علمكمبيوترمخ

التعلم العميق: ثورة الكمبيوتر النهائية في تحدي ذكاء الإنسان

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

قبل حوالي 3000 عام إلى 2500 عام نشأت لعبة غو في الصين، ومنذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا لعب الناس هذه اللعبة، بدأت في الصين فتبنتها اليابان وكوريا، ثم بعد ذلك انتشرت إلى العالم، وإن كان انتشارها في العالم الغربي متأخرا، واليوم تستطيع أن تلعب لعبة الغو على الإنترنت.

تبارى هذه اللعبة الذكية ملايين الناس، وفاز فيها الأذكياء، وعلى مدى الثلاثة آلاف عام طورت العديد من الاستراتيجيات الاحترافية بخبرات بشرية عقلية فذة، إلا إنه في 15 مارس 2015، وبعد 3000 آلاف سنة من الخبرات البشرية، وفي أول مباراة احترافية بين العقل العميق ألفا غو، الذكاء الاصطناعي، تغلب الكمبيوتر على لي سيدول الثاني على العالم بنتيجة 4-1. لم يكن ذلك فوزا، إنما تحطيما كاملا لقدرات البشر في التحليل والتفكير والحدس… نعم، الحدس!

لعبة غو أو بالصينية وي تشي Wéiqí تعد أصعب لعبة في العالم، بل هي أصعب من الشطرنج، ففي الشطرنج هناك 20 حركة لكل موقع، ولكن في غو فإن هناك 200 حركة لكل موقع في اللعبة، لقد تغلب الكمبيوتر ديب بلو على غاري كاسباروف سنة 1997 في الشطرنج بعد خسارته (الكمبيوتر) سنة 1996، وفي سنة 2015 تغلب الكمبيورتر على الإنسان في لعبة غو، وهي آخر أصعب لعبة يتميز الإنسان بقدرته على لعبها.

لو أردنا أن نحلل جميع الحركات، لكان عددها أكبر من عدد الذرات في الكون المشهود. صعوبتها لا تتعلق فقط بكون عدد حركاتها كبير جدا، إنما الصعوبة تعود لكون الفوز لا يُعرف إلا في النهاية، ليست هناك طريقة لمعرفة ما إذا كانت الحركة التي سيقدم عليها الشخص مربحة أم خاسرة. لذلك فإن ما يحتاج له اللاعب للفوز في هذه اللعبة ليس فقط الخبرة والاستراتيجية والمنطق مثل الشطرنج، بل حتى الحدس… نعم، الحدس! صفة إنسانية بحتة؟ صفة لم تعد مكون بشري بحت بعد هذا الفوز.

حينما لعب ألفا غو – الذكاء الاصطناعي – ضد لي سيدول الكوري، قام بحركة غير متوقعة، قام بحركة معتمدا على حدسه، لم تكن حركة تحليلية منطقية دقيقة، فقد كانت احتمالات ربحها 1 من 10,000. وكانت هذه الحركة هي السبب في نجاحه في إحدى المباريات الخمس، 1- 10,000 لا يخاطر بها إي إنسان، لم يخاطر أحد بالقيام بها تاريخيا، قام بها كمبيوتر، ربما علم شيئا لم يعلمه الإنسان.

التعلم العميق

تحدثت قبل سنوات عن الصراع بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي، وقد شعر البعض أن الكفة لا تزال مرجحة ناحية البشر، أبشركم… أو أحذركم أننا الآن اقتربنا من لحظة الالتقاء مع كمبيوتر أذكي من إنسان، لم يعد الموضوع مسألة برمجيات يقوم بها مجموعة من المبرمجين الأذكياء لتطوير كمبيوتر ليقوم بمهام محددة، إنما طور العلماء خوارزميات الكمبيوتر لتقلد خلايا المخ العصبية، بحيث يتعلم الكمبيوتر كما يتعلم البشر، صحيح أنهم لم يصلوا بعد إلى ذكاء الإنسان في جميع المجالات، ولكنهم تغلبوا على أذكى الأذكياء، أو البشر الخارقون في مجالات محددة، التطورات اليومية – أؤكد على كلمة يومية، ليست سنوية ولا شهرية ولا حتى أسبوعية – أصبحت تقرب الكمبيوتر إلى قدرات البشر العقلية.

شركة جوجل كعادتها ابتعلت شركة اسمها “العقل العميق” Deep Mind، كانت الشركة ولا تزال تعمل في مجال تطوير خوارزميات التعلم العميق، وهي عبارة عن خلايا عصبية اصطناعية تنمذج أداء الخلايا العصبية الموجودة في مخ الإنسان بأسلوب بدائي جدا، انتشر صيت شركة العقل العميق حينما تغلب ألفا غو على لي سيدول.

ما هو التعلم العميق؟ لقد عملت على هذا المجال لمدة سنة كاملة أثناء التفرغ العلمي قبل عام – وذلك بين سنة 2015 إلى 2016، وصعقت للتطور المذهل فيه، باختصار شديد… على مدى سنوات منذ 1980 إلى سنة 1998 حاول العلماء تطوير الخلايا العصبية الاصطناعية لتقوم بما يقوم به المخ، ولكنها لم تتقدم كثيرا، حتى استطاع العالم يان لاكون Yan Le Cunn تطوير خوارزميات على الطريقة التي تعمل بها العين، وأود أن أؤكد أنها طريقة ليست مطابقة تماما لما تقوم به العين، ولكنها مقاربة وممتازة.

في سنة 2006 استطاع العالم جيفري هينتون Geoffrey Hinton تطوير الخلايا العصبية الاصطناعية على طبقات فوق بعضها واحدة تلو الأخرى، قبل ذلك لم يكن العلماء قادرون على تكوين أكثر من طبقتين فقط، وهنا بدأ مشوار جديد، التعلم العميق، حيث بدأت هذه الخلايا العصبية الاصطناعية بطبقات قليلة تقوم ببعض الوضائف البسيطة، واليوم طبقاتها كثيرة وتستطيع التغلب على أغلب الذكاء الاصطناعي التقليدي، وحتى البشر الخارقون.

برمجت شركة العقل العميق 13 طبقة من الخلايا العصبية الاصطناعية لمباريات لعبة غو، بدأت الشركة بتعليمه باللعب ضد لاعبين على الإنترنت، بعد أن تعلمت الخلايا العصبية الاصطناعية طرقهم، جعلوها تلعب ضد نفسها ملايين المرات، ثم بعد ذلك لعبت ضد لي سيدول، ولكنها لم تلعب ضده من قبل حتى تفهم استراتيجياته، أي أن ألفا غو لا تعلم كيف سيلعب لي سيدول، ومع ذلك غلبته.

لم يشتك لي سيدول بأن هناك مؤامرة أو تلاعب كما اشتكى كاسباروف حينما خسر لعبة الشطرنج، قال لي سيدول: “أعتذر لعدم استطاعتي تلبية توقعات الناس، لقد شعرت أنني ضعيف.”

قال دميس هاسابيس رئيس شركة العقل العميق حينما فاز ألفا غو باللعبة الخامسة: “ربح لعبة 5! واحدة من أروع المباريات على الإطلاق، للرجوع من خطأ ابتدائي كبير ضد لي سيدول. يفجر العقل.” أي أن ألفا غو أخطأ في البداية خطأ كاد أن يخسر اللعبة بسببه، ولكنه عاد ليتغلب على لي. وهذا أمر مذهل حقا.

الآن بدأ اللاعبين المحترفين من حول العالم بدراسة حركات ألفا غو، ليتعلموا منها، على مر 3000 آلاف عام، لم تكن هذه الاستراتيجيات من ضمن ما اكتشفه البشر.

أمور أخرى استطاع التعلم العميق القيام بها (هذا الجزء غير موجود في البودكاست، يبدو أنني نسيته)

قبل عدة أشهر طورت شركة إنفيديا – التي تصنع بطاقات الشاشة – سيارة تتعلم القيادة بنفسها من خلال النظر إلى طريقة قيادة شخص لها. وقد تعلمت كيف تقود نفسها، حتى أنها استطاعت أن تقود في أمكان وعرة، وفي الطرق السريعة.

تختلف سيارة إنفيديا BB8 عن باقي السيارات المعروفة بقيادتها الذاتية، فمثلا سيارة جوجل مبرمجة بتفاصيل محددة وطريقة القيادة وبخرائط وما أشبه، بالتأكيد إن سيارة جوجل تحتوي على الذكاء الاصطناعي، ولكن سيارة BB8 تختلف لأنها تتعلم القيادة بنفسها، وتعتمد السيارة على الخلايا العصبية الاصطناعية للتعلم.

شركة إنفيديا مشهورة بصناعتها لبطاقات شاشة شاشة الكمبيوتر، وهذا أحد أسباب نجاح الخلايا العصبية الاصطناعية، فمن خلال هذه البطاقات التي تقوم ألف مليار عملية في الثانية الواحدة، وتصل سرعته إلى عشرون مرة ضعف سرعة معالج الكمبيوتر الحديث استطاعوا القيام بحسابات رياضية هائلة، يتميز كرت الشاشة بقدرته على القيام بالحسابات بالتوازي، وتعد هذه السرعة هي من أهم ما دفع الخلايا العصبية الاصطناعية إلى مقدمة الذكاء الاصطناعي. بسبب هذه السرعة الهائلة استطاع العلماء أن يصمموا شبكات من الخلايا العصبية الاصطناعية بعمق كبير، وبذلك نجحت.

محاضرة يان لاكون (Yann LeCunn)

العام الماضي توجهت إلى إدنبره لحضور محاضرة يان لكون، ألقى محاضرة رائعة عن آخر التطورات في الخلايا العصبية الاصطناعية يا لاكون مخترع الخلايا العصبية الاصطناعية الأهم (ConvNets)، هو الأب الأول الذي اخترعها سنة 1998، أخذها العلماء من حول العالم وطوروها بشكل منقطع النظير، تعتمد الفكرة على تركيبة الخلايا العصبية الاصطناعية في العين والمتصلة بالمخ. وتعد من أنجح الخلايا العصبية الاصطناعية، يان يعمل اليوم في فيسبوك، ويطور عدة جوانب من خوارزمياتها.

حينما تضع صورة على فيسبوك اليوم ستلاحظ أن الخوارزميات تتعرف على الوجوه التي فيها، وستحدد من هم الشخصيات المختلفة، أخبرنا يان لاكون بعد المحاضرة أن الطريقة التي تتعرف فيها فيسبوك على الأشخاص هي من خلال الخلايا العصبية الاصطناعية والتعلم العميق، قال لي أن عمق التعلم العميق الذي يتعرف عليك يتألف من 100 طبقة من الخلايا، أمر مدهش.

سألت يان، كم معاشه في فيسبوك؟ ولماذا يعمل هناك؟ تهرب من الإجابة عن سؤال المعاش، وركز على السؤال الثاني، كنت أسأله هل المعاش هو السبب في عمله هناك وتركه الأكاديميا؟ فقال: “لا”، سألته هل حبه للأبحاث التي تقوم بها فيسبوك جعلته ينتقل هناك؟ قال: “لا”، فسألته ما السبب في انتقاله إذن؟ فأخبرني أنه أراد أن يكون له نفوذ، خصوصا أن الخلايا العصبية الاصطناعية لم تقلع بقوة إلا بعد أن تبنتها الشركات، مثل فيسبوك، وغوغو، وتويتر، وغيرها، لم يعتقد العلماء لفترة طويلة أنها ستنجح، ولم يكن ليعتقد أحد بقوتها إلا بعد أن أصبح للعلماء تأثير ونفوذ من خلال الشركات القوية.

وسألته ما الذي تعمل عليه فيسبوك حاليا، وسيرى النور قريبا؟ فقال لي أنهم يعملون على استخدام التعلم العميق لفهم اللغة الطبيعية التي نتحدث بها أنا وأنت، هذا يعني أننا سنخاطب فيسبوك بطلبات معينة وسيفهم الكمبيوتر المعنى الذي نقصده، واليوم نحن نرى بدايات هذه التكنولوجيا في الهاتف الذكي مثل سيري في الآيفون، وألكسيا في أمازون، وهي موجودة في غوغل أيضا.

أما بعد أن إلحاحي على إجابته لسؤال كم معاشه، نظر لي وابتسم ابتسامه خبيثة وقال أنه يحصل على مبالغ جنونية.

جوجل كذلك تعمل بشرسة في موضوع الذكاء الاصطناعي، هناك مقابلة على يوتيوب مع سيرغي برين أحد مؤسسي شركة جوجل، يذكر فيها أنه فوجئ تماما بالتعلم العميق، يقول أنه أنشأ مشروع عقل جوجل Google Brain، ولم يعره أي اهتمام في تلك الفترة، خصوصا أن فترة التسعينيات لم ينجح الذكاء الاصطناعي من خلال الخلايا العصبية الاصطناعية، أما اليوم أصبح التعلم العميق يمس كل شيء في جوجل، من البحث والدعايات والصور، وأمور أخرى، كلها تستخدم الخلايا العصبية الاصطناعية. كانت مفاجأة، كانت ثورة.

إحدى التطبيقات المذهلة التي كشفت قدرة الخلايا العصبية الاصطناعية هي مترجم جوجل. علموا الخلايا العصبية الاصطناعية على الترجمة ما بين اللغة الإنجليزية واليابانية والعكس، وعلموها الترجمة ما بين الإنجليزية والكورية والعكس، واكتشفوا أنها استطاعت – ومن غير تعلم – أن تترجم ما بين اليابانية والكورية، الغريب في الأمر أنها لا تترجم اليابانية إلى الإنجليزية ثم إلى الكورية، إنما كونت أفكارا جديدة تربط بين اللغتين مباشرة، وهذا أمر مذهل ومحير، كيف استطاعت أن تكون هذه العلاقات؟ لا أحد يدري.

كذلك فقد استطاعت جوجل أن تخفض ميزانية استهلاك الكهرباء في تبريد غرف خوادم الكمبيوترات بقدر 40%، وهذا أمر حقا رائع، تخيل أن الخلايا العصبية الاصطناعية استطاعت معرفة كيف يمكن تبريد الكمبيوترات بحيث تبقيها باردة، وفي نفس الوقت تخفض من استهلاك الطاقة. تطبيق هائل!

وهناك تطبيقات عديدة سأذكرها على عجالة:

1. تقدم صورة للخلايا العصبية الاصطناعية ويخبرك أين موقعها على الخريطة. فتخيل مثلا تقدم للشبكة صورة لتمثال الحرية، سيخبرك أنه في نيويورك، وقد يتبادر للذهن أن هذا أمر بسيط، ولكن التعلم العميق يستطيع أن يحدد أمكان صور معينة يستحيل على غير المختص معرفتها، فمثلا تستطيع أن تقدم له صورة لشاطئ بحر ليس فيها إلى ماء البحر والتراب والسماء، وسيحدد لك مكانها في العالم. هذا شيء مستحيل على الشخص العادي أن يعرفه. فمن يستطيع أن يميز تراب عن آخر، أو ماء بحر عن آخر أو سماء عن سماء أخرى؟

2. قدم للتعلم العميق صور سيصف لك محتوياتها بالكلمات.

3. قدم لها كلمات تصف طير، وسيرسم التعلم العميق طيرا بحسب الصفات التي ذكرتها من خياله، طيرا لا وجود له في الطبيعة.

4. بإمكان التعلم العميق القراءة بصوت لا يمكن تفريقه عن صوت البشر، في السابق حينما تسمع الصوت الذي يصدره الكمبيوتر ستجد أن فيه تكسرات روبوتيه، ولكن مع التعلم العميق لا يمكن تمييزه على البشر. (وهذا مثال على ذلك)

5. تأليف الموسيقى، لم يصل مستوى الموسيقى إلى مستوى البشر بعد، ولكنه يسير في ذلك الاتجاه.

6. تلوين الصور الأسود والأبيض بحيث تصبح وكأنه مصورة حديثا.

7. معرفة إلى أي سنة تعود الصورة، فمثلا تعطي الخلايا العصبية الاصطناعية صورة ملتقطة في سنة ما، أي كان محتواها، سيعرف إلى درجة تقريبية قريبة جدا من السنة التي التقطت فيها الصورة.

8. ترجمة الكتابة، وهذه الإمكانية موجودة في آب تستطيع إنزاله من الآب ستور، بمجرد أن تمرر كاميرا الهاتف على كلمات معينة سيترجمها لك على الشاشة مباشرة.

9. الكتابة بخط اليد بحيث يبدو وكأن بشرا كتبها، ويستطيع أن يقلد أي خط يتعلمه، حتى لو كان خطك، بحيث لا يمكنك تمييز خطك عن خط التعلم العميق.

10. أخذ أي كلمات لأي شخص وتركيبها على شفة شخص آخر، في الأسفل ستجد فيديو لأوباما وهو يتكلم، على اليسار الصوت والصورة الأصلية، على اليمين صورة مفبركة له مع تركيب الصوت عليها، وإن بدت عليها ملامح صغيرة تدل على أنها مفبركة، إلا أنها بدرجة من الإتقان كبيرة. تخيل التزييف الذي بالإمكان تكوينه

11. كتابة مقالات، وتغريدات، هناك حساب اسمه @deepdrumpf، وهو تغريدات للتعلم العميق على نمط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حينما تقرأها ستبدو مضحكة، ولكنها قريبة جدا من أسلوبه، حتى أنني قدمت محاضرة في شركة ماكلورين للسيارات الشهيرة المكلفة في قسم تطوير التكنولوجيا (نصف المحاضرة كانت عامة، والنصف الآخر تقنية)، وقدمت لهم كلمتين واحدة حقيقية لترامب، والآخرى لديب ترامبف، وسألتهم إي التغريدتين حقيقية، الغالب عرفوا الحقيقية والبعض خدع، والكل ضحك، وبالرغم من أن الجميع لم يخدع إلا أن بإمكانك تخيل أن التعلم العميق سيصل – يوما ما – إلى مستوى يخدع البشر بالتأكيد.

الرجل الذي يتذكر 7 ثواني من حياته

جون كلايف البريطاني كان موسيقارا مؤلفا وعازفا ومايسترو للموسيقى، وله مقطوعات اشتهرت في أيام ذروته قبل أن يفقد ذاكرته، فقدها حينما أصيب بفيروس الهربيفايرال إنسفالايتس (Herpesviral encephalitis) الذي وصل إلى مخه، ودمر بعض خلاياه العصبية، بعد تلك النقطة من حياته لم يعد يتذكر إلا القليل من حياته، حتى أنه لا يتذكر أبناءه، نعم، يتذكر زوجته، ويتذكر كيف يعزف الموسيقى، ولكن أسوء ما فيه أنه لا يتذكر شيئا حصل له بين 7 ثوان إلى 30 ثانية مضت.

بعد كل عدة ثوان يشعر وكأنه أفاق من نوم أو إغماء، وكأنه لم يرى إنسانا في حياته، ولم يحلم أبدا، ولم تخطر على ذهنه فكرة، وكأن نشاط مخه توقف نهائيا، كلما رأى زوجته يرحب بها ترحيبا شديدا، وإذا ما خرجت من الغرفة لتعود إليه مرة أخرى وكأنه لم يرها قبل ثوان، ليرحب بها أشد الترحيب، ويقبلها بحماس، حينما تتحدث معه تكون لديه نافذة صغيرة جدا على الحديث بينهما، فإن سألته سؤلا، يجبها، وإذا أكمل في إجابته نسي السؤال تماما، فلا يدري عم كانت يتكلم، يسجل مذكراته، فيكتب الوقت، ويلي الوقت ما كان يشعر به في تلك اللحظة، وفي كل لحظة زمنية يسجل فيها الوقت يقول أنه أفاق، أو أنه أفاق تماما، أو أنه الآن ولأول مرة أفاق، جملة تلو الأخرى كلها تعبر عن إفاقته، وكلما كتب واحدة وجد الجملة السابقة، فلم يعلم من كتبها، لا يتذكر أنه هو الذي كتبها وإن كان يدرك أنها كتبت بخط يده، فيشطبها ويبدأ من جديد.

ما الذي حدث لكلايف، كيف يمكن لفيروس أن يدمر جانبا مهما منه، من ذكرياته، من شخصيته، من إبداعاته، من حياته؟ ما الذي حدث؟ إذا كان الشيء الذي حدث له هو شيء عضوي فقط، وليس أكثر من ذلك، فذلك يعني أن المعلومات المخزنة فينا، المعرفة، الذكريات، الشخصية، والإبداعات تكمن في الخلايا العصبية، ليس هناك ما هو أبعد من ذلك.

الكثير من الدراسات تبين أن أحاسيسنا، وأفكارنا وخيالاتنا كلها في تلك الخلايا العصبية، تجارب تبين إن أزلنا أجزاء من المخ فقدنا بعض المعلومات، وفقدنا جزء من شخصياتنا، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، أمر عليها مرور الكرام، لنسرد قصصها في حلقات مستقبلية.

1. الرجل الذي اعتقد أن زوجته قبعة، كانت عيناه سليمتان، ولكن لم يفهم ما يراه تماما، عينه توصل المعلومات إلى مخه، ولكن مخه لا يفسر المعلومات بالشكل الصحيح، زار الدكتور الشهير المتوفى أوليفر ساكس، وحينما تفحصه اكتشف مشكلته العقلية، بعد أنهى الزيارة مع الدكتور مد الرجل يده ليأخذ قبعته، فإذا به يمسك برأس زوجته، ويبدأ بجرها اعتقادا منه أنه يمسك بالقبعة. خلاياه العصبية هي المسؤولة عن تفسير ما يراه وما يمسكه، ولكنها فشلت في ذلك.

2. رجل قبض عليه لأنه كان يتحرش بالنساء، ووصل به الحال أنه بدأ بالتحرش بالأطفال، كانت شهوته الجنسية كبيرة، أدخلوه إلى المحكمة، وحكموا عليه بالسجن، وقبل أن يدخل إلى السجن شعر أنه صدعا ينتابه، وكان متخوفا أنه سوف يغتصب إمرأة، حينما دخل إلى المستشفى اكتشف الأطباء أن هناك ورم سرطاني في مخه، كان يضغط على خلاياه العصبية، فأصبح شهوانيا، أزالوا الورم من رأسه، ومع التأهيل ذهبت هواجسه الجنسية، وبعد فترة من الزمن عادت إليه شهوته مرة أخرى، وبعد التشخيص اكتشف الأطباء أن الورم فعلا عاد، فأزالوه مرة أخرى، فذهب هواجسه الجنسية مرة أخرى.

3. أو ذلك الرجل الذي فقد الجسم النفثي (Corpus Callosum) المنصقة التي تربط بين فصي المخ، فلم يعد جانبي المخ يتحدان معا، فأصبح نصف مخه مؤمن والنصف الآخر كافر.

الكثير من القصص التي تبين أن تأثيرا بسيطا على المخ يفقدنا قدرتنا على فهم ما حولنا بعد أن تعلمنا فهمها، كيف فهمناها، كيف أصبحنا نعرف، أصبحنا نعرف من خلال الخلايا العصبية. هذه الخلايا العصبية بمجملها المكونة من طبقات فوق بعضها تتعلم تعلما عميقا، لتصبح أنا وأنت ونحن، لتميز الأشياء، لتتعرف عليها، لتتكلم، لتسمع، لتفهم، ليكون لديها حدسا، ثم لتؤلف الموسيقى الجميلة وترسم الرائعة ولتلعب ألعابا معقدة تعتمد فيه المنطق والحدس.

اليوم استطاعت الخلايا العصبية الاصطناعية من القيام ببعض ما نقوم به بتفوق محدود. نحن اليوم لسنا على مفترق طرق بل على ملتقى طريقين، طريق الخلايا العصبية العضوية، والخلايا العصبية الاصطناعية، وسيأتي اليوم – بعد أن يطور العلماء هذه الخلايا العصبية – الذي تتغلب فيه على البشر، وبدلا من أن يكون التغلب في ناحية معينة كما هو الحال اليوم، سيكون ذلك التغلب بتفوق لا محدود.

الوسوم

مقالات ذات صلة

5 آراء على “التعلم العميق: ثورة الكمبيوتر النهائية في تحدي ذكاء الإنسان”

  1. مجال جميل وغريب في نفس الوقت ، احدى التطبيقات المفيدة ايضا في مجال ال medical imaging حيث يعتمد الاطباء الان على machine learning لتحديد اماكن الاورام وما الى ذالك في صور الاشعة السينية بمختلف انواعها

  2. استمعت للحلقه ع البودكاست .
    بلا شك ان موضوع التعلم العميق موضوع مثير وشيق لكنه مثله مثل الكثير من العلوم هناك جانب مخيف وخطير فيه . انا ع المستوى الشخصي يُخيفني جداً فكرة ان الالة او الكمبيوتر من الممكن ان يفكر ويتعلم من تلقاء نفسه ، لا اعلم قد يكون للافلام الامريكيه دور في تكوين هذه الصوره النمطيه لدي .
    واصل ابداعك دكتور محمد ف بسببك اصبحت احب العلم .

  3. السلام عليكم
    المحتوى الذي تقدمه جميل جدا و ممتع
    و ليس لدي مانع ان تكون الحلقة طويله جدا و ملئا بالأمثل و القصص
    تابع إبداعك جزاك الله كل خير

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق