تكنولوجياطب

فكرة عظيمة فشلت تماما

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

بنت بيضاء بياض الثلج، بشعر صُبغ بلون أشقر فاقع ليتماشى مع بشرتها البيضاء، يتخلل شعرها الأبيض خصل متفرقة من الشعر أسود ليصبح خليطا من الملح والفلفل، صوتها عميق، وعيناها ثاقبتان، تلبس Turtle Neck كما كان ستيف جوبز يلبس، وكان لها تأثيرا ساحرا في أسلوبها كما كان له، أسست شركة بفكرة هائلة، استثمر فيها كبار المستثمرين ما يقارب المليار دولار، وكان على مجلس إدارته بعض كبار الشخصيات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وعمل فيها شخصيات عملت في أبل في أعلى المناصب،  وصلت قيمتها السوقية إلى 9 مليار دولار، أنتجت جهاز بحجم كمبيوتر مكتبي يحلل قطرة دم واحدة، ويعطي نتائج لأكثر من 190 تحليلا تقوم به آلات متعددة ضخمة في كبار مختبرات الدم، اسم هذه الامرأة الجميلة إليزابيث هولمز، وشركتها ثيرانوس، وهذه قصة أكبر فشل تكنولوجي في تاريخ سيليكون فالي في الولايات المتحدة الأمريكية.

الفكرة الرائعة هي كالتالي، تخيل إنك بدلا من أن تذهب إلى المختبر وتغرس إبرة في ذارعك، ثم تسحب كميات من الدم تملأ بها عدة قناني، ستذهب إلى الصيدلية في المول أو ربما لا تحتاج لذلك، ربما تقوم بهذا الشيء بنفسك في البيت، فتقوم بأخذ عينة من الدم من طرف إصبعك كما تقوم بذلك حينما تختبر مستوى السكر، تنقر الإصبع بإبرة خاطفة السرعة، فتخرج قطرة أو قطرتين صغيرتين من الدم، فتسحبها بأنبوبة صغيرة جدا، لا تتعدى حجم عقلة الخنصر، ثم تضع هذه الأنبوبة في جهاز منزلي صغير الحجم، بحجم كمبيوتر شخصي، يحلل الدم، ثم يرسل المعلومات عبر الواي فاي وعبر الإنترنت إلى الشركة الأم، لتقوم بحوالي 190 تحليلا، فتصل إليك النتائج خلال 30 دقيقة.

هذه كانت الفكرة التي قامت عليها الشركة ثيرانوس، لو إنها نجحت لكونت ثورة عظيمة في عالم تحليل الدم، ولسيطرت ثيرانوس على جميع الشركات الأخرى التي تستخدم أجهزة ضخمة، وتعدتها، ولفتحت المجال لتطوير الطب وتحسين أوضاع المرضى من حول العالم، ولكن الفكرة فشلت لعدة أسباب، أولها الجانب العلمي الواقعي لمثل هذا التطور الكبير، وثانيا، الإدارة السيئة للشركة.

إليزابيث هولمز وقصة ثيرانوس

في يوم من الأيام رجعت إليزابيث إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد سفرها إلى سنغافورة عام 2003 حينما كانت في عمر 19 عاما، بعد أن كانت في فترة من التدريب في مؤسسة الجينات السنغافورية، كانت تعمل خلال الفترة التي نشط فيها فيروس سارس، كانت تأخذ عينات الدم من المرضى في المختبر.

بعد عودتها قررت أن تترك جامعة ستانفورد التي بدأت بالدراسة فيها عام 2002، حيث تخصصت في الهندسة الكيميائية، لتنشأ شركتها الخاصة، كانت تعتقد أن هناك أسلوب أفضل في أخذ عينات من المرضى بدلا من وخزهم بإبرة بأذرعهم. كانت الفكرة الأولى التي خطرت على بالها لاصق يوضع على الذراع يستطيع تشخيص المرض وعلاجه، سجلت براءة الاختبار لفكرتها بعد أن قضت 5 أيام متواصلة مع نوم لمدة ساعتين كل ليلة بحثا عن الفكرة.

إليزابيث كانت تتميز بذكائها، وإصرارها وتحملها المعاناة، وربما أهم من ذلك كله قوة إقناعها، وهذا ما سيأخذ فكرتها من صورة تخيلية كتبت على ورقة، إلى شركة كاملة يدعمها عدد كبير من المستثمرين والمشاركين. ولكن مثل هذه الصفات إن يتم التحكم فيها بإمكانها أن تخرج من السيطرة، فهي لم تفرق بين ذكائها في مجال محدد وبين أن يكون هناك من هو أذكى منها ويجب عليها الاستماع له، وهي لم تستطع أن تفرق بين أن تصر على الوصول إلى هدفها مهما كلف الأمر، وبين أن تعرف كيف تنتقي أهدافا واقعية، ولم تستطع أن تفرق بين قوة إقناعها للآخرين، وبين أن تستغل قدرتها لاستغلالهم ماديا لأغراضها الشخصية.

حينما كانت في السابعة من عمرها صممت آلة الزمن، ورسمت التفاصيل الهندسية لجهازها الخيالي، لقد كانت إليزابيث تتمنى أن تصبح ريادية من الصغر، وتمنت أن تصبح مليارديرة، حتى أسرتها كانت تتمنى لها النجاح الكبير الذي كانت تتخيله لنفسها، لقد كانت طالبة ناجحة أيضا، كانت تحصل على درجة A في  جميع المواد الدراسية، ولذلك قبلت في جامعة ستنافورد قبل مغادرتها إياها بعد عام من الدراسة.

أسست الشركة، وأسمتها بداية “علاجات آنية” (Real-Time Cures)، ولكن بسبب خطأ كتب يوما ما في شيك باسم “لعنات آنية” (Real-Time Curses) إلى الاسم ثيرانوس، وهو اختصار علاج وتشخيص (Therapy and Diagnosis).

وفي إطلاق الشركة استطاعت أن تجلب مليون دولار كأول استثمار في شركتها، حيث عملت على إقناع المستثمر في أنها ستصنع لاصقا يمتص الدم من خلال إبرة صغيرة جدا، فيحلله، ثم يرسل معلومات التحليل المبدئية حتى يكتمل التحليل في المختبر، وبعد ذلك ترسل المعلومات من المختبر مرة أخرى إلى اللاصق فيقوم بضخ الدواء خلال اليد بالجرعة المطلوبة. وفي خلال عام واحد من 2003 إلى 2004 استطاعت أن تجلب 6 مليون دولار للشركة، وفي عام 2005 انضم إليها الملياردير لاري إيليسون (Larry Ellison) الشريك المؤسس لشركة أوريكال، شركة ضخمة معروفة في مجال قواعد البيانات، كان هو وساني بلواني (Sunny Balwani) يقدمان نصائح لإليزابيث. وسيلعب ساني – الذي يكبرها بحوالي عشرين سنة والذي أصبح صديقيها في تلك الفترة – دورا أساسيا في خداع المستثمرين وتدمير شركة ثيرانوس معها.

على مر الوقت تحولت الفكرة من لاصق، إلى سحب الدم من الإصبع وجهاز محمول لتحليل العينة، حيث إن فكرة اللاصق لم تكن ممكنة تكنولوجيا، فصنع المهندسون كبسولة صغيرة جدا، تسحب قطرة الدم من الإصبع، وتمرره في قنوات صغيرة على جوانب الكبسولة، كل ذلك يحتاج إلى فن هندسي لفتح القنوات وإغلاقها بدقة، بالإضافة إلى مواد كيميائية مناسبة لنقل الدم من غير أن تؤثر عليه سلبا، اتضح إن صناعة هذه الكبسولات يعادل 200$، ولم تكن إلا لاستخدام واحد، وبعد ذلك ترمى في الزبالة، لقد كانت هذه هي أول مشكلة تتعرض لها شركة ثيرانوس، حيث إن من المفروض إن التقنية الجديدة لا تكلف الكثير، بحيث يستطيع المريض اقتناءها واستخدامها في المنزل.

أثناء فترة تطوير الكبسولات، كانت إليزابيث تفصل بين العاملين في مجال الكيمياء والمهندسين المصممين، فلم يكن هناك تواصل مباشر بينهما، وكانت هي فقط حلقة الوصل بينهم، عمل كل فريق على حدة، ولم يعلم أي من الفريقين ما يحدث بالكامل أثناء العمل على التقنية الجديدة، الشخص الوحيد الذي كان يعرف كل التفاصيل هو إليزابيث. وهذه كانت إحدى مشاكل الشركة حيث لم يكن هناك تبادل للمعلومات لمعرفة كيف يمكن تطوير المنتج.

المشكلة التي عانت منها الكبسولات الصغيرة إنها لم تعمل كما كان متوقعا، حيث إن القنوات لم تفتح وتغلق بالشكل المطلوب، ليس ذلك فقط، بل حتى الدم الذي كانت تجره من إصبع المريض لم يكن كافيا لإجراء التحاليل، فخُلط مع محلول ملحي Saline، ولكن بخلط الدم بالسيلين لم يستطع أحد أن يجري أي تحليل منضبط، فكلما أجروا تحليلا جديدا على الدم، نتجت قراءات جديدة مختلفة عن السابق.

مع ذلك، سافرت إليزابيث مع المهندس الذي أعد الكبسولات إلى مقر شركة فايزر Pfizer العالمية المصنعة للأدوية في عام 2007، وذلك في محاولة لإقناعهم بالاستثمار معهم، وقبل المقابلة بليلة عمل المهندس على محاولة إصلاح الكبسولات في غرفة الفندق الذي نزلا فيه، حتى تتمكن إليزابيث من تقديمها للشركة، كان الهدف من المقابلة محاولة إقناع شركة فايزر لإدخال أجهزة ثيرانوس في كل منزل، حتى يقوم المريض بتحليل دمه من منزله.

في اليوم التالي، نجحوا في سحب الدم من مريضين مصابين بالسرطان، لم يكن المهندس سعيدا بطرح الكبسولات كبديل للطريقة التقليدية، خصوصا إن الدم كان لمرضى في أقسى حالات المرض، مع ذلك لم يكن استخدام الكبسولات إلا كدراسة مبدئية، فحتى لو وقعت أخطاء في التحاليل، فهناك تحاليل مقارنة تقام قبل أن تقبل فايزر بنتائج ثيرانوس، وكان ذلك مطمئنا له.

بداية الدكتاتورية

في يوم من الأيام اجتمعت إليزابيث مع العاملين في شركة ثيرانوس، وبدت عليها آثار الانزعاج والغضب، حيث قام أحد الأشخاص الذين استقالوا من الشركة بمحاولة صناعة نفس الكبسولة، لم يكن الهدف منها القيام بتحاليل دم على الناس بل الحيوانات، بحيث تقدم التحاليل للطبيب البيطري بدلا من الطبيب البشري، لم تنجح محاولاتهم، ولكن ذلك أغضب إليزابيث كثيرا، ورفعت قضية لإيقاف أي محاولة لتقليد فكرتها.

ثم ذهبت إليزابيث إلى أبعد من ذلك، حيث قررت مراقبة كمبيوترات جميع العاملين، فلم يستطع شخص واحد أن يدخل ذاكرة فلاش من غير أن يثير جرس الإنذار، ثم يفصل من العمل مباشرة، ومنعت الموظفين حتى من الحديث مع بعضهم عبر وسائل الشات والمسجات، وحتى فيسبوك كان مراقبا حرصا على ألا تخرج الأسرار خارج جدران الشركة.

لم تكن إليزابيث فقط تطلب من الموظفين التوقيع على اتفاقية عدم الإفصاح، بل كانت تطلب ذلك من أي شخص يدخل إلى الشركة حتى لو كان في زيارة عمل، وقد طلبت من الموظفين عدم التحدث مع الزوار، وكانت تنزل الستار على زجاج غرفة الاجتماعات إذا ما أتى شخص للشركة حتى لا يكون هناك أي نوع من التواصل مع الموظفين، تدريجيا تحولت الشركة إلى سجن على مر الوقت.

بالإضافة لتحول الشركة إلى مكان مزعج للموظفين، طالبتهم إليزابيث بالبقاء فيها إلى ساعات متأخرة، بعدما كانت تطالبهم بأن يبقوا الشركة تعمل 24 ساعة في العمل أسبوعيا، كانت تطالب الموظفين بالوفاء والإخلاص لها، وبسرعة خاطفة كانت تقيل من لا يتوافق معها، وبعد أقالته تتأكد من طرده من الشركة – غالبا في نفس اللحظة، وترسل معه شخص يتأكد من خروجه، وأحيانا لا تدع له الفرصة في أخذ أغراضه إلا بعد ذلك بأيام أو أسابيع، وتبحث عن أي شيء في كمبيوتره حتى تستخدمه كمستمسك ضده، وقد قامت بذلك فعلا لما اكتشفت صور خلاعية على جهاز أحد المطرودين، وأرغمته على التنازل عن حصته في الأسهم.

لم تستمع إلى أي رأي مخالف لرأيها، وهذا ما أودى بالشركة، حيث إن المنتج لم يتقدم كثيرا بسبب رفضها لسماع أن اقتراح من شأنه أن يغير الخطة عن الفكرة الأساسية.

تقليد أعمى

عشقت إليزابيث ستيف جوبز، فكانت تقلده في الكثير من الأمور، مثل طريقة إلقائه لكلمته في مؤتمراته، ففي إحدى مؤتمراتها وأثناء حديثها عن الكبسولة وضعت يدها في جيبيها وأخرجتها منه، لقد فعل ذلك ستيف جوبز أيضا في مؤتمر له حينما أخرج الآيبود النانو من جيبه، وقلدته أيضا في بلوزته ذات العنق الأسود.

امتد هذا التعلق في شخصية ستيف جوبز إلى منتجاته، حيث كانت تريد أن تحول المنتج إلى شيء يشبه منتجات أبل، فقامت بتوظيف شخصيات عملت في شركة أبل في السابق بمجال التصميم، وحاولت أن تصمم جهاز التحليل الذي أطلقت عليه اسم أديسون ليشبه أجهزة الماك نوعا ما.

أما أغرب ما كانت تتميز به فهو طريقة كلامها، كانت تحاول أن تتكلم بصوت عميق لتظهر على إنها شخصية قوية، ولكنها كانت بين الحين والآخر تنسى أن تمثل بصوتها العميق فتعود مرة أخرى إلى صوتها الاعتيادي، بعض موظفيها كانوا يستغربون من ذلك. وكذلك كانت لها نظرة ثاقبة جدا، ولا أقصد ثاقبة من حيث قدرتها على رؤية الأمور بوضوح، إنما كانت فعليا تنظر بعين تكاد لا ترمش، ولو تشاهد بعض لقطتها لاستغربت من ذلك.

الكذب المبالغ فيه

انضم ساني صديقها إلى الشركة لاحقا، وكان عنيفا مع الموظفين، حيث كان يهينهم كلما صدر أمر لا يعجبه منه، وازدادت التهديدات بالطرد في أي فرصة، وكان له الدور الأكبر في إدارة المكان، بأسلوب دكتاتوري أكبر من إليزابيث نفسها.

صنعت شركة ثيرانوس جهاز أديسون، جهاز أسود يشبه إلى حد كبير الكمبيوتر الشخصي Desktop، من الخارج كان أسود اللون، وعليه شاشة بحجم شاشة الآيباد الميني، بداخل الجهاز روبوت اشتروه من شركة كانت تستخدمه لصب الصمغ، وحوروه لكي يستخدم في إديسون، الروبوت يأخذ الكبسولة ويبدأ بتحليلها.

في البداية كان الجهاز سيئا جدا، كان يصدر أصواتا غريبة بسبب اصطدام الروبوت بجوانب الجهاز من الداخل، لم يعمل بشكل سليم، ولم يستطع القيام بالتحاليل المطلوبة، ولا حتى البرنامج كان يعمل تماما، حيث كان يخطئ كثيرا، ويتوقف عن العمل، ولكن المبرمجين قاموا بالتمويه بإظهار عداد دائري يبين إن الجهاز وكأنه لا يزال يحلل الدم، ومن غير أن يظهر أية أخطاء، لم تحل مشاكل أديسون ليس فقط في بداية الصناعة، ولكن حتى إلى نهاية سقوط شركة ثيرانوس. الجهاز لم يعمل جيدا أبدا.

كذبت إليزابيث على شركات كبرى مثل فايزر كما ذكرت سابقا، وكذبت أيضا على شركة والغرينز (Walgreens) وشركة سيف وي (Safeway)، وأعطتهم الأمل بأنها ستضع جهاز إديسون في كل محلاتهم، بحيث يدخل الزبون إلى المكان وبسرعة يستطيع أن يقوم بتحليل دمه من وخزة صغيرة في إصبعه، فقامت الشركات بالاستثمار في ثيرانوس بمبالغ مئات الملايين من الدولارات، وحتى إنها أقنعت الجيش الأمريكي بتبني أجهزتها، حتى تستخدمه لسرعة تحليل دم الجنود المصابين.

لم تكذب فقط على الشركات، بل استطاعت أن تضم كبار الشخصيات السياسية والعسكرية في مجلس إدارة شركتها، فمثلا أدخلت هنري كيسنجر (Henry Kissinger) وزير الخارجية الأمريكية سابقا، وكذلك سام نان (Sam Nun) عضو مجلس الشيوخ سابقا، جيمس ماتيس (James Mattis) وزير الدفاع الأمريكي، وجورج شولتز (George Shultz) وزير الخارجية الأمريكية السابق، وهكذا، أسماء لامعة، أضف لذلك إنها كانت في حوار علني مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وأوباما، جميع أولئك وأكثر خدعوا بفكرتها وأسلوبها وطرحها الواثق.

كانت إليزابيث تغريهم بتوقعات مستقبلية للمردود مالي غير اعتيادي، لم تكن التوقعات واقعية، كانت مبالغة جدا، لقد كانت تبالغ بالأرقام تعمدا. وحينما تعرض أجهزتها للشخصيات الكبرى كانت تأخذ منهم عينه من الدم من أجل أن تريهم النتائج، وبمجرد أن تودع العينة في جهاز إديسون كانت تشغلهم عن التحليل بجولة في المختبرات، ثم تماطل في إعطائهم النتائج إلى أن يُنسى الموضوع، أو إنها تعطيهم تحاليل خاطئة، وأحيانا كانت تسحب الدم بطريقة تقليدية من الذراع، وتمرر الدم على أجهزة تقليدية لتحليل الدم، أجهزة اشترتها من شركة سينمنز، وكان ذلك اعتراف مبطن بفشل أجهزتها.

الخداع لم يتوقف عند جمع الاستثمار، بل بدأت الشركة التحول من استخدام طريقة التحليل من مجرد تجارب للأبحاث إلى أخذ قراءات من مرضى، وهنا بدأ بعض الموظفين الذين يعرفون مشكلة الأجهزة بالتمهل والمراجعة والعودة إلى مبادئهم الأخلاقية، فمن الممكن أن يقبلوا بأن تجرب الأجهزة في تحاليل بحثية إلى أن تعمل الأجهزة بشكل سليم، ولكن أن تبدأ الاختبارات على مرضى فهذا أمر لم يقبلوه، وبالفعل تضرر العديد من الناس الذي وصلت لهم تحاليل خاطئة، منهم من أخبر بإصابته بأمراض معنية، فاضطر لصرف آلاف الدولارات للعلاج ليكتشف لاحقا أنه سليم، ومنهم من أعطي تحليلا بسلامته، وإذا به يصاب بأزمة قلبية مثلا.

وصلت الاستثمارات في شركتها إلى حوالي مليار دولار، ووصلت قيمتها السوقية إلى 9 مليار دولار. وصل عدد الموظفين فيها إلى 800 موظف، ادعت إليزابيث إن ثيرانوس تربح سنويا 100 مليون دولار في حين إن أرباحها لا تتعدى 100 ألف دولار، لقد بالغت بإعلان أرباحها بقدر 1000 مرة.

السقوط المدوي

ليس من السهل القضاء على شركة أسست على الدكتاتورية العنيفة، فحتى الذين خرجوا من الشركة من الذين يعلمون بحقيقة زيفها لم يستطيعوا التحدث مع أحد، فقد أخافتهم إليزابيث وساني بالتهديد بالمقاضاة، فلم يجرؤ أحد بالحديث عن الموضوع، لا ننسى أيضا إن على مجلس الإدارة رجال لهم وزنهم الثقيل، فمن الصعب جدا مقاومة كل هذه الحواجز من غير التضرر منها. وهو ما أبقى الشركة على حالها إلى أكثر من عشر سنوات حتى حان موعد سقوطها على يد السلطة الرابعة في الولايات المتحدة الأمريكية: الصحافة.

أحد أبرز من حاول إسقاط الشركة هو شخص شرير في حد ذاته، كان يعمل في السي آي إي كعميل في الدول العربية، وكان ينشئ شركات وهمية ويوظف فيها عملاء للسي آي إي حتى يموه عنهم، اسمه ريتشارد فيوز، طبيب ناجح في مجال التجارة وله براءات اختراع عديدة، ولكنه كان يمتاز بأخذ الخلافات بشكل شخصي، ويدمر من يقف في طريقه، وقد فعل ذلك سابقا، وسيقوم بذلك مع ثيرانوس.

في إحدى السنوات حينما اكتشف إن ثيرانوس تقوم بتحليل دم المريض استغل الفرصة في تسجيل براءة اختراع في نفس مجال ثيرانوس، فكرة بسيطة تعرفها ثيرانوس، ولكن غاب عنهم تسجيل الفكرة في مكتب براءة الاختراع، تتلخص الفكرة في إنه حينما تأخذ ثيرانوس الدم، ويغذى بجهاز أديسون، ثم ترسل المعلومات إلى الشركة لتحليلها، إن اختلفت عن التحاليل السابقة، تقوم الأجهزة بإرسال الأطباء معلومات التحليل مباشرة حتى يأخذوا الإجراءات اللازمة.

اكتشفت إليزابيث وجود براءة الاختراع هذه، وإذا بها ترفع قضية على ريتشارد، وبعد فترة استطاعت أن تسترجع حقها، وجعله يتنازل عن براءة الاختراع، ووقع على اتفاقية، بالإضافة لذلك انكسر وبكى.

في عام 2014 وبعد هذه المحاكمة، اكتشف الجرائد شركة ثيرانوس، واكتشفوا إليزابيث، فبدأت المجلات والجرائد بتغطيتها على إنها من أهم الشخصيات المؤثرة في عالم سيليكون فالي إن لم تكن الأهم، فاحتضنت إليزابيث هذه الفرصة القيمة، وظهرت على غلاف مجلة فورتشن (Fortune) لأول مرة، وإذا بشهرتها تنفجر، وتتطاير شظايا نجاحها الوهمي في كل مكان، وظهرت أيضا في فوربز 400 (Forbes 400)، ويو إس إي تودي (USA Today)، وسي إن إن، وفوسكس والكثير من المحطات الأخرى، وقُدست تقديس ستيف جوبز، لقد أصبحت آيكونة الرياديين الصغار في السن والنساء، آيكونة النجاح في حقل المختبرات الطبية، لقد كانت أول أصغر امرأة مليارديرية ذاتية التكوين، فعينها الرئيس الأمريكي أوباما سفيرة الرياديين العالميين.

بل هي أيضا رأت نفسها على إنها فعلا ناجحة، فعينت رجلين في الحماية الشخصية، وركبت زجاج حماية من الرصاص حول مكتبها، وعينت طباخ خاص بها، وركبت طائرات خاصة في رحلاتها.

لم يهدأ ريتشارد فيوز، وأراد الانتقام، في تلك الأيام لم يعلم إن شركة ثيرانوس كانت مزيفة، ولكنه اكتشف ذلك بعد تسرب بعض المعلومات، فإذا به يتجه بها إلى جريدة ول ستريت، لقد كانت المعلومات التي لديه القشة، وثيرانوس البعير، ولم تكن معلوماته القشة الوحيدة التي كشفت ثيرانوس، تساقط عيدان القش واحدة تلو الأخرى بعد أن كتبت مقالات هنا وهناك عن إمكانية إجراء كل فحوصات الدم التي وعدت بها ثيرانوس، حتى العاملين الذين خرجوا من الشركة بدأوا بالتحدث سرا مع جريدة ول ستريت، وبالخصوص جون كاريرو (John Carreyrou).

قام كاريرو بالبحث بشكل جاد، والتحدث سرا مع كل من له علاقة مع الشركة، ولعامين من بحث هائل، وتحت ظل التهديد الدائم من شركة ثيرانوس بالمقاضاة نشر مقالات تلو الأخرى في جريدة وال ستريت، قاومت إليزابيث في الجرائد والظهور الإعلامي، ولكن لم تستطع أن تحقق ما كانت قادرة عليه في ظل التستر الكامل على أسرارها، فبدأت التحقيقات من المؤسسات الرسمية منها إدارة الغذاء والدواء، والإف بي آي، والآن بعد سنوات لم يبقى إلا أثر ثيرانوس، وتبقى إليزابيث وساني تحت التحقيق الدائم والقضايا، والمطالبات المالية الهائلة من غالبية المستثمرين.

اعتمدت على كتاب Bad Blood الذي ألفه جون كاريرو، وأنصحكم بقراءته، لأنه يحتوي على تفاصيل أخرى كثيرة تستحق السماع.

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

المصادر

  1. Bad Blood, John Carreyrou, 2018.
  2. الجهاز Mini Lab الذي اخترعته شركة ثيرانوس
  3. مقابلة مع إليزابيث هولمز بعد نشر مقالة جون كاريرو في جريدة ول سريت
  4. ظهور إليزابيث هولمز مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون وجاك مؤسس شركة علي بابا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق