فلككمبيوتركونيات

لأول مرة في تاريخ البشرية: صور لثقب أسود

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

نحن الآن على منعطف تاريخي، حيث أن لأول مرة في تاريخ البشرية نرى بأعيننا ثقبا أسود، أعلن عن ذلك العلماء المشتغلين في تلسكوب أفق الحدث Event Horizon Telescope، الخبر انتشر على الإنترنت، جميع مواقع شبكات التواصل الاجتماعي أضرمت النار في الهشيم، وتحركت نار الخبر فيها لتتوقف حركة الأخبار كلها لمشاهدة الصورة الأولى، ذلك الجرم الذي لا يرى أبدا لأنه لا يسمح للضوء بالهروب منه، جرم أسود حالك السواد، ولكنه مع ذلك يعلن عن وجوده من خلال تفاعله مع الأشياء التي حوله.

عرضت صورة الثقب الأسود على الشاشات، وكان شكله كالتالي: دائرة باهتة سوداء في الوسط، وخاتم من نور برتقالي اللون حوالي الدائرة، اللون البرتقالي أحيانا يصبح مصفرا ليبدو وكأن المنطقة المحيطة بالنقطة السوداء أكثر نشاطا. على أطراف الخاتم، هناك خطوط طولية برتقالية باهتة، تستطيع أن تعتبرها مثل السهم في قلب الحب، ولكن لا وجود لرأس السهم ولا الذيل، مجرد عصاة في الوسط.

الآن، نأتي لشرح ماذا تعني هذه الصورة، الدائرة السوداء تعبر عن الثقب الأسود، وبداخلها أفق الحدث، وفي وسط الدائرة الكبرى (لا يظهر هذا الشيء في الصورة) هناك نقطة التفرد. أما الخاتم البرتقالي فهو ما يطلق عليه اسم قرص مزود (accretion disk)، وهو عبارة عن غازات لنجوم محطمة حوالي الثقب الأسود، تدور بسرعة كبيرة جدا بسبب جذب الثقب الأسود لها أثناء دورانه حول نفسه، وبسبب دوران الغازات السريع وبسبب الاحتكاك تسخن إلى درجات هائلة، أما الخط الطويل الذي يمثل عصاة سهم قلب الحب، فهو النفاثات التي تنطلق من الثقب الأسود من الأسفل والأعلى، أو من أقطاب الثقب الأسود، وعلى محور الدوران.

الثقب الذي صور عبارة عن ثقب أسود فائق الضخامة موجود في مجرة M87، ابتلع ما يعادل كتلة 6.5 مليار شمس، لاحظ: مليار وليس مليون، قارن هذا مع الثقب الأسود في مجرتنا في منطقة الرامي A أو Sagittarius، الذي يحوي في بطنه 4.1 مليون شمس، ثقب M87 أكبر من الثقب الأسود في مجرتنا بأكثر من ألف ضعف. حجم هائل! المسافة بيننا وبينه هو 53.5 مليون  سنة ضوئية، بينما مع الرامي A الموجود في مركز مجرتنا درب التبانة فهو يبعد عنا حوالي 25 ألف سنة ضوئية، حجم أفق حدث ثقب M87 أكبر من حجم المجموعة الشمسية، تخيلوا إن المركبة نيوهورايزون التي قضت 33 سنة للخروج من المجموعة لو إنها حاولت قطع المسافة بين مركز الثقب إلى نصف قطره لما خرجت منه حتى بعد سفر طال 33 سنة. ولو كان الثقب الأسود مثل الفم لالتهم المجموعة الشمسية في لقمة واحدة.

حول الثقب الأسود قرص مزود، يتكون مثل هذا القرص حينما يقوم بتمزيق النجوم وابتلاعها، لو أن نجما اقترب منه بما فيه الكفاية لأمسك به، ولسحب غازاته وهو يدور حول نفسه إليه ولدارت حوله كالمغزل لتسقط تدريجيا في جوفه، وفي تلك الأثناء تخرج من أقطاب الثقب نفاثات من المواد المؤينة البلازمية، فتندفع مثل الماء الذي يخرج من الخرطوم بضغط عال، في حالة ثقب M87 فإن هذه النفاثات من قوتها تتحرك بسرعة قريبة من الضوء، وتصل إلى مسافة 5000 آلاف سنة ضوئية، ومن قوة دفع البلازما تحرك الثقب من مركز المجرة، كما لو تمسك بخرطوم إطفاء الحرائق، وتشغل الماء، فيدفعك للتراجع عن مكانك.

هذه الصورة الباهتة غير الواضحة البسيطة التي تبدو كأن شخصا استخدم أسوء كاميرا لتصوير رأس عود ثقاب وهو يشتعل تعد واحدة من أكبر إنجازات البشر في التاريخ. ليس فقط لأنها أول صورة لثقب أسود، إنما لأن التقنية المستخدمة تعد إحىد ابداعات العلماء في تصوير ثقب أسود يبعد عنا حوالي 53.5 مليون سنة ضوئية، وتعد أفضل دليل على وجود الثقوب السوداء إلي يومنا هذا.

وبالرغم من إن العلماء استطاعوا التعرف على الثقوب السوداء عموما من طرق أخرى إلا إن الصورة أكثر وقعا في الإثبات، فمثلا حينما كشفوا عن تصادم ثقبين سوداوين باستخدام مرصد لايغو، وكذلك كشفوا عن ثقب من خلال مراقبة النجوم التي تدور حول شيء لا يرى كما هو الحال في الثقب في مركز مجرتنا، إلا إن هذا الاكتشاف يعد الأكثر تأثيرا، والأكثر إشباعا لفضول الإنسان في الثقوب السوداء.

كيف صور الثقب الأسود؟

لكي نصور أشياء أصغر وأصغر علينا أن نزيد في حجم التلسكوب أكبر وأكبر، حتى أقوى التلسكوبات على الأرض لا تستطيع أن تصور برتقالة على القمر، لماذا لأن التلسكوبات ليست بالحجم الكافي لالتقاط مساحات صغيرة على سحطه، لكي تُرى البرتقالة سنحتاج إلى تلسكوب بحجم الأرض، كما ذكرت كيتي بومان (Katie Bouman) في محاضرة بتيد إكس في نهاية عام 2016، حيث كانت تصف الطريقة التي يمكن فيها تصوير الثقب الأسود البعيد (سنأتي لكيتي بعد قليل)، ولو أردنا أن نصور الثقب الأسود البعيد لاحتجنا أيضا لتلسكوب بنفس الحجم، ولكن هذا التلسكوب غير متوفر، فكيف استطاع العلماء تصويره؟

لقد أعد العلماء 8 تلسكوبات راديوية لدول مختلفة حول الأرض لتوجيهها إلى الثقب الأسود، لكي تلتقط الموجات الراديوية القادمة منه، كل منها يلتقط جزء من الصورة، وهذا يعني أنهم سيجمعون أجزاء من صورة الثقب الأسود، تخيل لو إن لديك مجموعة من الثقوب في باب، وتحاول أن تعرف ماذا خلفه بالنظر إلى هذه الثقوب من مسافة، كل ثقب من الثقوب يطلعك على شيء بسيط مما بداخل الغرفة.

أضف لذلك إن الأرض تدور حول نفسها، وهذا يعني إن التلسكوبات ستكون في أماكن مختلفة لالتقاط المزيد من المعلومات القادمة الثقب، كما لو إن لديك القدرة السحرية على تحريك الثقوب في الباب لكي ترى أجزاء أخرى لما خلفه، ومع ذلك الصورة ليست كاملة، فكيف إذن استطاع العلماء رسم الصورة الكاملة للثقب؟ هنا يأتي دور كيتي بومان رئيسة فريق البرمجة، لقد قامت بشيء جبار، وهو إنها أكملت شكل الثقب الأسود كما لو أن شخصا لديه قطع من لعبة الصور المقطعة (Jigsaw Puzzle).

الآن لدينا مشكلة، لدينا عدة تلسكوبات، كل منها يحاول التقاط فوتونات قادمة من الثقب البعيد، كيف للعلماء أن يعرفوا في أي لحظة زمنية التقطوا الصورة، تخيل لو إنك وضعت عدة كاميرات قواعدها على الأرض، وحاولت التقاط صورة لسيارات في شارع مزدحم، ستدمج الصور كلها لتكون صورة نهائية للشارع، لابد أن تلتقط الصور كلها في نفس الوقت، حتى تضمن أن لا تكون هناك صورة لسيارة في تغطية كاميرا، وفي الثانية تجد نفس السيارة وقد تحركت إلى الأمام لأن الكاميرا تأخرت في التصوير، لابد من تضبط لحظة التقاط الصور كلها في نفس الوقت، ولكي يقوم بذلك العلماء وضعوا ساعات ذرية في كل مرصد من المراصد الثمانية التي التقطت الصور، بحيث يزامنوا تصوير المراصد مع بضعها بدقة كبيرة. دقة خطأ ثانية واحدة كل 10 ملايين عام.

وجه العلماء التلسكوبات إلى السماء في أبريل 2017 وإلى حيث كان الثقب، وبدأوا بالتقاط الصور، تخيلوا إن فوتون الضوء مر بعراقيل كثيرة، منها الهروب من الثقب الأسود حينما كان بالقرب من أفق الحدث، ثم بعد ذلك مر عبر الغازات وبين الحجب المختلفة في مجرة M87، وقطع مسافة 53.5 مليون سنة ضوئية، إلى أن وصل إلى الأرض، فكادت أن تمتصه جزيئات الماء في الهواء، ولكنه نجا منها، لينتهي على إحدى التلسكوبات الراديوية.

التُقطت معلومات الفوتونات على أقراص صلبة، وأخذت بالطائرة لتجمع في مكان واحد، لم يتمكن العلماء من نقل المعلومات عبر الإنترنت لضخامة حجمها، فقد وصل حجمها إلى 5,000,000 غيغا بايت أو 5 بيتا بيايت، كلها تعصر في صورة واحدة لا تعد أكثر من عدة كيلو بايتات، الصورة مليون مرة أصغر المعلومات التي جمعت من أجل تكوينها، الآلة التي عصرتها عبارة برامج كمبيوتر تدمج المعلومات لتكوين الصورة المطلوبة. لكن حتى يطمئن العلماء على صحة الصورة التي ملئت فراغاتها طلبوا من 4 أربع جهات أن تستخدم خوارزميات مختلفة لتكوين الصورة النهائية الكاملة، وبعد أن انتهت الأربع فرق من تكوين الصورة النهائية تبين إنها كانت متشابه إلى حد كبير، وهذا كان الدليل على إن الصورة الملتقطة هي لثقب أسود.

بعد أن حصلوا على الصورة التي تدل على ثقب أسود، بقي شيء واحد لابد من التأكيد عليه، هل قوانين آينشتاين تطابق ما كشفت عنه؟ نعم لقد كانت كذلك، وهذا انتصار جديد لآينشتاين، الرجل الذي لم يعتقد بوجود الثقوب السوداء بعدما كشف عنها كارل شوارتز تشيلد أثناء تواجده في ساحة الحرب عام 1916، عمل على نظريات أينشتاين وأنشأ القوانين التي تبين كيف ينحني الزمكان حول الأجرام السماوية، وبعثها إليه، واخبره في رسالته إن القوانين التي استخرجها كانت تضفي بريقا جميلا على قوانين آينشتاين، فأعجب آينشتاين بها أشد الإعجاب، بعد ذلك عمل شوارتزشيد على ضغط المادة إلى حد معين، فاكتشف إنه حينما تصل المادة إلى حجم التفرد لا يستطيع الضوء الهروب، لم يقتنع آينشتاين بالفكرة في ذلك الوقت ولا حتى لاحقا، لم يعتقد أن بإمكانها أن تتحقق، ثم توالت الأبحاث العلمية التي تدل على وجود هذه النقاط الصغيرة ذوات الكثافة العالية، حتى أتى جون ويلر، وأسمى هذه النقاط بالثقوب السوداء، أما اليوم فنحتفل بتحول نظرية الثقوب السوداء إلى إثبات مرئي في صورة.

اليوم لدينا أول صورة لثقب أسود، وهذه الصورة ليست بالوضوح المثالي، ولكنها الخطوة الأولى لمشاهدة ما اختبأ في ظلام جاذبيته، الفكرة ليس في مدى وضوح الصورة، الفكرة في كيفية التصوير، وفي البرنامج المستخدم لتكوين الصورة، الفكرة ليست في أول صورة، إنما في المستقبل الذي سيأتي لنا بصور كثيرة للثقوب السوداء، الفكرة ليست في جمع الصورة، إنما في التعاون بين دول متعددة تحت مظلة العلم لإثبات نظرية.

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

المصادر

  1. موقع تلسكوب أفق الحدث
  2. المؤتمر الصحفي عن تصوير الثقب الأسود
  3. محاضرة كيتي بومان عن الخوارزمية لتكوين صورة الثقب الأسود، 2016
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق