما استطاع أن يراها بطريقة متطورة عما كانت ترى بالعين المجردة، هكذا سيكون مرصد لايغو والمراصد التي تعمل على كشف الكون من خلال الجاذبية، ليس لهذا المرصد مثيل، هو فريد من نوعه حاليا، وقد فتح نافذة جديدة على العالم، سنراه بعين لها حساسية مختلفة عن العيون المخبرية السابقة التي ترى الضوء في الطيف البصري، والتي ترى أشعة إكس، والتي ترى الموجات الراديوية الأخرى، أنت الآن في نقطة تحول في المراصد الفلكية تاريخيا.

سيستخدم العلماء هذا النوع من التلسكوبات للأمور التالية:

  1. الكشف عن الثقوب السوداء الثنائية كما حصل.
  2. الكشف عن الثقوب السوداء التي تبتعل النجوم.
  3. الكشف عن النجوم النيوترونية الصغيرة والتي هي بحجم مدن صغيرة.
  4. الكشف عن تصادم النجوم النيوترونية.
  5. محاولة لفهم بداية تكون الكون من أثر الجاذبية التي خلفها الانفجار العظيم.
  6. وكذلك الأمل في رؤية الموجات الجاذبية من الأوتار الكونية التي تمتد عبر الكون، وهي التي تكونت في بداية انطلاقه.

وللعلم فإن هذا الاكتشاف من الأهمية، إنه لا شك سوف تقدم جائزة النوبل لمجموعة من العلماء بسببه.

أما الآن أترككم مع صوت اندماج الثقبين الأسودين، الموجات الجاذبية في الواقع ليس لها صوت، فالموجة هي جاذبية وتنتقل عبر الفضاء الخارجي، والذي لا ينتقل فيه الصوت، ولكن لأن الموجات هي ما بين 35 و250 هيرتز، وهو في حدود سماع أذن الإنسان قام العلماء بتحويل الذبذبات الجاذبية إلى صوتية، بحيث يمكن سماعها، كذلك فإن قاموا بالتعديل عليها بحيث أنهم حركوا الترددات حتى تسمع في مجال أفضل، الصوت هذا عبارة دوران الثقبين، وتسارع الدوران، ثم الالتحام والابتلاع. وأترككم مع الصوت وإلى اللقاء.

المصادر: 

6 أفكار على ”اكتشاف الموجات الجاذبية، وعصر جديد من التلسكوبات الفلكية

  1. يعطيك العافية دكتور
    الموسيقى شدتني بقوة ورحت أدور عليها لكن ما حصلتها
    يا ريت لو تساعدني باسمها

  2. حلقة جميلة جدًا ولكن مشغل الصوت لا يدعم التقديم والتأخير من لوحة المفاتيح حبذا لو يتم استبداله بمشغل أفضل ولك جزيل الشكر
    هل تحتاج أمواج الجاذبية لوسط انتشار
    وهل يمكن على الأقل من الناحية النظرية أن يتم استخدام هذه الأمواج في مجال الاتصالات ونقل المعلومات
    لاحظت أنك قليل ما تجيب على الأسئلة على هذا الموقع فهل يوجد موقع آخر للأسئلة والمناقشة

  3. لا يسعني القول الا انه موضوع كالعادة أكثر من رائع من شخص رائع .. شكرا لك يا دكتور وثق تمام ان محبه الناس للعلم تأتي من أشخاص مثلك .. لك جزيل الشكر على الشرح والأمثله الرائعه.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s