الرئيسية / فلك / حرب الثقوب السوداء والكون الهولوغرافي الثنائي الأبعاد 1

حرب الثقوب السوداء والكون الهولوغرافي الثنائي الأبعاد 1

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

((صوت ستيفن هوكنغ))

كان ذلك هو صوت ستيفن هوكنج، يفتتح كلامه في إعلان أمام جمهور صغير من الفيزيائيين، وفي وسط الصحافة، بدأ بقوله: “هل تستطيعون سماعي؟”

أجابه الجمهور بنعم.

ثم أكمل حديث وسط بعض التوقفات المُرافَقة بأصوات الصفير التي يطلقها كمبيوتره، تصدر أصوات الصفير حينما يقوم هوكنغ باختيار الجملة التالية بحركات ناعمة من حافة شفته وجفنه: “قبل 40 عاما كتبت ورقة، عن تعطل التنبؤ في انهيار الجاذبية، حيث زعمت أنه سيكون هناك فقدان في القدرة على التنبؤ في الحالة النهائية للثقب الأسود إذا ما تبخر نهائيا، وذلك لأنه لم يكن بالإمكان قياس الحالة الكمومية لما يسقط في الثقب الأسود، كان يعني فقدان المعلومات إن الإشاعات الخارجة كانت في حالة مختلطة، والمصفوفة إس S-Matrix غير أحادية، كانت الورقة مثيرة للجدل، لقد رُفضت من مجلة الفيزيكال رفيو، وقبلت بعد الكثير من الجدل، وتأخر عام، منذ نشر الورقة، تبين أن من AdS/CFT correspondence أنه لا يوجد فقد للمعلومات، إنها متناقضة المعلومات، كيف يمكن لمعلومات الحالة الكمومية للجسيمات الساقطة أن تبثق مرة أخرى مع الإشاعات الخارجة، لقد كانت هذه مشكلة عظيمة في الفيزياء للأربعين عاما الماضية بالرغم من وجود عدد كبير من الأوراق… لم تقدم أي حلول مرضية، أقترح أن المعلومات مخزنة، ليس في داخل الثقب الأسود كما يتوقع البعض، إنما على حدوده – أفق الحدث.”

هكذا أعلن هوكنغ بطريقة غير مباشرة نهاية حرب الثقوب السوداء التي اشتدت على مدى 40 عاما.

في هذه الحلقة سأتحدث عن موضوع مثير جدا، يجمع في إثارته قوانين آينشتاين للنسبية العامة الزمنية الغريبة، ويجمع غرائب عالم ميكانيكا الكم، ويضيف إليها عالم أغرب من كلاهما، العالم الهولوغرافي الثنائي الأبعاد الذي نعيش فيه. هذه الغرابة تشكلت على مدى 40 عاما من البحث العلمي في المحاولة للرد على نظرية أسس لها العالم ستيفن هوكنغ، كانت من القوة أنها دمرت واحدة من أهم قواعد الفيزياء قاعدة الحفاظ على المعلومات، لم يقبل العلماء أن ينهار هذا المبدأ الأساسي، ولكنهم قوبلوا بعبقرية ستيفن هوكنغ وإصراره تكبره أحيانا. ذلك الرجل الذي أهان جسده المرض، بقي متحديا جبارا بعقله الفذ.

لفت انتباهي بحث طرح مؤخرا اشتركت فيه عدة جامعات، إحداها كانت جامعتي التي حصلت فيها على شهادة الدكتوراة، جامعة ساوثهامتون، وجامعات أخرى في كندا، وإيطاليا، نشر البحث في مجلة Physical Review Letters، وهي مجلة قوية، بين العلماء أن لديهم أدلة على أن الكون قد يكون هولوغرفيا، ليس في المرحلة الحالية إنما في الماضي، وذلك حينما كان في بداياته على الأقل.

تطرق البحث العلمي إلى أدلة تبين أن الكون في بدايته – ومن خلال الأشعة الميكروية الخلفية، أو الستار الذي يخبأ الإنفجار العظيم خلفه – كان هولوغرافيا، لاحظ العلماء أن هناك ارتباطات بين مكونات الخلفية مع Quantum Field Theory، والتي هي أيضا مرتبطة كذلك بالعالم الهولوغرافي. يدعي العلماء الذين نشروا البحث على الأدلة المتوفر على ذلك هي قوية.

ماذا يعني أن يكون الكون هولوغرافيا؟ تخيل أنك تشاهد فيلما سينمائيا ثلاثي الأبعاد باستخدام نظارته الخاصة، ما تراه هو فيلم ثلاثي الأبعاد منبعث من شاشة ثنائية الأبعاد، جميع المعلومات الموجودة في الشاشة المسطحة تعبر عن الصورة الثلاثية الأبعاد، قد لا تمثل السينما الفكرة بشكل دقيق، لأنه حينما ننتقل للجلوس في طرف آخر في السينما لن تنكشف لنا زاوية مخبأة في الصورة كما يحدث في العالم الثلاثي الأبعاد الذي نعيشه، أي أن ما يراه رواد السينما هو زاوية واحدة للصورة المعروضة، المثال الأفضل على ذلك ربما يكون في الصورة الهولوغرامية، حينما تنظر لها فإن الصورة الثلاثية الأبعاد تقفز من الصورة الثنائية الأبعاد، وإذا ما حركت رأسك قليلا فسترى جوانب أخرى للصورة، كل هذه هي معلومات على صفحة ثنائية الأبعاد تعطي وهما مخادعا للمخ، بحيث يرى الصورة وكأنها ثلاثية الأبعاد.

تخيل الآن أن الكون كله هولوغرافي، كل المعلومات، المجرات والسدم والنجوم والكواكب، وأنا وأنت لسنا إلا امتدادا ثلاثي الأبعاد للصورة الحقيقية الثنائية الأبعاد المطبوعة على حافة الكون. ولكن هذا الكون الهولوغرافي الثلاثي الأبعاد ليس كما هو موجود بداخل السينما أو الهولوغرام، حيث لا نستطيع أن نلمس أو نستشعر هذه الصور إلا بحاسة البصر… لا نستطيع أن نمسك بها، أو نشمها أو نسمعها، ولكن في العالم الهولوغرافي الواقعي، فإنه من منظورنا نحن، الإسقاط الذي تسقطه الصورة الثنائية الأبعاد على العالم الثلاثي الأبعاد محسوس بجميع أدوات الحس… أكرر: من منظورنا نحن.

كيف توصل العلماء إلى هذه الفكرة الجنونية؟ ما الذي دعاهم إلى تحويل العالم من ثلاثي الأبعاد مكانيا، إلى ثنائي الأبعاد؟ شرح إجابة هذا السؤال الفيزيائي الكبير وأب نظرية الأوتار ليونارد ساسكيند، أحد أعلام الفيزياء في هذا القرن، ومقاتل في حرب الثقوب السوداء ضد الفيزيائي ستيفن هوكنج. حرب بدأت قبل ٤٠ عاما، ولم تنته إلا قبل عامين في سنة 2015، حيث أعلن هوكنغ أخيرا باعترافه في خطأ ارتكبه في بحث نشره سنة 1975، ذلك البحث الذي أشعل الحرب.

بحث ستيفن هوكنج

نشر ستيفن بحثا سنة 1975 بين فيه أمرا مهما جدا، وهو أن الثقوب السوداء تبتلع الأشياء، ثم تتبخر، لتأخذ معها المعلومات، وتختفي نهائيا، بحث مثير جدا، ولكنه يتصادم مع مبدأ أساسي في الفيزياء: مبدأ حفظ المعلومات، هذا القانون يشابه إلى حدث كبير قانونا لم يخترق إلى الآن، وهو قانون حفظ الطاقة، حيث أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم (طبعا هذا القانون وإن كانت صارما، إلا أن هناك أشياء “تستحدث” من العدم نوعا ما)، كذلك المعلومات إنها لا تفنى ولا تستحدث من العدم.

لنفهم تفاصيل هذه القضية كلمة كلمة، أولا لدينا “الثقوب السوداء”، ثم لدينا كلمة “تبتلع” ثم لدينا “معلومات”، ولدينا كلمة “تتبخر”، ربما سمعت عن الثقب الأسود وأنه يبتلع الأشياء، ولكن ماذا تعني كلمة معلومات، وماذا يعني أن الثقب الأسود يتبخر، رغم معرفتكم ببعض هذه المعلومات سأعطيكم مقدمة في الثقب الأسود وابتلاعه للأشياء.

هناك قوتان أساسيتان تتصارعان في النجم، قوة الجاذبية الهائلة، وقوة الدفع بسبب الانفجارات النووية، الجاذبية تسحب مكونات النجم إلى المركز، وتحافظ عليه من الانتشار، والانفجارات النووية تدفع بالمكونات إلى الخارج، تدفع به لينتشر في الفضاء، مع مرور الوقت تستهلك مكونات النجم في التفاعلات النووية، حيث يندمج الهيدروجين ليصبح هيليوم، يندمج الهيليوم ليكون مواد أثقل، وتندمج المواد الأثقل لتكون موادا أثقل من ذلك، وهكذا إلى تصل إلى ما قبل الحديد، مع الاندماجات تسنفذ الطاقة النووية، فتصبح قدرة النجم على الدفع أضعف، لتبدأ الجاذبية بالاستحواذ، فتمسك بالنجم وتسحبه إلى الداخل بقوة خارقة، مذهلة، جبارة، فيتحطم النجم بسرعة كبيرة جدا، ثم ينفجر، فإما أن يصبح نجما نيوترونيا أو يصبح ثقبا أسود، النتيجة النهائية تعتمد على كتلة النجمة الابتدائية.

الثقب الأسود عبارة عن كتلة مركزة في المركز يطلق عليها اسم التفرد Singularity، كتلة مركزة جدا في نقطة بمنتهى الصغر، ويحيط بهذه الكتلة الصغيرة والقوية جدا كرة حدودها شفافة اسمها أفق الحدث Event Horizon، ما يكون خارج أفق الحدث يمكنه الهروب من قوة الثقب الأسود، ولكن إن دخل شيء إلى داخله، لن يمكنه أن يخرج مهما كانت سرعته، حتى وإن كانت سرعته هي القصوى: سرعة الضوء. فحتى الضوء إن دخل إلى داخل أفق الحدث لا يخرج، يهوي إلى نقطة التفرد، حتى يصل إليها ويسحق بقوة الجاذبية ويندمج مع التفرد.

أسمي الثقب الأسود بهذا الإسم عن طريق العالم جون ويلر John Wheeler، وقد أطلق هذا الإسم في ورقة علمية نشرها في الفيزيكال رفيو، ولكن المحرر رفض أن يقبل به لأن له دلالة مخلة بالآداب، ولكن جون أصر على الإبقاء عليه، فبقي إلى يومنا هذا.

كلما أضيف شيء للثقب الأسود، كلما كبرت كلته، وكلما كبرت كتلته، كلما أصبحت جاذبيته أكبر، وكلما أصبحت جاذبيته أكبر، كلما كلما استطاع أن يلتهم أكثر، ومن الثقوب ما يصل بكتلته إلى مليارات مرة كتلة الشمس، أي نقطة التفرد، وهي أصغر من الذرة تحتوي بداخلها ما يعادل شمسنا مليارات المرات، وهذه الثقوب السوداء عادة ما تكون موجودة في مراكز المجرات، ويطلق عليها اسم ثقوب سوداء فائقة الضخامة. ويكون أفق الحدث في هذه الثقوب أكبر من مجموعتنا الشمسية، تخيل… نقطة في كرة حالكة الظلام.

إذن، حينما يدخل شيء إلى أفق الحدث بداخل الثقب الأسود فإنه لا يخرج أبدا! وهذا يعني أن الثقب الأسود يكبر ويكبر ويكبر طالما أن هناك ما يغذيه… غير صحيح! الثقب الأسود يتبخر، وهذا ما بينه ستيفن هوكنج في ورقته العلمية حوالي عام 1975.

كيف يمكن للثقب الأسود أن يتبخر إن كان كل ما يقوم به هو امتصاص الكتل ولا يسمح بأي شيء يخرج منه؟ أمر محير جدا. الأمر يرجع إلى قوانين ميكانيكا الكم ونظرية الحقل الكمومي Quantum Field Theory وطبيعة ما نطلق عليه اسم فراغ، حتى وإن ذهبنا إلى مكان فارغ تماما في الكون ولم نجد أثر لأي جسيمات نهائيا، فإن الكون وإن بدا فارغا إلا أنه يعج بالتذبذب، وبسبب هذه التذبذبات في كل مكان تتكون جسيمات افتراضية، حيث يظهر جسيم وضيد الجسيم، ولكنها تعود بسرعة خاطفة جدا لتندمج وتمسح بعضها، فلا يبقى لها أثرا. إن تكون هذه الجسيمات الافتراضية بالقرب من أفق الحدث لثقب أسود، عند ذلك يختلف الأمر (للعلم الجسيمات الافتراضية موجودة فعلا، وقد أجريت التجارب لإثبات وجودها، وإحدى أشهر تلك التجارب تندرج تحت اسم تأثير كازمير).

حينما يتكون جسيمان، الجسيم والضد، على حافة أفق الحدث، فإن بسبب قوة جاذبية الثقب الأسود سيمسك بأحد الجسيمين ليدخله إلى الداخل، وينفصل الآخر متجها بعيدا عنه، وذلك قبل أن يندمجا مع بعض مرة أخرى، فتتحول الجسيمات الافتراضية إلى جسيمات حقيقية، أحد الجسيمين يحتوي على طاقة موجبة، والآخر يحتوي على طاقة سالبة، فإذا دخل الجسيم ذو الطاقة السالبة إلى الثقب الأسود فذلك يعني أنه سيخفض من كتلة التفرد.

في صياغة أخرى حتى تصل الفكرة بشكل أفضل، في الفيزياء الطاقة والكتلة هما وجهان لعملة واحدة، فنحن نعلم من قانون آينشتين الشهير E=mc^2، أن الطاقة عبارة عن الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء، لذلك حينما نقول أن للجسيم طاقة سالبة فالمقصود أن الجسيم له كتلة سالبة أيضا، وهذا يعني أنه حينما يسقط الجسيم السالب الكتلة إلى داخل الثقب الأسود فسينتقص من كتلته، وهذا يعني بالتالي إنقاص من قطر أفق الحدث.

مع مرور الوقت تصغر الثقوب السوداء تدريجيا كلما سقط فيها جسيم سالب الطاقة، وبعد فترة طويلة جدا، تقدر بأطول من عمر الكون تتبخر الثقوب السوداء، إلى أن تصبح صغيرة بما فيه الكفاية فتنفجر وتضمحل. وفي تلك الفترة الطويلة فإن الناظر الذي يعيش ليرى تبخر الثقب الأسود سيرى وكأن الثقب يصدر إشعاعات من على سطح أفق الحدث، هذه الإشاعات ناتجة من الجسيم الآخر الذي فلت من قبضة الجاذبية. هذه الإشاعات التي يراها ذلك الناظر المعمر هي التي تلقب باسم إشاعات هوكنغ.

إلى الآن، لا يبدو أن هناك أي مشاكل، جميع المعلومات المذكورة ليس فيها ما يشغل جرس الإنذار لدى العلماء، حتى بين هوكنغ المشكلة في ذلك، حيث أعلن أن دخول الجسيمات إلى داخل الثقب الأسود، ومساهمتها في تبخيره، يعني أن المعلومات التي دخلت مسبقا (من ابتلاعها للنجوم والكواكب والغبار والغازات) إلى داخل الثقب الأسود تختفي نهائيا، ولا عودة لها، وهنا تناقض علمه مع مبدأ فيزيائي أساسي، وهو قانون حفظ المعلومات.

ملاحظة: قد يبدو لأول وهلة للمستمع أن هوكنغ صرح بهذه المعلومات شفهيا، فأثار العالم، ونحن نعرف أن ستيفن يظهر بين الحين والآخر على شبكات الإعلام لكي يصرح بتصريح مخيف مثل تحذيره من إرسال إشارات إلى الفضاء الخارجي والتي من شأنها أن تلفت انتباه سكان كواكب أخرى، ليستدلوا بها على الأرض، حيث قد يقرروا الإتيان لاستعمار الأرض وأخذ ثرواتها، أو تجده يصرح أحيانا أنه أقام حفلة ولم يخبر بها أحدا، ولم ينشرها على التواصل الاجتماعي، إلا بعد أن أقامها، وذلك حتى إذا ما رآى الخبر شخص لديه آلة الزمن رجع إلى الماضي ليحضرها، مع ذلك لم يحضر أحدا الحفل، وذلك يعني أنه لم يلحظ المستقبليون هذه الرسالة، أو أنه لا وجود لآلة الزمن في المستقبل، أو أن ستيفن هوكنغ لم يصرح علنا بحضور أحد منهم، حيث أن المستقبليون طلبوا منه أخفاء حضورهم عن عموم الناس حتى لا تنشأ تناقضات زمنية. لم يكن تصريح هوكنغ عن الثقوب السوداء بهذه الطريقة الإعلامية.

لقد نشر هوكنغ ورقة علمية مليئة بقوانين فيزيائية دقيقة جدا، ومعتمدة على ميكانيكا الكم، والحقل الكمومي، ومسبكة بأسلوب قوي جدا بحيث أقنع الكثير من العلماء بصحة ما يدعيه، ولو كان كلامه فلسفيا بحتا بلا أي اعتماد على القوانين المسبقة ولا على رياضيات دقيقة، ولا على أدلة عقلية راسخة لما كان لكلامه أي وزن، ولذلك أخذه العلماء محمل الجد.

لذلك علي أن أذكر، بعض المتابعين الذين يبعثون لي بعض أفكارهم التي تناقض النظريات الراسخة، فيعتقدون متوهمين أن لديهم نظرية يمكن بها أن نفي النظريات العلمية السابقة، أولا، ليست لديكم نظرية، وكلمة نظرية هي أكبر بكثير من تخيلاتكم الذهنية، ثانيا، إن لم تكن أفكاركم معتمدة على قوانين رياضية راسخة، وهذه القوانين لم تكن قادرة على تفسير ما فسرته القوانين السابقة، فلا فائدة من أفكاركم، وكل ما لديكم هي توهمات، ثالثا، لو افترضنا أنكم أتيتم بفكرة، وفي يوم من الأيام تصفحتم الإنترت لتجدوا خبرا يبين أن العلماء أثبتوا الفكرة التي كانت برؤوسكم، فأنتم لا تزالون مخطئون وهم على حق، أنتم مخطئون لأنكم لم تفكروا أبدا كما فكر العلماء، ولو تفتحوا الأوراق العلمية وتحاولون أن تفهموها لن تفهموها إن لم تكونوا عالم متخصصين في المجال، ولو فهمتموها لوجدتم برزخا عميقا واسعا بين ما كنتم تعتقدونه في مخيلتكم وما توصل إليه العلماء. هذه ليست دعوة في التوقف عن التفكير، ومحاولة نقض النظريات السابقة، ولكنها دعوة لأن تحولوا أفكاركم إلى نظريات حقيقية كما يفعل العلماء. فتأملوا!

بعد أن انتهيت من شرح ما هو الثقب الأسود، وكيف أنه يتبخر ويمسح معه المعلومات نأتي للسؤال الثاني وهو: ماذا نعني بكلمة معلومات؟ وما هو علاقتها بالثقب الأسود أو حتى الكون؟ ماذا يعني أنها لم تحفظ إذا ما تبخر الثقب؟

المعلومات

لقد اعتدنا أن نتكلم عن المعلومات على أنها أشياء مثل الحديث الذي نستمع إليه حينما نخاطب بعضنا، أو هي الكتابات التي يتم الحفاظ عليها في الكتب ثم في المكتبات، هي كذلك الصور والفيديوهات التي نشاهدها وهكذا، ولكن ما هي أصغر وحدة للمعلومات؟ هل هي الجملة أم الكلمة أم الحرف أم اللقطة أو الصورة أو حتى النقطة الموجودة في الصورة؟ أصغر وحدة من الناحية الرياضية هي البت، البت عبارة عن الرقم 0 أو 1، فإما أن يكون الضوء مفتوحا أو منطفئا، أو أن تشتغل الدائرة الكهربائية أو لا تشتغل، وباستخدام هاتين المعلومتين يمكننا أن نكون جميع المعلومات المخزنة بجميع أشكالها من كتابة وصور وأصوات وفيديوهات. وهذا ما يحدث فعليا في الكمبيوترات، جميع المعلومات مخزنة على شكل بتات Bits، ولكن بالنسبة للكون، ماذا تعني كلمة معلومة؟

بإمكاننا أن نعتبر المعلومات هي وجود أو عدم وجود فوتون مثلا، أو بالإمكان اعتبار المعلومات هي صفات الجسميات من زخم أو لف مغزلي أو ما شابه، وبطريقة ربما تكون أكثر دقة، فإن أصغر قيمة للمعلومات هو المقدار الذي يستطيع أن يحتوي عليه مربع واحد بطول بلانك.

من المعروف أن طول بلانك هو أصغر طول يمكن أن يكون موجود فيزيائيا، قدره 1.6e-35 وهو طول أصغر من البروتون بقدر 100 مليار مليار مرة. لماذا لا يوجد ما هو أصغر من هذا الطول، ولماذا تتوقف الفيزياء عند هذا الطول؟ تخيل لو أننا وضعنا فوتونا بداخل صندوق صغير، لكي يحتوي الصندوق على الفوتون فإن طوله الموجي يجب أن يكون أصغر من الصندوق، وإلا سيكون الفوتون خارجه، الآن تخيل أنك تضغط هذا الصندوق بحيث يبقى الفوتون بداخله، هذا يعني أن الطول الموجي للفوتون لابد أن يصغر لكي يكون بداخله.

ماذا يعني أن يصغر الطول الموجي للفوتون؟ فيزيائيا كلما كان الطول الموجي أصغر كلما كان التردد أكبر، وكلما كان التردد أكبر كلما كانت الطاقة أكبر، وهذا يعني أنه كلما صغر الصندوق وصغر طول الموجة كلما كانت الطاقة المخزنة بداخل الصندوق أكبر، وقد ذكرت قبل قليل أن الطاقة تعني كتلة، أي أنه كلما ازدادت الطاقة ازدادت كتلة محتويات الصندوق.

كيف نشاهد الأشياء الصغيرة؟ إذا ما أردنا أن نكبر الأشياء نستخدم المجهر، نسلط الضوء على الجسم فينعكس منه، ثم يقوم المجهر بتكبير الصورة، ماذا لو كانت هذه الأشياء التي نريد أن نراها هي صغيرة جدا، مثل البكتيريا والفيروسات؟ في العادة تستخدم المجاهر الإلكترونية لذلك، لماذا؟ لأن هذه المجاهر تسلط الإلكترون بدلا من الضوء، لأن الطول الموجي للإلكترون أصغر من الطول الموجي للفوتون، صغر الطول الموجي يسمح برؤية الأجسام الصغيرة جدا.

ولكننا إن أردنا أن نرى ما هو أصغر من ذلك، فعلينا عند إذن أن نستخدم أطوال موجية أصغر وأصغر، إلى أن نصل إلى الأطوال الموجية التي هي بطول ثابت بلانك، أي 100 مليار مليار مرة أصغر من حجم البروتون، وإذا ما وصلنا إلى هذا الطول ستصبح الطاقة هائلة جدا لصغر طول الموجة وكبر ترددها، بمجرد أن تصطدم هذه الموجة بأي جسيم يتحول مباشرة إلى ثقب أسود له أفق حدث، وبمجرد تحوله إلى ثقب أسود يخفي معلوماته بالداخل كما تخفي الثقوب السوداء الكبيرة ما بداخلها، فلا يمكن معرفة ذلك الشيء الذي اصطدمت به، وبعد ذلك بفترة صغيرة جدا يتبخر الثقب تاركا خلفه جسيم لا يمتلك المعلومات أي معلومات الشيء الذي أردنا معرفته، إذن حينما نصل إلى طول بلانك تفقد الفيزياء قدرتها على معرفة الأشياء، ببساطة لأن الطبيعة ترفض كشف محتوياتها عند هذه الأحجام الفائقة الصغر.

الآن نعود لنستخدم الطول بلانك مرة أخرى لنحدد المعلومات في العالم الثلاثي الأبعاد، خذ صندوقا وقسمه إلى مكعبات صغيرة، كل منها بطول بلانك، حينما يدخل إلكترون أو فوتون أو كوارك أو ما شابه إلى داخل الصندوق فإنه سيكون بداخل مجموعة من مكعبات بلانك، وجوده في مكعب من عدم وجوده هو ما يعرفه العلماء على أنه معلومة. وقد يكون أحد المؤسسين لهذا المبدأ هو جون ويلر بكلمته “It for bit”، “شيء لمعلومة”، المقصوبه أنه يمكن للشيء أن يكون موجودا أو أن لا يكون موجودا، وهذه هي قيمة بت واحد من المعلومات. لا ننسى أن هذه المعلومات متغيرة، أي أن المجال يتغير بداخل الصندوق والإلكترون يتحرك، ذلك يعني أن البت تتغير بتغير وتحرك الأشياء.

إلى هذا الحد أقف في هذه الحلقة، لنكمل الحديث حيث بين العالم بكنستين كيف يكبر أفق الثقب الأسود بإضافة معلومات فيه، وأين تخزن هذه المعلومات، ثم ننتقل إلى نظرية الأوتار قليلا، ومنها إلى العالم الهولوغرامي. إلى اللقاء في الحلقة القادمة.

عن محمد قاسم

شاهد أيضاً

حرب الثقوب السوداء والكون الهولوغرافي الثنائي الأبعاد 2، ومقابلة مع العالم أحمد المهيري

ذكرت في الحلقة السابقة ملخصا عن الثقوب السوداء، وقانون حفظ المعلومات، وكيف أن ستيفن هوكنج …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *