نص مستعاد من ملف المؤلف الأصلي.

العشوائية في الحياة

سؤال: لديك في الدرج 10 أزواج من الجوارب، خمسة أزواج سوداء وخمسة أزواج بيضاء، ولكن لم تكن الجوارب مرتبطة مع بعضها، كانت مفرقة، وكانت الغرفة مظلمة، وأنت تتحسس الجوارب بيدك ولا ترى ألوانها، السؤال هو كالتالي، كم عدد الجوارب التي تحتاج لأن تخرجها من الدرج حتى تضمن إن هناك لونين متطابقين؟ أوقف البودكاست، وفكر قليلا في السؤال، أجب عنه، وأكمل لتسمع الإجابة.

إن فكرت إنك تحتاج لأن تستخرج 6 جوارب فأنت مخطئ، الإجابة هي ثلاث جوارب فقط لا غير. لاحظ إن سؤالي هو: "كم عدد الجوارب التي تحتاج لأن تخرجها من الدرج حتى تضمن إن هناك لونين متطابقين؟" فلو افترضنا إنك سحبت الجورب الأول وكان لونه أبيض، ثم مددت يدك لتسحب الجورب الثاني، وحصلت على الأسود، فأي جورب تسحبه بعد ذلك سيكون مطابق لأحد اللونين، ولا يهم أي لون كان.

سؤال آخر، في يوم من الأيام دعيت أصدقائك لحضور حفلة تخرجك من الجامعة، وتساءلت: ما هو احتمال أن يكون لصديقين من أصدقائي نفس تاريخ الميلاد، بحيث يتطابق اليوم والشهر؟ قد تفكر إن هناك 365 يوما في السنة، فلابد إن ستحتاج على الأقل إلى 364 شخصا حتى تضمن أن هناك شخصين متطابقين، هذا خطأ في التفكير، وعدت لقد وقعت في نفس الخطأ الذي وقعت فيه في اللغز السابق، في الغالب إن لم تعرف كيف تتعامل مع الاحتمالات فمن الصعب عليك معرفة الإجابة على السؤال، هذا السؤال الذي سألتك إياه قد تعرفه إن كان تخصصك علمي في الجامعة، لأنه يُدرس كمثال في مادة الاحتمالات.

الإجابة على السؤال ستكون غريبة جدا بالنسبة لمن لا يعرفها مسبقا، لأنها غير بديهية. فلو كانت لديك في الحفلة 23 شخصا فقط لكان احتمال تطابق شخصين بعيد الميلاد هو 50%، يعني لو كنت مع 23 شخص من أصدقائك الآن، وطلبت من كل شخص أن يصرح بتاريخ عيد ميلاده، فهناك احتمال 50% إن شخصين من أولئك لديهم نفس تاريخ الميلاد، ولو كان عدد الأشخاص 50 شخصا فإن احتمال تطابق عيدين ميلاديين هو 95%، أمر صعب تصديقه، ولكنك تستطيع أن تجربه بنفسك، ولا زلت أتذكر حينما جرب مدرس الرياضيات في مادة الاحتمالات هذه التجربة على الطلاب، وصدمنا من النتيجة، حينما ذكرنا أعياد ميلادنا في صف يحتوي على حاولي 25 طالب اكتشفنا إن هناك إثنان متطابقان.

طيب سؤال آخر، كنت في مسابقة على التلفزيون، وكانت هناك ثلاثة أبواب مغلقة، خلف واحد من الأبواب سيارة، وخلف كل من البابين الأخريين عنزة، قال لك المقدم: "اختر أحد الأبواب"، ولكن من غير أن تفتحه لترى ما خلفه، لنقل إنك اخترت الباب رقم 1، المقدم يعلم ما خلف الأبواب، توجه للباب رقم 3 وفتحه وكان خلفه عنزة، الآن يسألك المقدم: "هل تريد أن تغير الباب الذي اخترته؟" ما الذي ستفعله؟ هل ستغير اختيارك إلى الباب رقم 2 أم ستبقى على الباب رقم 1؟ قد تقول في نفسك، بعد أن فتح المقدم الباب، وعلمت إن الباب رقم 3 به عنزة، فذلك يعني إن احتمال أن أحصل على السيارة هو 50%، لا أحتاج أن أغير اختياري الأول، فالاحتمالات متساوية لكل منهما.

إذا أردت نصيحتي، غير الباب الذي اخترته، فإن احتمال حصولك على السيارة هو أكبر إذا ما غيرت. عجيب! أمر لا يصدق. بل إن احتمال حصولك على السيارة إن غيرت الباب هو 66%، واحتمال حصولك على السيارة إن بقيت على الباب الذي اخترته هو 34%، أمر فعلا محير، كيف حصل ذلك؟ لن نخوض في الكيفية، لأن الإجابة على هذا السؤال نوعا ما معقدة، ولكن لدي هدف من طرح هذه الأسئلة.

أردت أن أبين إننا نحن البشر ليست لدينا قدرة بديهية على فهم الاحتمالات، لدينا بديهية عامة في التعامل مع الأمور ولكن إن أتينا للاحتمالات فالموضوع يختلف، كثيرا ما سنقع في أخطاء، ولكن لكي نعرف كيف نتعامل مع الاحتمالات لابد من التدرب عليها لفهمهما، العالم من حولنا يعمل بعشوائية، ولكني نفهم العشوائية علينا أن نفهم الاحتمالات، وإن لم نفهمهما سنقع في أخطاء كثيرة، ولن نستطيع أن نتفاعل مع الحياة كما تعمل، إنما كما نظن إنها تعمل.

أحمد كيميائي يعمل في مختبر، وأراد أن يخلط الماء مع الكلور، احتمال انفجار الخلطة معدومة، دخلت بدرية إلى المختبر، واستبدلت بودرة الكلورين ببودرة الصوديوم من غير علم أحمد، من المعروف إن الماء إذا اختلط بالصوديوم سينتج عنه انفجار، إن سألنا أحمد: ما هو احتمال انفجار القنينة، سيقول لنا إن احتماله صفر، ولكن إن الحقيقة التي لا يعلمها أحمد إن هناك احتمال كبير جدا أن يتفجر القنينة رغم تصوره إن الاحتمال صفر، لأحمد منظور معين، ولكن الواقع شيء آخر، العشوائية التي أتحدث عنها في هذه الحلقة هي العشوائية التي تحدث بغض النظر عن اعتقادات البشر في حدوثها.

ما هي العشوائية؟

أمسك بعملة معدنية وارمها إلى الأعلى بتقلب سريع، على أي وجه ستقع؟ لن تعرف.

ضع يدك في كيس به كرات حمر وزرق خُلطت مع بعضها، أمسك بحفنة منها، ثم أخرج يدك من الكيس. إن لم تر ما اخترته حينما كانت يدك بالداخل، فلن تعلم ما ستخرجه من كرات بألوان مختلفة.

اخرج في يوم ممطر وضع دلوا على الأرض، كم قطرة مطر تتوقع أن تسقط فيه؟ لن تستطيع أن تعرف ذلك بالتحديد.

بم تشترك كل تلك الأشياء؟ إنها تشترك في كونها عشوائية، لن تستطيع أن تحدد الأحداث الفردية لكل منها، ولكن بإمكانك أن تحدد وبدرجة مناسبة من الدقة التوجه العام لها، فمثلا لو أنك رميت بالعملة العديد من المرات فستقع بنسبة 50٪ على وجه الصورة و50٪ على وجه الكتابة (ذلك إن كانت العملة "عادلة"، أي أن تكون متساوية الوزن على الجنبين)، وستعرف أيضا عدد ما يُحتمل أن تحتوي يدك من كرات حمر بحسب عدد الكرات الكلية التي أمسكتها، وذلك لو أنك كررت إخراج الكرات عدة مرات، أو ستعرف كم هي عدد قطرات المطر كمعدل لو أنك وضعت عدة دلاء، أو بإمكانك حساب احتمال ربح أحد أوراق السحب لو أنك اشتريت عددا معينا منها، ولكن أن تحدد حدثا واحدا معينا لأي منها، فذلك أمر يكاد يكون مستحيلا إن لم يكن مستحيلا فعلا.

آينشتاين والنّرد

قد يقول البعض إن كل تلك الأشياء عشوائية، وذلك لأن المعلومات الكلية غير متوفرة، فمثلا لو علمنا سرعة استدارة العملة بالتحديد والقوة التي أطلقت بها سنعرف على أي وجه ستسقط. وبالنسبة للعملة فهناك برامج كمبيوتر تستطيع أن تحدد الوجه الذي ستسقط عليه العملة بالتحديد من خلال متابعة معلوماتها الفيزيائية، وهذا يعني أنه لا عشوائية في الأمر. ولكن ماذا عن قطرات المطر، هل يمكن متابعة كل قطرة لمعرفة كم واحدة منها ستسقط في الدلو؟ بالطبع فإن بقدرتنا التكنولوجية الحالية ولا حتى المستقبلية القريبة يمكن التنبؤ بكل قطرات المطر ومكان سقوطها على الأرض، فهذا عشوائية، وإن لم تكن من صميم الطبيعة لأن لها أسبابا تراتبية جعلتها تتكون، إلا إننا لا نستطيع أن نتنبأ بها، ولذلك لابد من التعامل معها على إنها عشوائية.

قد ندعي أن ذلك ليس بالأمر المستحيل، فلربما يأتي اليوم الذي نصنع فيه كمبيوترا هائلا يتابع قطرات المطر قطرة بقطرة ويحصي جميع معلوماتها، وبذلك نعرف عدد القطرات في الدلو، هذا وإن كان ذلك أمرا صعبا جدا - يكاد يتلاقى مع الاستحالة - ولكن إن تمكنا من هذا الشيء فهو يعني أن العشوائية ليست حقيقية، وإنما هي مجرد نقص في المعلومات.

لقد كان آينشتاين من أشهر من دافع عن مبدأ غياب المعلومات في ميكانيكا الكم في رسالة له إلى "ماكس بورن"، حيث قال "أنا مقتنع أن الله لا يلعب النرد". كان يريد أن يبين إن الطبيعة لا تعمل بالعشوائية، إنما هناك متغيرات لا نعرفها تعمل بالخفاء، فمثلا لو كنا نلعب لعبة البليارد، وضربنا الكرة البيضاء، وتحركت لتصطدم بالكرات الأخرى، فإن الشخص المحترف الذي ضرب الكرة يعرف تماما ما الكرة التي ستدخل في الجيب، وما هي الكرات التي ستصطدم بها الكرة البيضاء، وأين ستقف في النهاية، ما عليك إلا تذهب لترى كيف يلعب لاعبي البليارد على يوتيوب لتى كيف إنهم فهموا فيزياء الله بعد التدرب مرارا وتكرارا عليها، ولو كنا نعيش بحسب قوانين نيوتن، لكان العالم يتحرك بحتمية لا مفر منها، فكل الأحداث التي بدأت منذ الانفجار العظيم حدثت بتراتب سببي محدد، ولو كانت لدينا جميع معلومات الكون في البداية لاستطعنا معرفة مستقبل الكون حتى بعد مليارات السنوات بدقة كبيرة كما يعرف لاعب البليارد كيف تتحرك الكرات وإلى أين ستنتهي.

ولكن آينشتاين كان مخطئا بحسب تفسير كوبنهاغن، فالعشوائية ليست غيابا أو نقصا في المعلومات، بل هي حقيقة في عالم ميكانيكا الكم، وحتى أؤكد، بحسب تفسير كوبنهاغن عالم ميكانيكا الكم المصغر هو احتمالي، فحينما نتساءل إين فوتون الضوء أثناء تحركه، فالإجابة هي إن الفوتون ليس إلا احتمال، ولا واقع له، فهو يحتمل أن يكون هنا أو هناك، واحتمال وجوده هنا هو 30٪ (مثلا كتبسيط شديد للموضوع)، واحتمال وجوده هناك هو 70٪، ولكن بمجرد قياس مكانه سنعرف، وستنهار الاحتمالات ليظهر في مكان محدد، وهذا المكان هو عشوائي.

أو مثلا لو أتينا لتحلل مادة اليورانيوم، سنجد أن المستحيل معرفة أي ذرة ستتحلل في غرام واحد من اليورانيوم ليخرج منها جسيم ألفا، ولكن سنعرف كم عدد الذرات التي ستتحلل إلى دقة معينة، نحن نفهم تحلل الذرة باستخدام رياضيات الاحتمالات، ولا نفهم متى ستتحلل أي ذرة محددة، إذا بحسب تفسير كوبنهيغن العالم الكمي عشوائي جوهريا.

هناك تفاسير أخرى مثل العوالم المتعددة أو تفسير بوم، كلها تدعي أن لا عشوائية في العالم الكمي، ولكن لن أخوض في تفاصيلها، وبغض النظر عن التفاصيل، حتى هي تقول إنه حتى لو لم تكن هناك عشوائية، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال معرفة أي ذرة ستتحلل أو حتى مكان الفوتون بأي وسيلة علمية، وحتى في هذه الحالة يجب التعامل مع العالم الكمي برياضيات علم الاحتمالات. ولا مفر من العشوائية مرة أخرى.

الرياضيات والعشوائية

ولهذا السبب يتعامل العلماء مع مثل هذه الظواهر على أنها عشوائية، فبالإضافة لعدم تمكنهم من معرفة الأسباب لكل حدث (قطرة الماء، لون الكرات، وجه العملة، الورقة الرابحة في السحب، مكان الفوتون أو تحلل الذرة وهكذا)، وبناء عليه فقد أسس العلماء رياضيات معقدة بعنوانين مختلفة لفهم العشوائية بمنظور عام، وتسمى هذه الأبواب من العلوم بالإحصاء (Probability)، والمتغيرات العشوائية (Random Variables)، والعمليات العشوائية (Random Processes)، يدرسها الطلاب في الجامعة في مرحلة البكالوريوس والدراسات العليا، وهي مستخدمة في جميع نواحي الحياة اليوم، فالأمثلة التي ذكرتها عن العملة أو الكرات الزرقاء والحمراء ليست إلا "ألعابا" (كما يصطلح عليها في علوم الكمبيوتر) أو تسالي بسيطة أو أمثلة بسيطة لفهم الاحتمالات، وهي لا تقارن مع الاستخدامات الواقعية لمثل هذه الرياضيات.

لا يوجد مجال عملي واحد خال من رياضيات الاحتمالات، ولا يمكن إحصاؤها لكثرتها، ولن أستطيع أن أذكر كل مجال يستخدم الرياضيات العشوائية، ولكني أكتفي بذكر بعض أهم ما تستخدم فيه رياضيات الاحتمالات:

- تطوير الأدوية

- متابعة انتشار الأمراض المعدية

- الاتصالات مثل الأجهزة الخلوية والإنترنت

- المبيعات والأسهم والتسويق

- الطفرات الجينية

- التنبؤ بحالة الطقس والأعاصير والزلازل والفيضانات والبراكين وغيرها

- التنبؤ بدورات التوهج الشمسي والتي تعطل عمل الأجهزة الإلكترونية والكهربائية من حول العالم

- التأمين الصحي وتأمين السيارات وغيرها

- ميكانيكا الكم، والتي تعتمد على فهمها صناعة المكونات الإلكترونية الموجودة في جميع الأجهزة المختلفة مثل الهاتف الخلوي والتلفزيون والراديو والكمبيوتر إلخ

- التشفير

- حساب عدد النجوم والكواكب

ما يهمنا من هذا الشرح البسيط للعشوائية هو القبول بوجودها كواقع لا مفر منه، سواء أكانت هذه العشوائية بسبب نقص في المعلومات أم أنها عشوائية في ظل وجود كامل للمعلومات، فعلمنا بحوادث الأمور لا يتم إلا بمعرفة حقيقتها، وقد فهمها العلماء، ولكن لا يزال يجهلها عموم الناس.

ولهذا السبب تجد من يلجأ إلى تفسيرات خاطئة لكيفية عمل بعض الظواهر الطبيعية، فهو يبحث عن أسباب وأنماط غير موجودة فيها، ثم يبني تفسيرات خاطئة ومن ثم يحصد نتائج خاطئة. لماذا نعتبر البحث عن فهم العشوائية مهما؟ لأن الكون يعمل بهذه الطريقة في الكثير من جوانبه، ونحن نريد أن نفهم الكون كما هو لا كما نتمنى أن يكون.

على سبيل المثال إذا اكتشفنا إن بدرية مرضت، ذلك يعني إن مرضها يرتبط ربما بقليل من السببية وبعض العشوائية، فهي اقتربت من أحمد المريض قبل أن تكون مريضة، وربما هذا عرضها لانتقال الفيروسات إليها احتماليا، فوجودها عند أحمد يعرضها لاحتمال أن تصاب وليس لضمان الإصابة، وهذا أيضا لا يعني إن تهاني صديقة بدرية أصابتها بالعين حتى لو تزامن حدث تفكيرها: "كم هي جميلة بدرية، وكم هي صحيحة وخالية من الأمراض" ثم مرضت بدرية. وكما ذكرت في حلقات سابقة تزامن حدثين لا يعني بالضرورة تسبب أحدهما بالآخر. وسنعود للعين في حلقة مستقبلية لأبين تفاصيل أكثر عن كيف نفهمها فهما صحيحا، وليس كما يحدث في مجتمعاتنا حاليا.

لماذا نحاول أن نجد تبريرا لكل شيء حتى وإن كانت الكثير من الأمور التي نتفاعل معها عشوائية، لأننا دائما نبحث عن الأنماط، وإن لم نجدها سنخترع أنماطا غير موجودة، على سبيل المثال العين، تفسيرا لحوادث تحدث عند تزامنها مع أحداث أخرى لا علاقة لها به. وسنترك الحديث عن العين من الناحية العلمية إلى حلقات مستقبلية حينما تصبح لدي الجرأة الكافية لطرح الموضوع، وحينما يكون المستمع أكثر قبولا لأفكار مخالفة لما يعتقده.

كيف يأتي النظام من العشوائية؟

حينما نتحدث عن العشوائية قد يعتقد البعض إن كانت الحياة تتضمن العشوائية فهذا يعني إنه لا يمكن للبنية التحتية أن تتكون، فكيف لذرات الرمل أن تتشكل إن رميناها في الهواء؟ أو كيف يمكن للكائنات الحية أن تتكون من عشوائية، حيث يدعي البعض إن نظرية التطور تعمل فقط على العشوائية؟ من ينظر للطبيعة يقول في نفسه إنها متراكبة بأسلوب ينفي وجود أي عشوائية فيها، فالكواكب والنجوم والمجرات بشتى أنواعها والسدم والأرض وما عليها، كلها تدل على إن الحياة لا يمكن أن تكون عشوائية أو تتكون وفي طياتها العشوائية.

وهنا أود أن أؤكد لو إن الكون يعمل فقط على العشوائية لكان لمن يقول بعدم نشوء أي بنية تحتية الحق في هذا الرأي، وربما لم يكن موجودا حتى يبين وجهة نظره، فالعشوائية لوحدها لا يمكن أن تكون أي هياكل كونية عجيبة ولا حتى أنا وأنت ومن يرفض فكرة العشوائية، هناك أمور أخرى يجب أن تكون متوفرة حتى تتكون الأشياء من حولنا، وهذه الأمور هي القوانين التي يعمل بها الكون. خذ على سبيل المثال ندفة الثلج، لو عاينتها لوجدت إنها في منتهى الجمال، أشكال سداسية في غاية الروعة، لو لم نعلم بكيفية نشوئها لقلنا إنها نشأت على يد فنان أو مهندس، ولكن هذا الندفات تتكون تدريجيات من تتراكم الماء المتجمد، وبحسب قوانين فيزيائية تتكون بأشكالها الجميلة التي لا تتكرر، عشوائية وقوانين تنتج أشكالا بارعة الجمال.

وهنا نأتي لقصة العشوائية والقوانين، فلو إن الجاذبية غير موجودة، لكانت كل ذرات الهيدروجين متفرقة مندثرة عشوائيا، الجاذبية تسحب هذه الذرات شيئا فشيئا إلى أن تتكون نجوما بأشكال وأحجام مختلفة، وبتجمع أعداد كبيرة من الذرات هنا وهناك تتكون نجوم كثيرة ومنها المجرات، وبين فترة وأخرى تنفجر بعض النجوم لتكون الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية والسدم، ومن السدم تنشأ نجوما أخرى ومواد متبعثرة عشوائيا حولها، ثم هي أيضا تتجمع لتتكون الأجرام السماوية وستدور حول النجم بفعل الجاذبية والحركة، بعض تلك الأجرام سيكون بعضها قريبا من النجم والبعض الآخر سيكون بعيدا عنها، وتتحرك فوتونات النجم على تلك الكواكب المحيطة به وتسخن الأجواء، فبعض الأجرام سيكون حارا جدا، وبعضها بارد جدا، وبعضها مناسب لأن تنشأ عليه حياة.

تتجمع التريليونات التريليونات التريونات من الذرات، وتكون في وسط حار جدا، ترتبط ببعضها بقوانين فيزيائية، فتكون مركبات كثيرة، ولأن لدينا الكثير منها ستأتي على تراكيب مختلفة، ومن هذه التراكيب تنشأ المواد العضوية، وقد تنشأ على عدة كواكب قريبة من النجم، بعضها يحظى بفرصة للنجاة، وبعضها لا يحظى بالفرصة، فقد تتبخر طبقات الأجواء من حول بعض الكواكب في المجموعة النجمية، ويبقى كوكبا واحدا تنشأ عليه جزيئات معقدة، كلها تتشكل بطرق مختلفة، واحدة من هذه الطرق لها خواص معينة تختلف عن كل الجزئيات الأخرى، ثم تبدأ بنسخ نفسها في جسم مغلق من الدهون يحيط بها، خلية بها دي إن إي وبروتينات وآر إن إي.

عندها تبدأ ميكانيكية التطور، التطور أيضا يحتاج لقوانين، فصحيح إن نسخ هذه الجزيئات يتم بصورة عشوائية، وتحدث فيه أخطاء إلا أن هذه الأخطاء تنتقى بانتخاب طبيعي، ثم تنشأ من الخلايا خلايا أخرى أكثر تعقيدا، وأكثر مواءمة من التي سبقتها، وتندثر تلك التي لا تتواءم مع البيئة، ثم تتطور، تدريجيا وشيئا فشيئا تصبح كائنات معقدة بداخل الماء، ثم تخرج منه إلى اليابسة على مدى ملايين السنين وتتطور وتتشعب، وتتنافس فيما بينها، وهكذا إلى أن تصل إلى مستوى من التعقيد بحيث يبدأ الكائن الحي بفهم الطبيعة من حوله، ويدرسها، ويسمي المكان الذي يعيش عليه الأرض، والنجم الشمس، ويسمي الكوكب القريب الذي فقد أجواءه المريخ، وأصبح يتساءل، هل هو وحيد في الكون؟ فبحث عن حياة أخرى نشأت مثله في أمكان أخرى، وراقب السماء بحثا عن كواكب شبية بالأرض، فبعث بمراكب فضائية بحثا عن أشكال أخرى للحياة على الكوكب الأحمر بعد أن فهم كيف نشأ هو، يعتقد هذا الكائن المعقد الذي أسمى نفسه بالإنسان، إنه ربما نشأت خلايا بدائية على الكوكب الأحمر، ثم فقدت قدرتها على إكمال مسيرة التطور، ويعتقد أيضا إن أقمار بعض الكواكب في المجموعة الشمسية تحتوي على الحياة، ولا زال يبحث، لعلها يجدها فلا يشعر بالوحدة، وربما إن وصلت لها إشارات من حياة أخرى سينتهي شعوره بالعزلة.

✦

نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.