علمفلسفة

لماذا العلم أولا؟

بمجرد أن يُطلب من الناس وضع العلم في المرتبة الأولى في حياتهم، ترتفع الدفاعات إلى أعلى المستويات، تتحرك مشاعر الانزعاج، وعدم الاطمئنان، ويبدأ الناس بتجهيز الدفاعات والردود على مثل هذا الاقتراح، رغم أن حياة الناس من الناحية العملية تضع العلم أولا وقبل كل شيء، إلا أننا نرفض وضعه كأولوية فكريا، تضاد بين التطبيق والفكر والواقع والتصور، رغم وجود هذا التضاد اللامتناغم في حياتنا، إلا أننا لا نشعر به، ونعيش حياتنا بشكل طبيعي جدا… يجب أن نوقف هذا التنافر المعرفي، ويجب وضع العلم في مقدمة الأولويات الآن.

لنبدأ أولا في توضيح كيف دخل العلم في كل مجالات حياتنا، وهو في الواقع الملموس أولوية، بمجرد أن تقوم من نومك إلى أن تعود لتقوم في اليوم التالي، وفي كل يوم من أيام حياتك أنت تعتمد على العلم، بمجرد أن تفتح عينيك وتقوم من فراشك لتذهب إلى الحمام، فقد مشيت على سجادة صنعت بأجهزة طورها العلم، أو على سيراميك صنع بآلات هائلة تمر بمراحل لا يمكن أن تقوم إلا على العلم، ثم تتوجه بعد ذلك إلى الحمام لتفتح بابه الذي صنع على يد نجار استخدم أدوات متنوعة صنعتها مصانع استخدمت العلم، ثم تستحم بماء دافئ يمر من خزان يسخن الماء – إن كنت في الشتاء – بكهرباء نشأت بالعلم، ثم يمر الماء بأنابيب بلاستيكية أو معدنية شُكلت بأدوات صنعها العلم، ثم تستخدم الماء للمضمضة بعد أن غسلت أسنانك بفرشة صنعتها مصانع بأجهزة أنشأها العلم، وبمعجون أسنان درست مكوناته المواد الكيميائية مخبريا حتى تكون مناسبة لتنظيف الأسنان من الأدران والجراثيم واللويحات الصلبة، لقد فهم العلماء تأثير المعجون عليها بالنظر إليها بالميكروسكوبات التي أسس لها وطورها العلم، نحن لا زلنا في أول ربع ساعة من قيامك في النهار ولم نخرج بعد من غرفة النوم والحمام، ولم ننته من ذكر عُشر معشار الأشياء التي تعتمد على العلم وهي من حولك.

لننتقل إلى افطارك في الصباح، لولا وجود الغاز المعبأ في القناني أو الذي يمر عبر الأنابيب لما استطعت أن تطبخ وأنت في راحة منزلك، هذا الغاز أتى من مصنع استخرجه ثم عبأ قنانيه التي صنعت بطريقة علمية، ولو لم تستخدم الغاز، لكنت تستخدم الكهرباء لإشعال الموقد، وإذا ما فتحت الثلاجة – التي صنعها العلم هي أيضا – لترى ما بداخلها باستخدام إضاءته الداخلية – التي صنعها العلم، اخترت لنفسك قنينة الحليب المبستر الذي قامت المصانع المبنية على العلم ببسترته حماية لك من الأمراض، واخترت البيض الذي أتى من دجاج في مزارع تعتمد على العلم لإنتاج البيض بكميات كبيرة للبشر، وعلى أدوية وضعت في طعام الدجاج للحفاظ على صحته، ثم تطبخ البيضة على مقلاة عليها طبقة تمنع التصاق الأغذية عليها (التفلون المادة أنتجها العلم). وقد تسخن الخبز بالميكرويف أو المحمصة، وهذه أيضا صنعت بالعلم، لم ننته من الإفطار بعد، فإيصال الطعام إلى السوق الذي تشتري منه يحتاج إلى شاحنات، وطائرات وآليات لإيصالها إليك وإلى الملايين من الناس، ما عليك إلا أن تدخل إلى دولة نكبت بحرب لترى كيف أن عدم توفر الوسائل اللوجستية لإيصال الطعام يتسبب في مجاعة أو فقر شديد، حتى الأقمار الصناعة تراقب الأجواء وحالة الطقس أو المناخ، لتنقل أخبارها إلى المزارعين الذين يزرعون النباتات بكفاءة أكبر بناء على هذه المعلومات، ليصل إليك الغذاء وأنت في منزلك وعلى طاولة الإفطار، كل هذا، ولم ننته من الإفطار بعد، فهناك الطاولة والكرسي الذي تجلس وتأكل من عليهما، والأطباق التي تضع عليها الأطعمة، والشفاط الذي يشفط روائح الطبخ، وأمور أخرى لا حصر لها كلها تعتمد بشكل أو بآخر على العلم.

أنت الآن ترتدي الملابس الداخلية أو المنزلية التي يصنعها لك العلم اليوم بخيوط رفيعة تغزلها المصانع، والأنسجة المختلفة التي تنسجها المصانع، تغير هذه الملابس إلى ملابس جديدة أيضا نسجتها مصانع، وقد تكون إحدى تلك المصانع في شرق الأرض والآخر في غربها، وكل منها أرسل إليك بالطائرات والسيارات والبواخر وما أشبه. تمسك بمفاتيح سيارتك ومنزلك وتلك المفاتيح أيضا صنعت بمصانع بنيت على العلم، وقد تكون مفاتيح سيارتك إلكترونية، وهي أيضا صنعت بالعلم، وتأخذ معك هاتفك الذي أسس على مبادئ علمية متنوعة لا حصر لها، لتذهب إلى سيارتك التي صنعها العلماء بكافة محتوياتها من الصغيرة إلى الكبيرة، من أجهزة دقيقة إلى المعدن المحيط بها إلى الأصباغ إلى الإلكترونيات، إلى التروس التي فيه، إلى وإلى وإلى كتب كثيرة من التفصيل بالسيارة، تركب السيارة وتترك المنزل الذي بني من مواد مثل الإسمنت الذي كونه العلماء لكي يتماسك بحيث يحمل البشر والأثاث المختلف والمخزن الماء والأغراض المختلفة طابقا بعد طابق لسنوات طويلة من غير أن يقع.

تشغل الهاتف وتضعه أمامك وتشغل برنامج خرائط جوجل التي تعتمد على الأقمار الصناعية في معرفة الموقع لتعرف الطريق المناسب المنخفض الزحام، وتبدأ بالحركة على شارع اسفلتي أسود كان سببه العلم، شارع يتحمل الملايين من السيارات التي تمر عليه ليل نهار، ثم تصل إلى إشارة المرور التي صنع مصباحها علميا، وصنعت الدائرة الكهربائية التي تتحكم بتوقيت إنارتها علميا، لتمر على جسور في الشارع تعتمد على العلم لرفعها بكرينات هائلة الضخامة صنعت بالعلم، ولتعتمد القواعد التي تحافظ عليها السقوط على العلم، وإذا ما مررت على حادث سيارة أصيب فيه قائد إحدى السيارتين أو كلاهما بإصابات بالغة فإن سرعان ما ستأتي سيارات الإسعاف المزودة بالأجهزة والأدوية التي تبقي المصاب على قيد الحياة حتى وصوله إلى المستشفى.

نحن لا نثق فقط فيما لدينا الآن من منتجات علمية، بل نثق في العلم حتى للأمور المستقبلية

راقب الأخبار العلمية، تجد بعض الأخبار تقول إن شيء معين سوف يخرج خلال عام، أو خلال عامين، أو حتى 10 أعوام، وتجد حماس كبير من الناس على أمل أن ينتقل الشيء الذي عمل عليه العلماء من المختبر إلى السوق العامة، فمثلا تجد دواء معين يعالج مرض، مثل آلزهايمر أو ما شابه وسيخرج للصيدليات بعد 10 سنوات كما يأمل العلماء، وهناك دلائل على إن الدواء يعمل في المختبر، سيقوم العلماء بدراسته على البشر بعد نجاحه على الحيوانات، وبعد ذلك تقوم هيئة التغذية والدواء بإقراره، أو تسمع عن علاج لنوع معين من السرطان، ستسمع صدى الأخبار، وتشعر بالأمل بأن العلم سيعالج مشكلة عويصة، وتتمنى أن يسارع في علاجها العلماء، أو تنتظر يوما بعد يوم إلى أن يتحقق هذا الشيء. أين تجد هذا النوع من التفاؤل والثقة في إن العلم سيقوم بذلك؟ أين تجد أملا بإن ما يدعيه العلماء سيحدث؟

أو لما تسمع عن جهاز هاتف ذكي سوف يخرج السنة القادمة، وفيه من المميزات ما ليس في هاتفك الحالية، كاميرا تصور بسرعة فائقة، لالتقاط حركة شيء، أو الواقع المعزز، أو ذكاء اصطناعي للتعرف على الوجه، تترقب، هل تفكر في إن الخبر مجرد هراء أم إنك تنتظر أن يصدر المنتج في أقرب وقت؟ حتى لو قال إيلون ماسك إنه سيصنع هايبر لوب، وهو عبارة عن أنبوب مفرغ من الهواء طويل جدا يصل بين ولايات بعيدة، بدخله يتم نقل الركاب في مركبات بسرعات فائقة جدا تصل إلى 1200 كيلومتر في الساعة، لن تقول إنه مجرد هراء، ومستحيل، ستفكر ليتهم يقوموا بذلك في بلادنا، ليتهم يستعجلون الأمر، وهكذا، أنت تثق إن الأمر ممكن، وإن العلماء قادرين على القيام به من الناحية العلمية، أنت لا تثق في العلم فقط اليوم بما تراه، بل حتى في ما يتخيله العلماء، أو في شيء لن يأتي إلا في المستقبل ربما البعيد، لماذا؟ لأنك ببساطة تثق في العلم، وتثق في قدرته على التسليم في نهاية الأمر.

العلم يطوع الطبيعة بعد دراستها، لو كان العلم لا يعمل، لما استطاع العلماء والمهندسون أن يتحكموا بالطبيعة بهذه الطريقة المذهلة، الطبيعة تحت تصرف العلم. العلماء يقومون بتجارب على الطبيعة، ويكررون التجارب، ويفكرون فيها، ويحاول معرفة ما إذا كانت استنتاجاتهم صحيحة، ويجرب غيرهم من العلماء صحة ما قاموا به، وإذا تأكدوا تماما النتائج، يبدأ العلماء باستثمارها، وبتطويع الطبيعة لمتطلباتهم، وستجد إن الطبيعة تستجيب بطاعة شبه تامة، والسبب الذي أقول شبه تامة هو بسبب ميكانيكا الكم العشوائية، والمتغيرات الكثيرة التي يحاول العلماء التحكم فيها، وكلما تحكموا في متغير إضافي كلما نجحوا أكثر في التحكم في الطبيعة بشكل أدق.

قارن هذا الشيء مع المدارس الأخرى، هل تجد إن الطبيعة مطاوعة لفرضياتهم؟ تجدهم يصورون لك إن الطبيعة تعمل بطريقة معينة، ويؤكدون إنها تعمل بطريقتهم، ولكن حينما تجرب، فأنت وحظك، إما أن يحدث الشيء المتصور أو لا يحدث، خذ على سبيل المثال قانون الجذب، هل فعلا يتحقق أن يجذب الشخص لنفسه الأشياء الإيجابية بمجرد التفكير فيها؟ ستجد من سيقول لك إنها فعلا تتحقق، لكن لو يراجع نفسه سيجد إنه انتقائي، يجرب أن يجذب الأشياء لنفسه، وإذا لم يتحقق له الشيء نسي إنه لم يتحقق، وإذا تحقق يتحدث عن قانون الجذب وكأنه حقيقة واقعية ناجحة في كل مرة. وكذلك علم الطاقة، تجد شخص ما يقول لك إنه قادر على علاج الناس، فيتذكر المرات التي شفي فيها الناس وهو يقوم بطقوسه، وينسى جميع المرات التي لم يشفى فيها الناس بعد الطقوس الغريبة. قصص نجاح واهية.

لماذا يرفض معظم الناس وضع العلم كأولوية؟

ببساطة لأن هناك من يشككهم فيه، الناس لا تشك في العلم عمليا، ولكنهم يشكون فيه نظريا أو ذهنيا، إذا أراد شخص أن يقنعك في قانون الجذب، ولم يكن يعمل الجذب بشكل صحيح في الغالبية من المرات تجد إنه يحاول أن يضرب ما هو أقوى منه، فيشكك بالعلم، فحتى العلم لا يعمل كما هو متوقع أن يعمل، العلم متقلب، العلم يتغير باستمرار، العلم يتغير كما يتغير الطقس، إذا كان العلم بهذه الدرجة من التقلب، فإذن ما المانع في أن لا ينجح قانون الجذب، الجذب أحيانا يخطئ، وهو يشابه العلم الذي شوه فكرته قبل قليل.

أو تجد من يريد من أن تؤمن بفكرته، فيقول إن العلم يخطئ، ولكن ما يقوله لك لا يخطئ أبدا، ما يقوله لك ثابت لا يتغير، ولا يتحول، العلم يتغير دائما، لا تثق به، ثق فيما يقوله لك. العلم لا يقدم لك الحقائق، الحقائق تأتي في الأفكار التي يقدمها لك هو، الكون لا يعمل كما كشف لنا العلم، الكون يعمل بالطريقة التي يذكرها لك هو، لا يهمنا إن قام العلم بالتجربة، ولا يهم إن العلماء تحققوا من التجربة بتكرارها، ولا يهم إن العلم يصنع الأشياء بناء على النظريات التي استخرجها، المهم ما يقوله لك هو، صدقه هو، صدق الكلمات، صدق الأصوات التي تخرج من فمه، لا تصدق التطبيق العلمي، صدق الفكرة التي يطرحا، فهي أقوى بكثير من العلم المتغير. صدق القصص التي ينسجها لك، السرد القصصي أقوى من التجارب العلمية، التجارب الشخصية أقوى من النظريات العلمية، حتى لو كانت التجارب العلمية أثبتت عكس القصة المطروحة أو التجربة الشخصية، حتى لو لدى العلم التفسير الأفضل، العلم لا يستطيع أن يثبت ادعاءاته، وإذا لم تصدقه وأفكاره، فأنت غير عقلاني، أو ربما ليس المطلوب منك أن تكون عقلاني، المطلوب منك أن تصدقه هو وفقط ما يقوله هو.

لأولئك الناس لا يهم إن كان العلم يرفع الدول، ويجعلها متقدمة اقتصاديا، ويقدمها حربيا، ويقدمها معنويا، المهم إنك الناس تصدقه هو شفاهة ونظريا.

يأتي لك في الجوانب التي لا يزال يحاول العلم الكشف عنها، العلم يخطئ إلى أن يصل إلى الصواب، يحاول إلى أن ينجح، هنا يأتي لك الذي يريد منك تصديق أفكاره غير المجربة، ونبذ العلم، يأتي إلى حيث يحاول العلم أن يكتشف كيف تعمل الطبيعة، فيقول لك: “أنظر كيف يفشل العلم”، وهو يعلم تماما أنها مسألة وقت، العلم سيصل إلى نتيجة كما وصل إلى نتائج لم يكن يصدقها من قبله من المنفرين للعلم، المكرهين للعلم.

العلم يبدأ بالتتلمذ على يد الطبيعة، فيخطئ، فيكرر التتلمذ، فيخطئ، إلى أن يصل أن يفهم كيف تعلم الطبيعة، ثم يتحول في مجال معين إلى سيدها، ثم يعود ليكون تلميذ الطبيعة في مجال آخر، ثم سيدها، قارن مع المدراس الأخرى معه، المدراس الأخرى لا تتعلم شيء، لا تتلمذ على الطبيعة، بل تحاول أن تتسيد عليه شفهيا وكلاميا، كالذي يحاول أن يصبح مدير شركة، هو لا يعرف إلا معلومات عامة سطحية عنها، لا يعلم كيف تدار الأمور فيها، لم يدخلها بالداخل، لم يكن موظفا فيها، لم يتدرج، ولم يأخذ تدريبا فيها، ماذا يحدث لو أصبح مديرا لها؟ يتخبط، ويفشل مرة تلو الأخرى، ولكنه يمثل دول العارف، يحاول أن يخفي فشلة بالإقناع الشفهي.

صناعة جهاز المحمصة

بدأ الشاب توماس ثويتس بمحاولة صناعة  محمصة الخبز الكهربائية – توستر – من الصفر، ليرى المراحل التي يمر بها، اشترى محمصة بدائية قيمتها 4 دولارات، وأراد أن يهندسها عكسيا، ففككها واكتشف أن حتى هذا الجهاز البسيط جدا يتكون من 400 قطعة مختلفة، وشعر أنه سيقضي حياته كلها لبنائها، بدأ بالبحث عن الحديد، توجه للمنجم وبمساعدة عامل أخذ صخورا فيها شوائب من الحديد، ثم استخلصها (ولسوء حظه اضطر لاستخدام أجهزة متطورة عليما لاستخلاصها، أي لم يستطع استخلاصها بطرق بدائية)، ثم أخذ من مياه المناجم النحاس واستخلصه، وبعد محاولات عديدة للحصول على نفط لصناعة بلاستيك – حيث فشل في أن يقنع شركة نفطية بإعطائه كمية منها – قرر أن يأتي بالبلاستيك بطرق غير تقليدية، قضى 9 أشهر في جمع خمسة مواد من المحمصة فقط، وكلفته 1540 دولارا، وأخيرا صنع محمصته المشوهة.

كل القطع التي تكون المحمصة لم تكن إلا صخورا وسوائل وغازات مكونة من ذرات وإلكترونات، لولا صدق العلم لبقيت كل تلك على حالها، لولا صدق العلم لماذا كان بالإمكان تحويل أشياء عديمة القيمة إلى أشياء لا يمكن الاستغناء عنها، العلم يخاطب الطبيعة، العلم يهمس للطبيعة فيروضها، علينا أن نفهم ذلك، وعلينا أن نصدقه فكريا، وعلينا أن نضعه أمامنا لأنه مكننا من التغلب على مصاعب لا يمكن التغلب عليها بدونه، علينا أن نجعله أولوية فكرية في حياتنا كما جعلناه أولوية واقعية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق