فلككونيات

المركبة إنسايت InSight على المريخ

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

لقد هبطت المركبة إنسايت على المريخ، وصفق العاملون بناسا بحماس. ثم وزع الفول السوداني على العاملين، كعادة تجرى حينما تنجح مهمة.

لكن النجاح لم يكن ليحدث من غير توقعات كثيرة بالفشل، دعونا من إطلاق الصاروخ الذي حمل المركبة وانطلق من الأرض. فهناك أمور كثيرة حدثت بعد أن وصلت المركبة إلى المريخ، وبعد أن بدأت بالنزول في أجواء المريخ إلى أن هبطت على السطح، كل مرحلة من المراحل يطلق عليها Entry, Descent and Landing (EDL)، أو الدخول، النزول والهبوط، مراحل مكونة من مراحل مصغرة خطيرة جدا، وفي كل مرحلة كانت هناك إشارات تطلقها المركبة لإبلاغ ناسا إنها اجتازتها بسلام، كلها كانت تضع العاملين في ناسا في حالة القلق الشديد، ورغم الترقب والقلق نجحت المهمة في النهاية، ونزلت المركبة بسلام، وكانت جميع الأجهزة سليمة.

بعد أن هبطت المركبة إنسايت على السطح بتاريح 26 نوفمبر 2018 التقطت صورة للأرض باستخدام كاميرا في الأسفل، التقطت الصورة ولم يزل الغلاف الشفاف يغطي عدسة الكاميرا، كانت الصورة منقطة بسبب الغبار المتطاير عليها من أثر النزول بالدفاعات. بعد ذلك التقطت صورة أخرى لجزء من جسمها باستخدام كاميرا أخرى، كانت الصورة هذه واضحة حمراء اللون كما هي العادة في صور المريخ. بعد ذلك صورت صورا مختلفة لجهاز قياس الاهتزازات الأرضية، أثناء نقله من سطح المركبة إلى الأرض. سنأتي للأدوات الموجودة على الجهاز التي ستستخدمها ناسا للقياس.

صورة التقطتها ناسا مباشرة بعد أن هبطت المركبة، الصورة غير واضحة لأن الغطاء لم يزال من العدسة بعد.
صورة متحركة لإنزال المركبة إنسايت جهاز قياس الاهتزازات على السطح، حملته من على سطحها وإنزلتها على المريخ باستخدام ذراع روبوتيه.

المركبة إنسايت تصور نفسها سلفي على المريخ.

كذلك قامت ناسا بتسجيل صوت المريخ، الصوت كان منخفض التردد إلى درجة إنك لا تستطيع الاستماع له من خلال سماعة الهاتف، وربما حتى السماعات العادية، ولكن لو كان لديك “ساب وفر (Subwoofer)” مناسب (وهي سماعات تصدر أصواتا منخفضة التردد) ستسمع الصوت كما هو تماما على المريخ، قامت ناسا بالتعديل على الصوت بحيث يمكن سماعه على الهواتف، حيث قامت برفع التردد قليلا، وهذا هو الهواء وهو يمر على المركبة.
استمع لصوت المريخ من الثانية 00:57.

صوت موحش، يدل على الوحدة التامة لمركبة إنسايت على سطح كوكب قاحل بعيد، رغم إن المركبة كيريوستي تبعد عنها حوالي 600 كيلومتر. وتأتي بعدها المركبة سبيريت، لقد أصبح المريخ قبرا للمراكب والمهمات العلمية.

انطلق إنسايت بتاريخ ٥ مايو 2018 بعد عدة تأخيرات، سبحت في الفضاء، وصلت إلى المريخ بتاريخ 26 نوفمبر أي 6 أشهر 21 يوما، ثم بدأت رحلتها بالنزول. ما لا يعرفه الكثير ممن يتابع أخبار إنسايت هو إن المركبة لم ترسل لوحدها، إنما أرسل معها قمرين صناعيين مكعبين من الحجم الصغير، إطلق عليهما اسم ماركو (MarCO) إي وبي A and B، عبرت ناسا عن القمري بإسم والي وإيف Wall-E and Eve، من الفيلم الرسوم المتحركة “والي” الربوبت.

كان هدفهما إرسال الإشارات من المركبة إلى الأرض، لأن الموقع الذي ستنزل عليه المركبة محجوب عن الأرض أثناء النزول، سترسل المركبة كيوريوستي معلومات أثناء نزولها إلى القمرين ماركو، وتقوم هي بمعالجة المعلومات ثم ارسالها إلى الأرض، وبما إن الأرض تدور حول نفسها، ستحجب الولايات المتحدة الأمريكية من الإشارة المرسلة، وستلتقط مدريد بإسبانيا الإشارات، ثم ترسلها إلى ناسا.

بعد ذلك سيمر القمران الصناعيان اللذان حجمها بحجم حقيبة عمل على المريخ وتغادرانه ولن تدوران حوله، ليس لوجودهما أي تأثير على نجاح مهمة إنسايت، ولكنها مناسبة لإرسال المعلومات الأولية للهبوط. وستكون هذه هي المرة الأولى التي ترسل فيها أي وكالة فضاء قمر صناعي مكعب صغير بعيدا عن الأرض، ففي العادة تكون الأقمار المرسلة بأحجام كبيرة بالمقارنة.

مهمة القمرين الصناعيين ماركو إي وبي هو التغطية البث الأول عند هبوط المركبة إنسايت، ثم بعد ذلك سيسبح القمرين في الفضاء.

واجهت المركبة إنسايت مخاطر كثيرة أثناء الهبوط، فكما في حالة هبوط المركبة كيوريوستي سابقا كانت الإشارات التي ترسلها متأخرة بقدرة 6.5 دقائق، إي إن كل ما تعرفه ناسا عن المركبة متأخر بهذا القدر، وذلك لأن الحد الأقصى لسرعة الضوء أو الإشارات الكهرومغناطيسية اللاسلكية هي 300,000 كيلومتر في الثانية، وبما إن المسافة بيينا وبين المريخ في ذلك الوقت هي ملايين الكيلومترات، فذلك يعني إن الإشارات ستتأخر حتى تصل إلى الأرض، وهذا أيضا يعني لو إنه حدث وإن أي خلل أصاب المركبة أثناء المراحل، فلن نعرف عن الخلل إلا بعد 6.5 دقائق، ولذلك لابد أن تعتمد المركبة على نفسها في النزول على السطح.

لقد كانت هذه هي المرة الثامنة التي تنجح فيها ناسا في إنزال مركبتها على سطح المريخ، وذلك من بين 18 مرة (أخذت هذا الرقم من أحد المسؤلين في ناسا أثناء البث المباشر على يوتيوب، ولكن بعد البحث عن دقة المعلومة اكتشفت إنه الرقم هذا قد لا يكون دقيقا، ولكني لم أعرف الإجابة الصحيحة، فمن كثر المراكب المرسلة للمريخ لم أستطع معرفة الأعداد الصحيحة).

هدف المهمة

لقد أرسلت ناسا عدة مراكب قبل إنسايت، وكانت لكل واحدة منها أهدافا محددة، فمثلا المركبتين أوبرتيونيتي Opportunity وسبيريت Spirit للبحث عن الماء في مناطق محددة، وكذلك كيريوسيتي بحثت عن وجود مواد عضوية، الثلاث مراكب كانت متحركة، ولكن إنسايت تختلف في إنها ثابتة، ستبقى في مكانها الذي هبطت عليه، وستكون مهمتها فهم ما بداخل المريخ بدلا مما هو موجود على السطح.

لذلك كان اسمها إنسايت (Insight) اختصارا لجملة: “Interior Exploration using Seismic Investigations, Geodesy and Heat Transport” بمعنى إن المركبة ستسكتشكف ما بداخل المريخ باستخدام التحقيق الزلزالي ونقل الحرارة وكذلك معرفة جيودسيا المريخ (أو تمايل المريخ)، الاسم يوضح الثلاث طرق لتحقيق الهدف، أولا عن طريق قياس الزلازل أو الذبذبات المريخية، ثانيا من خلال الحرارة، وثالثا من خلال ميلان الكوكب الأحمر حول محوره. من خلال هذه القياسات سيعرف العلماء قشرة ووشاح وصلب المريخ، وهذا سيطلعهم على كيفية تكون المريخ نفسه قبل 4.5 مليار سنة في الماضي، وربما يلقي الضوء على كواكب صخرية أخرى في المجموعة الشمسية.

ما هي الاجهزة التي تقوم بهذه العمليات؟ لقد وضعت ناسا على سطح المركبة إنسايت جهازين، الأول جهاز قياس الاهتزازات، والآخر جهاز قياس الحرارة، بمجرد أن تبدأ المهمة، ستأخذ ذراع روبوتية هذه الأجهزة من على سطح المركبة لتضعها على سطح المريخ، وهناك جهاز ثالث لقياس تمايل المريخ، سيبقى على المركبة نفسها لأخذ القياسات.

جهاز قياس الاهتزازات: على سطح المركبة كان هناك جهاز يقيس الاهتزازات التي تتكون على سطح المريخ، كما ذكرت إن المركبة صورت نفسها وهي تنزل الجهاز على الأرض. ولكن لم تبدأ ناسا باستخدامه للقياسات بعد، يعمل الجهاز على قراءة الاهتزازات كما تقوم بذلك أجهزة قياس الزلازل على الأرض، حينما يشغل سيتمكن الجهاز من قياس ذبذبات بقدر حجم ذرة الهيدروجين (واو!)، وسيتمكن من معرفة ما إذا سقط على الكوكب نيزك، أو حتى إنه سيتمكن من التقاط الذبذبات المريخية المتأثرة بالعواصف الغبارية (واو مرة أخرى). ولكن الهدف الأساسي بالطبع هو قياس ذبذبات المريخ ذاته.

كيف سيعرف العلماء المكونات الداخلية للمريخ باستخدام الاهتزازات؟ ستتضح الصورة بهذا المثال البسيط، حينما يمر ضوء خلال الزجاج بعد أن كان في الهواء ينكسر، الضوء يتأثر في الحيز الذي يمر خلاله، كذلك موجة الزلزال، حينما تمر في مواد مختلفة بداخل المريخ ستتغير اهتزازاتها أو تردد ذبذباتها، وبذلك بإمكان العلماء معرفة ما بداخل المريخ من مكونات مختلفة.

جهاز قياس الحرارة: جهاز اسمه إيتش بي 3 HP3، ستقوم المركبة بغرسه في الأرض على امتداد 5 أمتار تحت السطح، وستكون هذه أول مرة يدخل العلماء بهذا العمق في سطح المريخ، وسيحتوي العمود الطويل على أعداد كبيرة من الثيرمومترات لقياس الحرارة على طوله كله، بهذا يعرف العلماء فروقات درجات الحرارة على الارتفاعات المختلفة على طول العمود، ومنه يمكن معرفة الحرارة التي تتسرب في أعماق المريخ، ومن معلومات الحرارة سيعرف العلماء إن كان ما بداخل المريخ يشابه ما بداخل الأرض من صلب منصهر، وكم هو نشاط الصلب حاليا.

جهاز قياس التمايل: يطلق على هذا الجهاز اسم رايز (RISE)، وهو عبارة هوائيات على شكل بوق، وضعتا على سطح المركبة، كل منهما موجه إلى جهة مخالفة للأخرى، هدفها تحديد مكان المركبة بدقة كبيرة جدا تصل إلى بضعة سنتيمترات، لماذا يريد العلماء معرفة مكان المركبة؟ لأنهم بمعرفة مكان المركبة يعرفون مكان المريخ، ليس الكوكب ككل بالنسبة للأرض، إنما تمايل الكوكب.

سترسل ناسا إشارة إلى إنسايت، وستنعكس الإشارة من الهوائي البوق، ثم تعود إلى الأرض، فتلتقطها الهوائيات على الأرض، ومن خلال تأثير دوبلر بإمكانها معرفة ما إذا كان المريخ يميل إلى ذهابا وإيابا. تأثير دوبلر أنت تعرفه، حينما تستمع إلى سيارة اسعاف قادمة ناحيتك، سيكون صوتها حادا، وإذا ما كانت مبتعدة عنك سيكون صوتا منخفض الحدة. هكذا بالنسة لجهاز القياس رايز.

لماذا يريد العلماء معرفة ميلان المريخ؟ الأرض تميل بدورة كاملة كل 18 سنة، المريخ يميل أيضا بدورة كاملة كل سنة مريخية، القمر يثبت الأرض من الميلان الكثير، بينما المريخ يتأرجح كثيرا، مما يجعله يميل إلى درجة إن الأقطاب تواجه الشمس، فبذلك يتبخر الماء، طبعا هذا الشيء يحدث على مر ملايين السنين، وليس في السنة مرة. لكن دراسة التمايل ليست لمعرفة تبخر الماء من السطح، ولكن من معرفة زاوية التأرجح يمكن للعلماء معرفة ما بداخل صلب المريخ من مواد مصهورة ومواد جامدة، جرب أن تمسك ببيضة مسلوقة وأخرى نية، أدر كلاهما، ستلاحظ فرقا في دوران كل واحدة منهما. وعلى نفس المبدأ سيعرف العلماء مدى صلابة لب المريخ.

إيلون ماسك والمريخ

كانت هناك مقابلة جميلة مع إيلون ماسك عن نسبة احتمال ذهابه إلى المريخ، سأله المقدم: ما احتمال ذهابه إلى المريخ خلال السنوات القادمة، فأجاب احتمال ذهابه إليه وبقائه عليه هو 70٪، ويعتقد إنه يحتمل أن يموت هناك بسبب عدم وجود مقومات الحياة.

أنا شخصيا لا أشك في إمكانية إرسال البشر إلى المريخ خلال العشر سنوات القادمة، ولكني أشك إن إيلون ماسك سيذهب إليه خلال تلك الفترة، وقد ذكرت في مقابلة على تلفزيون العربية إن عمر إيلون ماسك اليوم 47 عاما، بعد عشر سنوات سيكون عمره 57 عاما. وفي العادة حينما نختار شخص للذهاب إلى الفضاء يكون هذا الشخص ببنية قوية وصحة عالية وقد أجريت عليه تجارب للتأكد من قدرته على التحمل. هل سيكون إيلون بعمر 57 قادرا على ذلك؟ هذا بالطبع لا يمنع من ذهاب غيره إلى المريخ.

إيلون ماسك مصدر إلهام كبير للبشر، في كل مرة يعلن عن نيته لبناء شيء توجهت أنظار العالم إليه، نحتاج إلى رجل مثله، فهو إلى جانب تأثيره الإلهامي الهائل يصنع الأشياء التي يحلم بها هو والناس.

كلي أماني أن تتحقق رؤية إيلون ماسك، سواء أذهب هو، وهذه الأمنية الأكبر، أو ذهب غيره، المهم أن يذهب شخص ما إلى المريخ، ونستمع لصوته وهو يصف ما يراه وما يستشعره، ويا حبذا لو يكون هذا الشخص كاتبا أو شاعرا أو ملما بمحيط من الكلمات المؤثرة ليصف شعوره بتفصيل دقيق وجميل، حتى يفتح بابا جديدا من الأحلام.

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق