طبعلمقصصمخ

وقصص أخرى عن المخ

إذا سألنا الناس: “هل تؤمنون بالله؟” بعض الناس سيقول: “نعم.”، البعض الآخر سيقول: “لا”، وبعضهم سيقول: “لا أدري”، وهكذا، قد تحصل على إجابات مختلفة، كل شخص لديه قناعة مختلفة، قناعة محددة، الشخص الواحد يعتقد اعتقادا واحدا، وليس مجموعة من الاعتقادات حول نفس النقطة، لن يقول الشخص ذاته “أنا مؤمن وغير مؤمن” في نفس الوقت، أو “أنا لا أدري وأنا أيضا مؤمن” مثلا، لا معنى لأن يتناقض الشخص مع نفسه، أو يكون لدى الشخص نفسه رأيين متناقضين مؤمنا بكلاهما.

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

مقابلتي على بودكاست فنجان

فكرتين متناقضتين في رأس شخص واحد

إذا ما أتينا إلى شخص طبيعي، ستجد إن دماغه يتكون من فصين، وبين الفصين مادة يطلق عليها “الجسم النفثي” (Corpus Cullosum) يربط ما بين الفصين، ويجعل جانبي المخ يتخاطبان مع بعض، لكن هناك البعض من الناس ممن أجروا عمليه جراحية فُصل فيها جانبي المخ عن بعضهما، يطلق على هذه العملية اسم: “قطع الجسم النفثي” (Corpus Callosotomy)، تجرى هذه العمليات لبعض المصابين في الصرع لتخفيف حدته، ويبدو إنها حل أخير لمن لا يستجيب لأنواع مختلفة من العلاجات.

بعد أن تجرى العملية، تحدث بعض الأشياء الغريبة لأولئك المرضى، فمثلا تجد إنهم إذا ما ذهبوا إلى خزانة الثياب ليختاروا ملابس معين، ستجد أحيانا إنه يرفع بيده اليمنى لبس معين، وفي نفس الوقت تذهب يده اليسرى لإرجاع اللبس إلى مكانه، يد تريد وأخرى ترفض، لا ننسى إن اليد اليمنى مرتبطة في الفص الأيسر من المخ، واليد اليسرى بالفص الأيمن، كل فص يريد شيء مختلف، ولا يوجد بينهما رابط يوصل المعلومات حتى يتفق الفصان في الاختيار.

هذا بالنسبة لأفعال الشخص، ولكن هل هذا الشيء ينعكس على شخصية الشخص الذي فصل جانبي مخه، هل للفص الأيمن شخصية تختلف عن شخصية الفص الأيسر، هل كل منهما يفكر بطريقة مختلفة عن الآخر؟ وهنا يختلف الأمر عن مجرد أفعال يقوم بها الشخص، وإن كانت الأفعال تدل نوعا ما علام يفكر به كل فص، لقد أجريت الكثير من التجارب على مثل أولئك المصابين، وقد تبين إن هناك الاختلافات بين الفصين، قبل أن نتحدث عن الاختلافات لابد أن نعرف كيف أجريت التجارب، بحيث استطاع العلماء التحدث إلى كل من فصي المخ، فالإنسان لديه فم واحد به لسان واحد يتكلم بهما.

بحسب عالم الأعصاب البروفيسور فيليانور راماتشاندرن (Vilayanur Subramanian Ramachandran) فإن الجانب الأيسر من الدماغ مسؤول عن الخطاب الذي يتم من خلال المخ، اللغة مركزة في هذا الجانب (ملاحظة، صحيح إن اللغة مركزة في الجانب الأيسر إلا إن المخ في الحالة الطبيعية مترابط، والإشارات تنتقل إلى كل مكان، فالمخ لديه أماكن لوظائف محددة، وفي نفس الوقت تتصل المناطق المختلفة مع بعضها في شبكة كبيرة)، وبهذا يمكن الحصول على إجابة من الفص الأيسر من خلال الكلام عبر اللسان، أو حتى من خلال الإشارة باليد اليمنى، أما بالنسبة للفص الأيمن فإن بالإمكان طلب الإجابة من خلال اليد اليسرى، وبهذا يمكن مخاطبة الجانبين لمعرفة كيف يفكر كل فص على حدة.

أحد أشهر العلماء الذين أقاموا اختبارات على فصي المخ الدكتور مايكل غازانيغا (Michael S. Gazzaniga)، وكان أحد مرضاه روجر سبيري (Roger Sperry)، وضع الدكتور أمام روجر شاشة كمبيوتر، وفي وسط الشاشة نقطة، طلب منه أن يركز عليها، ثم طلب منه أن يذكر ما يراه على يمين أو يسار النقطة، فيظهر له كلمة “سيارة” على يمين النقطة مثلا، وفي هذه الحالة ستلتقط عينه اليمنى الكلمة، وتصل الإشارات إلى فصه الأيسر، وسيقول بلسانه “سيارة”، ثم يظهر له صورة عنقود عنب على الجانب الأيمن، فيقول: “عنب”، ولكن إن أظهر له كلمة على يسار النقطة، والتقطته عينه اليسرى، وذهبت الإشارة إلى الفص الأيمن، لم يعرف ما كانت الكلمة أو الصورة، حيث لا يستطيع أن يذكر ما الذي رءاه شفاهة، بعد ذلك يطلب الدكتور منه أن يغلق عينيه ليكتب ما رآه باستخدام يده اليسرى، وإذا به يرسم صورة لمقلاة، وقد كانت هذه هي الكلمة التي أظهرها له الدكتور على الشاشة في الجانب الأيسر، يبدو إن المخ فعلا يقوم بعلاج المعلومات بغياب تام عن وعي المريض.

ولو أراه صورتين على اليمين واليسار، استطاع أن يتعرف على كلاهما، وسيقول لسانه ما رآه على اليمين وسترسم يده ما رآه على اليسار، فمثلا أراه مطرقة على اليمين ومنشار على اليسار، فاستطاع ذكر المطرقة بلسانه، ورسم المنشار بيده، وإذا ما طلب منه أن يرسم رسمتين لما يرأه على الجانبين باستخدام يديه في نفس الوقت لاستطاع رسمهما في نفس الوقت بلا أي مشاكل، حاول مثلا أن ترسم رسمتين مختلفتين في يديك في نفس الوقت ستجد صعوبة كبيرة.

لاحظ غازانيغا إن المريض لا يعرف سبب رسمه للمنشار، أو بالأحرى، لا يعرف ما الذي التقطه الفص الأيمن، ويقول إن هناك عمليات كثيرة تحدث في المخ خارج نطاق تغطية الوعي، ويعتقد إن العديد من العمليات التي تحدث في المخ تذهب في النهاية إلى الجانب الأيسر من المخ، ليُكوّن المخ نظرية تفسر كل العمليات المختلفة التي حدثت في جوانب المخ، وتكون هذه النظرية هي ما نعتقده عن أنفسنا وعن العالم من حولنا.

وكما ذكرت، يستطيع روجر أن يرسم رسمتين بيديه في نفس الوقت لما تراه كل عين من عينيه، وهذا ما استخدمه الدكتور راماتشاندران في تجربة لمعرفة ما يفكر فيه كل فص من فصي مخ مريض آخر، فقد سأل أحد المصابين بأن يجيب على عدة أسئلة لكل فص، فكانت بعض الأمثلة على ذلك: “هل أنت في جامعة كالتيك؟” وكانت أمام المريض 3 اختيارات يستطيع أن يؤشر عليها، فكانت الإجابة على السؤال من الفص الأيمن بإشارة من اليد اليسرى “نعم”، سؤال آخر: “هل أنت على القمر؟” فأجابت اليد اليسرى بـ “لا.” وهكذا، كانوا يسألون الفصين بنفس السؤال، ويرون كيف يجيب على الأسئلة، وكان من ضمن هذه الأسئلة: “هل تؤمن بالله؟” فأجاب فصه الأيمن “نعم،” وأجاب فصه الأيسر “لا”، كل فص منهما له اعتقاده الخاص، فتساءل الدكتور راماتشاندران، هل سيدخل نصف فص هذا الشخص الجنة والنصف الآخر النار؟

أعتقد إنه من المهم طرح مثل هذه المواضيع الحديثة للتفكير فيها بعمق، لم يعد العالم كما كان يفهمه الناس في القدم، أصبحنا نعرف كيف تتكون الأفكار في المخ بأسلوب ليس له مثيل في تاريخ البشرية، وبسبب هذه الكلمة “ليس له مثيل” لابد أن ننظر لهذه النتائج بنظرة حديثة، نخرج بأفكار جديدة.

الرجل الذي اعتقد خطأ إن زوجته قبعة

إحدى القصص الشهيرة عن المخ كانت عنوانا لكتاب عالم الأعصاب أوليفر ساكس (Oliver Sacks): ” الرجل الذي اعتقد خطأ إن زوجته قبعة وقصص سريرية أخرى” (The Man Who Mistook His Wife for a Hat and Other Clinical Tales)، بداخل هذا الكتاب الذي أنصح بقراءته مجموعة من القصص العجيبة التي أتت من مصابين بأمراض مرتبطة في المخ، حينما تقرأه تجد قصصا غريبة من الغرابة يصعب تصديقها، حينما يقرأها شخص سوي في دماغه سيعتقد إن القصص إما مفبركة أو مبالغ فيها، ولكن مثل هذه القصص أيضا موجودة في كتاب الدكتور راماتشاندران: “الدماغ المفصح: تحقيق عالم أعصاب عن الشيء الذي يجعلنا بشرا” (The Tell-Tale Brain: A Neuroscientist’s Quest for What Makes Us Human)، أنصح أيضا بقراءة هذا الكتاب كذلك، لأنه فيه نظرة عميقة لما يقوم به المخ، ومحاولة لفهم الوعي.

إحدى الحالات الغريبة جدا التي مرت على د. أوليفر ساكس كانت من رجل أسماه دكتور بي، أتى إليه مطالبا إياه بفحص عينيه، حينما سأله ساكس عن مشكلته، أخبره إن الناس تقول إنه به مشكلة بعينيه، أي إن د. بي لم يكن يعتقد إن به مشكلة أبدا، بل اعتقد إنه مجرد يخطئ أحيانا.

ما هي مشكلته كما ظن الناس؟ لم يكن يستطيع التعرف على طلابه في الجامعة، أو كان أحيانا يربت أو يطبطب على مضخة الماء الحمراء التي تستخدم للإطفاء أو على عداد مواقف السيارات أثناء مشيه في الشارع ظنا منه إنهم أطفال، وكان أحيانا يخاطب خشبيات الأثاث وكأنهم بشر، وإن لم يحصل على رد من تلك الجمادات، ذهب إلى الطبيب عام قبل ذهابه إلى د. أوليفر لأنه بدأ يشكو من مرض السكر، ولكن الطبيب أخبره أن عينيه سليمتين، وإن عليه أن يذهب إلى طبيب أعصاب، وكان ذلك الطبيب أوليفر ساسكس.

عندما فحصة أوليفر، لم يجد إن به مشكلة خرف، فلو كان به خرف، لكان ذلك هو السبب في تفاعله مع الجمادات المختلفة، على العكس لقد كان ذكيا، ومتحدثا بطلاقة وبخفة دم، ولكنه لاحظ أوليفر إنه حينما كان يتخاطب معه، كان د. بي لا ينظر إلى إليه مباشرة، وإذا نظر إليه كان يدقق في أنفه، وأحيانا شفتيه، أو أذنه، أو ذقنه، وما أشبه، لم يكن يطلع على الوجه كله.

طلب منه أوليفر أن يخلع حذاءه ليختبر بعض ردود أفعاله حينما يدغدغ باطن قدمه، بعد أن انتهى من الاختبار أراد منه أن يرتدي حذاءه مرة أخرى، وإذا به لا يستطيع القيام بذلك، بل لم يحاول ارتداءه، فكرر عليه أوليفر إن عليه أن يرتدي الحذاء، فبحث عنه د. بي، ولم يجده، ثم نظر إلى رجله،” لقد وجدت حذائي، أليس هذا حذائي؟” سأل أوليفر، اعتقد إن رجله حذاءه، فبين له أوليفر إنه يمسك برجله، أمر غريب، أو ربما كان د. بي يمزح معه.

لاحظ أوليفر إن د. بي كان قادرا على ملاحظة تفاصيل الأشياء مثل أن يرى دبوسا، ولكنه لم يستطع أن يرى الصورة الكلية لأي شيء ينظر إليه، حتى حينما كان يرى صورا في مجلة، كان يصف التفاصيل التي فيها، من غير أن يعرف ماذا تشكل الصورة الكاملة مع بعضها، وأحيانا كان يضيف تفاصيل غير موجودة في الصورة أصلا، ورغم إن د. أوليفر كان ينظر إليه باستغراب كان د. بي يعتقد إنه على حق تماما، وأن لا مشكلة فيه.

بعد أن انتهى د. بي من الفحص، أراد أن يرتدي قبعته، فمد يده وأمسك برأس زوجته وسحبه ظنا منه إنه قبعته. وبدى على زوجته إنها كانت متعودة على هذا النوع التعامل حيث لم تستغرب فعلته.

أكثر ما يميز مرضه هو عدم قدرته على تمييز الوجوه، فكان من الأشياء التي لم يستطع تمييزها هي صورا لأهله أو أصدقائه أو طلابه المعلقة في بيته، ولكنه استطاع تمييز صورة لآينشتاين وصورة لأخيه، وذلك من خلال تمييز تفاصيل فيها مثل الشعر أو الشارب أو الذقن. حتى حينما أهداه أوليفر وردة، تفصحها وكأنه عالم نباتات، لاحظ تفاصيلها الدقيقة، ومع ذلك لم يستطع معرفة الوردة رغم طول تفحصه لها، ثم بعد أن اشتمها استطاع تمييزها. وانطبق نفس هذا الشيء على قفاز قدمه له، حيث لم يعرف تماما ما هو، حتى بعد أن تفحصه تماما، كان يعتقد إنه وعاء لشيء ما، ربما للنقود، ربما بالإمكان الاحتفاظ بخمسة أحجام من العملات المعدنية بداخله.

لم يستطع د. بي ملاحظة الأشياء من على يساره، فإن نظر إلى شيء، عرف ما الموجود على اليمين، ولكنه لم يعرف ما الموجود على اليسار، فطلب د. أوليفر من د. بي أن يتخيل شارعا كان يمر خلاله، ثم يصف المباني التي حوله، فاستطاع وصف المباني على يمينه في مخيلته، ولكنه لم يتمكن من وصف المباني على اليسار، وحينما طلب منه أن يرى نفسه وكأنه يسير من الجهة الأخرى تمكن من وصف المباني على اليمين، التي كان على جهة اليسار في مخيلته الأولى. أمر غريب جدا.

سأل د. أوليفر زوجة د. بي كيف قدر على العيش وهو على هذه الحالة، فذكرت له إنها تعد له ملابسه بترتيب معين، وأكله كذلك، وأموره كلها، فكان يغني وأثناء استمتاعه بالأغاني يقوم بكل أعماله الروتينية، ولكن بمجرد أن يعترض هذا الروتين أي اضطراب ويوقفه عن الغناء يرتبك ويصبح غير قادر على إكمال روتينه.

د. بي كان كالكمبيوتر كما وصفه أوليفر، يرى تفاصيل الأمور، ويصل إلى نتائج عامة من خلالها إن استطاع، كان يبني العالم كما يبنيه الكمبيوتر، ولكنه لا يعرفه ولا يعرف إن لديه مشكلة، وحتى الكمبيوتر لا يعرف إن لديه مشكلة في طريقة نظره للعالم.

الرجل الذي عرف والده من الاتصال فقط

جيسون استلقى على فراشه طوال الوقت، لا يستطيع الحركة، ولا التفاعل مع الناس، ولا حتى معرفة من هم حتى وإن كانت عيناه تلاحقهم حينما كانوا يتحركون حوله، لا يعرف حتى أهله. إن تحدث معه أحد لا يرد، حتى والده الذي كان يتحدث معه لم يجد له ردا، ولكن بمجرد ذهاب والده إلى غرفة أخرى ليتصل به، وإذا بجيسون يرد على الهاتف ويتعرف على والده، ويتحدث معه بطلاقة، استطاع معرفته من صوته، وبمجرد عودة والده إلى الغرفة يعود جيسون إلى سكونه مرة أخرى، لقد كانت عيناه ترى، ولكنه دماغه لم يعي ما ترى، أما أذنه فقد كانت تسمع وكان دماغه يعي ما تسمع.

لقد أصيب دماغه في حادث سيارة، فأصبح بين الوعي واللاوعي بعد ذلك، كان ينام بأسلوب طبيعي، إن أفاق من النوم بدت عليه علامات الوعي الطبيعية وإن كان طريح الفراش باستمرار، وكأنه زومبي، لكنه في المقابل يتفاعل مع والده إن خرج من الغرفة واتصل به فقط، وبمجرد أن يعود إليه في مواجهة بصره يعود جيسون لرقدته على الفراش منقطعا عن الحديث مع أي شخص.

ما حدث له كما يصف د. راماتشاندرن في كتابه “الدماغ المفصح: تحقيق عالم أعصاب عن الشيء الذي يجعلنا بشرا” إن الإصابة أثرت على مسارات الخلايا العصبية البصرية والسمعية، حيث إن المسارات العصبية من العين هي التي تأثرت كثيرا، ولو أصيب المساران لما كان لجيسون المقدرة حتى على الرد هاتفيا، رغم إنه يرى، إلا إن تأثر مسار الخلايا العصبية البصرية قطعت قدرته على إضفاء المعاني على ما يراه، يصفه راماتشاندرن بالشخص المقطع إلى شظايا، بعض أجزائه مدمرة، وبعضها سليمة، النفس ليست وحدة واحدة، إنما قطع منفصلة وإن الوحدة المتكاملة للذات ليست إلا وهما.

كانت هذه ثلاث قصص، وقد ذكرت أخرى، منها في حلقة “من أنا؟” التي اعتمدت على أناس غريبي الأطوار بالنسبة لنا، لديهم مشاكل عقلية بسبب تركيبة الدماغ، أو تلك التي ذكرتها في الحلقة السابقة “4 ÷ 2 = غضب”، كانت أيضا لأشخاص تأثرت ذواتهم بطريقة أو أخرى بسبب تحول في الدماغ، كلها وأخرى لا يمكن إحصاؤها موجودة في كتب متعددة وأبحاث العلمية كثيرة، هذه القصص تبين كيف إن الذات أو الشخصية أو الوعي أو سمها ما شئت مرتبطة تماما بعمل المخ، إن تأثرت قليلا تأثرت الشخصية قليلا، وإن تأثرت كثيرا تأثرت الشخصية كثيرا، لم تعد الشخصية شيئا هلاميا لا يرتبط بالدماغ، إنما أصبح الدماغ هو المحرك الأساسي الذي يكونها لنا، وكذلك فإن الذات ليست كما نظن وحدة واحدة نطلق عليها اصطلاحا جامعا، إنما شظايا تتكون في الدماغ، وتتشكل في النهاية على إنها شيء واحد.

كل ذلك أصبح معلوما لدى العلماء، ولكن إلى الآن لا يعرفون ما هو الوعي بحد ذاته… أمر يؤكدون عليه، الوعي بالألم أو اللون أو المذاق أو ما أشبه شيء لا يعرف أحد ماهيته، ولكن العلماء يعلمون تماما إن الذي يكون هذه المشاعر الداخلية أو الكواليا هو الدماغ، وإن أزلنا أجزاء منه سلبنا معه تلك بعض تلك المشاعر، قطعة بعد قطعة، وجزء بعد جزء، وإن اختلطت الأجزاء أحيانا مع بعضها لاختلاط خلايا المخ مع بعضها في شبكة ضخمة، حتى تلك المشاعر يكونها المخ، ففي بعض الناس الذين بترت أعضاؤهم يشعرون بآلام في أعضائهم الشبحية، آلام من المفروض أن لا تكون موجودة، لأن اليد أو الرجل غير موجودة، وجد العلماء إن مناطق في المخ كانت مسؤولة عنها قبل بترها فأصبح تطلق إشارات موهمة الشخص إن الألم في تلك الأعضاء الخفية.

إذن نحن لسنا إلا صورة تخيلية للمخ، هو الذي يضفي عليها المعاني، وإن لم يكن المخ لما كنا.

بقي هذا الشيء الوحيد الذي ينتظر عالما محنكا يفك شفرته، فمن يا ترى سيكون هذا الشخص الذي يكتشفه؟

سؤال وليد الشبلي

سؤال من وليد الشبلي، كما ذكرت، أي شخص يشارك بقيمة 35$ يمكنه أن يسأل سؤالا، وسأجيب عليه بإسهاب. يذكر: “السؤال الأساسي او المحوري هو لماذا لم يستطع العلماء حتى الان إيجاد شيء مشترك بين كل اشكال فايروس الأنفلونزا للتركيز عليه وتدريب الجهاز المناعي لمكافحته بناء على هذا الشيء المشترك رغم تطور العلم، ام انهم فعلاً يعملون على ذلك؟ باختصار هل يعقل انه لا يوجد شيء مشترك بين اشكال الفايروسات حتى يتم العمل عليه حتى الان؟”

قبل الإجابة على هذا السؤال لنتحدث عن كيفية عمل الفيروس بحيث يصيب الأحياء بالمرض، في الغالب الفيروس لا يعتبر حياة، والسبب يعود لتعريفها، فمن الشروط التي تجعل الشيء حيا قدرتها على تكرار نفسها بنفسها، الفيروس لا يكرر نفسه، بل يذهب إلى الخلايا البشرية، وإن استطاع أن يغزوها استخدم قدرة الخلية على تكرار الدي إن إي، فتنج أعدادا كبيرة منه بداخلها، ثم تنفجر وتنطلق الفيروسات الجديدة، ليقوم كل منها بمهاجمة الخلايا الأخرى، فترتفع حرارة الجسد، ويتقيأ الشخص أو يصاب بصداع أو ما أشبه من أنواع مختلفة من الأعراض، في تلك الأثناء يقوم الجسم على تدمير الفيروس، وإن تمكن منه شفس الشخص، وبهذا يتذكر الجسم شكل الفيروس حتى إذا ما رأه في المرة القادمة ينقض عليه مباشرة ويقضي عليه قبل دخوله إلى الخلية.

بعض أنواع الفيروسات مثل الإيبولا تضرب النظام المناعي مباشرة، فيحولها إلى خلايا منتجة لفيروسات الإيبولا بدلا من انتاج الدفاعات لمقاومتها، ويعطل كل أنواع المقاومات الموجودة في الجسم، فيموت المصاب.

من المهم أن أذكر في هذا الصدد، إن بعض علماء التطور يعتقدون إن الفيروسات رغم ضررها، إلا إنها ساهمت في تطور الكائنات الحية، فبعض أجزاء الدي إن إي يرجع لها، وبسبب التغيرات التي أدخلتها في خلايا الكائنات الحية تطورت. بالإضافة لذلك فإن الفيروسات المعدلة تستخدم اليوم لعلاج بعض أنواع الأمراض، بما إنها تعرف كيف تدخل إلى داخل الخلية وتدخل معها دي إن إي جديد، بإمكانها التعديل على انتاج بعض أنواع البروتينات لتصحيح الأمراض مثل السرطان.

بعض أنواع التطعيمات والتي هي عبارة عن فيروسات معطلة تعطي الجسم شكل الفيروس فتتعلم كيف تقاومه، حتى إذا ما رأته مرة أخرى تستطيع أن تقاومه بمجرد دخوله إليه.

لماذا لا نستطيع أن تطور دواء يقتلها كلها؟ الفيروسات ليست كالبكتيريا، فالغشاء المحيط بالبكتيريا يمكن كسره بالمضاء وتعطيله كمثال لإحدى طرق التخلص منها، ولكن بالنسبة للفيروس فإن الغلاف الذي يحيط بالدي إن إي يشابه إلى حد ما غشاء الخلايا الموجودة في الجسد، أي شيء يقتلها يقتل الخلية أيضا، خصوصا إذا دخل إلى داخل الخلية، وكذلك فإن الفيروس يتغير بسرعة أكبر من قدرة الأدوية على ملاحقته، فمثلا فيروس HIV يتغير في أشهر، لذا يصعب صنع دواء يقضي عليه اعتمادا على نظامه السابق.

البكتيريات تعتبر خلايا كاملة لديها كل مقومات البناء، فلديها الخريطة والأدوات التي تحتاجها، المضادات الحيوية تضرب هذه الأبنية والأدوات التي تستخدمها للتكرار، الفيروسات أصغر بكثير (تخيل إنك لا تستطيع أن ترى البكتيريا بالعين المجردة، لو كانت البكتيريا تحاول النظر إلى الفيروسات، لما استطاعت أن تراه بالعين المجردة التخيلية)، الفيروسات لا تمتلك أدوات البناء، بل تعتمد على أدوات الخلايا الحية لانتاج خرائطها والغشاء الذي يحيط بها، ولذلك لا توجد آلية تقتل البكتيريا بإمكانها قتل الفيروسات بنفس الطريقة، كل ما يتوفر للطب حاليا هو استجداء قدرة الجسم على التخلص منها.

مع ذلك يعمل العلماء حاليا على تطوير إمكانية لتدمير أنواع متعددة من الفيروسات، فمثلا جامعة MIT استطاعت أن تنتج دواء يقضي على 15 نوع من الفيروسات في الخلايا بداخل المختبر، يعتمد هذا الدواء على قتل الخلية التي دخل إليها الفيروس، والإبقاء على الخلايا الأخرى السلمية، لا ندري متى سترى مثل هذه الأدوية النور، ولكن العمل جاد عليه.

إذن، ليست المسألة فقط في معرفة شيء مشترك في الفيروس لقتله، مشكلة الفيروس إنه من البساطة إنه يموه عن نفسه في الخلية، ويعرضها للمشاكل فيما لو حاول العلم القضاء عليها، ولذلك العلماء يمرنون الجسم على كل نوع حتى تتمرن عليه على حدة.

ضع في عين الاعتبار إن هذه الإجابة ناقصة جدا، موضوع الفيروسات شائك جدا، ويحتاج إلى حلقات متعددة لشرح الإجابة الكاملة على سؤالك.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق