طبعلوم زائفة

علم الطاقة : بلاسيبو 2

لي الآن سنتين وعدة أشهر لم أمرض أبدا، لم تصبني كحة، ولا زكام، ولا حمى، ولا نزلة معوية… لا مرض فيروسي ولا بكتيري، رغم إنني عطست وسعلت لدقائق، ولكن لم يستمر أي منها ليصبح مرضا كاملا يبقى معي لعدة أيام أو أسابيع، السبب يعود لكوني أتعاطى دواء معينا على المدى السنتين الماضيتين، وذلك لعلاج حبوب ظهرت لي في الوجه، عالج هذا الدواء هذا الحبوب، ومعه ذهبت جميع الأمراض المعتادة سنوية، مع العلم إنني كنت أمرض في كل عام على الأقل مرتين، وفي كل عام أيضا تصيبني كحة ومرض صدري يذهب بصوتي نهائيا، إلا درجة إنني لا أتمكن من شرح محاضرة في الكلية أو حتى التحدث بوضوح. أنصحكم بالبقاء معي إلى نهاية الحلقة حتى أطلعكم على الطريقة، حتى لا يصبكم أنتم المرض، كما لم يصبني شخصيا على مدى السنتين السابقتين.

ذكرت في حلقات سابقة إن العلم لا يعتمد على السرد القصصي في إثبات صحة الشيء، لابد من القيام بتجربة علمية دقيقة تثبت أو تدحض الادعاء، الغالبية العظمى من المعتقدين بالعلاج بالطاقة يعتقدون بصحته اعتمادا على سرد مجموعة من القصص والتجارب الشخصية لتأكيد صحة العلاج بالطاقة، أتت لي طالبة في الكلية قبل محاضرتي بقليل، وقالت لي إنها ستتوقف عن الدراسة، وستخرج من الكلية، وحينما سألتها عن السبب، قالت لي إنها ستجري خلف حلمها في علاج الناس بالطاقة، صدمت مما قالته لي، لم تسنح لي الفرص لأن أدحض علم الطاقة في وقتها، ولكن ذكرت لها إن علم الطاقة ليس بعلم حقيقي، ولا توجد هذه الطاقة التي تعتقد بوجودها، فردت علي بأنها جربتها وقد عالجت بعض الناس بطاقتها، فكيف تكذب تجربتها الشخصية؟ كلما قابلت وتحدثت مع شخص معجب بعلم الطاقة، كل ما لديه هو قصة… قصة شخصية… قصة منقولة من شخص آخر… قصة مبالغ فيها، كلها قصص!

لا أدري ما مصير طالبتي الآن بعد أن اتخذت القرار، هل لاحقت السراب، أم إنها أكمل الدراسة. لننظر في اعتقادها الذي يعتمد على تجربتها الشخصية، أولا، بينت في الحلقة السابقة إن مدعي علم الطاقة لا يستطيعون استشعار طاقة في أيديهم من خلال دراسة علمية، قامت بهذه التجربة إميلي روزا مع أمها وأبيها الحاصلين على شهادة الدكتوراة، ونشرت في مجلة مرموقة، هذا التجربة البسيطة تبين إن مختص علم الطاقة يعتقد إن هناك طاقة تمر على يده، ولكن في الحقيقة لا وجود لهذه الطاقة إلا في مخيلته.

قد تريد أن تقتنع أكثر إنه لا وجود لهذه الطاقة، إن أردت ذلك فتستطيع أن تشاهد تجربة أقامتها مؤسسة جيمس راندي، وهي موجودة على يوتيوب، حيث يدعي شخص إنه يستطيع أن يبث طاقته إلى الآخرين، كما يدعي مختصو علم الطاقة أو المعالجون باللمس، ويدعي أيضا إنه أقام بعدة تجارب “علمية”، وأثبتت له تجاربه “العلمية” إنه يستطيع أن ينقل طاقته إلى الآخرين من خلال يده، كما في حالة إميلي روزا، ولكن هذه المرة الطاقة تنتقل من المختص إلى الشخص الآخر، وليس العكس، وكان متأكدا تماما إن طاقته كبيرة بما فيه الكفاية لكي سينجح في التجربة التي ستقيمها المؤسسة عليه.

أقاموا عليه تجربة شبيهة بتجربة إميلي، الفيديو التالي يوضح التجربة وإجراءاتها الدقيقة، في بداية الفيديو تقوم مجموعة جيمس راندي بسؤال مختص الطاقة ما إذا كان يقر بالاتفاق، والاتفاق كان بأنه يقوم بالتجربة بحسب القواعد المتفق عليها، وإذا ما أخطأ مرتين من 9 مرات سيعتبر قد فشل، لماذا مرتين من 9 مرات؟ لأن الموضوع معقد وثقيل دم سأترك الإجابة لهذا السؤال إلى نهاية الحلقة بعد أن أنتهي من طرح الموضوع بالكامل، لأن هذا الموضوع يتعلق بالحسابات العشوائية، وهو موضوع معقد نوعا ما، وقد يشتت انتباهك عن الموضوع الأصلي.

بعد الاتفاق، تبدأ المؤسسة تبين للناس كيف سيجرى الاختبار، ثم يجرى الاختبار الواقعي، لنتخيل الطريقة، يأتي شخص خارجي يجلس على كرسي، وتُعصب عينها، وتمد يدها خلال حاجز، كما في تجربة إميلي يكون بينه وبين الجهة الأخرى حاجز بحيث لا يرى كل شخص الآخر، وعلى الجانب الآخر من الحاجز هناك شخصين، الأول هو المختص، والثاني هو شخص غير مختص بالطاقة، يقفان بعيدا عن الشخص المعصب العينان، يُنتقى أحدهما عشوائيا (لنقل برمي عملة، استخدموا طريقة مختلفة، ولكن المبدأ هو ذاته)، ويذهب الشخص التي اختير إلى الحاجز، ويمرر يده على يد المعصب العينين، ثم يأتي الشخص الذي لم يتم اختياره بعد ذلك، ويمرر يده على المعصب العينين، وبعد أن تنتهي التجربة يعلن المعصب العينين إن شعر بالطاقة من الشخص الأول أو من الشخص الثاني، وتسجل المعلومات على سبورة، فإذا أحس المعصب العينين بطاقة من غير المختص أو لم يشعر بطاقة من المختص فهذا يعني إن التجربة فشلت، والعكس بالعكس.

بدأت التجربة، وبمجرد أن قاموا بالتجربتين الأوليين وإذا بالشخص الذي من المفروض أن يشعر بطاقة المختص لم يشعر بطاقة المختص، ففشل بادعائه، وأحرج، ولكنه حينما سئل عن سبب عدم قدرته على نقل طاقته لم يعرف السبب، وكعادة أي شخص لديه ثقة بقدراته – فإنه وإن قبل بنتائج التجربة كما جاء في الاتفاق – إلا إنه لم يزل يصدق إنه يستطيع أن ينقل طاقته، وهذا ما أتوقعه من أي شخص يؤمن بعلم الطاقة، خصوصا إنه استثمر وقتا طويلا في تصديقها، سيصعب عليه جدا التخلي عن فكرة خاطئة حتى وإن أثبتت التجربة ذلك.

كنت سأطلب من مدعي علم الطاقة التوجه لمؤسسة جيمس راندي وأخذ التحدي، ولكن توقفت المؤسسة عن طرح التحدي بعد إن أجرته على أكثر من 1000 شخص (تحديهم عام وليس عن علم الطاقة فقط، فقد كانوا يتحدون أي شخص بإثبات قدرة غير طبيعية، حتى إنهم جربوا ساحر مغربي يدعي إنه يستطيع معرفة ماذا يوجد في غرفة مغلقة وهو خارجها، وفشل، وستجدون هذا الفيديو أيضا من ضمن تجاربهم)، لقد فشل جميع من ادعى الخوارق، وبعد أن أجرت المؤسسة التجارب منذ سنة 1964 قبل أن حتى تصبح مؤسسة (عن طريق جيمس راندي شخصيا)، وإلى 2015 تحت إشراف المؤسسة، حيث بدأ التحدي بـ 1000 دولار، ووصل إلى مليون دولار، حولت المبالغ المالية إلى منح سنوية بقدر 100,000 دولار للجهات غير الربحية التي تعنى بتشجيع التفكير النقدي. للأسف إن التحدي توقف بعد سنوات طويلة وأفشلت جميع المدعين بوجود خوارق، وإلى الآن تستمر الأوهام! يبدو إنك لا تحتاج لمنطق لكي توهم الناس بالخرافات، ولكن من الصعب إقناعهم عن العدول عنها.

هذه التجربة وإن كانت على شخص واحد، إلا إنها تبين إن مدعي التأثير بالطاقة لا يستطيع أن ينقل طاقته إلى شخص آخر، وذكرت في الحلقة السابقة إنه لا توجد دراسات مكررة غير مدحضة تثبت صحة العلاج باللمس أو الطاقة بشكل عام، بقيت هناك زاوية يلجأ إليها مواستر علم الطاقة بعد فشلهم بادعاءاتهم الخارقة، وهي زاوية البلاسيبو، أتذكر سألني شخص عن علم الطاقة فبينت له إنه غير صحيح بالأدلة، فقال لي: “ألا تعتقد إن له تأثير بلاسيبو أو مريح نفسيا على الأقل؟” حينما يحشر المعالج بالطاقة في زاوية لا يتبقى له سوى هذه الزاوية.

كلمة بلاسيبو تعني “سوف أسعدك”، وهي في العادة تستخدم في مجال الطب والأدوية، ويأتي البلاسيبو على عدة أشكال، فمن الممكن أن يكون مجرد حبة ليس فيها المادة الفعالة طبيا، مثل أن تحتوي على السكر، أو أن تأتي على شكل جهاز سمع لا يعمل، أو مثلا حقنة من سائل ليس فيها المادة المعالجة، أو عملية جراحية مزيفة، ما الهدف منها؟ في الغالب الأعم تستخدم هذه الأشياء لاختبار قدرة الأدوية الحقيقية على العلاج، فمثلا قد يقوم علماء بتجربة لمعرفة ما إذا كان دواء أنتجوه مؤخرا قادر على علاج المرضى، فينتجون حبة فيها الدواء الفعال، وأخرى ليس فيها الدواء الفعال، وتكون الحبتان متشابهتان في الشكل، ويأتون بمرضى يعانون من المرض الذي يرجى أن يعالجه الدواء الجديد، فيقسمون المرضى إلى ثلاثة أقسام باختيارهم عشوائيا في كل قسم، فتعطى المجموعة الأولى الدواء، والثانية حبة البلاسيبو، ولا تقدم أي أدوية للمجموعة الثالثة، لاحظ، إن المجموعة الثالثة هي الكنترول، وهي مهمة جدا، وبالطبع فإن المرضى لا يعلمون أي الأدوية تعاطوا لأن الأطباء لا يريدون التأثير عليهم نفسيا، حتى لا تكون هناك نتائج تؤثر على صحة التجربة، بل إن كثيرا ما يحدث هو إن حتى الطبيب الذي يقدم الدواء لا يعلم إن كان يقدم دواء أو بلاسيبو، وهذه التجربة يطلق عليها تجربة Double Blind Experiment.

الحصان الذي يستطيع أن يحسب

لماذا تقام التجربة بهذه الدقة؟ “هانز” الذكي هو حصان تعلم الجمع والطرح والضرب والقسمة، واستطاع أن يجيب على الأسئلة سواء إن سئل شفاهة أو كتابة، لقد كان يرعاه ويدربه مدرس الرياضيات ومدرب الخيول “فيلهلم فان أوستن” الألماني، وذلك في بداية القرن العشرين، استعرضه أمام الناس، وسأله أسئلة حسابية، كأن يسأله عن حاصل جمع 2 + 3، فيجبه الحصان بضرب الأرض بحافر قدمه خمس مرات. أدهش الجمهور بقدرته على الإجابة على الأسئلة، واعتقد الناس أن هانز كان ذكيا فعلا.

قرر عالم السيكولوجي “أوسكار فانغست” أن يتحقق من الموضوع بشكل علمي، فدرس الحصان بعدة طرق، أولا، أزال التأثيرات المختلفة من حوله، فحتى لا يتأثر الحصان بالجمهور أبعدهم من المكان نهائيا، ثانيا، جرب أن يقدم شخص آخر الأسئلة بدلا من فيلهلم، ثالثا، جرب أن يغطي عيني الحصان في بعض التجارب، رابعا، قدم أسئلة لم يكن يعلمها بها فيلهلم قبل سؤالها، بعد أن أبعد الناس، وأزال تأثيرهم، ونحى فيلهلم على جنب، وقدم شخص آخر الأسئلة للحصان، وجد أنه لم يزل قادرا على الإجابة عليها، وذلك يدل على أن فيلهلم لم يكن مخادعا.

فكر في هذه المعضلة، كيف استطاع الحصان أن يقوم بعمليات حسابية، هل الحصان كان فعلا قادرا على الحساب، أم إن هناك شيء فات أوسكار فانغست؟ بعد إزالة جميع المؤثرات على الحصان، ما الذي تبقى؟

حينما غطى أوسكار عيني الحصان، أو قدم له أسئلة لم يكن يعلم بها فليلهم (صحاب الحصان) مسبقا، لم يستطع هانز الإجابة عليها، عجيب! عندها اكتشف أوسكار إن هناك إشارات بين فيلهلم وهانز، إشارات حتى فيلهلم لم يكن يعلم بها، لقد كان هانز يضرب على الأرض بحافره، فإذا ما تنفس أو تحرك فيلهلم قلِقلا من أن يتعدى هانز الضربة الأخيرة استشعرها ثم توقف، تخيل إنه يطلب من هانز جمع 2+3، فيبدأ بضرب حافره على الأرض، فيعد فيلهلم كم ضربة بداخل نفسه، وحينما يصل هانز إلى الضربة الأخيرة يضطرب فيلهلم خوفا من أن يتعداها، فيلاحظ ذلك الحصان، ويتوقف عن العد. لم يكن فيلهلم يعلم بذلك، ولا هانز، ولا الجمهور. لم يكن هناك شخص مخادع في هذه التجربة أبدا، إنما يوجد أشخاص مخدوعين.

ولهذا يقوم العلماء بتجارب دقيقة تمنع حتى الطبيب الذي يقدم الدواء من معرفة نوع الدواء الذي يقدمه للمرضى أثناء التجربة؟ لأنه إن علم الطبيب بأن الذي يقدمه للمريض هو الدواء الفعلي وليس البلاسيبو فقط سيعطي انطباعا له بإن يتعاطى الدواء الحقيقي، وكذلك يعطي الانطباع لمجموعة البلاسيبو إنهم يتعاطون بلاسيبو، وهذا سيغير من النتائج (وسنأتي إلى أي نتائج تتغير، هل يعالج الشخص لمجرد تأثره نفسيا أم إن هناك شيء آخر؟)، وربما يصل العلماء إلى إن الدواء يعمل وهو ولا يعمل أو إن الدواء لا يعمل وهو يعمل، وهكذا.

ما الذي يتغير إذا علم المرضى بإنهم يأخذون الدواء الحقيقي أو البلاسيبو؟ قد تسأل هذا السؤال وتقول لنفسك إن كان الدواء فعلا يعالج فلا خوف، فإنه بالتأكيد سيعالج المرض في المجموعة الأولى، وبالتأكيد إن المريض سيخبر الطبيب عن أثر الدواء إن عولج من المرض، والذي لم يعالج فبالتأكيد سيخبر الطبيب إنه لم يشفى حتى يقوم الطبيب بعلاجه الحقيقي بدلا من البلاسيبو. ما هو تأثير المعرفة على المرضى؟ هل المعرفة بالعلاج الحقيقي أو الوهمي يغير من نتيجة العلاج؟

هنا تكمن مشكلة العلاج بالبلاسيبو، قد نستطيع أن نفرق بين شفاء المريض إذا ما التأم جرح في يده، أو شفي من سرطان بعد استئصاله، أو تحسن مستوى السكر مثلا، حيث إن هذه الأمراض يمكن قياسها بالأجهزة، ولكن الكثير من الأمراض لا يُعرف مدى تأثر المريض منها إلا المريض ذاته، فلو أخذنا مجموعة من مرضى السرطان، وقدم لبعضهم العلاج الحقيقي، والبعض الآخر بلاسيبو، والباقي لم يعطون شيئا، وعولجت المجموعة الأولى ولم تعالج الثانية أو الثالثة، سنعرف من خلال فحص حالة السرطان أن نعرف بدقة ما إذا عولجوا فعلا، وكذلك في السكري، بعد تقديم العلاج يمكن قياس مستوى السكر وهكذا.

أما إن أخذنا مجموعة من المرضى وبهم صداع مزمن، وأعطي ثلثهم العقار الجديد، وثلثهم بلاسيبو، والثلث الأخير لا شيء، فسيحتمل إن نسبة كبيرة من المرضى في المجموعات الثلاث يشفون بمرور الوقت بشكل طبيعي، فالكثير من الأمراض يعالجها الجسم بنفسه، ومن الممكن أيضا أن الكنترول لا يشفى، وتشفى مجموعة البلاسيبو والذين تعاطوا الدواء الحقيقي، كيف لمرضى البلاسيبو أن يشفوا وهم لم يتعاطوا دواء حقيقيا؟ أليس من المفروض إنهم لا يشفون مثل الكنترول لأن كلاهما لم يتعاطى الدواء الحقيقي؟ هذا الذي من المفروض أن يحدث، ولكن المشكلة إن الإنسان يتأثر بالخداع، ويتأثر بالبلاسيبو، ولذلك قد يعتقد جماعة بلاسيبو إنهم شفوا، وقد ذهب الصداع، ويخبروا الطبيب بذلك لأن الألم الذي يشعرون به قد ذهب، فالألم هو شيء داخلي غير موضوعي، وهم الوحيدين القادرين على شرح آلامهم للطبيب، ليس للطبيب معرفة حقيقة شفائهم إلا منهم. وهنا تحصل الأخطاء.

وهذه هي المشكلة الأساسية في علاج الناس بالطاقة أو باللمس، الناس لا تعرف كيف تصف ما بداخل أنفسها تماما، ولا تعرف مستوى تبدل وتغير آلامها تماما، فأحيانا تبالغ فيه كثيرا، وأحيانا تقلل من شأنه كثيرا، فقط استمع لقصة شخص مرض وتألم من مرضه، وذهب من طبيب إلى آخر، ولم يجد الحلول، كثيرا ما تجد مبالغات في وصف الحالة، أحد أصدقائي وصف لي حالته المرضية قبل فترة بالمزرية حينما كان يخبرني عن حالة يده، كان يقول إن راحتيه انتفختا كثيرا، وأشر بيده ليبين قدر الانتفاخ، وكنت أراقب حجم تصوره لانتفاخ يديه، كان يؤشر إلى حوالي ١٥ سم، ويقول إنه ذهب من طبيب إلى طبيب محاولا علاج يديه، ولكن فشل جميعهم، تخيل إنك تدخل على طبيب وقد انتفخت يداك لتكون بعرض ١٥ سم، من الجنون إن الطبيب يحاول ويفشل ليدع المريض يخرج من العيادة ويداه بهذا الحجم، جنون، ولكن طبعا نحن نعرف بعضنا، نحن نريد أن تكون القصة مؤثرة، لتصل الرسالة فنبالغ بالوصف ودرجة الآلام، حتى نتأتي للنهاية ونخبر الناس بنجاح آخر طبيب بطريقة غير تقليدية.

ثم حينما يعالج الطبيب المريض من الآلامه بدواء وهمي، يسأله مثلا: “كيف تشعر الآن بالمقارنة مع السابق؟” كيف للمريض أن يعرف حقيقة آلامه، وبماذا يقارن حالته؟ هل يقارن بما يتذكره، ونحن نعلم إن الذاكرة ليست دقيقة، هل يتذكر بالضبط مستوى آلامه السابقة، لا ننسى إنها ليست واحدة على مر الوقت، هل يأخذ المتوسط الحسابي لها؟ هل يعلم حقيقة مستوى آلامه؟ بالطبع لا يعلمها بدقة، ولذلك لا يستطيع تقرير مستوى آلامه بالمقارنة عن السابق بدقة. ولذلك لا يريد المخبري أن يخبر المريض بنوع الدواء الذي يقدم له، حتى لا يقدم المريض تقريرا بشعوره بالشفاء وهو لم يشفى في الواقع. ولذلك حينما يسأل مختص علم الطاقة المريض عن حالته، كيف له أن يعرف إن شفي تماما؟ كل ما لديه هو تصريح المريض بمستوى آلامه.

عالم السيكولوجيا شيبارد سيغال (Shepard Siegel) المختص بالتوقع يشرح تجربة أجريت على مجموعة من المصابين بالربو، حيث قسموا إلى ثلاثة أقسام، قسم أعطي دواء اسمه ألبيوترول (Albuterol)، وهذا الدواء فعال، بحيث إنه يغير من كمية التنفس، أمر يمكن قياس مخبريا، وقسم أعطي بلاسيبو، وقسم لم يعطى شيئا، ذكر المرضى الذين أعطوا البلاسيبو إنهم بنفس شعروا بتحسن بنفس مستوى الذين أخذوا الدواء ا الحقيقي، عجيب، لو تسأل شخص غير مختص، هل البلاسيبو عالج المرضى في هذه الحالة، سيقول لك: “نعم، لقد شعر الذين أخذوا الدواء والذين أخذوا البلاسيبو بتحسن، إذن شفوا”، ولكن حينما قاس العلماء كمية الهواء التي يتنفسها مجموعة البلاسيبو، اكتشفوا إنها أقل من الهواء الذي يتنفسه الذين أخذوا الدواء الحقيقي ألبيوترول، لقد كان تنفسهم بنفس مستوى من لم يأخذ الدواء، إذن، لم تعالج مجموعة البلاسيبو.

تخيل لو إن شخص مصاب بالربو ذهب إلى معالج بالطاقة، ثم شعر إنه تحسن بعد الجلسة، وهو في الواقع التجريبي لم يتحسن، ولم يتقيد بالعلاج الحقيقي لمجرد شعوره بالتحسن، قد يحصل وإنه يدخل في حالة مضطربة، ويفقد قدرته على التنفس وثم يموت، تذكروا قصة ديبرا هاريسون في الحلقة السابقة، رفضت التوجه للطبيب لاعتقادها بعلاج الطاقة، هل تذكرون ما الذي حدث لها؟

البلاسيبو يؤثر على المرضى بطرق تبدو سحرية، وهي في الواقع نفسية، فمثلا حبة البلاسيبو الكبيرة تؤثر على المريض أكثر من الحبة الصغيرة، لون حبة يؤثر على المريض أكثر من لون آخر، الإبرة تؤثر على المريض أكثر من الحبة، وهكذا، كلها أشياء وهمية تجعل المريض يعتقد إنه شفي، وهو في الواقع لم يشفى، إنما شعر إنه شفي، مجرد شعور. ما المشكلة في ذلك؟ ما المشكلة في إن المريض يشعر بأنه تشافى وهو لم يتشافى؟ المشكلة إن قد يذهب المريض معتقدا إنه شفي، ثم يعود له المرض، وتعود له آلامه بعد فترة.

ما الذي يحدث حينما يذهب مريض للمعالج بالطاقة ويخرج “سليما”؟ أولا لنكن صادقين، لن يذهب إلى المعالج بالطاقة شخص مقطوع اليدين، أو شخص مجروح أو شخص مكسور الرجل، من يذهب إليهم في العادة لديه ألم داخلي، صداع، ألم في الظهر، أو حتى الأمراض الأكثر تعقيدا مثل آلام في المعدة، أو مرض السرطان أحيانا، المهم إن الشخص في العادة آلامه داخلية، ولا يمكن رؤية العلاج مباشرة، ستلاحظ إن المختص يقوم ببعض الطقوس عليه، ثم يسأل المريض كيف تشعر الآن؟ بالطبع فإن المريض بالإضافة لكونه لا يعلم بالضبط الألم الذي أتى به (خصوصا إذا كان الألم متأرجح)، سيخبر المختص بأنه يشعر بتحسن، لا ننسى إن هناك جانب إنساني في الموضوع، لا يود أحدا أن يحرج المختص خصوصا إذا شعر نفسيا بنوع من التحسن، وأحيانا حينما ينام الشخص على فراش المساج، ويرتاح قليلا، سيشعر براحة، فيخلط الألم بالراحة التي يشعر بها، ولو كانت تقام هذه العلاجات أمام العديد من الناس فسيكون هناك ضغط أكبر على المريض بالقول إنه يشعر بتحسن، وإن لن يقل إنه يشعر بتحسن فبالتأكيد سيخبره مختص الطاقة إنه يحتاج إلى عدة جلسات أخرى حتى يشعر يعالجه تماما.

ما هو تأثير بلاسيبو

البلاسيبو له تأثير محدود، وغالبا ما تكون مرتبطة بالمخ، بالتالي النفس، فمثلا البلاسيبو يغير من مستوى الألم كما ذكرت، وهو أمر شخصي داخلي لدى الفرد، وكذلك في الاكتئاب، أو اضطرابات النوم، أو متلازمة القولون المتهيج، أو ضغط الدم، وغيره من التأثيرات البسيطة، وفي الغالب كل تأثيراته تكون في حيز ضيق جدا، وإسهاماته محدودة زمنيا، والعلماء يربطون تأثيره بالتوقع، توقعك يجعلك تتأثر إيجابا أو سلب (كما في حالة Nocebo، وهو حينما تتوقع أن تتأثر سلبا من أخذ دواء ما). يقول الدكتور تيد كابتشاك (Ted Kaptchuck): “البلاسيبو ربما يجعلك تشعر بتحسن، ولكنها لن تعالجك”، ويكمل: “لقد تبين إنها تأثيرها الأكبر لحالات إدارة الألم، والتوتر المرتبط مع القلق، الآثار الجانبية لعلاج السرطان مثل الإجهاد والغثيان” (انتبه، ليس علاج للسرطان، إنما يساهم في تحسين حالة المريض الذي يعاني من علاج السرطان المزعج) وهذا البروفيسور من جامعة هارفرد، وهو مختص في البلاسيبو، وله أوراق علمية أحيانا تكون متطرفة للبلاسيبو، ولكنه بالرغم من ذلك لا يدعي إن البلاسيبو يعالج، وربما أجمل ما قاله هو: “تأثير البلاسيبو هو طريقة للمخ ليخبر جسمك ما الذي يحتاجه لكي يتحسن”.

البلاسيبو له تأثير على المخ، وله تأثير على الجسد، ولكنه محدود جدا، وليس بديل للعلاج، إنما قد يساهم في تحسين شعور بتخفيف الألم منه بشكل يجعله أكثر راحه.

التجربة الشخصية

نأتي مرة أخرى إلى قصة طالبتي، ونأخذ الجانب الآخر منها، ادعت طالبتي إن لها تجربة شخصية ناجحة، فقد شفي على يدها بعض الناس، وسنأتي للأشخاص الذين يدعون إنهم شفوا لاحقا، نتساءل، هل فعلا شفي أحد؟ لندع النقطة الأولى الآن عن استشعار الطاقة، ولنقل إن بطريقة أو أخرى لا تفهمها طالبتي، أو حتى مواستر الطاقة لا يعلمونها، إن الناس تشافوا على أيديهم، وهذا يأتي من ملاحظاتهم الشخصية، هل فعلا شفي الناس بسببها أم إن هناك أسبابا أخرى خفيت عنها؟ هل هي فعلا متأكدة إنها هي التي عالجت الناس، وإنه لم يكن سوى تزامن حيث شفي الشخص أثناء وجده معها صدفة؟ هل لديها إحصائيات في عدد الناس الذي تطببوا على يدها، فكم شخص شفي، وكم شخص لم يشفى؟ أم إنها تتذكر الذين عولجوا بانتقائية، وتنسى الذين لم يعالجوا؟ لنقل إنها المريض ادعى إنه شفي، هل تابعت حالته بعد شفائه، إم إنها اكتفت بتصريحه الآني بعد علاجها له باللمس؟ هل تعلم كم من أولئك الذين ادعوا إن آلامهم ذهبت في زيارتها لهم لم تعد لهم الآلام مرة آخرى بعد عوتهم للمنزل؟

المشكلة إن مثل هذه الأسئلة ليست لها إجابة من مختصي علم الطاقة، قليل هم الذين يعرفون الإجابات على هذه الإسئلة، ولو عرفوها لاكتشفوا إن العلاج بالطاقة ليس له التأثير المعتقد. فمثلا، مغالطة التزامن لا يعني التسبب ليست في قاموس المعالج باللمس، وستجد إنهم يعتقدون إنه طالما صرح المريض بأنه شفي، فذلك يعني إنه هو السبب، وكذلك فهم يعتقدون إن المريض إن شفي، فذلك يعني إنه شفي، وإن قال لهم المريض إن الآلم انخفض، فذلك يعني إنه فعلا انخفض، ولا يدرون إن مثل هذه الأمور يحاول العلم تفادي الوقوع فيها عند القيام بالتجارب.

كنت جالسا مع أحد الأصدقاء ومعنا طبيب، فقال لي صديقي إنه ترك أكل اللحوم الحمراء والبيضاء، وهو الآن لا يأكل إلا السمك، ومنذ أن بدأ بهذا النوع من الطعام، ومنذ أن بدأ بتناول أغذية صحية ذهبت منه آلام الركبة، كان يتألم كثيرا حينما يمشي، أما الآن وبعد انتقاله إلى الأسماك والغذاء الصحي، لم يعد يحس بآلام الركبة، وشرح تأثير دهون الأسماك على المفاصل، وعلل إن الدهون هي سبب تحسن حالته، بالطبع هذا الأمر منتشر ومعروف عند الكثير من الناس، بعض الأسماك تحتوي على دهون أوميغا 3، ولعلها السبب في تحسنه، ولكنني شككت في المبالغة في الأمر، وطلبت من صديقي الطبيب أن ينظر في تجربته الشخصية وأن يعلق عليها، فسأله الطبيب: “كم نزل وزنك بعد أن تحولت إلى النظام الغذائي الجديد؟” فرد عليه صديقي: “10 كيلو غرام”، فقال له الطبيب، إذن، هذا هو السبب الأساسي خلف انخفاض آلام ركبتك،” فتفاجأ صديقي، إن لم يكن متنبها للسبب الأكثر منطقيا لذهاب آلامه، تخيل لو إنه يقترح على شخص بدين أن يقوم بنفس التجربة، سيقول له بدل نظامك الغذائي إلى الأسماء، ولا تأكل اللحوم، وستذهب آلام ركبتك، لو أكل هذا الشخص البدين الكثير من السمك يوميا، ولم يخفض وزنه فهل ستذهب آلامه؟

هذا مجرد مثال لكي أوصل مبدأ إن الناس لا تميز بين التجربة العلمية والتجربة الشخصية، الناس تعتقد إن التجارب الشخصية هي دليل على صحة فرضيتها، التجربة الشخصية هي بداية الطريق لمعرفة الحقائق، وبعد ذلك يمكن القيام بالتجارب الحقيقية التي تزيل أي متغيرات بإمكانها أن تؤثر على النتائج، فلو أردنا معرفة ما إذا كانت الأسماك هي السبب في اختفاء آلام الركبة، فسنأتي بعدة أشخاص بهم آلام ركبة مشابهة لآلام صديقي، ثم نقسمهم إلى ثلاثة أقسام عشوائية، ونقدم لقسم منهم نظام غذائي معتمد على دهون السمك مع الإبقاء على نظام يحافظ على أوزانهم، وقسم نبقيهم على نظام أكل اللحوم مع تقديم دهون السمك على شكل أقراص، وقسم لا نغير حميتهم الغذائية، ثم نتابع حالتهم يوما بعد يوم، أو أسبوع بعد أسبوع، ونسجل الملاحظات بدقة، ثم ننظر للنتائج، فإن بينت النتائج إن ركب الذين أكلوا الأسماك والذي تناولوا دهون الأسماك تحسنت، والذين بقوا على حميتهم الغذائية المعتادة لم يتحسنوا، فقد يعني ذلك إن الدهون قد تكون السبب.

ولاحظوا إنني قلت: “قد”، فالعلم دقيق، وقد تكون هناك عوامل أخرى لم يتنبه لها الباحث، وهذا ما لا يراعيه مختص علم الطاقة، كل ما يقوم به هو إنه يحرك يده على المريض، ويسأله عن حالته بعد الانتهاء من الجلسة، ثم إذا قال له إنه يشعر بتحسن سيعتقد مباشرة إن المريض قد تحسن فعلا، وإن لديه قدرة خارقة على معالجة المرض.

إن تحسن شخص من العلاج بالطاقة فعلا، فماذا تقول؟

أحيانا يأتيني شخص، ويخبرني إنه فعلا تحسن، كان لديه مرض من نوع ما، وتحسن بعد أن أخذ مجموعة من الجلسات مع مختص الطاقة، حتى إنهم ذهبوا إلى عدة أطباء، ولم ينجح أي منهم في علاجه، وأحيانا، حتى تكون القصة أكثر وقعا، يذكر لي الصديق إنه لم يتوقع وكان يشك في إمكانية علاجه بالطاقة، حتى يبين إنه كان شاكا في العلاج، ثم عولج ، فكيف أفسر شفاءهم؟

سأفترض في هذه الحالة إن المرض فعلا شفي، لن أقلل أو أحقر اعتقادهم بشفائهم، لا بل سأذهب إلى أبعد من ذلك وسأقول إنهم فعلا شفوا من مرض حقيقي، وليس مجرد شعور. وهنا أود أن أنصح أي شخص يناقش الذي يدعون إنهم شفوا من مرض بسبب علم الطاقة: لا تقول لهم إنهم لم يشفوا أبدا، فهم أدرى بتفاصيل المرض والشفاء، واعتبر إنهم فعلا شفوا، ولكن قل لهم: “نعم شفيتم، ولكن لا تستطيعون ربط شفاؤكم بعلاج الطاقة، ليس هناك أدنى دليل على ذلك، الأدلة العلمية الغامرة تبين إن الشفاء يحدث لأسباب أخرى لا علاقة لها بمختص الطاقة، وإذا أردتم أن تدعوا إنكم شفيتم بالطاقة، فعليكم بتقديم الدليل على هذه العلاقة السببية، وليس التزامنية.”

وهذا ما أقوله في العادة لمن يدعي إنه شفي بعلاج الطاقة، لن أرد اعتقاده بأنه شفي، سأعتبر إنه شفي فعلا من مرض معين، ولكني أشكك ما يشكك به العلماء، وهو شفاؤه عن طريق الطاقة، فليس هناك أي دليل على شفائه بالطاقة، كل ما حدث إنهم شفوا تزامنا مع بعض الحركات البهلوانية.

إذا لم يكن المعالج بالطاقة هو السبب إذن ما السبب في شفاء الشخص من المرض؟ السبب يعود لقدرة الجسم على علاج نفسه بنفسه، أو بعبارة أكثر دقة يعود الجسم إلى المتوسط الحسابي، أي لنعتبر إن حالتك الآن غير المرضية أو الصحية هي الحالة الطبيعية لك، وهي المتوسط الحسابي، أحيانا تشعر بصحة غير طبيعية خارقة خالصة من جميع الآلام، وأحيانا تمرض لتهبط مستويات حالتك إلى ما هو أسفل خط المتوسط، متى تلجأ إلى الطبيب؟ هل تلجأ إليه في بداية المرض؟ يقول د. شيبارد سبيغال – المختص بالتوقع – بأن المريض عادة ما يلجأ إلى العلاج في أقصى حالات المرض، وفي العادة تكون الحالة القصوى هي بداية علاج الجسم لنفسه، وحينما يذهب إلى الطبيب ويعطى دواء من أي نوع كان، فإنه في العادة يرجع إلى حالته الطبيعية بعدها بأيام، فيربط الشفاء مع العلاج، وهذا هو أحد أسباب الشفاء التي لا علاقة لها بمختص علم الطاقة.

أما لو إن المريض ادعى إنه شفي بعد سنوات من المرض، ولم يعد إلى المتوسط الحسابي لحالته بعد فترة قصيرة، فقد بين العلم إن هناك حالات يطلق عليها الشفاء التلقائي (Spontaneous Remission)، تحدث في حالات من المفروض أن تزداد سوءا، مثل السرطان، وتحدث من غير تدخل الطبيب، ومن غير تدخل العلاج بالطاقة، ولا أي نوع من العلاجات، تحدث هكذا لوحدها، والعلماء لا يزالون يحاولون معرفة الأسباب، وهذا أيضا قد ينطبق على المريض الذي مر على المعالج بالطاقة، وشفي تلقائيا، فكر فيها، لو إن شخص ينتقل من مختص لآخر، وفجأة شفي عن “معالج” ما، بالتأكيد سيربط هذا الشفاء بالمعالج الأخير، وإن لم يشفى سيبقى باحثا عن المعالج إلى أن يشفى ويذكر قصته العجيبة، ويحث الناس على الذهاب لهذا المختص المحظوظ أو يبقى طوال حياته يبحث عن معالج، ولن نسمع عنه أبدا.

وأحد الأسباب الأخرى للشفاء هو أن يمر المريض على الطبيب، ثم يأخذ منه أدوية، فيتعاطها، ولكن العلاج يطول، وأثناء أخذه للدواء، واستفادة جسده منه يذهب للمعالج بالطاقة، فيشفى، ويكون السبب الحقيقي هو الدواء الذي أخذه على مدى أشهر، فيمدح الوهم ويذم الحقيقة، يحمد المعالج بالطاقة، ويلعن الطبيب الحقيقي.

حينما ظهر العلم التجريبي وقزم كل الأساليب الأخرى لفهم الطبيعة، لم يكن ليفعل ذلك من فراغ، فقد أثبت وجوده بدحض الكثير من القصص الفولكلورية والملاحظات الشخصية العفوية، واستبدلها بحقائق كاشفة ساطعة يمكن الاستفادة منها تطبيقيا على أرض الواقع.

الدواء الذي خفف من آلامنا وعالجها أتى من ضبط المتغيرات المختلفة علميا، حتى لا يُنتج دواء يؤثر على نفسية الشخص ويعجلها يوفوريا بشكل مؤقت، ثم يبقى المرض في محله، فرّق العلم ما بين تأثير بلاسيبو وبين تأثير الدواء الحقيقي، وهذا ما لم يستطع أن يفهمه مختصو علم الطاقة، فهم يقومون بحركات وطقوس ويتفوهون بكلمات ويصدرون همهمات أثناء إجراءهم للجر الوهمي للطاقة يدويا، وبقصد أو من غير قصد – يوهمون المريض بأنه عولج، وما فعلوه هو مجرد إشعار المريض براحة مؤقتة: بلاسيبو، أو إنهم شفوا تلقائيا، فيظن الناس أن المختصون فعلا عالجوا المريض، فلا مختصو علم الطاقة يعلمون الحقيقة، ولا المرضى، والمصدقين لهم.

إذا كان مختصو علم الطاقة يعتقدون إن لديهم القدرة على التأثير على الناس بقوة تأثير البلاسيبو، فهم يقولون وبصريح العبارة إنهم طرقهم وهمية كالحبة الوهمية التي تقدم في تجارب بلاسيبو، وإن تأثيرهم ليس إلا تأثير توقع المريض، وإن العلاج بالطاقة ليس طاقة ولا علاج حقيقي.

العودة إلى العلاج من جميع الأمراض

طلبت منكم في البداية البقاء معي لأخبركم بالدواء أبعدني عن المرض لعامين كاملين، إذا كنت لا زلت تنتظر أن أخبرك بالحبة، فأنت لم تفهم الدرس، فالتجربة الشخصية ليست دليلا كافيا لمعرفة الحقائق، لابد من قيام بتجربة علمية لإثبات صحة زعمي إن الدواء هو السبب في بقاء صحتي جيدة في عامين.

كلما سردت هذه القصة أمام أشخاص غير مختصين يسألوني بإلحاح عن الحبة، وإن ذكرت القصة للطبيب المختص، ينظر في وجهي ويقول لي إنه مجرد حظ، وليس هناك أي دليل على إن حبة مضاد حيوي أبقتك سليما، فالمضاد الحيوي يعالج البكتيريا، ولكن الأمراض تعزى إلى عدة أسباب، منها الفيروسات التي لا تعالجها المضادات الحيوية.

وكذلك، حينما تكلمت عن تجربتي الشخصية، لم أقل إنني لا أشرب من كوب شرب منه شخص آخر، فدائما أشرب من كوب ماء لي شخصيا، ولا أشرب فناجين القهوة إذا شرب منها آخر، وأضع مسافة بيني وبين مريض بالزكام، هذه كلها قد تدخل في الحسبة، ولكني القصة أجمل لو إنني ذكرتها على شكل حبة مجردة، حبة منقذة.

ثقل دم

إلى هذه النقطة وقد انتهيت من موضوع البودكاست الرئيسي، نأتي الآن إلى موضوع ثقيل الدم، كما ذكرت سأشرح فكرة اختيار 2 من 9 للتعبير عن الفشل، لماذا لم يكن مثلا 5 من 9؟ هذا أمر يرجع إلى قوانين العشوائية، ركز معي قليل إن أحببت.

نعود لفكرة تجربة مؤسسة جيمس راندي على مختص الطاقة، ما هو الاحتمال إن المختص يخرج من التجربة وقد نجح؟ أنا أقصد الآن ليس من حيث إنه فعلا قادر على نقل طاقته، إنما على أساس العشوائية، لأبسط الموضوع تخيل إنني أدعي إن لدي القدرة على التأثير على العملة، بحيث إن أستطيع أن أجعلها تقع على الوجه وليس الكتابة، فتتحداني بأني لن تستطيع ذلك، نتساءل، كم تجربة من المفروض أن تقيمها علي لكي تعرف إنني صادق؟

إذا قلت تجربة واحدة، فمن الممكن أن تقذف العملة في الجو، وتسقط على الوجه، وأدعي إنني فزت، فمن حسن حظي إنني نجحت، وهذا أمر يحدث بنسبة 50%. فهل تقبل أن تتحداني برمي العملة مرة واحدة؟ بالطبع لا، طيب مرتين؟ بالطبع لا أيضا، لأنني من الممكن أن أحظو بسقوط العملة على الوجه مرتين متتاليتين فأفوز، وبهذا أثبت قدرتي، وفي الحقيقة ليست لدي قدرة من أي نوع.

ماذا عن 3 رميات؟ أو حتى 4 رميات؟ من الناحية الرياضية العشوائية، كلما زاد عدد الرميات كلما كان احتمال سقوط العملة على الوجه في هذه الرميات قليل، هناك قانون احتمالي يطلق عليه اسم Binomial Distribution، وهو يحسب عدد المرات التي من الممكن أن تظهر فيه 7 نجاحات من 9 (كما في مسابقة المؤسسة، كان على المختص أن ينجح 7 من 9 مرات)، وهي 7%، أي إن هناك احتمال بقدر 7% في أن تسقط العملة على الوجه 7 مرات من 9.

اختارت المؤسسة نجاحه 7 مرات من 9، لكي يكون هناك ضمان بأن المختص بعلم الطاقة لن يستطيع أن ينجح عشوائيا، ولو إنها اختارت 5 مرات نجاح من 9 لكان احتمال نجاحه هو حوالي 25%، وهو احتمال قوي جدا، ولذلك اختارت 7 من 9، ومع ذلك فإن هناك احتمال لنجاحه عشوائيا بقدر 7%، وهذه مغامرة أخذتها المؤسس على نفسها اعتمادا على الرياضيات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق