علمعلم اجتماععلم نفس

الانحياز الضمني، كيف تتأثر المجتمعات بما في داخل أعماق الفرد

speaker_icon disk
ipod

بسبتمبر 2016 مساء، خرج رجل من سيارته التي أوقفها في وسط الشارع، رجل أسود طويل القامة، بدا وكأنه يهذي، اتصلت امرأة بالشرطة بعد أن رأت سيارة تيرنس كرتشر (Terence Crutcher) متوقفة في الطريق معرقلة الحركة، يبدو أيضا أن كرتشر كان يتصرف بطريقة أبدته وكأنه تعاطى المخدرات، فقد كان يصيح أن سيارته ستنفجر، رغم أنها كانت سليمة.

حضرت الشرطية بتي شيلبي (Betty Shelby) البيضاء إلى حيث موقف الحدث، بدا كرتشر متعاونا كما صوره طاقم التصوير في الهليكوبتر الذي كان يحوم فوقهما، كان رافعا يديه وهو يتجه من سيارة الشرطية إلى سيارته، تبعته الشرطية إلى سيارته حاملة المسدس.

اجتمع مع شيلبي ثلاثة شرطة آخرين لاحقا، اثنان منهم كانوا بكامل جاهزيتهم لإطلاق النار أو صعق كرتشر، لقد كانت فوهة الأسلحة موجه إليه، اقتربوا من سيارته، في تلك الأثناء أنزل كرتشر يده إلى جيبه ليخرج شيئا منها، كان الهليكوبتر يطير باستدارة حول الحدث، سجل الطاقم هذا الصوت: “يبدو أنه شخص سيء”

إذا بالطاقم يصور كرتشر وهو يسقط إلى الأرض بجثته الثقيلة، فارتطم رأسه على الإسفلت الأسود، ليعلن صوت أحد أفراد الطاقم أنه صعقك. وبعد ذلك بقليل صرخت شرطية: “نيران أطلقت”، لقد توفي كرتشر بعد ذلك في المستشفى.

ذركت أخت كرتشر في مؤتمر صحفي: “هل تريدون أن تعرفوا من هو ذلك الشخص السيء؟ ذلك الشخص السيء كان أخي التوأم، ذلك الشخص السيء كان أبا، ذلك الشخص السيء كان إبنا، ذلك الشخص السيء كان مسجلا بكلية المجتمع بتلسا، أراد أن يشعرنا بالفخر، ذلك الشخص السيء كان يحب الله، ذلك الشخص السيء كان في الكنيسة يغني كل أسبوع مع كل عيوبه.” أضيف أنه كان يتعاطى المخدرات ويبيعها أيضا، وقد سجن 6 سنوات بسببها.

أراد أن يخرج محفظته حينما أدخل يده في جيبه، لم يكن لديه سلاحا، توفي في لحظة قرار اتخذتها الشرطية، لحظة سريعة جعلتها تظن أن كرتشر لجأ إلى سلاح. ما السبب في إطلاق النار؟ هل لأنه أسود، فهو شرير تبعا لذلك، هل لأنه أسود فلابد أن يده كانت تتجه إلى سلاح في جيبه؟ ماذا لو كان ذلك الشخص أبيض البشرة؟ هل كانت الشرطية ستطلق عليه النار؟

مثل هذه الحوادث تتكرر باستمرار، مثل هذه القرارات السريعة تتكرر كثيرا، هنالك بباطن كل شخص منا انحيازا إلى جماعته، إلى نوعه، إلى لونه، إلى عنصره، يدعوه هذا الانحياز الضمني الداخلي العميق بأن يربط الإيجابيات بها، ويربط السلبيات مع كل ما يختلف معها، وهذا الانحياز الضمني الخفي يجعلنا نتخذ قرارات قد تكون غير صائبة، وغير صحيحة، وغير أخلاقية.

حينما يكون الإنسان منحازا ضمنيا فإن انحيازه أوتوماتيكي، يتخذ قراراته بناء عليه من غير أن يشعر بوجود هذا الانحياز، سمير – على سبيل المثال – يعتقد أنه يجب أن تعطى النساء فرصة مساوية للرجل في العمل، هذا ما يصرح به ويعتقده، رغم هذه الصراحة إلا أنه داخليا – في أعماق نفسه – يعتقد أن البيت هو المكان الأنسب للنساء، والعمل هو الأنسب للرجال، قد يؤثر ذلك على تصرفاته مع النساء، فمثلا إذا تقدمت امرأة للعمل، ورغم امتيازها بخبرتها بالسيرة الذاتية على المتقدمين الرجال إلا أن سمير سينتقي الرجل على المرأة للعمل معه، أو قد يشكك في المعلومات التي تقدم له من النساء أكثر من تشكيكه في معلومات الرجال.

على مدى أكثر من 20 عاما درست الدكتورة مازرين بناجي (Mahzarin R. Banaji) – عالمة نفس بجامعة هارفرد – الانحياز الضمني، ودراستها مهمة جدا لأنها تظهر ما عادة يخفيه الانسان ظاهريا، وأنشأت اختبار شهيرا جدا يطلق عليه اختبار الترابط الضمني (Implicit Association Test)، تستطيع أن تأخذ هذا الاختبار لمعرفة درجة انحيازك الضمني الداخلي. أنا أخذت هذا الاختبار شخصيا وفوجئت بأنني أيضا منحاز، وبدى ذلك واضحا علي، حيث شعرت بذلك حتى أثناء الاختبار، وقبل صدور النتائج.

هذا الاختبار موجود في الرابط التالي، وتستطيع أن تجربه بنفسك، فهو موجود على جامعة هارفرد.

الاختبار بجامعة هارفرد.

التجربة التي قمت بها كانت لمعرفة طريقة ربطي لصغار أو كبار السن مع الإيجابية والسلبية، في البداية قدمت لي صورا لوجوه، وكان علي أن أصنفها على أنها كبيرة في السن أو شبابية، يطلب مني أن أضغط على زر على لوحة المفاتيح على جهة اليمين لوضع صور كبار السن على اليمين، والضغط على زر على اليسار لوضع صور الشباب على اليسار، كانت تظهر الصور بعشوائية، وكنت أضغط على الزر المناسب لترتيبها، بعد أن أقوم بذلك تعرض علي كلمات سلبية وكلمات إيجابية، سلبية مثل: كراهية، تقيؤ، مريض، وإيجابية مثل: جميل، وحب، وسعيد، وعلي تنظيمها إلى جانبين كما فعلت في الصور، جانب عُنون بكلمة سيء، وجانب عُنون بكلمة جيد، وهذه كانت عملية سهلة جدا. وهي ليست من ضمن الاختبار، إنما هي تجهيز للاختبار.

بعد ذلك، وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي، قدمت لي صورا وكلمات، كان علي أن أضعها في الجهة المناسبة بسرعة، السرعة مهمة، جهة اليمين معنونة بكلمة جيد، وجهة اليسار معنونة بكلمة سيء، المطلوب أن أضع الشاب والكلمات الإيجابية مع بعض على اليمين، والكبار في السن مع الكلمات الإيجابية على اليسار. ظهرت لي صورة لشاب، فوضعتها على اليمين، ثم ظهرت كلمة سعيد، فوضعتها هي أيضا على اليمين، ثم ظهرت لي كلمة سيئة، وضعتها على اليسار، وصورة كبير في السن فوضعتها على اليسار أيضا، أي أنني ربطت ما بين الشباب والإيجابية، وكبر السن والسلبية، بعد ذلك طلب مني أن أعكس، أي أربط ما بين الإيجابية وكبر السن، والسلبية والشباب. سرعة استجابتي للحالتين تبين انحيازي لأحد الطرفين الشباب أو الكبار في السن.

حينما قدمت هذا الاختبار اكتشفت أن سرعتي كانت مناسبة حينما كنت أرتب الشباب مع الإيجابية، وكبر السن مع السلبية، ولكني كنت أتأخر في الحالة العكسية، حيث كنت أحتاج لتتوقف للتفكير كلما ظهرت لي كلمة إيجابية مع كبار السن أو كلمة سلبية مع الشباب، تفاجأت بذلك، لم أتصور أن أحتاج لأن أبذل مجهودا في الحالة العكسية، بالطبع لم يكن فارق الوقت كبيرا، ولكنه كان ملاحظا، وفي النتائج الإحصائية التي قدمت لي في النهاية، كانت تتماشى مع حالتي التي لاحظتها شخصيا، وهي أنني أفضل الشباب على كبار السن.

قدم هذا الاختبار لملايين الناس على الإنترنت، لاختبارهم في موضوع العنصرية حول السود والبيض، الجنس حول النساء والرجال، الديانة: حول العربي المسلم وغير العربي المسلم، حول الوزن: النحيف والبدين، والعديد من الاختبارات الأخرى، الدراسات تبين بما لا مجال للشك فيه – إحصائيا – أن الناس لديها انحيازات ضمنية، لا مجال للهروب من ذلك.

انتقد الكثير من العلماء اختبار الترابط الضمني على مدى السنوات، وقد قام العديد من العلماء من مساندي الانحياز الضمني بالرد عليهم، وبقيت الكثير من الأمور التي لا يزال العلماء يناقشونها عن مدى صحة هذا الاختبار في تقييم العمق النفسي، مع مرور الوقت وعلى مدى السنوات الماضية، عدل العلماء على الاختبار ليصححوا بعض الإشكالات المطروحة، ومع ذلك فإن قوة هذه الاختبار تظهر في قدرته على التنبؤ، حيث صدرت دراسة مؤخرا من الدكتور (Eric Hehman) وزملائه من جامعة رايرسون (Ryerson University) تبين كيف تنبأ العلماء بحوادث قتل الشرطة بناء على الانحياز الضمني، أخذوا إحصائيات الانحياز الضمني ضد السود للمناطق في الولايات المتحدة، فلاحظوا أن أنه كلما كانت الانحيازات أكثر كلما كانت حوادث قتل الشرطة للسود أكثر، والمثير أن الدراسة لم تختبر الشرطة لمعرفة وجود انحيازات لديهم، بل كانت لعامة الناس من غير الشرطة، وكانت انحيازات عموم الناس كافية للتعبير عن حوادث القتل، وهذه دراسة مهمة تدل على قوة دراسات الانحياز الضمني وانعكاسها على المجتمع. لاحظ أمرا مهما، وهو أن الانحياز الضمني قد يكون خفيا في الشخص، ولكنه سيكون ظاهرا المجتمع ككل.

ما هي مسؤوليتنا تجاه الانحياز الضمني؟ للأسف فإن المجتمعات في الغالب تتسابق في زرع الانحيازات في الصغر، فتبقى فترات طويلة من حياة الفرد وتؤثر عليه، رغم ذلك فإن مسؤوليتنا هي المعرفة، معرفة وجود هذا الانحياز، وعدم إنكار وجوده، والإقرار به، وبعد ذلك التصرف بعكس ما يمليه علينا.

البعض قد يدعي أنه غير منحاز، فأنا غير منحاز للسنة على الشيعة أو العكس، أو أنا غير منحاز للرجال على النساء أو العكس، أو أنا غير منحاز للكويتي على المصري أو العكس، وأعتقد أن الجميع يجب أن تكون لهم نفس الفرص، وسأعامل الجميع سواسية، ولكن حينما يأتي شيعي وسني للتقدم للعمل معي – أنا رجل الفرص المتساوية، سأقبل بأن أوظف الشخص الذي أرتبط به انحيازيا بسرعة حتى لا يأخذها الآخر، أو إن طالبت المرأة بحقها في أمر ما لمساواتها بالرجل، أدعي أن الحق هذا ليس لها لأسباب منطقية، وأنه ليس من صالحها الحصول عليه، ليست المسألة مسألة انحياز، إنما هي مسألة مبدأ، وهكذا بالنسبة لجميع الانحيازات الأخرى.

من الناحية الأخلاقية، يجب علينا أن نسيطر على هذه النزعة بعد معرفتها. يجب أن لا تؤثر الانحيازات الضمنية على الصريحة، لماذا؟ قد لا نتصور أحد أن مثل هذه الانحيازات تؤثر علينا، أو ربما يكون تأثيرها بسيطا ومحدودا. لحظة واحدة، بلمح البصر أُطلقت طلقة على أب، أخ، ابن، يتعلم الموسيقى، ويغني في الكنسية، لحظة قرار سريع أنهت حياة تيرنس كرتشر (Terence Crutcher)، لحظة واحدة من الانحياز تنهي حياة إنسان، كم انحياز لم نعلم به أثر على وظيفة، أو زواج، أو حياة، أو حق؟

 المصادر

1. اختبار IAT بجامعة هارفارد.

2. الانحياز الضمني (موسوعة الفلسفة بجامعة ستانفورد).

3. المخ الخفي، حلقة “بصمة الثقافة” الانحياز الضمني وإطلاق نار الشرطة.

4. Leitner, J.B., Hehman, E., Ayduk, O., & Mendoza-Denton, R. (in press). Blacks’ death rate due to circulatory diseases is positively related to Whites’ explicit racial bias: A nation-wide investigation using Project Implicit. Psychological Science.

5. موقع أبحاث الدكتورة مازرين بناجي بجامعة هارفرد.

6. يوتيوب حادث قتل تيرانس كرتشر.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق