رياضيات

عالم صغير

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

كنت أتجول مع الأصدقاء من مؤسسة دبي للمستقبل في أروقة القمة العالمية للحكومات، رأيت رجل يتحدث متوجها الكاميرا عن موضوع لم أكن مركزا عليه، بعد أن انتهى من الحديث عرفني عليه المرافق له، وأخبرني بأنه البروفيسور ستروغاتز (Steven Strogatz)، لم أسمع به من قبل، فتحدثنا معا، وسألته ما الذي أتى به هنا، فتحدث مع عن محاضرته التي ألقاها في إحدى القاعات، فذكر لي موضوع أطلق عليه اسم: “عالم صغير”، موضوع رياضي بحت، فطلبت منه أن يشرح لي الفكرة، فذكر لي مثالا حيرني جدا: “تخيل أنك تريد القضاء على انتشار مرض معدي، ولا يوجد لديك عدد كاف من أبر التطعيم، وتريد أن تضمن عدم انتشار المرض في أكبر عدد من الناس، ماذا تفعل؟” فأكمل وقال: “اختر شخص عشوائيا، ثم اطلب منه أن يخبرك من صديقه، ثم طعم صديقه!”

وضعت يدي على لحيتي مصدوما بما قاله لي: “فرددت عليه، ما هذا الكلام الفارغ؟ غير منطقي نهائيا، هل تعني أنك لا تحقن من اخترت، إنما تحقن صديقه؟ أم قصدت إنك تحقنه هو وصديقه؟” فرد علي: “تحقن فقط صديقه”. بصراحة لم أفهم الفكرة نهائيا، حاول شرحها لي، وفي وسط ضبابية ذهولي من الإجابة لم أستطع فهم الموضوع، ولذلك أردت أن أتحقق أكثر من صدق ما قاله لي من خلال آراء العلماء الآخرين في نظريته.

البروفيسور ستورغاتس عالم في الرياضيات، وكانت فكرته- الذي عمل مع طالبه دانكن واتز (Dunkan Watts) عليها في عام 1998- تعتمد على ورقة علمية نشراها في مجلة نيتشر، وهي بعنوان: “الديناميكية الجمعية لشبكة العالم الصغير (Collective Dynamics of ‘small-world’ networks).” نحن نعرف الآن وبعد ذلك هذا الشيء مرارا وتكرار على السايوير بودكاست إن مجلة نيتشر قوية جدا، ورقة ستروغاتس وواتس نشرت في مكان لا يقبل نشر أي موضوع، وضعت علامة صح في ذهني على مكان نشر الورقة العلمية، ثم بعد ذلك سألته سؤال غالبا ما يعرفه الذين الدكاترة الذين ينشرون الأوراق العلمية: “ما هو عدد الأوراق العلمية التي اعتبرت ورقتك مصدرا لها (اقتبست منها)؟” فقال لي إنها 38 ألف ورقة علمية، فسقط الفك السفلي لفمي بسكسوكتي على كفي مرة أخرى، وسال لعابي، 38,000 اقتباس رقم مذهل جدا في عالم الأوراق العلمية، مثل أن تقول إن لديك مليون متابع على تويتر أو فيس بوك، وضعت علام صح كبيرة على معلوماته. الآن أنا جاهز لتلقي الفكرة أكثر. فبقيت متحدثا مع ستروغاتس لفترة طويلة، ومع ذلك لم أفهم الفكرة تماما.

غادرت المكان بعد أن أنهينا حديث طويل وممتع، وبعد خطوات قليلة، تعرفت على طالب الدكتوراة عبد الرحمن العتيبي الذي كان يدرس بجامعة إم آي تي (MIT)، وحدثته عن ستروغاتس، وإذا به يعرفه تماما، خصوصا إنه كان يبحث في موضوع يعتمد على فكرة ستروغاتز، فطلبت منه أن نجلس مع بعض لكي يشرح لي الفكرة، هذه المرة لن يكون مجرد حديث، إنما سنستخدم الورقة والقلم للوصول إلى فهم واضح. وبعد أن جلست معه في لوبي الفندق الذي نزلت فيه، وبعد رسم شبكة الأصدقاء على ورقة، اتضحت الفكرة تماما.

تواصلت بعد القمة مع الدكتور ستروغاتس حتى يقترح علي كتابا يستطيع أن يعطي أمثلة أكثر عن العالم الصغير، بحيث تتبين مدى قوة النظرية. فاقترح علي قراءة كتاب: “رابطة: عوالم صغيرة ونظرية الشبكات الرائدة (Nexus: Small Worlds and the Groundbreaking Theory of Networks)” للكاتب مارك بوكانون (Mark Buchanan). كتاب رائع أنصح بقراءته، وفي نفس الوقت، علي أن أذكر كتاب جديد نشر بتاريخ 2 أبريل 2019 ألفه ستروغاتس، وهو بعنوان: “العالم اللانهائي (Infinite Universe)” يبين فيه ستروغاتس أهمية مادة الكالكيولاس (Calculus)، مادة رياضية يأخذها طلاب العلوم في السنوات الأولى، يعتقد ستروغاتس إن الكالكيولاس لغة الكون. ستعرف ماذا تعني المعادلات الجافة المملة المعزولة عن الواقع التي يدرسها الطلاب في الجامعات، لعل هذه الكتاب يخفف معاناة التعامل معها.

6 درجات من التباعد

لا أشك في إنك سمعت عن التجربة المذهلة لستانلي ميلغرام (ستانلي لديه العديد من التجارب الرائعة)، أراد أن يعرف المسافة بين أي شخص وأي شخص آخر في العالم، أي لو إنني أردت أن أوصل رسالة للرئيس الأمريكي، وأعطيتها لشخص لكي يعطيها لآخر، ثم لآخر، إلى أن تصل إليه، فكم شخص بيني وبينه؟ بحسب تجربة ستانلي مليغرام، بيني وبين أي شخص في العالم بغض النظر عن مستواه هو ستة أشخاص أو أقل. أي أنا أعرف شخص يعرف شخص يعرف شخص يعرف شخص يعرف شخص يعرف شخص يعرف الرئيس الأمريكي، وهذا كحد أقصى. وقد لا أحتاج لجميع الستة، فمن الممكن أن أعرف شخص يعرف شخص يعرف شخص يعرف الرئيس الأمريكي.

قد تعرف المثال الذي سأذكره الآن، وإن كان يعتمد على الفساد أو الواسطة، كم مرة احتجت لتمرير موضوع معين قد لا يمر لو ذهبت من غير واسطة ولم تجد تلك الواسطة التي تسهل لك الموضوع؟ في ظني إن الغالبية العظمى من الناس لديها واسطة لأي أمر تريد التوسط فيه، لماذا لأننا جميعا لا نبعد أكثر من 6 درجات من التباعد. البشر كلهم والذين يصل عددهم إلى 7 مليار شخص، كلهم مرتبطون بهذه المسافة الصغيرة. عجيب!

كما ذكرت، قد تعرف تماما هذه الفكرة، سواء من المعلومة العلمية، أو من الخلال الفيلم الذي يحمل نفس الاسم، أو حتى ربما اشتهار تجربة أخرى أطلق عليها اسم: “ستة درجات من كيفن بيكن (Kevin Bacon)”، وهي تجربة أقيمت على قاعدة بيانات اشتقت من ويكيبيديا حول الأفلام، الفكرة هي أن تقترح اسم لأي ممثل وسيقوم برنامج كمبيوتر بمحاولة ربط الممثل الذي اخترته بكفين بيكن من خلال ممثلين آخرين، فمثلا جربت اسم الممثل أرنولد شوازينيغر (Arnold Schwarzenegger)، ووجدت إن درجة التباعد هي 2 بيكن (طبعا استخدم اسم الممثل ليكون وحدة التباعد)، حيث مثل آرنولد في فيلم Escape Plan، وكان فيه الممثل Faran Tahir، وFaran Tahir مثل في فيلم Perfect Picture الذي مثل فيه كفين بيكن، وكذلك جربت اسم بعيد لممثل بوليود جربت اسم “شاه روخ خان” فوجد درجة التباعد 3 بيكن، شاه روخ خان مثل في فيلم Tubelight مع Om Puri التي مثلت في فيلم Charlie Wilson’s War مع توم هانكس (Tom Hanks) الذي مثل فيلم أبولو 13 مع كفين بيكن، تستطيع أن تجرب بنفسك على الموقع The Oracle of Bacon. وستجد صعوبة كبيرة في البحث عن ممثل يبعد أكثر من 4 بيكن عن كفين.

الآن نتساءل نفس السؤال الذي سأله واتز وستروغاتس، ما هو السبب يجعل درجة التباعد بسيطة جدا بين 7 مليار شخص؟ بإجابة هذا السؤال كشف ستروغاتس وطالبه في تلك الأيام علم استخدام في جميع أنواع العلوم الأخرى من بيولوجيا وفيزياء وكيمياء وإيكولوجيا وعلم الكمبيوتر والهندسة الكهربائية وغيرها، كلها تعتمد على شبكة عالم صغير، وتحديدا ستجد أشياء مثل شبكات الكمبيوتر، وصفحات الإنترنت، وعلاقات الناس ببعضها، وشبكات الكهرباء، والمطارات ورحلات الطيران، وخلايا المخ وترابطها، والسلسلة الغذائية بين الحيوانات، وغيرها كلها تعتمد على هذه الفكرة، فكرة بسيطة جعلت ورقة ستروغاتز واحدة من أهم الأوراق العلمية التي استقى منها العلماء الآخرين.

حتى أشرح الفكرة، لابد من أعطي مقدمة بسيطة لفكرة الغراف (Graph) أو رسم بياني، من المتعارف إن الاصطلاح رسم بياني يرتبط برسم محاور س وص مع احداثيات ونقاط ومنحنيات، في لغة الرياضيات للاصطلاح معنى آخر بالإضافة للمتعارف عليه، فكلمة Graph Theory أو نظرية المخططات أو نظرية البيان تعني شيء آخر، فالبيان هو رسم لشبكة تحتوي على نقاط أو دوائر وبينها خطوط. النقاط يطلق عليها اسم نودز (Nodes) أو عُقد، والخطوط يطلق عليها اسم إيجز (Edges) أو أضلاع.

الآن لنتخيل بيان عشوائي، ارسم نقاطا أو عقدا كثيرة على ورقة، ثم أوصل بينها بخطوط أو أضلاع، ستتكون لديك شبكة، تتصل النقاط مع بعضها بخطوط مختلفة، قد تستطيع الوصول من نقطة على طرف الورقة إلى نقطة أخرى في طرف آخر من الورقة عبر السير من نقطة إلى أخرى باستخدام الخطوط المتصلة بها، ستعبر من إلى نقطة أخرى، ثم إلى أخرى، ثم إلى النقطة النهائية. لو أردنا أن نربط فكرة هذه الشبكة مع العلاقات بين الناس، لقلنا إن النقاط أو العقد هم البشر، الخطوط أو الأضلاع تمثل العلاقات التي تربطهم، أو بإمكاننا أن نقول إن النقاط هي محطات توليد الكهرباء، والخطوط هي الأسلاك الكهربائية التي توصل بينهم، وبإمكاننا أيضا أن نمثل النقاط على إنها مطارات، والخطوط على إنها خط سير الطائرات من مطار إلى آخر، وبإمكاننا أن نمثل الشبكة بالإيكولوجيا بأن نقول إن الحيوانات هي النقاط، والخطوط بينها تمثل ما إذا كان الحيوان يأكل الآخر، وهكذا.

الآن، هل الروابط أو الخطوط عشوائية بين الناس أو شبكات الكهرباء أو المطارات أو الحيوانات؟ بالطبع لا، الروابط متميزة بتركيبتها التي تجعلها مفيدة واقتصادية. وهذا ما اكتشفاه ستروغاتس وواتس بعد محاولات كثيرة لرسم بيان يبين هذا التميز، واتضح بعد البحث إن هذه الروابط التي اكتشفاها متميزة فعلا، وإنها تمثل ترابط العديد من الأشياء في الطبيعة.

دعني أشرح الشكل جاء به واتس وستروغاتز، أريد منك تخيله، ارسم نقاطا (لنقل مثل 50 أو 100 أو 1000 نقطة، لا يهم) بحيث تُكوّن دائرة، ارسم بينها خطوطا تربط كل نقطة مع التي جنبها، الآن لدينا دائرة تشابه العقد أو المسباح. تخيل إن كل نقطة من هذه النقاط تعبر عن شخص واحد، وأنت منهم، أنت ترتبط مع شخصين على جانبيك، والشخص الذي بجانبك يرتبط معك ومع شخص آخر على الجانب الآخر، وهكذا إلى أن تكتمل الدائرة لتعود إليك مرة أخرى، طبعا أنت في الواقع لديك أصدقاء أكثر وقد ترتبط بأصدقاء أصدقاءك، نستطيع تمثيل ذلك بخطوط تخرج منك وترتبط بصديق صديقك من اليمين وصديق صديقك من اليسار، ونستطيع أن نقوم بنفس هذا الشيء لجميع النقاط أو الأصدقاء في السلسلة.

هكذا هي الصداقات تقريبا، أنت مرتبط بمجموعة من الناس، والناس ترتبط بك وبمجموعة من الناس منهم من هم من أصدقائك، ومنهم من لا تعرفهم، وهكذا، لدينا شبكة من الناس مترابطة مع بعض، ولكن هذه الشبكة فيها مشكلة، وهي إنها ليست حقيقية، تخيل لو إن عدد النقاط 1000، وربطناها كما ذكرت سابقا، وأردنا أن ننتقل من نقطة على الدائرة، إلى نقطة مقابلة لها على الطرف الآخر من محيطها، لاحتجنا للانتقال من شخص إلى شخص إلى شخص حتى نصل هناك، ولكن وهذا يعني إنك ستصل إلى الطرف البعيد بعد المرور خلال عدة أصدقاء، في حالة الألف صديق، حتى لو كان كل شخص مرتبط بصديقين لاحتجت لحوالي 250 شخص للوصول. كيف إذن يرتبط العالم المكون من 7 مليار شخص بفقط 6 درجات من التباعد؟

هذا ما كشف عنه بحث العالم الصغير، فمجرد أن توصل النقاط على أطراف الدائرة مرورا بداخل الدائرة إلى محيطها بعدد بسيط من الخطوط فجأة تنخفض عدد درجات التباعد إلى أدنى الحدود. وهذا هو سر العديد والعديد من الشبكات سواء أكانت طبيعية أو صناعية. سر بسيط يكسر القواعد كلها. وبحسب ستروغاتس وواتس لو ربطنا كل فرد من السبعة مليار شخص بعدد 50 شخص على الجانبين (كما شرحت في الدائرة السابقة)، لكان درجة التباعد بين الناس هي 60 مليون شخص، رقم مروع وبعيد جدا عن الواقع، ولكن لو أضفنا إلى الدائرة خطوطا توصل بشكل عشوائي بين 1,400,000 شخصا من الـ 7 مليار لانخفضت درجة التباعد من 60 مليون شخص إلى 8 أشخاص، وهذه إضافة خطوط بقدر 0.02% من سكان الأرض فقط. واو!

تستطيع إعادة تخيل شكل هذه الشبكة بطريقة أخرى، تخيل إنك شخص مشهور تعيش في الكويت ولديك أصدقاء كثر، هناك شخص آخر في الإمارات ولديه العديد من الأصدقاء أيضا، وهناك شخص آخر في السعودية وعمان وقطر والبحرين ومصر السوداء وهكذا، كل منهم لديه أصدقاء كثر، الآن نأتي إلى الروابط التي أضفناها قبل قليل في شرح الشبكة الدائرية، أحد أصدقاؤك في الكويت يرتبط مع أحد أصدقاء السعودي المشهور، وأحد أصدقاء السعودي المشهور يرتبط مع أحد أصدقاء البحريني المشهور وصديق آخر مع شخص من مصر، وأحد أصدقاء البحريني المشهور يرتبط مع أحد أصدقاء العماني المشهور والقطري والسوداني، وهكذا نوصل الدول بروابط بسيطة جدا. هذه الروابط البسيطة الضعيفة التي لا تمتلك صداقات كثيرة قربت الناس في الشبكات بداخل الدول المختلفة رغم انفصالهم بشكل عام. وبذلك لو أراد شخص في دولة ما أن يصل إلى أي شخص آخر في دولة أخرى سيضطر للمرور خلال حلقات الوصل الضعيفة. وبالرغم من إن أصحاب العلاقات الكثيرة هم الذين لهم التأثير الأكبر على الناس لعدد الناس المرتبطين بهم، إلا إن الشخصيات ذوي الروابط الضعيفة لهم تأثير لا يمكن إغفاله.

تجربة أقامها عالم الاجتماع مارك غرانوفيتر (Mark Granovetter) لاكتشاف تأثير هذه الروابط الضعيفة، اكتشف من خلالها قوة هذه الروابط وأهميتها، تساءل: هل من الأفضل أن تبحث عن وظيفة من خلال روابطك القوية أو الضعيفة؟ هل من الأفضل أن تسأل أصدقاءك الذين تعرفهم جيدا أو أصدقاءك الذين ترتبط معهم بعلاقات ضعيفة عن وظيفة؟ اتضح له من خلال سؤال أشخاصا حصلوا على وظائف مؤخرا إن 16% بحثوا عن الوظيفة التي عملوا بها من خلال صديق يرتبطون معه بصداقة قوية، بينما 84% وجدوا الوظيفة من خلال أصدقاء كانوا يصاحبونهم أحيانا.

ما السبب في نجاح 84% من الروابط الضعيفة رغم إن من السهل عليهم سؤال أصدقاءهم الأقرب؟ السبب يعود لكون الروابط الضعيفة مرتبطة بروابط أخرى لا يعلمون عنها هم ولا أصدقاؤك الأقرب، فحينما يسألون عن توفر وظائف شاغرة من شخص ضعيف الروابط ستفتح أبواب جديدة تنشر السؤال إلى شبكات أخرى لا علم لهم بها.

هكذا تعمل الشبكات التي تربط الناس، والتي تربط الكهرباء والمطارات والمخ والبيئة… إلخ، هكذا هو تأثير الروابط الضعيفة على الروابط القوية، ومن غير الروابط الضعيفة ستسقط الشبكة إلى كتل من الروابط القوية بعيدا عن بعضها.

لماذا يصبح الغني أغنى؟

لماذا يصبح الغني أغنى؟ ولماذا من لديه متابعين كثر يكبر عدد متابعيه أكثر من غيره؟ لماذا يستقي العلماء من أوراق بعض العلماء أكثر بكثير من غيرهم؟ السبب يعود لطبيعة نمو الشبكات، فهي بطبيعتها تفضل الشخص لديه أكبر عدد من المتصلين به، كلما كان لدى الشخص أعداد أكبر من الناس كلما كانت فرصته في النمو أكبر، لأن الناس تفضل الارتباط به، ومع ذلك قد هذا لا يستمر في النمو إلى الأبد، فبمجرد أن تكبر كتلة شبكته، ويصبح من الصعب عليها تحمل عدد النقاط التي تشتبك به، تكبر النقاط الأخرى في الشبكة، وتتعادل النقاط نسبيا

لنقل إن تويتر فتح لأول مرة اليوم، وبدأ الناس بالاشتراك، ونقل إن الناس بدأ بالمتابعة العشوائية، شخص لديه 100 متابع، وآخر لديه 150، وشخص لديه 80 متابع، وآخر لديه 200، وهكذا للكثير من المتابعين، بعد ذلك كلما جاء شخص جديد وبحث عن شخص يستحق المتابعة سيتابع من لديه متابعين أكثر، حتى أوضح الصورة أكثر تخيل لو هناك شخصين واحد لديه 10 آلاف متابع، وآخر لديه 70 ألف متابع، وأردت أن تختار بينهما، وكلاهما يقدم نفس المحتوى، من ستتابع؟ غالبية الناس ستفضل متابعة من لديه 70 ألف، البعض سيتابع من لديه 10 آلاف متابع. بما إن الغالبية ستتابع الذي لديه أكبر عدد من المتابعين سيصبح لدى الشخص متابعين أكثر، وسيقود ذلك لجعل الناس تتابعه أكثر وأكثر. وهذا بالضبط ما يحدث مع الغني، وتزداد ثروته.

الحياة شبكات

نعود للمثال الأول الذي قادني لمحاولة فهم العالم الصغير، ذكرت إنك إذا أردت أن توقف مرض من الانتشار اختر أشخاص من المجتمع بعشوائية، واطلب منهم أن يخبروك من أصداقاؤهم، ثم احقن أصدقاؤهم بالتطعيم. ما السبب في نجاح هذه الفكرة؟ السبب يعود للعالم الصغير، وتركيبة الشبكات.

هناك نوعين من الناس، شخص لديه معارف كثر، وشخص آخر هو من المعارف، مثلا من الممكن أن تكون في شبكة أحمد 99 شخصا، وكل شخص من أولئك الأشخاص لديه رابط مع أحمد فقط، لا يرتبط أي منهم مع شخص آخر (المثال مبالغ فيه لتوضيح الفكرة، ففي العادة تكون لكل شخص روابط هنا وهناك قليلة)، إذن، أحمد يرتبط بمئة شخص وكل فرد من المئة شخص يرتبط بأحمد، الآن نتساءل: ماذا يحدث لو انتقينا شخص واحد من المئة عشوائيا، ما هو احتمال انتقاء أحمد؟ الإجابة: 1 من 100 شخص أو 1%، الآن، ما احتمال انتقاء شخص من غير أحمد؟ 99 من 100 أو 99%، إذن، الاحتمال الأكبر سيكون لانتقاء شخص ضعيف، شخص لديه علاقات بسيطة جدا، وفي هذه الحالة علاقة مع أحمد فقط.

تخيل الآن لو انتقينا شخص عشوائيا، وحقناه بالتطعيم، ما سيحدث هو إنه لن يصاب بالمرض، ولن ينقله إلى أحمد فقط، ولكن أحمد معرض للإصابة بالمرض من شخص آخر، وسيعرض باقي الشبكة للمرض فيما عدا ذلك الشخص الذي حقن، ولكن لو سألنا الشخص العشوائي الانتقاء، من صديقك، سيقول أحمد، ولو حقنا أحمد بالتطعيم، فقد أوقفنا المرض من الانتشار، فلن يصاب أحمد بالمرض، ولا أي شخص آخر مرتبط به. فكرة عبقرية!

تستطيع أن تجرب بنفسك على موقع Facebooked Flu Shots لترى بعينيك محاكاة التجربة أمام عينيك.

أحيانا يمكن نفهم الأمور إذا ما جزأنا الشيء إلى مكوناته الأولية، فمثلا يمكن الكشف عن الخلل في سيارة إذا ما نظرنا إلى تفاصيل الأجزاء، لنعرف مكان الخلل بالضبط، أو إذا أردنا سبب عطل دائرة كهربائية لنظرنا إلى مكوناتها الصغيرة إلى أن نصل إلى مكان الخلل، وكذلك إذا أردنا كيف تحدث التفاعلات الكيميائية لنظرنا إلى الذرات وكيفية عملها لفهمها، ولكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة دائما، فلو أردنا معرفة ما هو أثر انقراض حيوان معين على الإيكولوجيا وتأثيره على الكائنات الحية الأخرى لاحتجنا لمعرفة الشبكة ككل وليس الفرد، وإذا أردنا أن نعرف ماذا يحدث لو سقطت خوادم كمبيوترات معينة على انقطاع الإنترنت من مناطق معينة لاحتجنا معرفة تفاصيل الشبكة وليس أجزاءها الفردية، ولو أردنا منع انتشار مرض معين لاحتجنا لمعرفة الشبكة التي تربط الناس مع بعضها لمحاولة إيقاف المرض في محله.

الحياة أجزاء، الحياة كليات، الحياة شبكات.

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

المصادر

  1. Nexus, Small Worlds and the Groundbreaking Science of Networks, Mark Buchanan, 2003.
  2. Collective dynamics of ‘small-world’ networks, Duncan J. Watts & Steven H. Strogatz, Nature, 1998.
  3. Facebooked Flu Shots, Network vaccination, Counter-Intuitive Vaccination Strategies in Complex Networks.
  4. Friends You Can Count On, Steven H. Strogatz, New York Times, 2012.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق