نص مستعاد من ملف المؤلف الأصلي.

عين الحسد في علم النفس 2

تحدثت في المرة الماضية عن العين، عرفتها، وشرحت تفاصيلها، ثم بينت من أين يأتي الاعتقاد بالعين، واستخدمت المنطق العقلي الذي يبين أنه لا يمكن للعين أن تكون لها التأثير الذي يلاحظه الناس، ثم بعد ذلك ذكرت تجارب علمية على التأثير على الأشياء والتي ترتبط بتأثير العين، وفي النهاية ذكرت تجربة علمية تبين لماذا يعتقد الناس بوجود العين من خلال أخذ قراءات للمخ. من لم يستمع للحلقة السابقة عليه أن يذهب لها قبل أن يكمل هذه الحلقة.

بعد كل الذي طرحته في الحلقة السابقة لا يزال هناك من يردد نفس الكلام الذي أجبت عنه سواء في المنطق أو العلم، على سبيل المثال، لا يزال البعض يقول لي أنك لا تستطيع أن تقيم تجارب على العين، من الواضح أن من يقول هذا الكلام لم يستمع أو يركز في الحلقة السابقة، لأنني وضحت ما يمكن للعلم القيام بالتجربة عليه، وما لا يحتاج أن يقوم بالتجربة عليه، وبينت أننا نحتاج فقط لإجراء تجربة على الأشياء التي يدعي الناس أنهم لاحظوها، لا نحتاج أن نجري تجربة على ما إذا كانت هناك قوة خفية لا يستطيع العلم الكشف عنها، كل ما نحتاجه هو أن نقوم بتجربة تكشف إن كان للعين تأثيرا من خلال ملاحظة نتائج تأثيرها.

أقصد، إذا كنت تدعي أنك رأيت بأم عينيك إنقلاب سيارة أو سقوط حصان أو كسر رجل بعدما ذكر شخص مشهور أنه يصيب بالعين كلمة فيها فزة نفس، العلم يستطيع أن يستبدلك أنت الذي ادعيت أنك لاحظت هذه النتيجة السيئة للسيارة المقلوبة أو الحصان المسكين أو الرجل المتألم، نستبدلك بعالم يراقب الحدث بدلا منك، ولا أعتقد أن أحدا يختلف معي في هذا الشيء، لماذا نستبدلك بعالم؟ لأن العالم يستطيع أن يراقب الأمور بعين فاحصة وبأسلوب دقيق جدا، ثم يحلل الأمور بذكاء عالي، فكر في الأشياء التي صنعها العلماء عبر التاريخ، لترى الفرق بين الشخص العادي الذي يراقب الأمور والعالم، الشخص العادي لديه انحيازات كثيرة، بينما العالم يضبط الملاحظة، ويحاول إزالة أي عوائق تفسد ملاحظته، وأكرر مرة أخرى، لا نحتاج أن نعرف القوة الخفية التي تتسبب بالعين، فقط نريد عالم نبيه ينظر إلى أثر العين الذي يستطيع كل مدعي رؤيته، لا أكثر.

مع ذلك، لا يزال البعض يعتقد أن مثل هذه الأمور تحل بالمناقشة، يريدك أن تقتنع أن العين لها ذلك التأثير، ولكن إذا طلبت منه أن يريك تأثيرها يتهرب إلى الكلام والمناقشة والأدلة السردية القصصية، حتى إن الكثير من الأصدقاء الذين يؤمنون بالعين اتصلوا بين وأخبروني أن لديهم أصدقاء عيونهم حسودة إلى أقصى الحدود، وأن تأثيرهم "واحدة بواحدة" أي في كل مرة يصيب، وبمجرد أن أطلب منه أن أقيم تجربة عليهم يعتذرون بأعذار متنوعة، بعضهم يخبرني أن التجربة لا تنفع مع العين، ماذا يعني هذا الكلام؟ هل يعني أن العين تميز بين شخص عالم يريد أن يكشفها وبين الإنسان الساذج الذي لا يريد الكشف عنها؟ إذن، أصبح للعين عقل، لم تعد عينا فقط إنما شيء يفكر، ويتخفى عن البحث العلمي. كلام غير منطقي ولا معنى له.

البعض يذكر لي أن لديه دليل على أن العلم لا يستطيع أن يجرب كل شيء، فعلى سبيل المثال، الملائكة، إنهم موجودون من حولنا، ولكننا لا نستطيع أن نقيم أي تجربة عليهم، في الحقيقة من يقول هذا الكلام لم يفكر ولم يحلل الموضوع، لنقم بمقارنة بسيطة بين الإثنين، كم من الناس تعرفون يقولون لكم أنهم شاهدوا تأثير الملائكة على قلب سيارة أو سقوط حصان أو كسر رجل؟ وإذا أردت أن يكون الملائكة إيجابيين، فكم منا يدعي أن الملائكة هي التي أنقذت سيارة من الانقلاب أو حصان من السقوط أو الرجل من الكسر؟ لا أحد في عالمنا الإسلامي يدعي هذا الشيء، على العكس من العين، الكل يدعي مشاهدة أو ملاحظة تأثيرها، ولو ذهبت إلى يوتيوب ستجد العديد من الفيديوهات التي تبين شخص ما يتفوه بكلمة مؤثرة، ثم تتأثر الأشياء سلبا، وفي نفس الوقت لن تجد فيديوهات تبين أن هناك قوة خفية ملائكية تنقذ شخصا ما من حادث أو ما شابه، ربما ستجد بعض الذين يشذون عن هذه القاعدة، ويرون لك أنهم رأوا ملائكة، ولكن الشواذ لا يقارنون مع القاعدة في العين، أعداد الناس الذين يدعون أن العين تؤثر هائل بالمقارنة. أي مقارنة هذه بين ما لا نراه وبين ما ندعي رؤيته يوميا حول العالم؟

نحن نؤمن بالملائكة ولا نرى أي أثر لهم، والإيمان هذا يعتمد على نصوص من غير رؤية ولا دليل حسي لا عليهم ولا على آثارهم. أما العين فالكثير من الناس يشعرون بها، ويرون تأثيرها، لا مقارنة بين الإثنين، وحجة واهية ضعيفة.

تاريخ العين

قرأت عدة مواقع، وأوراق تاريخية (ليست علمية) عن تاريخ العين ومتى بدأ الناس بذكرها أو استخدام رموز تمثلها، وحتى علاقتها بالاقتصاد، وددت أن أقدم لكم بعض الذي قرأته في الموضوع حتى نفهم العين بشكل أفضل.

بحسب الورقة التاريخة: سر الخرافة خلف العين "THE SUPERSTITIOUS MYSTERY BEHIND THE EYE" يقول أن أقدم فخاريات لها علاقة بالعين ترجع إلى بلاد الرافدين كأقدم مصدر، 5000 عام قبل الميلاد، حيث اكتشفت فخار مكسور وعليه عينان بارزتان مغلقتان، رسم عليه أيضا حاجبان وأنف وفم، أما الفخار الآخر فهم يرجع إلى مصر وإلى 4000 عام قبل الميلاد، وكذلك على الفخار المصري عدة عيون خُطت على جوانب الفخار، إضافة لذلك اكتشف العديد مما يطلق عليه اسم أصنام العيون، وهي أشكال غريبة، حيث أنها مُشكّلة على شكل جسم شبه مستطيل مسطح، وعلى قمة المستطيل رقبة بسيطة ثم عينان مع حاجبان متصلان ببعض فقط، أي لا يوجد وجه أو أنف أو فم، أيضا تعود هذه الأصنام إلى 4000 سنة قبل الميلاد، وقد اكتشفت الآلاف منها في معبد تل براك في سوريا. لا تتوقف الفخاريات عن العين عند هذه المناطق والأزمان فحسب، بل اكتشفت العديد من الفخاريات المرتبط بالعين عبر التاريخ كله.(1)

يعتقد أن هذه العيون التي شكلت أو رسمت على الفخاريات قصد بها عيون تراقب، أو عيون تمثل مراقبة الله، للحماية من الشر، أتذكر أن إحدى الدراسات التي تبين أنك إذا وضعت رسمة لعينان تجعل الناس أكثر صدقا حينما لا يتواجد مراقب بشري (2)، حيث وضع العلماء عدة مشاريب مثل الحليب والقهوة والشاي، ووضع سعر الكوب أمام كل مشروب، ولا يوجد إنسان يراقب من يدفع، لما علقوا صورة العينان على الحائط وجدوا أنا الناس تدفع المبلغ المطلوب بأمانة أكثر بقدر ثلاث مرات من لو وُضعت صورة لفراشة، لعل كان هذا التأثير المتأمل من العيون الفخارية، ولربما نجحت الفكرة، وربما لم تتغير سيكولوجية البشر على مر الزمان في هذه النقطة.

https://www.bbc.com/culture/article/20180216-the-strange-power-of-the-evil-eye (1)

لاحظ الأمر المهم في الموضوع وهو أن العين كانت تستخدم للمراقبة ولدفع الشر، إلى عين تتسبب في الشر، وقد بينت الورقة التاريخية كيف أن الكثير من النحت تحول تدريجيا إلى أشكال مخيفة وفيها عيون ثاقبة تحاول إخافة الناس، وقد تجلى ذلك في نحت كثير في أماكن تحتاج إلى حماية مثل القصور والمعابد. الزمن يتكفل بتحويل الأفكار.

الآن، ومع مر الوقت، لا تزال لدينا العين الفخارية الزرقاء، التي تباع في الأسواق، لقد أصبح هدفها درء العين البشرية من إلحاق الأذى بالآخرين، وقد اختير اللون الأزرق بالذات لدرء العين الزرقاء من إصابة الآخرين بالأذى، ما علاقة اللون بالعين الحاسدة، لا علم لي، ولكن البشر دائما يبحثون عن السببية في الأشياء، وكثيرا ما يخطئون، ولذا جاء العلم لتحرير الإنسان من المغالطات التاريخية المتراكمة.

كما ذكرت أن أحد الأسباب التي بدأت بها العين بالظهور تاريخيا كانت لهدف حماية الأماكن المهمة أو حتى الأغراض المهمة، ولكن هناك نظرة أخرى للعين، ورقة نشرت بالسفير (Elsevier) مجلة السلوك الاقتصادي والتنظيم طرحت نظرة اقتصادية للعين، تدعي أن العين نشأت تاريخيا في مجتمعات فيها هوة كبيرة بين الفقير والغني (3)، فالسبب الرئيسي الذي جعل العين تنتشر في مجتمعات قديمة تعود إلى آلاف السنين، مجتمعات لا توجد فيها عدالة ويتفاوت الناس فيها معيشيا، كانت محاولة من الأغنياء للحفاظ على ثرواتهم من الحسد الفعلي الذي قد يسبب لهم الدمار الحقيقي، مثل أن يقوم شخص أو عدة أشخاص بإتلاف ثروتهم، لذلك يتفاعل الغني مع اعتقادات خرافية لا وجودها مثل العين والتي فعليا لا تؤثر لكي يخفي ثراءه. بذلك يحمي ممتلكاته عن أذية الناس الحقيقية، وفي نفس الوقت يعزز الإيمان بالعين الخرافية.

لنضع في الاعتبار أن هذه الورقة تتكلم عن مجتمعات قديمة جدا، حيث لا توجد فيها القوانين كالتي تحكم دولنا اليوم، فاستخدام العين يساهم في درأ التعدي على الممتلكات، وكذلك يساعد في إلقاء اللوم على قوة خارقة حتى لا ينتقم أحد من أحد إذا ما أصيب شخص ما بأذى.

تذكر الورقة الكثير من الأمثلة في مجتمعات مختلفة تؤمن بالعين وتستخدمها لحماية الممتلكات، فمثلا بعض القرى في مصر تضع الأنعام بداخل المنزل خوفا من إصابتها بالعين، وفي المكسيك في مجتمع تينك Teenek تُحاك الألياف بداخل البيوت المظلمة حتى لا يراها أحد، وبعض الناس يرفض أخذ الوظائف التي تقدم معاشا قويا حتى لا يحسدون عليها، أو أن بعض المزارعين يتركون بعض البرتقال ليفسد على الشجرة حتى لا يحسدهم أحد على محصوله، وفي البرازيل إذا سئلوا عن معاشاتهم يذكرون مبالغ أقل حتى لا يحسدوا عليها، وأظن هذا الأمر ربما أكثر عالمية من كونه فقط في البرازيل، الكثير منا لا يفصح عن معاشه، لعنا نخاف من الإفصاح عنها خوفا من الحسد أيضا، ويذكر أيضا أن قديما في الهند كان بعض المزارعين يرفضون استخدام سماد جديد حتى لا تخرج محاصيلهم بأحسن حال فتحسد.

سيكولوجية الإيمان بالعين

الآن، وبعد أن بينت سواء في الحلقة السابقة أو الحالية أنه لا العلم ولا المنطق يتماشيان مع فكرة تأثير العين على الأشياء، وكذلك بيت بشكل موجز وسريع تاريخ العين وأصولها، وأنها لم تبدأ كفكرة سلبية، إنما إيجابية، ثم تحولت تدريجيا إلى فكرة سلبية، نأتي لعلم النفس والعين، وكيفية تفكير الناس بها، وهي ربما التي ستحدد الطبيعة الحقيقية للعين، فبدلا من أن تكون للعين تأثيرا حقيقيا في هذا العالم، سيكون تأثيرها نفسيا، مما يجعل الناس تعتقد بوجودها.

تحدي القدر

ورقة علمية نشرت في Journal of Personality and Social Psychology (4) أقامت مجموعة من التجارب على الناس للتعرف على السبب الذي يجعل الناس تتردد في تحدي القدر؟ وتتساءل لماذا حينما تكون بيدك ورقة اليانصيب لا تود استبدالها مع اليانصيب التي لدى صاحب خوفا من أن تربح ورقتك التي استبدلتها؟ ولماذا يعتقد البعض أنهم إذا لم يأخذوا المظلة فإن السماء ستمطر، ولماذا لا تذهب إلى طابور الذي بجنب الطابور الذي تقف به خوفا من أن يتسارع طابورك بمجرد أن تتركه؟ أو لماذا يشعر الطلاب أن المدرس سوف يطلب منهم الإجابة على سؤال يختص بدرس طَلب منهم التجهيز له ولم يتجهزوا له؟ أبو بعبارة أخرى أن تحسد نفسك أو تضربها عين.

تذكر الورقة أن الإنسان لا يُحكِّم العقلانية في التفكير في مثل هذه الأمور، وبدلا من ذلك يعتمد على الحدس، ولو أن الشخص يقضي وقته لينظر إلى تحدي القدر بعقلانية سيفهم أن من غير المعقول أن تحديه هذا له أي أثر في تغيير الأمور، ولكن مع ذلك يسقط ضحية للحدس الذي لا يتطلب مجهود في التفكير.

وكذلك فإن السببين الرئيسيين اللذين يجعلاننا نفكر بهذه الطريقة هي أن النتائج السلبية تبقى في ذاكرة الناس بدرجة أكبر من النتائج الإيجابية، فمثلا وجودك في الطابور البطيء سلبي، ولكن تخيل لو أنك انتقلت من الطابور هذا وذهبت إلى الآخر متأملا أنه يتحرك بسرعة أكبر، ثم بعد أن انتقلت وإذا بالطابور الذي كنت فيه تحرك بسرعة، وتأخر الطابور الجديد، عندها ستشعر أنك في حرج أكبر مما لو كنت في الطابور الأول. وستبقى هذه الصورة في ذاكرتك مدة أطول، ولعلك لن تكرر تحدي القدر مرة أخرى.

أما السبب الثاني، فهو أن بما أن هذا الأمر حدث لك في السابق، فستتصور أن مثل هذه الأمور تحدث باحتمالية أكبر، أي لما أصبت بالحرج بعد انتقالك إلى الطابور الثاني، ستتذكر هذا الموقف بسبب الحرج الشديد، ثم بعد ذلك ستضع في الاعتبار أن تغيير الطابور سيسرع الطابور الذي كنت فيه باحتمالية أكبر. ترجيحك لتسارع الطابور بعد مغادرته أكبر من لو بقيت في نفس الطابور، كل ذلك بسبب تأثرك بسلبية الحدث.

لماذا نفكر أن تحدي القدر أو حسد الذات سيصيبنا بنتيجة سيئة؟ ذلك يعود إلى أننا لدينا تجارب سيئة مع مثل النوع من الحسد، بالرغم أن هناك الكثير من المواقف الإيجابية حتى نتحدى فيها القدر فننساها، المواقف السيئة مؤثرة على أنفسنا، فتبقى قريبة في الذاكرة، وتشعرنا أن لو عدنا لتكرارها سنصاب بنتيجة سيئة، وحتى لو لم تكن لدينا تجربة شخصية سابقة في تحدي القدر، لكان مجرد التفكير في نتيجة سلبية يجعلنا نعتقد أن النتيجة السلبية ستحصل، فنتفادى تحدي القدر، ولذا يبدو لنا أن تحدي القدر مخاطرة.

وقد أجرى العلماء 6 تجارب مختلفة لإثبات أن الناس فعلا تضع احتمال أكبر لحدوث نتيجة سلبية بمجرد تخيلها، فمثلا، أعطوا 63 طالب قصة ليقرأوها، وكانت كالتالي: أن جون قدم على جامعة ستانفورد وكان ينتظر القبول، أرسلت له أمه هدية تي شيرت عليها علامة جامعة ستانفورد، هنا القصة تتفرع إلى نوعين، أعطوا بعض الطلاب بقية القصة التي تقول أن جون خبأ التيشيرت في أسفل الدرج، وبعض الطلاب قرأ نهاية تقول أن جون لبس التيشيرت اليوم الثاني، السؤال الذي قدم للفريقين من الطلاب، ما هي فرصة حصول جون على القبول في الجامعة؟

كانت النتيجة أن الطلاب اعتقدوا أن جون لن يحصل على القبول من جامعة ستنافورد لو أنه تحدى القدر بلبس التيشيرت، فكروا في هذه النقطة قليلا، الناس اعتقدت أن فرصة جون أقل للحصول على القبول من الجامعة لمجرد أنه لبس التيشيرت، ما علاقة القبول بلس التيشيرت؟ لا علاقة للإثنين ببعض، ولكن الناس تربط الأمور ربطا خاطئا.

وقد قام العلماء بـ 6 دراسات أخرى لتبين أن فعلا الإنسان لا يجرؤ تحدي القدر خوفا من العواقب، ويكفيه أنه يتخيل عواقب سلبية، ليرجح أن الشيء السلبي هو الذي سيحدث.

ما الذي بينته هذه الدراسة بشكل عام؟ لقد بينت أن الإنسان كثيرا ما يعتمد على الحدس بدلا من المنطق، فمن منا يعتقد أن بعدم أخذ المظلة فإن هذا العمل سيؤثر على السماء لإنزال المطر؟ ومن منا يعتقد أن بلبس التيشيرت سيحسد نفسه ويغير من نتيجة القبول؟ منطقيا هذه الأشياء لا علاقة لها ببعض، ولكن لأننا نفعل المخاوف فإن هذه المخاوف تجعلنا نعتقد أن الاحتمالات تغيرت، فنظن أن هطول المطر وعدم الحصول على القبول ازدادت احتمالاتهما، وتذكر الورقة أيضا، أنه حينما يكون هناك أي نوع من الخرافات في المجتمع، فإن هذه الخرافات تدعم زيادة المخاوف، فيتفادى الإنسان تحدي القدر أكثر، وتؤكد الدراسة أيضا أن للمجتمع تأثير على هذا النوع من المعتقدات، لأنها تساهم في دفع الشخص لتقبل القيم المشتركة فيه.

درء النتيجة السلبية للحسد

لقد أقام العلماء دراسة أيضا تبين كيف يدرأ الناس النتائج السلبية إذا ما اعتقدوا أن العين أصابتهم، نحن نعرف أن هناك من الناس من يطرق الخشب، أو يرمي الملح خلف ظهره أو يتفل، لماذا يقوم بعض الناس بهذه الأعمال؟ بحسب الورقة العلمية التي بعنوان: قلب حظ الفرد عن طريق دفع الحظ السيء Reversing One’s Fortune by Pushing Away Bad Luck (5)، والتي نشرت في مجلة Journal of Experimental Psychology، فإن الشخص يقوم بهذه الحركات حتى يدفع الشر عن نفسه، وكلمة "يدفع" هي ما حاول العلماء الكشف عنه، فحينما يقوم الشخص بهذه الأعمال فهو يتخيل أن هذه الحركات فعلا تدفع الشر، مثل أن تدفع كرة بعيدا عنك على سبيل المثال، وفي الحقيقة ما يقومون به ليس إلا دفع التصور عن السوء الذي يعتقدون أنه سيصيبهم. أو هم يدفعون الخيال بالخيال.

متى يقوم الناس بمثل هذه الحركات؟ حينما يتحدون القدر على سبيل المثال، حينما يقول شخص أنه متأكد من حله لجميع أسئلة الاختبار من غير أية أخطاء، فهو يتحدى القدر، بذلك يطرق على الخشب لدرء الحظ السيء، أو أنه يقول مثلا أن طقس اليوم سيكون جميلا، سيسكب الملح خلف ظهر ليقلب النحس، أو لما يقول شخص أنني إنسان ناجح، ربما سيتفل على صدره حتى يبعد عن نفسه الحظ السيء، مثل هذه الحركات (لنتبه لموضوع مهم، وهو أن الدراسة فقط حاولت فهم هذه الحركات، وليس مثل قراءة القرآن أو التلفظ بكلمات، أردوا فهم ماذا تعني الحركات بشكل عام بالنسبة للشخص، ومع ذلك الدراسة تقول أنه لا تهم الحركات، إنما معاني الحركات، فلو كان معنى الحركة هو دفع الشيء ذلك يعتبر دفعا، وأعتقد أنه قد يشتمل على قراء القرآن لدفع الحسد، فلو كان المعنى من القراءة الدفع، انطبق البحث على هذا التصرف)، يقصد منها درء ذلك الحظ الذي يعتقد صاحبه أنه سوء سيصيبه، ولا يتعلق ذلك فقط في أن يصيب الشخص نفسه بالعين، حتى لو أن شخصا آخر حسده، فإنه سيقوم بشيء ما يدفع السوء بعيدا عنه.

هناك جانبان للخيال، وهما يساهمان بشكل مباشر في هذه الدراسة، أولا إذا تخيلت مثل أنك تتفاعل مع أجسام في ذهنك، فمثلا لو قلت لك احمل كوب الماء من مكان إلى آخر، قبل أن تحمل هذا الكوب ستفكر في حمله بذهنك، وتتصور الاحتمالات التي تنتج من حملك له، وقوة هذا التصور تتأثر بتصرفاتك الخارجية، أي أن العمل الذي تقوم به يجعل الصورة الداخلية أكثر وضوحا، ثانيا، وضوح الصورة الذهنية تتأثر بحالتك بعواطفك، فلو كنت تفكر في أن قيادتك للسيارة سيؤدي بك إلى حادث، فهذا التصور العاطفي شديد التأثير عليك إلى درجة أنك تضع احتمال أكبر لوقوعك في حادث، وهذا لمجرد وضوح الصورة في ذهنك.

لذلك وضع العلماء فرضية في هذا البحث أنه حينما يتحدى الشخص القدر، تتكون صورة قوية تؤثر على اعتقاده في درجة احتمالية حدوثها، فمثلا لو أقول أنني سأقود السيارة اليوم من غير حتى حادث واحد، لقد أصبت نفسي بالعين، ما فعلته هو أنني كونت صورة ذهنية عاطفية تؤثر عليّ إلى درجة أنها ترجح احتمال حدوث هذا الحادث، ولكن لو أنني قمت بالطرق على الخشب فإن هذه الحركة التي من شأنها أن تبعد الفكرة، وستجعل صورة الحادث أقل وضوحا في الذهن فتخفف من اعتقادي باحتمال حدوثها.

جرب بنفسك وأنت تقود السيارة أن تتحدى القدر، قل لنفسك: "لن أكون في حادث سيارة في اليوم بكل تأكيد"، ولاحظ كيف ستشعر.

للتحقق من صحة الفرضية، أتى العلماء بـ 190 متطوعا، وقرأوا لهم القصة الوهمية التالي: "صديق لي أصيب بحادث سيارة، وجعلني ذلك أفكر إلى أي درجة الطريق خطر، خصوصا حينما يتساقط الثلج، هل تعتقد أن هناك احتمالا أنك أنت أو أحد أقربائك سيصيبه حادث سيء هذا الشتاء؟"

وطلب من المتطوعين أن يجيبوا بأحد ثلاث إجابات عادية: "لن أصدق أن الثلوج ستنزل قريبا"، أو "الشتاء وصل أليس كذلك؟"، أو "أنا لست جهازا للثلج"، هذه الإجابات ليس فيها أي تحدي للقدر، أما الإجابات الثلاث الأخرى التي تتحدى القدر فهي: "أبدا، لا أحد أعرفه سيكون في حادث سيارة سيء، لا يمكن أن يحدث هذا الشيء"، أو "أنا متأكد أن كل شخص أعرفه سيكون في مأمن طوال الفصل"، أو "كل شخص أعرفه كان في مأمن في السابق، ولن يصاب أي شخص بحادث أليم هذا الشتاء أبدا".

سأل العلماء المتطوعين أن يصنفوا الاختيارات بحيث تعطى درجة من عدم الراحة إلى راحة كاملة، فبطبيعة الحال، الإجابات التي تتحدى القدر كانت غير مريحة، ثم سألوا المتطوعين، ما إذا كانت الإجابات الغير مريحة تتحدى القدر، 84% من المتطوعين اعتقدوا أن على الأقل واحدة من تلك الإجابات تتحدى القدر.

الآن نأتي إلى الحركة التي تدفع الحظ السيء، طُلب من المتطوعين أن يخلوا أذهانهم من الأفكار، وطُلب مجموعة أن يعدوا من 1 إلى 5، وفي نفس الوقت الشخص على الطاولة أثناء العد (للعلم، لم يخبروا المتطوعين أن الطرق له معنى طرد الحظ السيء)، وطلب من مجموعة أخرى أن يطرقوا الطاولة ولكن من الأسفل، وليس من الأعلى كما في المجموعة السابقة، مثل أن تضع يدك تحت الطاولة، ثم ترفعها لتطرق الطاولة، وكذلك كانت هناك مجموعة أخيرة لم يطلب منها الطرق على الطاولة.

بعد انتهاء التجربة تبين العلماء من المتطوعين الذين اختاروا جمل تحدي القدر مدى شعورهم بأن حادثا قد يصيب أحدا يعرفونه، فلاحظوا أن الذين طرقوا على الطاولة من الأعلى انخفض لديهم الشعور بالخوف من الحظ السيء، والذين لم يطرقوا الطاولة كان شعورهم أسوء من الذين طرقوا الطاولة من الأعلى، وأن الذين طرقوا الطاولة من الأسفل كان شعورهم الأكثر سوءا، كان اعتقادهم في أن حادثا ما سيصيب أحد يعرفونه.

لاحظ الأمر المهم، أن الذين طرقوا الطاولة من الأعلى كانوا وكأنهم يبعدون الشر عن أنفسهم، بينما الذين طرقوها من الأسفل وكأنهم يقربون الشر إليهم، رغم أنهم لم يربطوا طرق الطاولة مع طرق الخشب المعروف على أنه يطرد سوء الحظ. وهذا يبين كيف أن الإنسان فقط يشعر بتأثير الحركات عليه لطرد الشر طالما أن الحركات تؤشر إلى إبعاد الشر عنه. هذا يعني أن حتى دفع الإصابة من تحدي القدر أو العين الحاسدة ليست إلا مشاعر ترتبط مع حركة، وليس لها أي علاقة في تأثير خارق. فلو كان للطرق على الخشب له تأثير على تحدي القدر لإلغاء مفعوله، لما كان هناك فرق بين طرق الطاولة من الأعلى أو الأسفل، ولكن لأن الحركة لها دلالة سيكولوجية على الإنسان استشعر حالتين مختلفتين بحسب الدفع أو السحب.

وقد قام العلماء بتجربة أخرى حتى يؤكدوا على فكرة دفع الأشياء، فبدلا من استخدام خرافة الطرق الذي قد يكون بداخل وعي الناس من غير أن يشعروا بها، طلبوا من متطوعين آخرين إما الاحتفاظ بكرة بأيديهم أو رميها بعيدا عنهم بعد القيام بتجربة مشابهة للأولى، فكانت النتائج تشابه السابقة، أي أن الذين دفعوا الكرة شعروا بأن تحدي القدر لن يؤذيهم، بينما الذين احتفظوا بالكرة شعروا بعدم ارتياح، وأنهم قد يصابوا بالسوء بعد تحديهم للقدر.

أقام العلماء تجارب أخرى عديدة حتى يتأكدوا من صحة الفرضية التي افترضوها، وبين أنهم فعلا على حق، الناس تقوم بحركات معين تغير التصور الموجود لديهم عن النتيجة التي تأتي من تحدي القدر، وبهذا تشعرهم بالراحة.

فكروا معي قليلا، هذه التجارب تبين كيف أن نفسية الشخص وشعوره وتخيله للإصابة بالسوء تحدد اعتقاده بمدى إمكانية إصابته بالسوء، وحينما يقوم بطقوس عادية، مثل طرق على الطاولة، أو حتى رمي كرة، ينخفض مستوى الاعتقاد بالضرر الذي سيلحق به من تحدي القدر، الطقوس ليست إلا أمور تريح الناس وليست لها علاقة بالعين بحد ذاتها، فهي لا تؤثر على شيء خارجي، إنما تؤثر على نفس الإنسان فقط. الآن أضف للدراسات النفسية ما شرحته في الحلقة السابقة، ما الذي تبقى للعين من تأثير؟ هل بقي شيء؟ بالطبع هناك تأثير، وهو التأثير النفسي على الناس، هناك شعور مغالط يشعر به الإنسان، وإن لم يكن له واقع عملي بحت، هناك شعور بفقد التحكم، ولكنه ليس إلا في عقل الإنسان، وبمجرد أن يقوم ببعض الحركات، تعود له نفسيته المطمئنة، بغض النظر عن إصابته بالسوء أو عدم إصابته به.

لماذا يعتقد الناس أن لديهم تأثيرا سحريا على الآخرين؟

عرفت الورقة العلمية التي كانت بعنوان "قوى سحرية متعارف عليها: دور السببية العقلية الظاهرية بالمبالغة في التأثير الشخصي" Everyday Magical Powers: The Role of Apparent Mental Causation in the Overestimation of Personal Influence أن التفكير السحري هو الإيمان بقدرة التأثير على الأحداث عن بعد من غير وجود أي تعليل فيزيائي، ويدخل تحت هذا التعريف العين، لأن العين تؤثر على الأشياء عن بعد، ولا يعرف كيف تؤثر من الناحية الفيزيائية، وقد ذكرت الورقة أمثلة متعددة عن ما نسميه بالعين كمثل شخص يتذمر لنفسه على جدته ثم تسقط وتكسر رجلها، أو شخص يغضب على صاحب العمارة التي هو فيها لأن جشع، ثم تقبض عليه الحكومة لأنه تفادى الضرائب، الدراسة تشمل التفكير السحري الإيجابي أيضا مثل أن تركز بتفكيرك على اللاعب الذي سيركل الكرة في ضربة الجزاء، ثم يُدخل الكرة فتشعر أنك كنت سببا في نجاحه.

السؤال الذي حاولت الدراسة الإجابة عليه هو ما السبب الذي يجعل البعض الذي يفكر في حدث ما يعتقد أنه تسبب به. على سبيل المثال تمنيتُ لعدوي أن يصاب بمرض، وإذا به يصاب به، سأعتقد أنني أنا السبب في إمراضه، وكأنما هناك قوة خفية تؤثر على الأشياء، ما السبب الذي يدعوني للاعتقاد بهذه القوة السحرية رغم أنها لا تصمد أمام المنطق أو العلم؟ وهذا ربما سيجيب على الناس الذين يؤمنون بالعين رغم الأدلة العقلية والعلمية ضدها، بمعرفتنا لمثل هذه المعلومات يساهم في فهم أنفسنا أكثر، حتى نستطيع أن نغيرها إلى الأفضل.

بداية تستعرض الورقة دراسات سابقة حاولت تفسير هذا الشيء، فأحد أسباب تصديق القوى السحرية هو التعلق بها منذ الصغر، ففي الصغر كنا نتدرج في تعلم السببية، أو كيفية عمل الأشياء، لم تكن لدينا المعرفة التامة فيها، وكانت القوى السحرية جزء من تفكيرنا، فكبرنا عليها مع الوقت، لتصبح جزء من كياننا، رغم أننا درسنا العلم وفهمنا السببية في الطبيعة، ولكن الأسبقية في التعلم جعلت هذه الأفكار جزءا منا رغم أننا في الغالب لا نعترف بها صراحة.

والسبب الآخر هو أن الإنسان يريد ألا يفقد السيطرة، الدراسات تبين أن الإنسان لما يكون تحت ضغط المجهول، يتحول إلى التفكير السحري، لماذا لأنه يريد أن يتحكم في النتيجة، أو يريد أن يفهم النتيجة. فمثلا لما ترى صديقك وقد أصيبت ركبة رجله اليمنى، أنت تحاول أن تفهم لماذا أصيب فجأة، أنت لا تعرف السبب، ولذلك تريد أن يكون هناك سببا لما حدث له، فتزعم أنه أصيب بالعين طالما أن الأسباب الأخرى غير واضحة بالنسبة لك، ستستخدم الاختصارات العقلية للوصول إلى نتيجة سريعة، ولا تضع في عين الاعتبار أنه أصيب لأنه كبر في السن، أو لأنه في يوم ما لوى ركبته في السابق، وهو معرض لأن تلتوي مرة أخرى، أو وزنه ازداد في الفترة الأخيرة فشكل الوزن ضغطا على ركبته، من الصعب أن تحلل الأشياء وتفكر بمنطقية، لا تريد أن تصرف طاقة كبيرة في ذلك، فتربط بين العين والحدث، فترجع لنفسك التحكم وتطمئن للتفسير، قد لا تفكر بهذه الطريقة بصراحة، ستفكر أوتوماتيكيا بها.

سبب أضافي يجعلنا نعتقد بالأفكار السحرية هو ما يحدث فعلا من جراء تفكيرنا، أنت حينما تود أن ترمي كرة، ستفكر بأنك ترمي كرة ثم ترميها، أو إذا ما أردت أن تشرب الماء تفكر في شرب الماء، فترفع الكوب إلى فمك لتشرب، هناك علاقة بين التفكير وبين النتيجة المشابهة لها، أنت تفكر بالفكرة، فتنفذها، لذلك تصبغ هذه العملية الطبيعية الفيزيائية المنطقية التفكير السحري، أنت تفكر، وغيرك ينفذ الفكرة، فتعتقد أنك كنت سبب في التأثير عليه، أنت تحسد فيصاب المحسود، رغم أن في الحالة الأولى كنت أنت المفكر والمنفذ وهو منطق فيزياء صحيح، ولكن تأثرت عقليا لتفكر أن هناك منطق فيزيائي لتفكيرك الذي تظن أنه أثر على شيء آخر، لا يوجد بينك وبينه أي رابط فيزيائي.

أجرى العلماء تجربة ليست مرتبطة بالعين، ولكنها تبين شيء مهم جدا، أرجو أن تنتبه له، طلبوا من متطوعين المشاركة في استخدام دمية الفودو للتأثير على شخص آخر، دمية فودو فكرتها أنها تمثل شخص ما تود الإضرار به، فتغرس فيها دبابيس بهدف إيذاء الشخص الذي تمثله، طبعا كعادة الاختبارات النفسية، هناك ممثل، وهناك خدع يقوم بها المجربون حتى لا يشعروا المتطوع بأنه مخدوع، لكيلا تتأثر التجربة بمعرفة الشخص بتفاصيلها.

تخيل معي التجربة لأنها ممتعة، جاء المتطوع، وانتظر لحين إتيان المتطوع الآخر، تأخر المتطوع الآخر 10 دقائق، وحينما حضر إلى المختبر كان غير عابه، وبين أنه مهمل، لا يتهم للمعلومات المقدمة، وكان أسلوبه قبيح في الرد، ولما أعطوه ورقة قرأها ثم جعدها بيده، ورماها في الزبالة، كتب على تشيرته "يجب على الأغبياء ألا يتكاثروا"، متطوع مزعج، لقد جعلت المتطوع الأول يكرهه بسبب تصرفاته، وكان هذا هو أحد أهداف التجربة، حيث كان المتطوع الثاني المتأخر ليس إلا ممثلا يمثل دور متطوع ثاني، وكان يهدف إلى جعل الأول كارها له.

أطلعوا المتطوع والممثل (لنسميهما متطوعين) على فكرة الفودو، وبينوا تأثيرها لهما، بحيث أن المتطوع الأول يشعر بأن الفودو له تأثير، ثم عملوا قرعة، بحيث يختار المتطوعين واحدة من ورقتي حظ يا نصيب، ورقة مكتوب عليها "الساحر" وهو الذي سيستخدم دمية الفودو، وورقة مكتوب عليها "الضحية"، من ينتقيها يصبح الشخص الذي سيجري عليه السحر، لما جر المتطوع الأول الورقة، تبين أنه هو الذي سيستخدم اللعبة ضد المتطوع الثاني أو الممثل، للعلم كلا ورقتي الحظ يا نصيب كان مكتوب عليها (ساحر)، وكان هذا هو هدف التجربة، فأي ورقة سيجر المتطوع الأول سيصبح هو الساحر.

طلب من المتطوع الثاني أن يكتب اسمه على الورقة ثم ألصقت على الدمية، وطلب منه أيضا أن يسجل ما إذا كانت فيه أي أمراض حاليا، فكتب أن ليس به أي مرض بتاتا، حتى يُعلم المتطوع الأول أنه سليم تاما، تمثيلية كاملة، الآن طلب من المتطوع الأول التركيز وتصوُّر المتطوع الثاني بصورة ذهنية واضحة، وطلب منه أن يغرس دبابيس في الدمية، وبعد ذلك طلب من الضحية المتطوع الثاني أن يكتب ما إذا كانت لديه أية أعراض، فكتب أن لديه صداعا الآن.

وبعد التحقق من شعور المتطوع الأول عن سببية تأثيره على المتطوع الثاني لإصابته بالصداع، ظن المتطوع أنه فعلا تسبب في أذى الآخر، وأن المسؤولية كانت تقع عليه خصوصا أنه كان يفكر بأفكار شر عن المتطوع الثاني.

وهنا يجب أن ننتبه لملاحظة مهمة جدا جدا، هذه كلها تمثيلية لكي يعرفوا شعور الناس إذا ما كان تفكيرهم السلبي كان مؤثرا على الأخرين، لم يتأثر أحد فعليا، ولا توجد أي أضرار، كان هناك فقط اعتقاد بأن الأول أضر بالثاني، ومن هذا الاعتقاد ظن الأول أن تفكيره كان سببا في الضرر، هذا يعني أن مع الضرر والوهمي يتخيل الناس أن التفكير يصيب الآخرين بالضرر. بعبارة أخرى، الناس تربط الأحداث ربطا خاطئا تماما حتى لو كان الربط ليس فيه أي صحة، الإنسان ببساطة ينخدع بسهولة لتكوين سببية لا وجود لها، حتى لو كان هناك مسبب، ولم يكن هناك سبب.

والشيء الذي عجبني في هذه الدراسة بالذات أنها لم تنظر فقط للأفكار السلبية، بل حتى للأفكار الإيجابية (والتي لم أذكر تفاصيلها)، أي أن لو هناك شخص يؤمن بالعين، أو شخص يؤمن بعلم الجذب، كلامهما سواء، لا فرق بينهما في التأثير على الأشياء بالتفكير. كلاهما مخطئ.

طبعا قام العلماء بعدة دراسات تختلف عن هذه، وكانت النتائج هي ذاتها، وبينوا فعلا أن الإنسان يؤمن بالتفكير السحري بمجرد التفكير فيه.

لماذا بقيت العين معنا إلى هذا اليوم؟

إذا كانت العين إلى هذه الدرجة لا تأثير حقيقي لها، فما الفائدة منها، ولماذا بقيت في وعي الشعوب إلى يومنا هذا؟ بالطبع، هناك عدة أسباب، منها التراث النقلي، والذي يعتبر جزء من الدين، وكعادة معلومات دينية، الإنسان يجب عليه الاعتقاد بها، حتى لو لم تكن هناك أي أدلة علمية عليها، وفي الكثير من الأحيان يجب أن نجد تبرير يتوافق مع المعلومة ونرفض أي فكرة تناقضها، هذا من جانب. ومن جانب آخر نلاحظ أيضا أن الإنسان بطبيعته الناقصة عادة يفسر الأشياء تفسيرا خاطئا، وقد قدمت أمثلة كثيرة على ذلك في الحلقة السابقة بالإضافة لهذه الحلقة. وهناك أيضا جانب آخر لبقاء العين إلى يومنا هذا، لأن العين فيها فائدة اجتماعية، وهي أن العين تجعل الناس يسلكون محابيا للمجتمع.

ورقة نشرت في Psychological Science بعنوان: درأ العين الشريرة: لما يزداد سلوك المحاباة خوفا من الإصابة بالعين. Warding Off the evil eye: when the fear of being envied increases prosocial Behavior. (6) تذكر الورقة كيف أن البعض الذين يتفوقون على الأخرين يحابونهم بمساعدتهم، وذلك خوفا من أن يصابوا بالعين. لو أن شخصا ما تفوق على الآخرين، سيشعر بالسعادة لأنه تفوق، ولكنه في نفس الوقت يعلم أن نجاحه قد يشعر الآخرين بالسلبية تجاهه. أتوقع أن هذا الشعور موجود لدى الكثير من الناس، ولو تفكر أكثر في الموضوع ستجد أنك ربما مررت بمثل هذه التجربة، ستتذكر كيف كان شعورك، وماذا كنت تعتقد عن شعور الآخرين لما تفوقت عليهم، وعادة من يتفوق لا يحب هذا الشعور السلبي في الآخرين، إلا أن نجاحه يشعره أنه في محنة، وهذا الشعور السلبي عند الآخرين يجعلهم يودون أن يحصلوا على ما حصل عليه المتفوق، أو حتى أن يزال منهم هذا النجاح.

واحدة من الطرق التي تخفف من حدة العين في حال التفوق هو أن يقلل المتفوق من قيمة تفوقه، أو أحيانا يبين أن لدى الحاسد جانب آخر جيد حتى وإن لم ينجح، مشكلة التقليل من التفوق أنه يقلل من مكانة الناجح، لذلك قد يشارك المتفوق نجاحه مع الآخرين كبديل للتقليل من النجاح، فمثلا لو اصطاد صياد الكثير من السمك، بينما لم يصطد أصدقاءه إلا عدد قليل من السمك، سيشاركهم فيه حتى لا يحسدوه، ولكن مشكلة هذا النوع من المشاركة صعوبة حدوثه في كل الحالات، فمثلا لا يستطيع المتفوق مشاركة الآخرين بمدالية حصل عليها في سباق الجري مثلا، ولذلك يكون المتفوق أكثر تعاونا مع الآخرين.

أقاموا تجربة على متطوعين، جعلوهم يتفوقون في تجربة، فكسبوا القليل من المال، بينما الخاسر لم يستلم أي جائزة، وحسسوا الفائز أنه سيكون محسود، فاتضح من دراستهم أن 83%-90.3% من الذين تفوقوا من الذين شعروا أن الطرف الآخر سيحسدهم قدموا لهم المساعدة لتفادي الحسد، كذلك اكتشفوا أن أكثر من (60%) من الذين لم يشعروا أنهم سيحسدون قدموا المساعدة أيضا، هذا يعين أن الذين يشعرون بأن الآخرين سيحسدونهم سيقدموا على تقديم مساعدات أكبر من الذين لا يشعرون بذلك، فرق كبير بين النسب.

لعل هذا أيضا يكون أحد أسباب نجاة عين الحسد على مدى السنوات الطويلة، بالإضافة للأسباب الأخرى، والتي أظن أنها الأكثر تأثيرا.

أظن أن الأدلة التي قدمتها أقوى بكثير من أي شاهد شخصي على تأثير العين ، كل الأدلة محترمة وتدعو العاقل لاحترامها وقبولها، ولكن قد يكون هناك حاجز آخر يمنع تقبلها وهو الحاجز الديني، والذي يمنعنا من رفض العين كلية، وأنا أتفهم هذا تماما، فالدين لا يحتاج إلى قوة الإقناع في بعض الأشياء لكي يثبت فكرة، كل ما يحتاجه هو المرجعية، لكن مع ذلك أظن أن كما فعلنا في الكثير من التفسيرات الدينية حينما نكتشف مخالفتها مع العلم نعيد النظر فيها، لابد أن هناك تفسير لهذا الموضوع بأسلوب منطقي وعقلاني، أنا شخصيا قرأت لبعض المختصين في الدين أن العين ليس ذلك التأثير المزعوم، إنما الحسد هو المشكلة الحقيقية، حينما يكره الشخص نجاح شخص آخر، ويود زوال النعمة منه، قد يقوم بفعل حقيقي فيزيائي لإزالة هذه النعمة من الشخص الآخر، قد يكون هذا هو التعليل المناسب للعين.

ألاحظ أن الكثير من الناس تفقد صداقاتها بسبب العين، أسر تتفكك لأن شخصا ما اعتقد أن ابن عمه أصاب ابنه بالعين، وألاحظ أن البعض يتهم الآخرين بأنه حسودين، وأنهم يصيبون الآخرين بالعين، فيبتعدون عنهم لمجرد خوفهم منهم، وهذه مشكلة يمكن تفاديها إذا علمنا أن العين لا أثر لها في الطبيعة، وأنها مجرد شعور نفسي خاطئ، ومن جانب آخر، العين تمنع تناقل المشاعر الطيبة الجميلة بين الآخرين، الكثير من الناس تتفادى امتداح شخص مبدع ومتميز خوفا من أن يعتقد أنه سيصاب بالعين، والعين تجعلنا نخفي نجاحاتنا حتى لا يحسدها الآخرين، مع أن النجاح أمر يجب أن نحتفل به، ونشجع عليه.

نحن لا نحتاج للعين لكي نفهم كيف تعمل الأشياء، عمل الأشياء له تفسيرات علمية دقيقة، وقوانين رصينة، لا تشذ عنها أبدا، إذا كانت مشكلتنا أننا نريد فهم أو التحكم بالطبيعة، فالعلم موجود، وهو الذي أعطانا ويعطينا تحكما قويا بالطبيعة، كل الأدوات التي نستخدمها اليوم تعتمد على العلم بشكل أو بآخر، كل الأطعمة التي نتناولها تعتمد عليه، كل الأدوية التي نتداوى بها ترجع إلى العلم، حتى النفس البشرية تفهم كيفية عمل الأشياء بأسلوب أفضل إذا كان من العلم، إذا فهمنا العلم، أرجعنا لأنفسنا التحكم مرة أخرى.

المصادر

✦

نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.