بيولوجياتطور

ارجاع ديدان إلى الحياة بعد 40,000 من التجمد

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

علماء روس أخذوا عينة من ديدان اسطوانية أو خيطية (nematodes) متجمدة مكتشفة حول نهر ألازيا (Alazeya River) بروسيا، كانت تحت الأرض بعمق 3.5 متر، واحتفظ بها منذ سنة 2015 عند درجة حرارة -20 درجة مئوية، وبعد دراسة المواد العضوية التي حولها باستخدام التأريخ الراديو متري علموا إنها تعود إلى حوالي 41,000 عام، رفع العلماء حرارتها إلى 20 درجة على مدى أسابيع، ووضعوا بجانبها الطعام المناسب، وإذا بها تبدأ بالتحرك تدريجيا، ثم تعود للحياة مرة أخرى، وكذلك استطاع العلماء جعلها تتكاثر لتكرر نفسها. ويقول العلماء إن مثل هذه الشيء أمر ممكن إن لم تتضرر الخلايا.

رغم إن العلماء يضعون في الاعتبار احتمال إن العينة كانت ملوثة، إلا إن هذا الاحتمال ضعيف جدا، خصوصا إنهم اتبعوا خطوات صارمة في نقل العينات والتعامل معها، ماذا يعني إنها كانت ملوثة؟ هذا يعني أنه ربما اختلطت العينة التي تحتوي على الديدان الميتة مع المحيط ودخلت عليها ديدان معاصرة، وبما إنها ميكروبية الحجم لأنها تحتوي على عدد بسيط من الخلايا، فلربما لم يلاحظ العلماء هذه المشكلة، ولكن يدعي العلماء إنهم كانوا حريصين جدا في عدم تلويثها. مثل هذه الأمور تحدث وقد حدثت في الماضي مع خلايا هنرياتا لاكس الخالدة، وقد ذكرت تفاصيل ذلك في حلقة قديمة في السايوير بودكاست.

يستصعب بعض العلماء إرجاع كائنات متعددة الخلية للحياة، خصوصا إن الرقم القياسي السابق في إعادة كائنات ميكروبية متعددة الخلايا للحياة يعود إلى 30 عام في الماضي، أما ذوات الخلية الواحدة كالبكتيريا فبالإمكان إعادتها للحياة بعد ملايين السنين بزعم بعض الدراسات، ففي دراسة استطاع العلماء إحياء بكتيريا تعود إلى 250 مليون سنة في الماضي، لقد كانت في كريستالة من الملح، ولكي يتأكد العلماء إن عينة الملح لم تلوث صبوا على كريستالة الملح نوع من أنواع الأسيد الذي يضمن قتل أي بكتيريا حولها. نشرت هذه الدراسة في مجلة نيتشر، وقبل ذلك تمكن العلماء أيضا من إرجاع بكتيريا إلى الحياة بعد أن تجمدها قبل 25-40 مليون عام. .

ماذا يمكن الاستفادة من مثل هذه الدراسات؟ هناك عدة مجالات بإمكانها الاستفادة من إعادة كائنات إلى الحياة، فمثلا، إمكانية تجميد أعضاء البشر لمدة طويلة جدا من غير أن تتضرر بحيث تستخدم في الزراعة، ومنها إعادة البشر إلى الحياة بعد تجميد أجسادهم فترة طويلة، أو بالإمكان الاستفادة منها في معرفة ما إذا كان بالإمكان ارجاع كائنات إلى الحياة وهي في كواكب أخرى، ربما ماتت أو توقفت عن القيام بوظائفها بعد أن فقد الكوكب الذي كانت تعيش عليه أجواءه، وبعد أن تجمدت على السطح، وكذلك بالإمكان دراسة تطور هذه الكائنات على مدى الأربعين ألف عام، فما هي التغيرات التي حدثت لها حينما تطورت؟

ماذا يعني إن الحي مات؟

أنزلت هذا الموضوع على توتير، وكما تعلمون فإن الكتابة على تويتر مختصرة، وحتى لو أردت الشرح لاحتجت لأن أربط عدة تغريدات مع بعضها، ومع ذلك ليس من المحبذ نشر عدة تغريدات في موضوع واحد طويل، الناس في  العادة تمل بسرعة، لذلك حولت الموضوع إلى البودكاست، مع إني أشرح شرحا مطولا، ولكن هذا الموضوع يستحق التفصيل فيه.

كتبت التالي في التغريدة: ” اعادة ديدان متجمدة 30,000-42,000 عام إلى الحياة، عاشت هذه الديدان مع الماموث، وتجمدت مدة طويلة إلى أن أحياها علماء روس. رفعوا درجة حرارتها من -20 سيليزية إلى 20، وأحاطوها بالطعام. ثم عادت تتحرك بعد أسابيع.” وإذا بالتغريدات السلبية تهطل كالمطر علي في الردود، وفي الخاص أتاني تهديد مخفف: معاك 24 ساعة تفسر التغريدة وإلا…”

هذه بعض الكلمات التي نلتها من جراء تغريدة علمية:

“عقليتك عقلية ثور”

” كذب ناقل الخبر وصدق الله عقلك أوردك المهلكة”

” يا محمد ارجو منك تغيير اسمك او وضع لقب آخر غير هذا الاسم الشريف لأنك حق وصدقا لا تمثله”

” غير اسمك ل كوهين”

طبعا هناك من يرد عليهم أيضا بنفس الأسلوب أو بالسخرية، والردود لا تزال تتوالى، وأنا أشكر الجميع على المشاركة، كنت أتمنى لو إن الردود كانت أكثر تأدبا، كان بإمكان المتابع أن يرد من غير الشتم، ولكن يبدو إن بمجرد أن لا تتوافق فكرة مع المعتقد السابق يبدأ البعض بالشتم، ومع ذلك هذه الفئة من الناس لا تمثل إلا القلة القليلة من المتابعين، وأنا أحترم الجميع مهما كان أسلوبه.

بعيدا عن الشتم، بالطبع لم أذكر في التغريدة إن الديدان كانت ميتة، إنما متجمدة ثم أحياها العلماء، ولكن الناس فهمتها إنها كانت ميتة وأحييت، كلمة أحياها في التغريدة توحي إنها كانت ميتة، ومعهم الحق في التفكير بهذه الطريقة، فالتغريدة لم تكن واضحة ودقيقة.

فكرت في الموضوع، هل كانت الديدان ميتة؟ تساءلت إن كانت متجمدة 40,000 عام، لا يتحرك فيها شيء ولا حتى جزيء واحد يقوم بوظائفه المعتادة، فهل هي ميتة؟ لو جمدنا الإنسان 40,000 عام، هل سيعتبر حيا أم ميتا؟ لو جمدنا أي كائن حي مدة 40,000 عام، فهل سنعتبره لا يزال حيا؟

في حلقة سابقة تكلمت عن الحياة، وما الذي يجعل الكائن حيا؟ وجدت إن تعريف الحياة أمر صعب جدا على العلماء. وشرحت الظروف المختلفة التي تجعلنا نقول إن كائن ما حي، ولكن مع ذلك لم يعتبر العلماء إن الظروف المختلفة تعريفا للحياة، فبقي التعريف معلقا حتى إشعار آخر، واجه العلماء نفس هذه الصعوبة في تعريف الموت. وقد بحثت عن تعريف واضح للموت فلم أجد، هناك نقاش طويل على الموضوع، ولا يبدو إن هناك اتفاق عليه، خصوصا إن تحدثنا عن الإنسان.

ما الحالة التي لابد أن يكون عليها الإنسان حتى يقال إنه ميت؟ قد تقول لو توقف القلب لاعتبرناه ميت، ولكن كم المدة الزمنية التي إن وقف خلالها القلب سنعتبر المصاب بالسكتة – مثلا – ميت؟ دقيقة أو دقيقتين أو ثلاث؟ نحن نعلم إن بعض الناس يتوقف عندهم القلب فترة من الزمن، وبعد محاولات من الأطباء بصعقات كهربائية وCPR تدق قلوبهم (سألت الدكتور بدر المهدي استشاري أمراض القلب والقسطرة القلبية، وأخبرني أنه بالإمكان انقاذ الشخص خلال 6 دقائق، ولكن المشكلة مرتبطة بالدماغ، فلابد أن يستمر القلب بضخ الدم له، إن توقف لفترة طويلة يتعطل المخ، ولكن بالإمكان تخفيض درجة حرارة الشخص بحيث لا يتأثر المخ، ثم إرجاع القلب للضخ حتى بعد مدة أطول من 6 دقائق) ، إذا كان التعريف يعتمد على القلب مدة 6 دقائق فهناك أخبار عن أناس عادوا للحياة من الموت – الذي عرّفناه قبل قليل – وذلك بعد 45 دقيقة بعد تخفيض درجة حرارة أجسادهم. فهل كانوا ميتين وعادوا للحياة؟

طيب إذا كان الطب قادرا على إعادة نبضات القلب بعد مرور 45 دقيقة في الحالة القصوى، إذن لنقل الآن إن أي شخص يتوقف قلبه لمدة ساعتين فبكل تأكيد توفي، ماذا لو تقدم الطب إلى درجة إنه استطاع إعادة نبضات القلب بعد 10 ساعات؟ هل سنعتبره ذلك الشخص الذي أعيد قلبه للنبض ميتا قبل ذلك؟ بالطبع سنعيد التعريف، أليس كذلك؟ ماذا عن الشخص الذي يستبدل قلبه البيولوجي بقلب آلي، هل هذا الشخص يعتبر ميتا لأن قلبه البيولوجي توقف؟ لا طبعا، سنعيد التعريف، لأن العلم يدفع بالأمور لتتغير، يدفع بمفاهيمنا للتغير، سواء أقبلنا بذلك أو لم نقبل، العلم يتحكم بالطبيعة، وبقدرته على التحكم يغيرها ويغيرنا معها.

يلجأ البعض لتعريف الميت على إنه الميت دماغيا، وهناك نقاش أيضا مطول على نفس هذه النقطة، قد يكون التعريف الذي يشمل المخ أفضل من تعريف الموت اعتمادا على القلب، ماذا عن البشر الذين تحفظ أجسادهم بعد إعلان وفاتهم بالتجميد حتى يعاد إحياؤهم في المستقبل؟ هل لم يكونوا ميتين حين أعلن موتهم؟ إم إنهم ماتوا وسيعادون للحياة مرة أخرى؟ وهل حينما يعادون للحياة في المستقبل سننزعج، وسنحاسب الذين يقولون إنهم أعيدوا للحياة؟

ماذا لو ركب الأطباء رأس شخص على جسد شخص آخر، فكيف سنعرف الموت عندها؟ من الذي مات، ومن الذي حيا؟ هل صاحب الرأس مات وعاد للحياة أم صاحب الجسد مات وعاد جسده للحياة؟ الجراح الروسي Sergio Canavero يريد أجراء هذه العملية على مريض، سينقل رأس من جسد مريض إلى جسد شخص سليم جسمانيا بعد وفاته، قد لا تنجح العملية، الكثير من المختصين متشككين من نجاحها، أو ربما تنجح لفترة قصيرة، ثم يتوفى صاحب الرأس، ولكن بالتأكيد سيأتي اليوم الذي تنجح فيه العملية، وقد أجرى الروس زراعة رأس كلب على جسد كلب آخر، فأصبح الكلب برأسين، وعاش لفترة بسيطة ثم توفيا، كان ذلك في الخمسينيات، وكذلك قبلها أبقى علماء سوفيتيين رأس كلب مقطوع على قيد الحياة باستخدام أجهزة لساعات. أعتذر إن كانت الصورة مرعبة، ولكن هذا يؤشر في اتجاه تركيب رأس إنسان على جسد شخص آخر في المستقبل، كيف سنستقبل مثل هذه الأخبار؟ هل سنغير تعريف الموت؟ أو حتى لو نجحت لفترة قصيرة جدا، كيف سنفهم معنى الموت عندها؟

لن نخوض في في موت الإنسان أكثر، فالمشكلة هي مع جسم ميكروبي بعدد بسيط من الخلاي.

موت الخلية

اكتشفت بعد البحث البسيط في خلال الأوراق العلمية إن أوضح تعريف لموت الخلية هو: “الخلايا التي تموت تمارس عملية يمكن قلبها حتى تقوم بأول مرحلة غير قابلة للقلب أو تعدت نقطة بلا رجعة.” Dying cells are engaged in a process that is reversible until a first irreversible phase or ‘point-of-no-return’ is trespassed، من يفكر في هذا التعريف يجد أن به ثغرة واسعة، ومجال غير محدود لإرجاع الهدف إلى الخلف، تخيل لو إننا اليوم بقدراتنا نجد إن خلية ما بدأت بالتحلل إلى درجة إنها لا تستطيع العودة كما كانت في السابق، فاعتبرناها ميتة، ولكن في المستقبل استطاع العلماء إصلاح هذا الخلل، عندها تعود الخلية لمباشرة حياتها، فهل أحياها العلماء بعد مماتها؟ أم إنها لم تكن ميتة في الأساس، ونحتاج لأن نغير التعريف؟

خذ على سبيل المثال، ذكرت في السابق عن العالم كريغ فنتر، استخرج الدي إن إي من بكتيريا، وبهذا توقفت عن العمل، ولم تعد حية، ولكن بعد ذلك حاك دي إن إي جديد ومختلف عن الطبيعي الذي كان فيها، وأدخله في الخلية ثم عادت للحياة وتناسخت، فهل يعتبر ذلك إحياء للكائن الحي بعد موته؟ لابد أن نعيد مرمى الهدف إلى الخلف بعد هذا التقدم.

بالطبع فإن العلماء لم يتركوا هذه النقطة وشأنها، بل حاولوا تدارك “مرحلة غير قابلة للعكس” أو “تعدي نقطة بلا رجعة” بتحديد ظروف تصيب الخلية تجعل التعريف أكثر وضوحا وصلابة، فمثلا ذكروا إن فقدت الخلية تركيبة غشاء البلازما، أو إن النواة تقطعت إلى قطع صغيرة، أو إن هذه القطع الصغيرة ابتلعها الخلايا التي بجانبها فهي ميتة. ومع ذلك لا تزال هناك مشكلة في تعريف الموت بهذه الطريقة، فهناك إمكانية لأن يعيد العلماء تصحيح هذه المشاكل وإعادة الخلية إلى ما كانت عليه حتى بعد تغيرها، وقد نحتاج لأن نرجع مرمى الهدف إلى الخلف مرة بعد مرة.

راسلت العلماء الذين عملوا على البحث، وطلبت من هم صور أو فيديوهات، فأجابوني إنهم سوف ينشرون صور جديدة وربما فيديوهات في بحث جديد قادم، أرسلت لهم رسالة حتى أعرف إن كانوا يعتبرون الديدان ميتة أم إنها مجرد متجمدة، ولا زلت أنتظر الرد منهم، ولكن بالرغم من ذلك، نسينا البحث الأساسي، وانشغلنا بكلمة ميتة أو متجمدة، هل هي أحييت؟ هل أرجعت للحياة؟ هل عادت للحياة؟، للأسف!

إذن، تعريف الموت أمر صعب جدا، وأتوقع أن أكثر من رد على التغريدة لم يضع في الاعتبار مشكلة تعريف الموت، بل توجه مباشرة للرد من غير أن يفكر، أو اعتمد على مسبقات كبر على سماعها، وقبلها من غير أن يفكر في مضامينها، ولكن حتى مع أولئك الذين لم يفكروا، فهم معذورون، فهم لم يتعودوا على البحث والتفكير المنهجي والمنطقي الشكوكي، ونحتاج منهم أن يبحثوا قبل الاستعجال في الاتهامات، لأننا في النهاية، نريد مجتمع واعي ينبض بالحياة، بدلا من مجتمع جاهل ميت.

مصادر

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق