نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.
5 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من سايوير بودكاست. ضيفنا اليوم الدكتور محمد الحاجي، الباحث الأكاديمي في العلوم السلوكية والاجتماعية للصحة العامة في الولايات المتحدة، وله أبحاث منشورة ومشاريع عديدة،
عن الانطباعات والتصورات وأثرها في السلوك. وهو معروف في وسائل التواصل، خصوصًا في علم النفس، ويطرح معلومات مفيدة جدًا. أنصح من لا يعرفه بمتابعته؛ لديه حساب على تويتر،
[اسم الحساب غير موجود في التفريغ]، وهو مشهور أيضًا على سناب شات، حيث يتناول موضوعات مثيرة ومفيدة. سنبدأ الآن الحديث معه عن نظريات المؤامرة.
هذا موضوع مهم؛ يؤمن بعض الناس بنظريات غريبة تربط معلومات من مجالات شتى بطريقة غير منطقية، لتكوين موقف من أمر معين،
ثم يطرحونها على الناس ويثيرون قلقهم. مثلًا، أُثيرت قبل أيام فكرة ربط شبكات الجيل 5 بفيروس كورونا؛ إذ يزعم البعض أنها تضر الصحة وتخفض المناعة، ولذلك أصابنا الفيروس. هذا غير صحيح وغير منطقي؛ فهناك دول لا توجد فيها،
شبكات 5G أصلًا، وانتشر فيها الفيروس بكثرة. لا علاقة لانخفاض مناعتهم المزعوم بشبكة غير موجودة. لا توجد أدلة تدعم هذا الربط، لكنهم يصلون الأمور بطريقة غريبة لإثبات أفكار شاذة علميًا ومنطقيًا، ويؤججون الناس،
حتى أُضرمت النار في أبراج 5G في بعض المناطق والدول. نريد أن نفهم ما الذي يدفع إلى نشر هذه المؤامرات. ننتقل إلى المقابلة مع الدكتور محمد الحاجي. أهلًا وسهلًا، دكتور، كيف حالك؟
السلام عليكم. وعليكم السلام، بخير والحمد لله. أتطلع إلى التعرف إليك؛ أردنا لقاءك منذ زمن، وهذه فرصة سعيدة. وأنا أسعد، فأنا أعرفك منذ مدة، ونعرف بعضنا لكننا لم نلتقِ. علمت أنك،
حصلت للتو على الدكتوراه، صحيح؟ نعم، قبل أسبوع. ألف مبروك، تستحق كل خير. بارك الله فيك. أتابع نشاطك التثقيفي والتعليمي منذ زمن، وأتوقع أن يزيد الآن بعد الدكتوراه.
المصادفة أن الحصول على الدكتوراه، أو الشرعية العلمية إن صح التعبير، تزامن مع بروز مجالنا، العلوم السلوكية للصحة العامة. هذه فرصتنا الذهبية لنبرز. ممتاز، والحمد لله. من هذه الناحية، أصبح هناك إدراك أكبر لدى الحكومات والناس لأهمية الصحة العامة،
إلى جانب الطب. الطب مهم، لكنه أخذ نصيبه من المكانة والاهتمام خلال العقود الماضية، بينما بقيت الصحة العامة في الظل. الآن ندرك أهمية الوقاية السلوكية، مثل التباعد الاجتماعي. صحيح. ما اسم تخصصك بالعربية تحديدًا؟
الصحة المجتمعية أو العامة. تقوم على الوقاية والحلول المجتمعية والسلوكية، ويمكن وصفها بعلم نفس الصحة وعلم اجتماع الصحة. لسنا أطباء نعالج فردًا مريضًا، بل نعمل على المجتمعات وحلول استباقية ووقائية، مثل عادات الأكل،
ولماذا يمارس الناس الرياضة أو لا يمارسونها. إذن، يمكن الاستفادة من تخصصك على مستوى الوزارة والدولة والمجتمع كله، بدل التعامل مع مريض واحد في مستشفى؟
بالضبط، وهذه جاذبية الصحة العامة لمن يدرك أن درهم وقاية خير من قنطار علاج. عندما أخفض التدخين أو السلوك المؤدي إلى السمنة، قد أوفر للدولة 20 مليارًا في السنة، عبر تثقيف صحي أو تدخل بسيط،
كسلوك التباعد الاجتماعي، الذي يوفر ميزانيات علاج هائلة. لكن الصحة العامة ليست لافتة أو ذات مكانة براقة، ولا تقف وراءها شركات أدوية أو جماعات ضغط في الكونغرس، لذلك بقيت في الظل.
أظن أن الحكومات ستدرك أهميتها بعد كورونا. دكتور، لدينا مشكلة أحاول فهمها، وهي ضمن مجالك: أتعامل مع أشخاص كثيرين تقوم أفكارهم على نظرية المؤامرة.
تجد على الإنترنت وتويتر ووسائل التواصل من يتعامل مع كوفيد-19، أو فيروس سارس-كوف-2، بوصفه مؤامرة. بعضهم يقول إن الفيروس غير موجود، وإن الحكومات تريد إغلاق النظام،
وتدمير دول، أو أنه موجود لكن عدد الإصابات مبالغ فيه. وربما شاهدت فيديوهات لأشخاص يذهبون إلى المستشفيات ويصورون،
خلو الشوارع أمامها، ثم يقولون: هذه مؤامرة لإبقائنا في المنازل ومراقبتنا والتحكم فينا وسلب حرياتنا. النظريات لا حصر لها، وليت تفسيرًا واحدًا منها كان هو الحقيقة الواقعية،
لكنهم لا يضعونه ضمن احتمالاتهم. لنبدأ من الأساس: ما نظرية المؤامرة، وكيف نشأت؟ تعريفها المصطلحي هو تفسير أحداث مهمة بأنها نتيجة خطط سرية،
وتنسيق بين مجموعات نافذة. أهمية الحدث عنصر أساسي؛ هناك أفكار خاطئة مثل سانتا كلوز، لكنها ليست نظرية مؤامرة بهذا المعنى. نحن نتحدث عن حدث مهم تسببه، وفق الاعتقاد، جهات قوية،
لا أفراد عاديون، بل بنوك وشركات وحكومات. وبحسب التعريف الذي نناقشه، لها 3 سمات: أنها خاطئة، ومضرة، ولا تستند إلى أدلة معقولة متاحة للعامة.
إذن، هل يجب أن تتوجه إلى مؤسسة ضخمة، لا أن تقول إن محمد قاسم سبب الفيروس مثلًا، بل حكومة الصين أو شركات دولية؟ نعم، إلى أصحاب نفوذ ومجموعات يعتقد أنها تعمل سرًا في الخفاء،
وتنتج أحداثًا مهمة؛ هذه كلمة أساسية. أما نشأتها، فهي قديمة جدًا. التفكير المؤامراتي موجود منذ بدايات الإنسان، ومادته الخام الأساسية قابلية تقسيم الناس إلى «نحن» و«هم».
هذا جوهر الفكرة. قبل الثورة الزراعية، منذ 12000 سنة، لم توجد دول أو فروق طبقية كثيرة، لكن جماعات متجاورة كانت تتنازع على الموارد ومصادر العيش،
ولدينا أدلة حفورية على عنف شديد بينها. لم يكن زمنًا مثاليًا كما نتخيل. ولّد التنافس حاجة إلى تمييز الأصدقاء من الأعداء لحماية الأمن والموارد،
والحذر من الآخر حتى لا يهاجم ويستولي عليها. هنا نشأ الفصل بيننا وبينهم. ولدينا شواهد من الأساطير اليونانية أيضًا. عفوًا، لماذا يحتاج من يدافع عن موارده إلى المؤامرة بدل الواقع؟ لماذا لا يقول ببساطة إن هناك من يحاول أخذ موارده فيحاربه،
بدل اختلاق قصص خيالية؟ لأنه يريد الاحتياط لأسوأ السيناريوهات، فيرتاب في سلوك الآخر، ولو لم يكن الارتياب منطقيًا. ربما يتحدث الآخر بلطف، لكن من يريد النجاة قد يفترض أنه يكذب،
ويدبر خطة خفية للاستيلاء على موارده. لصد كل الاحتمالات، يذهب إلى سيناريوهات شديدة التطرف والارتياب. هل لأن ذلك يحرك النفوس أكثر من قصة بسيطة؟
نعم، يساعد في التعبئة. عندما تجعل الآخر شماعة أو رجل قش، توجه أهداف جماعتك وقدراتها الذهنية والبدنية نحو هدف واضح. لا شيء أسهل وأكثر فاعلية من الشحن العاطفي لهذا الغرض، وقد رأيناه،
عبر التاريخ؛ لشن حرب قد يُخلق عدو ولو وهميًا. ظهرت أمثلة في الأساطير اليونانية، وفي العصر الروماني اتُّهمت النساء والعبيد بتصفية نخبة الإمبراطورية،
حتى لو كانت الوفاة بسبب مرض مزمن عادي. وفي العصور الوسطى، اتُّهم اليهود زورًا بقتل أطفال مسيحيين واستخدام دمائهم في طقوس دينية. استمرت الذهنية حتى العصر الحديث، وتغير الهدف من مجموعات،
قديمة إلى شركات وحكومات وعلماء وأطباء. لنذهب أعمق: كيف يفكر المؤمنون بنظرية المؤامرة؟ ما العملية الذهنية لديهم؟
هناك تفاوت؛ ليس كل إيمان بمؤامرة نابعًا من عداء للحكومات أو البنوك. يمكن تصنيف الدوافع في 3 مجموعات كبرى. أولها دوافع معرفية؛ الدماغ يكره العشوائية والفوضى،
ويريد تفسيرًا واضحًا وعلاقة سببية: حدث هذا بسبب ذاك. فيفضل تفسير «الصين صنعت كورونا» على الاعتراف بأننا لا نعرف التفاصيل؛ الغموض مرهق. تمنح المؤامرة راحة معرفية،
وتزيل الغموض ظاهريًا. إذا قيل إن كورونا صُنع في مختبر، يشعر الشخص بأنه فهم. العقل الفضولي يريد سببًا، وإذا لم يجده قد يختلقه. لماذا لا يأخذ بالطفرات والعشوائية في التطور،
بوصفها احتمالًا، بدل اتهام جهات خفية؟ لأن المؤمنين بالمؤامرة غالبًا لا يقبلون العشوائية في الجينات والتطور؛ يبحثون عن غاية ومعنى وتفسير لكل حدث،
ولا يتقبلون حدوث أمور عشوائيًا. يقول أحدهم: لا تقل إنه بلا سبب أو غاية؛ لا بد أن لانتشار كورونا معنى مقصودًا. تذكر مثلًا وفاة الأميرة ديانا،
هل يسهل على الناس تفسير حدث كبير كهذا بخلل ميكانيكي في سيارة؟ يصعب عليهم تقبل تفسير بسيط لحادث يخص أميرة. كلما كبر الحدث، ابتعد التفسير البسيط العشوائي عن حساباتهم، وافترضوا غايات كبرى.
نعرف أيضًا ارتباطًا بين الإيمان بالمؤامرة ومحدودية المهارات النقدية والتحليلية، وغالبًا انخفاض حظ التعليم. نعود إلى التصنيف: لدينا دوافع معرفية للفهم، وأخرى وجودية تتعلق بالسيطرة والأمان. عندما نحدد سببًا،
ونحمّل الصين أو شركات الأدوية مسؤولية الفيروس مثلًا، نشعر أننا كشفنا الخديعة وحددنا العدو والخطر، فسيطرنا قليلًا على خوفنا. لذلك يقوى هذا الإيمان مع الضعف والعجز، وينتشر في بيئات مقهورة لا تستطيع التغيير.
نفقد الأمان، فنبحث عن شعور بالاستقرار والسيطرة على حياتنا؛ يصعب العيش دون إحساس بالتحكم. لكنني لا أملك السيطرة على الفيروس أيضًا، فلماذا لا أؤمن بالمؤامرة؟
لأن لديك منظومة معرفية وفكرية وأدوات علمية تواجه بها الرغبات الغريزية في الفهم والسيطرة بأي ثمن. اطلاعك أعطاك معرفة وتواضعًا معرفيًا، وإدراكًا لوجود العشوائية،
ولأن الإنسان لا يعرف كل شيء. كلما تعمقنا في العلم، أدركنا جهلنا وتواضعنا أمام اتساع الظواهر الطبيعية. الأمر يعتمد على المعرفة والمنظومة الفكرية والمرجعية. دعني أضغط على هذه الفكرة قليلًا،
فأنا أتحدث إلى أطباء ومتخصصين يتعمق مجالهم في الموضوع، ومع ذلك يشككون في الفيروس وتأثيره، أو يربطونه بـ5G. أرد عليهم من صميم تخصصي،
فأعرف عمل الشبكة وقدرة الإرسال وتفاصيل تأثيرها، لكنني لا أجد طريقة لإقناعهم. هؤلاء متعلمون، ونتوقع أن يتقبلوا المعلومة الصحيحة؛ لماذا يختارون تفسيرًا لا يملكون أدلة كافية عليه؟
يمكنني، مجازًا، تقديم 60000 دليل على عدم ارتباط 5G بالفيروس. لماذا يتركون التفاصيل الصحيحة التي أقدمها، ويلجؤون إلى مجال لا يعرفونه بالدقة نفسها؟
لأن سؤالك يفترض أن الإنسان منطقي. نحن غير منطقيين، خصوصًا وقت الأزمات، حيث تنشط انحيازات وآليات كثيرة. ربما يحمل أحد الأطباء عداء شديدًا لأمريكا، فيتمسك بالمؤامرة ليحافظ على تماسك منظومته الفكرية.
لدينا علم، لكن لدينا أيضًا فكر ومبادئ. قد يكون لدى عالم توجه إسلاموي يرى المجتمع الإسلامي الأكثر علمًا والمناهض للإمبريالية الغربية. حتى الطبيب الذي تعلم في الجامعة،
قد يستند فكريًا إلى حزبه أو قوميته. مهما قدمت من الأدلة، سيجد منفذًا للوم الغرب وتقنياته، مثل 5G، على كورونا. وهنا تأتي،
المجموعة الثالثة من الدوافع: الاجتماعية، بعد المعرفية والوجودية. قد يكون الدافع ضغط الأقران؛ فإذا كان الطبيب ينتمي إلى محيط حزبي معين، كالحزب الجمهوري في أمريكا،
فقد يتأثر بمحاولات التقليل من خطورة كورونا والرغبة في إعادة الاقتصاد. حدث ذلك في البداية. وما زال موجودًا. لأن هؤلاء، رغم كونهم أطباء، لديهم حسابات سياسية أخرى. تشير دراسات الانتخابات،
إلى أن أنصار الأحزاب الخاسرة يؤمنون أكثر بالمؤامرات المتعلقة بنتائجها، لتبرير الخسارة والموقف، بصرف النظر عن الحقائق والأدلة المقدمة لهم.
وقد توجد دوافع سياسية، مثل موقف ترامب من الصين وتسميته «الفيروس الصيني». ربما يعرف أن الاتهام غير صحيح، لكنه يستخدمه للحفاظ على أجندته وبرنامجه السياسي.
بالنسبة إلى ترامب، قال صراحة إنهم اتهمونا فسأتهمهم؛ ربما كان يرد عليهم أكثر من تبنيه مؤامرة. لكننا نرى الإدارة والجمهوريين، ومنهم حاكم فلوريدا،
يطالبون بالتحقيق مع منظمة الصحة العالمية بدعوى التغطية والتعاون مع الصين. نعم، هناك خطاب مؤامراتي لخدمة أجندة سياسية. ليست كل الدوافع معرفية أو وجودية؛ قد تكون مكاسب اجتماعية، أو ما يسمى النرجسية الجماعية،
بين الأمريكيين والصينيين: نحن الأعلى والأفضل، لذلك الوباء منكم. كل طرف يلوم الآخر. هذه «النرجسية الجماعية»: لا يمكن أن أكون مصدر البلاء، بل أنتم،
وأجندتكم وحلفاؤكم. في المقابل، قدمت فيديو عن 5G، واقتنع كثيرون بأن الدراسات المتاحة لا تظهر الأضرار المزعومة. قلت أيضًا إنني سأعلن أي دراسات جديدة تثبت ضررًا، ولن،
أرفضها تمسكًا بالدراسات السابقة؛ أتغير مع الأدلة. لكن خلال الجائحة عاد كثيرون إلى الفيديو، وأصبحت الردود أشد شراسة. من التعليقات،
أنني أصدق الجهات الرسمية ومنظمة الصحة العالمية والمؤسسات البحثية، وهم يعدّونها كلها كاذبة. صار الشخص يتبنى فكرة من عنده، ولا يصدق أحدًا سواه. إذا رفض هذه المؤسسات كلها، فما المصدر الذي سيبقى له،
ليثق فيه؟ هذه من أشد مخاطر المؤامرة: تسميم بئر المعرفة كله، وخلق ارتياب تجاه الجامعات والعلماء. تشير الدراسات إلى أن الإيمان بمؤامرة واحدة،
قد يمتد إلى نطاقات أخرى ويصبح ذهنية عامة. هذا خطير؛ فالارتياب بالمؤسسات المعرفية والرسمية يولد عداء لها، وقد يؤدي إلى تجاهل التوصيات الطبية،
كما حدث في الثمانينيات مع الإيدز، حين شاع أنه من صنع الحكومة الأمريكية، فتجاهل بعض الناس السلوكيات الجنسية الوقائية، معتقدين أن الأمر خارج سيطرتهم،
وأنهم لا يستطيعون فعل شيء. هنا الخطورة. مثل ما حدث الأسبوع الماضي في كنيسة بأمريكا. شاهدت ذلك، أكمل. لم يقتنع المشاركون بخطورة كورونا، وقالوا إنهم سيجتمعون، وإنها مؤامرة إعلامية،
لن تمنعهم من العبادة. قد ينتهي الأمر كما حدث في كوريا، حيث أصيب نحو 650 شخصًا من الكنيسة نفسها. لا نتحدث عن افتراض؛ فقد أسهم تجمع ديني رفض التوصيات العلمية في تفجر الإصابات بكوريا الجنوبية.
إذا سممت كل مصادر المعرفة، فعلى ماذا تستند؟ ويضاف إلى ذلك تآكل التضامن الاجتماعي؛ تصبح عدائيًا ومرتابًا، وتقسم مجتمعك إلى «نحن» و«هم»، وتثبط نفسك عن اتخاذ،
خطوات حقيقية، لأنك تعتقد أن مصيرك بيد قوى نافذة ولا حول لك. ينخفض تقديرك لنفسك وجماعتك. هذه تبعات واقعية؛ ففي الإيدز وزيكا، أدى الإيمان بالمؤامرات إلى تجاهل،
التوصيات العلمية وتفاقم المشكلة. لم أكن أعرف وجود مؤامرات حول زيكا أيضًا. تظهر في كل أزمة؛ الأحداث المهمة تحتاج في أذهاننا إلى تفسير، ولا نرتاح للعشوائية. وحتى الآن، مع كوفيد-19 وسارس-كوف-2، يدعو البعض،
الناس إلى الخروج وعدم الالتزام، فيضرونهم ويزيدون الضغط على الحكومات والمستشفيات. ألا يحتاطون على الأقل؟ أتذكر مثالًا يُضرب في هذا السياق: لو وضعت أمام شخص أكوابًا،
من العصير، أحدها مسموم، فهل سيشرب من أيها؟ حتى لو كانت 100 كوب، سيخشى الكوب المسموم. من يدعو الناس إلى الخروج ويؤكد أنهم لن يمرضوا، ألا يفكر في احتمال صحة التحذير، وأن كلامه قد يدمر،
حياة أسرة بفقد أب أو أم أو طفل، أو حياة شخص مهم في المستشفى؟ أستغرب غياب الاحتياط نفسه. صحيح، ولذلك يصعب تغيير آرائهم؛ يجب أن تتماسك كل فكرة مع مبادئهم الكبرى،
مثل رفض السلطة؛ فيرفض الشخص كل التوصيات الحكومية، ويرى مخالفتها مقاومة. لننظر بشكل أوسع: وفق أحد التصنيفات المعرفية، لدينا نظامان للتفكير،
حواري ومنعزل. في الأول يتحاور الأفراد مع الآخرين والأدلة والسياق والمعطيات، وينفتحون على واقعهم. وفي الثاني يفكرون داخل أنفسهم ويرفضون أي حوار خارج منظومتهم ومبادئهم.
يميل المؤمنون بالمؤامرات إلى النظام المنعزل؛ فهو يعطيهم وصولًا سهلًا إلى معلومات وأدلة توافق أهواءهم ومعتقداتهم، ويعفيهم من عبء الأدلة المتناقضة. عندما قدمت لهم شرح 5G، سببت لهم قلقًا،
وتنافرًا إدراكيًا. أسهل رد هو رفضك ورفض كلامك كله، لأنهم غير مستعدين لمراجعة مبادئهم الكبرى. إذن، يبدو أنك أغلقت كل الأبواب أمامي،
فإذا كان هذا موقفهم، كيف نواجههم؟ هناك مستويان: مؤسساتي، تتولاه الجهات الرسمية عادة، وفردي بين الناس. لا توجد وصفة تنجح بنسبة 100%؛ سيبقى بعض،
المؤمنين بالمؤامرات، كما وُجدوا منذ أزمنة قديمة. لكن توجد إجراءات وقائية، أهمها الاستباق وتهيئة التوقعات. يمكن لوزارات الصحة، في السعودية أو الكويت مثلًا، أن تقول مبكرًا: نحن في فترة غموض، وستنتشر إشاعات، فانتبهوا لها.
بهذا تملأ فراغًا قبل أن تستغله المؤامرة. ولأن الاتهامات تستهدف عادة الجهات النافذة، ومنها الحكومة، يمكن إيصال المعلومات عبر جهات غير حكومية، مثل،
أشخاص موثوقين وعلماء مستقلين لا يقدمون أنفسهم بوصفهم سفراء للحكومة. قد يصبح الجمهور المرتاب أكثر استعدادًا للاستماع. أما إذا تحدث مسؤول في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بأمريكا،
فقد يصنفه بعضهم ديمقراطيًا ويرفض كلامه مقدمًا. بينما قد يقبل المعلومات من طبيب في مجتمعه، أو حتى شيخ ديني تزوده وزارة الصحة بمعلومات صحيحة لينشرها. أما في النقاش الفردي مع الأصدقاء،
فمن المفيد منح الشخص إحساسًا بالقدرة على الحكم: لا أحاول فرض رأيي؛ هذه المعلومات وأنت تقرر. مكّنه وأثنِ على قدرته على التفكير النقدي، كأنك تعطيه دفعة في الاتجاه الصحيح.
زوده بالحقائق وأدوات المنطق. عندما تفكك مغالطات في مؤامرات 9-11 مثلًا، يكتسب أدوات قد يستخدمها لمواجهة مؤامرات أخرى، لأن الإيمان غالبًا يكون بحزمة كاملة،
لا نظرية منفردة. لذلك لا ينبغي للحكومات أو الأفراد التركيز على واحدة فقط، بل تفكيك الأسس المعرفية لأكبر عدد ممكن. من المفيد تناول نظريات 9-11 أيضًا، لأن أصحابها يستخدمون الأدلة نفسها،
في موضوعات أخرى. تناقش كورونا، فيأتيك بادعاء عن فساد الحكومة أثناء الإيدز أو 9-11. يكون الأثر أوسع حين تفند مجموعة من النظريات. لكنه عمل طويل يحتاج إلى صبر وجهد مؤسساتي.
أذكر برنامجًا أخذ مجموعة من المؤمنين بالمؤامرات إلى مواقع الأحداث والمختبرات، ليروا بأنفسهم ما يحدث. صُدمت بأن بعضهم لم يقتنع، رغم اقتناع آخرين بعد رؤيتهم الأدلة،
وظلوا يكررون التبريرات. نأمل أن تنجح الطرق التي ذكرتها؛ نحاول تفكيك بعض المؤامرات، لكن ليس كلها. سيبقى متشددون راسخون في إيمانهم بها، وغالبًا لن،
تستطيع تغييرهم. ليكن هدفك الفئة الوسطى وعامة الناس، وهم الأغلبية. لنكن متفائلين: غالبية الناس تقتنع بالدليل المنطقي المتماسك. نتحدث عن فئة قليلة، لكنها قد تسبب كوارث، كما رأينا مع التطعيم،
حيث ساهمت مؤامرات اللقاحات في عودة أمراض سبق التغلب عليها. رغم خطورة الأقلية، يحتاج معظم الجمهور إلى المعلومة الصحيحة والأسلوب المتعاطف، دون تعالٍ أو سخرية، لمخاطبة مختلف العقول.
حدث معي موقف على تويتر: ناقشت شخصًا باحترام في البداية. ثم فقدت أعصابك؟ لم أجرحه شخصيًا، لكنني استخدمت أسلوب تسخيف الفكرة. قد يكون فعالًا أحيانًا. نعم، وأعرف متى أستخدمه،
لكنني بعد السخرية من المعلومة، لا الشخص، تلقيت شتيمة. طبيعي، لقد هززت استقراره الفكري. لننتقل إلى موضوع آخر ظهر بوضوح،
رغم محاولات ضبطه اجتماعيًا، وما زال يتكرر: الطائفية. قدمت حلقة عن تجربة «كهف اللصوص» لمظفر شريف، وذكرت فيها قول الدكتور بول بلوم،
إن العدو الخارجي يوحد المجتمع. قال مازحًا إن هجوم مخلوقات فضائية على الأرض سيوحد العالم. لدينا الآن عدو مشترك، الفيروس، لكننا نلاحظ،
أنه لم يوحدنا تمامًا؛ العنصرية والطائفية شديدتان في بعض الدول، وتظهران على التواصل حيث يسمح بالكلام. لماذا لم نتكاتف أمام هذا المرض؟
تجربة كهف اللصوص مضبوطة جدًا، ولا تمثل الواقع المعاش تمامًا؛ شارك فيها 22 طفلًا فقط. كانوا في المكان الجغرافي نفسه، ووُجد لديهم،
تصور فعلي للمصير المشترك. لو توفر هذا التصور، كما يفترض مثال بلوم، فقد نتحد للمواجهة. لكن مع التباعد الجغرافي، كيف أشعر أن مصيري مرتبط بإجراءات سوق في الصين؟ هذا الإحساس غير موجود لدى الجميع.
من أهم طرق مواجهة الطائفية والعنصرية إضفاء الإنسانية على الآخر، والشعور بأننا معه في مركب واحد. لكن إيصال هذا التصور صعب. أمعقول ألا يشعر الناس بذلك مع انتشار كوفيد-19؟ نعم؛ حتى بين أهلنا من لا يلتزم بالتباعد،
إما لضعف الفهم العلمي أو التجاهل ودوافع أخرى. يغيب الشعور بالمسؤولية والمصير المشترك، لأن الخطر غامض وغير مرئي. لو كان فيضانًا أو بركانًا، لرأيت الناس يساعدون على الإخلاء. من مشكلات،
كوفيد-19 أنه خطر محدق لا نراه، فيضعف استشعاره إلا لدى من يفهمه علميًا. أشعر أن حتى مثال هجوم الفضائيين،
قد لا يوحد البشر نفسيًا واجتماعيًا. الخيال العلمي يطرح احتمالات أخرى؛ ربما ينضم بعض الناس إلى الفضائيين ويساهمون في تدمير الأرض ويعدّونها عدوًا. تعرض بعض الأفلام هذه الفكرة،
فليس الجميع سيقف مع الأرض؛ قد يرى مصلحته مع العدو. هذا ينسجم مع بعض ما تطرحه نظرية إدارة الهلع أو الخوف من الموت. باختصار، عندما يتعرض الفرد لخطر الموت والفناء، كما يحدث الآن، ينشأ لديه قلق وجودي،
يدفع بعض الناس إلى تأكيد تفوق ثقافتهم وجماعتهم، لتستمر سمعتها وأسطورتها، ويتركوا إرثًا. يبحثون عن شعور بالخلود في مواجهة الموت،
إما حرفيًا أو رمزيًا. رمزيًا، عبر ترسيخ الثقافة والجماعة، وقد يأتي ذلك من تصور تراتبي يقول إن جماعتنا،
ستنجو لأنها أكثر تفوقًا ونجاحًا. قد يتحالف الشخص مع العدو الخارجي أو أي جهة تضمن نجاة جماعته طلبًا لهذا الخلود. لذلك قد تبقى الحزبية والطائفية والعنصرية حتى أمام خطر مشترك،
لأنني أطمح إلى بقاء مجموعتي عبر إثبات تفوقها ونجاتها، فأقلل من غيرها. هذا أحد أوجه التفرقة التي نراها. جميل، دكتور. لدي أسئلة كثيرة، لكنني سأكتفي بسؤال أخير،
عن اقتراح بعض رؤساء الدول أدوية لم تكتمل الأدلة على فاعليتها. توجد آراء طبية أدق من رأيهم، ومع ذلك يطرحونها بثقة ودون تخوف على صحة الناس،
أمام مرض جديد لا نعرف مساره. لماذا يفكرون بهذه الطريقة؟ تقصد العلاجات الشعبية؟ لا، أدوية حقيقية، لكننا لا نعرف إن كانت فعالة، فيتصرف الشخص كأنه أعلم من الأطباء. لأنه يريد إعطاء بارقة أمل،
فنحن لا نطيق الشعور بالعجز. مثلًا، استشهد ترامب عند الحديث عن الدواء الأخير بحالة طبيب في نيويورك عالج 20 مريضًا وتعافوا، فقدمها كطوق نجاة وأمل، سواء أدرك ذلك أم لا.
نحتاج إلى شيء نستند إليه للحفاظ على توازننا الذهني. يصعب تقبل ألا يكون لدينا حل، وأن اللقاح قد يأتي بعد 18 شهرًا؛ نريد أي بارقة أمل. لذلك تشير دراسات إلى لجوء بعض مرضى السرطان، خصوصًا في مراحله الأخيرة، إلى علاجات شعبية،
بعد فقد الأمل، طلبًا للاطمئنان والشعور بالسيطرة. اللجوء إلى علاج شعبي أو غير مثبت ليس غريبًا على الأدبيات العلمية. لكن إذا كان الدواء ضارًا، ألا يؤذي ذلك المرضى، وخصوصًا حين يوصي به رئيس دولة؟
بالطبع. هذه من المشكلات السياسية في أمريكا الآن؛ أرى أن إدارة أزمة كوفيد-19 السياسية كارثية ومتحزبة. الدكتور فاوتشي، الذي يقود الجانب العلمي إلى حد ما، مقيد بشدة من الرئيس ترامب،
حتى إنه، رغم خبرته التي تقارب 30 سنة، لا يستطيع التعبير بصراحة. هناك أجندة سياسية؛ ترامب يريد إعادة الاقتصاد والأسواق سريعًا، فلا يريد سماع أن اللقاح بعد 18 شهرًا أو أن الفيروس شديد الخطورة. قبل أسبوع،
كان يتمنى أن يجتمع الأمريكيون في الكنائس بعيد الفصح، بعد غد. للأسف لا نعيش عالمًا مثاليًا أو منطقيًا؛ تتداخل الدوافع السياسية والاجتماعية وتؤثر بشكل مأساوي، كما حدث في أزمات سابقة. أظن أن لدي حلًا،
ولا أعرف إن كنت من محبي «ستار تريك». لا. أنا من محبيه. فيه سبوك، من شعب الفولكان، الذين تقوم حياتهم على المنطق المطلق دون تدخل المشاعر؛ يعالجون أي أزمة،
بالمنطق. لا أتصور أن يحدث هذا عندنا حرفيًا، لكن ربما نحتاج أن نصبح فولكان يومًا لنجد حلولًا مناسبة، وإلا استمر البشر على هذا الحال. ولهذا نشأ الاقتصاد السلوكي،
فقد افترض الاقتصاد التقليدي أن الإنسان يتبع مصلحته والمنطق والأدلة. ثم بينت الدراسات النفسية والعصبية والإدراكية أن تفكير الإنسان عرضة لاختلالات وانحيازات كبيرة. مثلًا،
ينحاز إلى المكاسب العاجلة، حتى لو أضرته، على حساب المكاسب البعيدة. في التدخين، أريد المتعة الآن وأتجاهل ضررًا قد يأتي عندما أبلغ 50 سنة. نشأ الاقتصاد السلوكي لأننا لسنا فولكان، ولسنا منطقيين تمامًا،
بل توجد 100 أو 200 من الانحيازات التي تشتت التفكير. شكرًا، دكتور، تعلمت منك كثيرًا. أتمنى أن يكون هذا أول لقاء من لقاءات أخرى، عندما لا يكون لدينا سارس-كوف-2 أو كوفيد-19 أو فيروس جديد،
لنتحدث في موضوعات أهدأ ونتأملها بهدوء. شكرًا لك. وأنا أتطلع إلى لقائك شخصيًا بعد انقضاء الأزمة، إن شاء الله. شكرًا جزيلًا، وفي أمان الله، ومع السلامة.
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


