نص مستعاد من ملف المؤلف الأصلي.
غزاة من الفضاء
لقد كان ذلك تسجيلا صوتيا للجنود الذين يراقبون شاشات الرادار، وما شاهدوه هو أمر غريب للغاية، أجسام غريبة تظهر على الشاشة وتتحرك بسرعة حوالي 200 كيلومتر في الساعة، ثم تستدير بسرعة.
"هناك أسطول منهم، انظر إلى SA"
"يا إلهي"
"إنها تتحرك ضد تيار الهواء، الهواء يتحرك بسرعة 120 عقدة للغرب، "
"أنظر لهذا الشيء يا صديقي"
"انظر لهذا الشيء"
"إنها تدور"
وفي لقطة أخرى
"وووو.. اصطدته،" أثناء محاولة ملاحقته بمؤشر الرادار، "ما هو هذا الشيء؟... هدف متحرك"،
"لا وضعته على المتابعة الأوتوماتيكية،"
"أوكي"
"يا إلهي يا صديقي"
"واو"
"ما هذا الشيء، يا رجل؟ انظر كيف يطير"
رصدت وهي تطير إما في السماء أو على بارتفاع عن سطح البحر، وتظهر الأصوات أن الأشخاص الذين يعرفون تماما ما يرون أنهم في أشد حالات الحماس والاستغراب، فلو كانت هذه أجسام اعتيادية، لما بالغوا في التعبير ولما اندهشوا، فهم معتادون على النظر إلى الطائرات التي تتحرك بالسرعات المعروفة.
ظهرت أولى هذه الفيديوهات عام 2004، وضج الناس بها، ظن الكثير من الناس أن ما التقطته الرادارات هي مركبات فضائية، وما زاد هذه الحبكة تعقيدا عدم اعتراف وزارة الدفاع بأنها فعلا مصورة من قبل البحرية الأمريكية، فأضاف ذلك بعدا من الغموض، فشعر الناس أن وزارة الدفاع تريد أن تخفي ما تعلمه عن أولئك الفضائيين، كانت هذه السرية تلف الملفات هذه حتى هذا العام.
فقبل أيام وبتاريخ 27 أبريل 2020 اعترفت وزارة الدفاع الأمريكية بأن الفيديوهات التي نشرت بغير إذنها قبل سنوات وإلى يومنا هذا هي فعلا تابعة لها، وذكرت في التصريح على موقعها: "سمحت وزارة الدفاع بإصدار ثلاث مقاطع فيديو غير مصنفة تابعة للبحرية، أحدها التقط في نوفمبر 2004 والآخران في يناير 2015، والتي تم تداولها في المجال العام بعد النشرات غير المصرح بها في عامي 2007 و2017."
وجاء هذا التصريح بعد أن تحققت الوزارة بعدم وجود ما يكشف قدرات أو أنظمة حساسة، وأكدت على صحة تسجيل هذه الفيديوهات، أي البحرية الأمريكية فعلا التقطتها وهي حقيقية وليست مزيفة.
إذن، الفيديوهات حقيقية، وليست مفبركة، وهي فعلا من تصوير البحرية الأمريكية، وكانت فعلا ملتقطة من الرادارات، إذن نستطيع أن ندعي أن ما صور في هذه الرادارات مخلوقات فضائية جاءت إلى الأرض، وأن الفضائيين حقيقة واقعية، أليست هذه هي الطريقة التي يفكر بها البعض؟ هذا تفكير خاطئ تماما.
الآن ومع كل أنواع التكنولوجيا المتوفرة، والكاميرات الموجودة على الآيفون والتي تغص فيها الأرض، والكثير من هذه الكاميرات بدقة عالية من التصوير، بالإضافة للمصورين المحترفين الذي يصورون ملايين الصور في السنة، ومع الكاميرات ذات العدسات التي تصور عشرات الكيلومترات، والرادارات التي تلتقط الأجسام في كل مكان، وأجهزة ناسا وأيسا والمؤسسات الفضائية الشرقية والغربية من تلسكوبات، والتلسكوبات التي يتملكها الهواة، كل هذه لم تستطع أي منها أن تصور سوى صورة غير واضحة، مبهمة يلفها الغموض التام؟
وإن قلنا أن وزارة الدفاع الأمريكية تخبئ عن الناس أسرار الفضائيين، وأن ناسا تتأمر على العالم، وأن مؤسسات الفضاء كلها من حول العالم لا تريد أن تكشف سرها، وأن الفلكيين الهواة لا يطلعوننا على صورها، وأن البشر كلها سوى مجموعة أنت تنتمي إليها تعرف الحقيقة، فهذا هي مشكلة في طريقة تفكيرك، فقد أصبح العالم كله يتأمر.
ثم لماذا هذه المركبات فقط تطير، لماذا لا تهبط على الأرض؟ أو لماذا لا ينزل الفضائيين إلى الأرض يتمشون بيننا، وإذا ذكرت أن ربما هم فعلا بيننا ومختفون في أوساطنا، ولديهم تقنية عالية الكفاءة لإخفاء أنفسهم وهو يتمشون بيننا وأن كل أنواع الأجهزة على الأرض لا تتمكن من رؤيتهم، فكيف استطاعت الرادارات اصطيادهم وهم في الأجواء، ولم يستطع أي شيء آخر من تصويرهم وهم على الأرض.
طيب إذن لماذا تخفي وزارة الدفاع الأمريكية هذه الفيديوهات، ولماذا لا تعترف مباشرة بأنها لها؟ ببساطة لأنها تود الحفاظ على مصالحها، فأولا من هذه الفيديوهات قد تكشف قدراتها للعدو، ثانيا، قد تكون هذه طائرات تطير في حدود دولة أخرى، ولا تود أن تُنشر فيديوهات تكشف أسرارها، وأيضا، لعلها هي أيضا كانت تبحث في هذه الأجسام للتأكد ما إذا كانت تحتوي على تقنية خارقة لدول أخرى، وفي الإعلان عنها قد تعمل الدول الأخرى على إخفاء أسرارها أكثر، وهكذا هناك الكثير الاحترازات التي تتخذها المؤسسات العسكرية من أجل الحفاظ على أمنها، ولذلك لا تصرح بمثل هذه التصريحات حتى تتأكد من أن الأمور على ما يرام، طيب لماذا تأخرت في التصريح عدة سنوات؟ غالبا لأنها حال أي جهة حكومية لديها بيروقراطية قاتلة، ودراساتها تطول، وعملها يسير كالسلحفاة.
قد نتصور أن وزارة الدفاع الأمريكية لم تبحث في الموضوع، وأنها مجرد تخبئ معلومات عن الناس، ولكنها فعلت ذلك على مدى السنوات، ففي عام 1948 أنشأت مشروعا باسم مشروع "إشارة" ساين Sign، حيث كانت هناك أيضا مشاهدات لأجسام طائرة غير محددة UFO (وللعلم UFO هي اختصار لـ Unidentified Flying Object، أو أجسام طائرة غير محددة أو مجهولة، لكن درج عند معظم الناس أن الكلمة تعني أطباق طائرة أو فضائيين وما شابه)، هدف المشروع التأكد أن هذه الأشياء لا تضر بأمن الولايات المتحدة إن وجدت، وكانت النتائج أن هذه الأجسام في الغالب ممكن تفسيرها تفسيرا طبيعيا، وأن بعضها لا توجد له معلومات كافية لمعرفة ماهيتها، وهنا أود أن أؤكد على ما ذكرت قبل لحظة واحدة، وهو أن ما لم يُفسر يعود لعدم وجود معلومات كاملة حوله. وهناك فرق بين لا نعرف بسبب عدم وجود معلومات كافية، ولا نعرف فإذن نحن نعرف أنها مركبات فضائية. استمر المشروع لحوالي عام، ثم أوقف.
بعد ذلك أنشأت القوات الجوية الأمريكية مشروعا آخر بعد ذلك بعام بعنوان مشروع "ضغينة" غرادج (Grudge) وأكمل مشوار مشروع ساين. وأُنهي المشروع بسرعة في نفس العام، حيث كان هناك لغط ولخبطة في التحري فيه، وكانت هناك مشادات على النتائج، ولم يخلص المشروع إلى نتائج مقبولة.
بعد مشروع غرادج بدأ مشروع "كتاب أزرق" بلو بوك (Blue book)، أيضا عن طريق القوات الجوية الأمريكية، منذ عام 1952 إلى عام 1970. كان الهدف منه معرفة ما إذا كانت الأجسام الطائرة غير المحددة UFO تهدد الأمن، وأيضا لدراسة الـ UFO بطريقة علمية. وخلصت الدراسات الطويلة إلى أنه لا توجد أي مخاطر على الأمن الأمريكي من هذه الأجسام، وأنه (وهذا الكلام مهم) لا توجد أي إمكانيات تكنولوجية أو مبادئ لا تعمل على العلم المعروف، وأنه لا توجد أدلة بأن هذه الأجسام مصدرها خارج الأرض. وللوصول إلى هذه النتائج جمع المشروع 12,618 مشاهدة للأجسام الطائرة غير المحددة، واتضح أن غالبية هذه المشاهدات هي تفسيرات خاطئة للغيوم والنجوم أو طائرات تقليدية، لا سيما طائرة U-2 وكذلك A-12، بعض هذه المشاهدات لا يعرف تفسيرها، ومرة أخرى لأؤكد أن كلمة لا يعرف تفسيرها لا يعني أننا نعرف أنها من مخلوقات فضائية.
وكعادة أي مشروع، وكعادة أي مكان يعمل فيه الناس مع بعض تتكون مشاكل واتهامات أن هناك أناس يحاولون إخفاء المعلومات، وحتى على أعلى المستويات، والبعض الذي كان يعمل في هذه المشاريع كان يؤمنون بالفضائيين بكل تأكيد، لكن المشكلة أنه لا توجد أدلة كافية لإيضاح كيف توصلوا إلى هذه المعتقدات، هناك معلومات قاصرة، والقصور لا يولد إلا إيمان من غير دليل.
طيب إذا كانت هذه وزارة الدفاع الأمريكية، ماذا عن ناسا؟ فناسا تبحث بكل الوسائل الممكنة للكشف عن حياة خارج الأرض، ولعل من سعادتها هي ووكالات الفضاء الأخرى الكشف عن مراكب فضائية، ولعلها على عكس الدفاع، فهي شفافة في نتائجها ومعلوماتها، وهي تراقب السماء باستمرار فلماذا لم تكتشف إلى الآن مراكب فضائية؟ وقد تذكرون الكويكب الطويل الذي كشفت عنه أمواموا، حيث نشرت ورقة تدعي أن إحدى الاحتمالات أن الصخرة ليست إلا مركبة، ولكن حتى العلماء الشغوفين بأن يكتشفوا حياة أخرى رفضوا الفرضية من حيث المبدأ. ناسا بكل قدراتها لم تكتشف فضائيين إلى الآن، فتأمل.
لمن يبحث عن نظرية المؤامرة دائما سيكتشف إخفاء المؤسسات لمعلومات عن الناس، فيظن أن ناسا تخفي حقيقة تسطيح الأرضُ أو تزييفَ الذهاب إلى القمر، أو أن السي آي إي CIA تخفي اغتيالها للرئيس الأمريكية جون كندي، أو الحكومة الأمريكية تخفي حقيقة إسقاط برجي التجارة العالمي، أو أن العلماء يخفون زيف الاحتباس الحراري، أو أن المنظمات العالمية والشركات يتعاونون في إخفاء حقيقة تأثير شبكة الجيل الخامس على الصحة، بالإضافة طبعا إلى الأجسام الطائرة الفضائية المنشأ، كل هذه الأمور يعتقد بها من يؤمن بنظريات المؤامرة، وبعض الذين يربطون المعلومات بطريقة غريبة تجدهم يحولون غياب المعلومات إلى تفاسير أبعد ما تكون عن المنطق السليم.
قبل أن نفسر الأمور على أنها خارج هذا العالم، لنحاول أولا أن ننفي كل التفاسير التي بداخله.
المصادر
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


