نص مستعاد من ملف المؤلف الأصلي.
ديسكالكوليا
هل لديك مشكلة في الرياضيات؟ هل تعد باستخدام أصابعك رغم وصولك إلى عمر توقف أقرانك فيه عن العد باليد؟ هل تواجه مشكلة في فهم الوقت من الساعة؟ هل تقلقك مادة الرياضيات لأنك لا تستطيع الجمع والطرح والضرب والقسمة؟ هل تحرج من الذهاب إلى السوق والتبضع لأنك لا تريد أن تقف أمام الكاشيير وأنت لا تعرف كيفية عد النقود؟ هل يتنمر عليك أصدقاؤك بسب عسرك في الحساب؟ إذا كنت في هذه الحالة، فهذه الحلقة لك، إذا كان لديك ابن أو ابنة وتشعر أنهما غير قادران على الحساب رغم محاولاتك المتعددة لشرح الرياضيات، وإحضار مدرسين خصوصيين للمساعدة، ومع ذلك لم يتقدمان، فهذه الحلقة لك. هذه الحلقة ستشرح مشكلة موجودة في 2%-6% من الناس، مشكلة عسر الحساب: ديسكالكوليا.
في يوم من الأيام كنت أدرس مادة تختص ببرمجة Matlab، وهو برنامج يستخدم للحساب، وبرمجة حسابات معقدة، وهو شائع الاستخدام في الجامعات، وفي المراحل المتقدمة بالخصوص، وكما هي العادة، كنت أشرح كيف يحول الطالب المعادلات الرياضية من شكلها كما تكتب على الورقة إلى الكمبيوتر، في درس يطلق عليه اسم Operator Precedence أو ترتيب العمليات الرياضية، فمثلا لو أعطيتكم معادلة بسيطة مثل x تساوي 3 + 2 والكل مقسوم على 5+4، حيث 2+3 في البسط و5+4 في المقام، وطلبت منك أن تحولها إلى لغة الكمبيوتر، لكتبتها كلها في سطر واحد وبطريقة معينة، فعلا، هذا ما كتبته على السبورة، 5+4، الكل تقسيم 2+3.
قاطعني الطالب لما كتبت المعادلة على السبورة: "ما هذا الذي كتبته على السبورة؟"
نظرت إلى السبورة، ولم يكن عليها سوى عنوان الدرس، وهذه المعادلة، استدرت له، وسألته مستغربا: "ماذا تقصد؟ عم تسأل؟"،
فقال لي: "ما هذا الشيء الذي كتبته على السبورة؟"
رجعت أنظر إلى المكتوب، فذكرت له إنها معادلة. فعاد ليسألني: "ما هذا... هذا؟" وأشار بإصبعه إلى المعادلة.
وسألته مرة أخرى: "ماذا تقصد؟"
فذكر لي أنه يقصد الخط، الخط الطويل الذي يفصل الأرقام. يقصد الأرقام في البسط والمقام.
احترت منه جدا، "هل تقصد خط القسمة؟"
فقال لي: "نعم"، انبهر الجميع من الطالب، فنحن في كلية، هل يعقل أن طالب وصل إلى هذا المستوى، ولا يعرف خط القسمة؟
سألته من أي ثانوية تخرج؟ وكيف لا يعرف القسمة؟ وما شابه، باستغراب، ولكني أكملت الدرس، حتى لا أقضي وقتي معه، لم أود إفساد المحاضرة على الطلاب الآخرين.
بعد ذلك، وصلت إلى شرح الجذر التربيعي، حتى أبين كيف يُكتب في الكمبيوتر، فكتبت جذر الرقم 2، نظر الطالب إلى السبورة، وبصوت عال: "دكتور، ماذا هذا الشيء أيضا؟"
لم أصدق أن في صفي الذي أدرسه- في كلية- طالب بهذا المستوى من التأخر في الرياضيات، طالب مستواه أقل من الابتدائي في الحساب، كيف استطاع أن ينجو من المدارس؟ لا أعلم. ذكرت هذا الموقف لزملائي، وصدم جميعهم.
تذكرت هذه القصة بعد اكتشافي حالة غريبة لم أسمع بها من قبل يطلق عليها اسم: ديسكالكوليا أو عسر الحساب، وهي حالة لدى 3% إلى 6% من الناس، بحيث تمنعهم من تعلم الرياضيات مهما حاولوا، حالة تجعلهم غير قادرين على استيعاب الأرقام والحساب ورموز الرياضيات، لا يستطيعون حفظ الأرقام، ولا حتى أرقام هواتفهم، يستخدمون أصابعهم للعد حتى في عمر متقدم، لا يستطيعون تخيل الأرقام، ولا يفهمون كيف يقرأون الوقت من الساعة، ولا يعرفون معنى الوقت، ولا كيفية حساب المال، ولا يفهمون كيفية التعامل مع خريطة للاستدلال على الطريق. بالطبع يتفاوتون بضعف قدراتهم في الحساب، ولكنهم في المجمل يواجهون صعوبات شديدة جدا في تعلم الحساب على خلاف الأناس العاديين.
ولما أذكر أن هناك أناس لديهم هذه الحالة، فلا أقصد أنهم غير أذكياء، أو أنهم لا يقضون أوقاتهم في محاولة فهم الرياضيات، أو أنهم كسالى، أو أنهم درسوا الرياضات عند أستاذ سيء فكرهوا المادة، لا! ما أقصده أن هناك 3%-6% من الناس ليست لديهم القدرة على الحساب مع ذكاءهم في المجالات الأخرى، ومع محاولتهم لفهمهم، ومع نشاطهم الواضح، إلا أنهم مهما حاولوا لا يستطيعون فهمها.
هذه الحالة تجعل الشخص متأزما طوال حياته، مكتئبا من قسوة تعامل الآخرين معه، رغم أنه لا حول ولا قوة بيده لفك نفسه من هذه الورطة، يحرج أمام زملائه في المدرسة في الصغر، ويحرج في عمله في الكبر، ويحاول إخفاء نقصه بشتى الوسائل، حتى لا يوصم بالغبي.
يذكر المختص في علم النفس العصبي المعرفي الدكتور Brian Butterworth، العالم الذي اكتشفت الديسكالكوريا منه أثناء مشاهدتي لحلقة رياضيات في قناة يوتيوبة، يذكر قصة عن شاب سرق من محل وأدخل إلى السجن بسبب عدم قدرته على حساب النقود المطلوبة منه تقدميها للكاشيير، وذلك من شدة حرجه، لم يرد أن يحرج حينما يصل دوره للدفع، ضعفه في الرياضيات أوصله إلى السجن.
البعض يولد ولديه حالة الديسلكسيا أو عسر القراءة، أو ديسغرافيا عسر الكتابة، حالتي الديسلكسيا والديسغرافيا ربما معروفتان أكثر من ديسكالكوليا، ولربما هذا يخفف من الوصمة التي يوصم بهذا أولئك الأشخاص، ولكن ديسكالكوليا ليست معروفة بنفس الدرجة، هل سمعت بها من قبل؟ ولو تتذكر في صغرك بعض الطلاب من حولك، قد تتذكر زميلك في صفك الذي لم يعرف العد، وكان محل سخرية، بعد أن علمت عن حالة الديسكالكوليا ربما ستتغير نظرتك له، ربما ستعطف علي، لأنه لم تكن لديه أي حيلة لحل أزمته، وربما لا يعلم هو أيضا أن لديه حالة تمنعه من تعلم الرياضيات، كان يظن أنه كسولا، أو لا يحب الرياضيات لكثرة ما نهره آباؤه عند رجوعه إلى المنزل بدرجة ضعيفة بالرياضيات، أو غضبوا منه لأنه لا يزال يعد على أصابعه وهو في سن تعدى فيها مرحلة طفولة العد على الأصابع. أنت ربما تذكرت شخصا ما في صفك كان ضعيفا في الرياضيات، المشكلة ليست في شخص أو شخصين، بل بحسب الإحصائيات هناك 2%-6% من الطلاب لديهم حالة الديسكالكوليا.
لماذا لا يستطيع أولئك الأشخاص فهم الأرقام والحساب؟ السبب يعود إلى عدم وجود تركيبة الخلايا العصبية الدماغية المطلوبة التي تسمح لهم بتعلم الرياضيات، إذا كنت تستطيع الحساب، فخلاياك العصبية منظمة بالشكل الصحيح، وإذا كنت ديسكالكوليا، فخلاياك العصبية المخصصة لهذه العمليات ليست على ما يرام، مخك لم يتطور بأسلوب صحيح. لقد ولدت هكذا.
المنطقة المخصصة في المخ للأرقام هي الفص الجداري الأيسر مع مناطق أخرى (لا ننسى أن المعلومات موزعة على المخ كله بشكل عام، وإن كان هناك نوع من التخصص في مناطق محددة في المخ)، من لديه ديسكالكوليا لديه مشكلة في هذه المنطقة من المخ، وهي المسؤولة عن تعداد الأشياء في مجموعة، مثل أن أطلب منك النظر إلى وجه من أوجه النرد لمعرفة النقاط التي فيه من غير عدها نقطة بعد نقطة، إذا لم تكن لديك حالة الديسكالكوليا سيكون العد سهلا بالنسبة لك، فبمجرد نظرك إلى وجه النرد ستعرف عدد النقاط مباشرة، ولكن الذين لديهم هذه المشكلة يجدون صعوبة في معرفتها.
بإمكانك أن تقيم التجربة التالية مع شخص آخر، بدلا من استخدام النرد، ارسم دوائر سوداء على ورقة، ولتكن أقل من 11 دائرة، جرب مرة 8 دوائر، ومرة 6، مرة 9، ووزعها على الورقة، اعرضها له لمدة ثلاث ثوان مثلا، ثم اطلب منه أن يخبرك كم عددها، الكثير من الناس بإمكانهم أن يحددوا العدد بنظرة سريعة، ولكن الديسكالكوليين لا يمكنهم معرفة العدد إلا إذا عدوها دائرة دائرة.
هذه ليست مشكلة لغة كما يذكر الدكتور براين باترورث، البعض قد يظن أن عسر الحساب مشكلة لغوية، فنحن حينما نتعلم الأرقام نتعلم كلمات مثل واحد وإثنان وثلاثة وغيرها من الأرقام، ثم نتعلم كلمات تحتوي على عمليات رياضية، وهذه كلها تدمج لغويا للحساب، لكن يذكر الدكتور باترورث تجربة أقيمت على السيد هارفي للاستدلال على أن هناك مناطق في المخ مخصصة للحساب، وأن اللغة لا ترتبط بها ارتباطا صارما، كان عمر هارفي 64 عاما، وقبل أن يصاب بمرض تسبب بتآكل مناطق اللغة في مخه كان يعمل في البنك، حينما حاولوا اختباره في اللغة لم يستطع تجاوز أبسط الاختبارات، فحينما أروه صورا لأشكال معينة لم يستطع معرفة أسماءها، لم يستطع تسمية الخضار، ولا الحيوانات، ولا آلات العزف، ولا الأثاث، ولكنه في نفس الوقت كان قادرا على الحساب من غير أخطاء، كان يعرف حساب الأرقام من حيث الجمع والطرح والضرب وتقريب الأرقام بحوالي 100% من الدقة.
ويذكر د. باترورث قصة أخرى عن شخص مصاب بالتوحد، لا يستطيع التخاطب بأسلوب سليم، ولكنه مع ذلك يستطيع أن يفكك الأرقام إلى أرقامها الأولية بكل سهولة، مثل أن يخبرك أن الرقم 22 يتكون من الأرقام الأولية 11 و2 على سبيل المثال، وهناك دلائل أخرى على مثل هذه الحالات من التوحد التي تستطيع أن تحسب يوم الأسبوع من أي تاريخ تقدمه لهم، كيف لمثل أولئك الناس أن يحسبوا هذه الحسابات المعقدة من غير أن تكون لديهم قدرة فهم اللغة؟ يعتقد د. باترورث أن ذلك يرجع إلى وجود أجزاء في المخ مخصصة للرياضيات باستقلالية عن اللغة إلى حد كبير.
لا بل هناك دليل آخر يدل على أن الرياضيات جزء أساسي من تركيبة المخ، وهذه تظهر في الصغر، فقد أجريت تجارب على الأطفال الرضع الصغار الذين لا يمتلكون أي قدرة على التكلم أو فهم اللغة، لمعرفة ما إذا كانوا يعرفون العد، وضعوا أمامهم مسرحا، أدخلوا على المسرح دمية واحدة، ثم نظر لها الأطفال، بعد ذلك رفعوا حاجزا يغطي الدمية، الآن لدينا دمية واحدة خلف الحاجز، ثم أدخلوا دمية أخرى تمشي من طرف المسرح إلى خلف الحاجز، الآن لدينا دميتان، فتح العلماء الحاجز، وإذا بخلف الحاجز ثلاث دميات، ما قام به العلماء هو إدخال دمية إضافية من غير علم الطفل، لاحظوا أن الأطفال يراقبون الدميات، ويحركون أعينهم عليها أكثر، مدة تركيزهم على هذا المشهد المفاجئ طويل، بينما لما أروهم دميتين، ثم رفعوا الحاجز، كانت مدة تركيز الطفل على الدمى أقصر، وهذا يدل على أن الأطفال الرضع يستوعبون الأرقام حتى قبل استخدام اللغة، الرياضيات جزء أساسي من تركيبة الإنسان، وليست بالضرورة مرتبطة باللغة. يعتقد باترورث أن هذه القدرة الابتدائية الأولية تساهم في فهم الرياضيات المعقدة لاحقا.
لا بل العكس أيضا صحيح، فهناك امرأة إيطالية لقبت بحروف اسمها الأولى C.G. فقدت قدرتها على الحساب بعد أن أصيبت بسكتة دماغية، لغتها لم تصب بأي سوء، ولكنها فقدت قدرتها على الحساب، كانت تستطيع العد من الرقم 1 إلى الرقم 4، ولكنها لا تعرف أي رقم بعد ذلك نهائيا. يطلق على حالتها اصطلاح Acalculia. تتمكن من جمع رقمين بحيث لا تتعدى الإجابة الرقم 4، فمثلا تستطيع أن تحسب 1 + 2 = 3، أو 2 + 2 = 4، ولكنها لا تعرف ما نتيجة 2+3، ولا تعرف أي الأرقام أكبر، هل 9 أكبر من 7 أو العكس؟
كانت تعمل في فندق تابع لأسرتها، وتقوم بأعمال المحاسبة، حينما أصبح عمرها 56 أصيبت بسكتة دماغية، تشوه لديها الفص الجداري الأيسر في المخ Left Parietal Lobe، أقيمت عليها التجارب لمعرفة ما الذي فقدته من قدراتها الذهنية، وكانت هذه بعض الأمور التي فقدتها.
لم تستطيع القراءة أو الكتابة، مع أنها كانت تقرأ الجرائد قبل ذلك، وقد اختبرها العلماء لمعرفة ما إذا كانت لا ترى حتى يتأكدوا أن فقدانها لقدرتها لا تعتمد على قدرتها على الإبصار، كانت تبصر بوضوح، فهي تستطيع أن ترى رموزا مختلفة، وتتمكن من ذكر اسمائها، على سبيل المثال كانت قادرة على تمييز الأبراج، وإشارات المرور، وعلامات الترقيم مثل علامة التعجب أو علامة الاستفهام، وهكذا، وتميز رموز أوراق اللعب، وغيرها، ولكنها لم تميز أي إشارة رياضية، ولما كانت ترى الجمع، ذكرت أنها إشارة صليب أو cross، لما أروها إشارة الناقص – ذكرت أنها خطا صغيرا، ولما رأت الضرب × ذكرت أنه صليب مدار.
لم تستطع أن تعرف الوقت، أو الاتصال باستخدام الهاتف أو حتى معرفة رقم هاتفها، أو حتى رقم منزلها، أو أن تفهم النقود، لا تعرف كم عمرها، أو مقاس ملابسها، أو أعمار أبناءها أو زوجها، ولكنها كانت تعرف أهمية الأرقام، كانت تعرف أنها للعد، وحينما كانت تسأل على العمليات الحسابية، مثلا عن الجمع، كانت تقول: "لا أدري، سمعت عنه سابقا... ربما في المدرسة... الآن لا أتذكر ماذا يعني." وإذا سئلت عن الطرح: "أعتقد أنه حفرة ما يحفرها الناس في الأرض." أو إن سئلت عن الضرب، تقول: "نعم، أتذكر لما كان عيسى يضاعف الخبز والسمك... ولكني الآن لا أعرف ماذا تعني كلمة ضرب"، أما القسمة: "نعم بالتأكيد، تعني مثلا قسم في الجيش... مجموعة من الناس الذين يعملون مع الجيش."
لما أروها الأرقام، كانت تقرأ الأرقام من 1 إلى 4، ولكنها لا تعرف الصفر أو أي رقم بعد 4، كانت تقرأ الأرقام، وتصل إلى 4، كانت تقول: "حسابي يتوقف هنا"، وإذا سئلت على الرقم 7 على سبيل المثال، كانت تقول: "ما هذا؟ لم أسمع هذه الكلمة من قبل،" ولما سئلت عن الرقم 10، ردت: "لا أدري... هل هذه كلمة؟"
كانت هناك اختبارات عديدة، تدل على اختفاء قدرتها على فهم الحساب مع الإبقاء على اللغة، وللعلم حتى لا يكون هناك خلط، غالبية الأسئلة كانت شفهية، لأني كما ذكرت لم تستطع القراءة أو الكتابة، إلا في حدود بسيطة جدا، شفاهة كانت جيدة جدا في اللغة، ولكن قدرتها على الحساب كانت شبه معدومة. تميز الكثير من الرموز المكتوبة غير الحسابية، ولكنها لا تعرف أي من الرموز حسابية.
ويستدل باترورث على أن اللغة ليست بالضرورة مرتبطة مباشرة بالحساب، ويبين أيضا أن المنطقة المخصصة للرياضيات في المخ موجودة في الفص الجداري الأيسر، ويعتقد أننا نولد بوصلات في المخ مخصصة للأعداد، وإن لم يثبت ذلك من خلال تجارب على الخلايا العصبية بأسلوب أكثر صرامة، هناك تجربة تبين أن الفرق بين الأطفال ذوي الأداء المنخفض في الرياضيات وآخرين جيدين، يظهر في كمية المادة الرمادية في المخ، الأطفال المنخفضي الأداء كان فصحهم الجداري الأيسر منخفض في المادة الرمادية.
الآن، علمنا نوعا ما أن هذه المشكلة مرتبطة بمكان معين في المخ، وأنه قد يولد الشخص ولديه ديسكالكوليا من الصغر، ولعل من أكبر الفرضيات هي أن هذه الحالة تعود إلى الشفرة الوراثية DNA، ولكن لا توجد أدلة قاطعة على ذلك إلى الآن، وإن كانت هناك أدلة على أن الأطفال التوأم يشتركان في الحالة بنسبة معينة، وأن المشكلة ليست بسبب عدم اهتمام الشخص بالرياضيات، أو عدم المحاولة أو كسل أو ما شابه، إنما هي مشكلة في المخ، وتحتاج إلى عناية خاصة، لن يستطيع الشخص الذي لديه هذه الحالة الوصول إلى مستوى عال من الرياضيات، ولكن بإمكانه أن يتغلب على بعض الصعوبات الرئيسية من خلال اهتمام خاص، وكذلك، وجود هذه الحالة لدى الشخص لا يعني أنه غبي، بل أحيانا تجده متفوق في أمور أخرى أدبية، ومن الناس من يصبح دكتورا في مجال لا يرتبط في الرياضيات، ويبدع في علمه.
كيف تعرف أن شخص ما لديه هذه الحالة؟ أولا، لنضع في الاعتبار أنك إذا أردت أن تعرف إن كانت الحالة لديك أو لدى أحد أفراد أسرتك فعليك التوجه إلى مختص في صعوبات التعليم، بحيث يجري بالفحص المناسب، سأذكر صفات الشخص الذي لديه هذه الحالة، قد تكون لديه بعضها أو كلها، ومع ذلك لا يعني أنها إذا انطبقت عليك أنك أنت ديسكالكولي، لابد من مراجعة المختص، فهو يعرف كيفية تشخيصك بدقة أكبر ويستطيع تحديد إذا ما كانت لديك هذه الحالة، أو أنك لا تحب الرياضيات، أو أن مدرسا جعلك تكرهها، أو ربما لم تذاكر جيدا، وما شابه.
الأعراض الديسكالكوليا:
تجد صعوبة في التعامل مع الأرقام
الرموز الرياضية تحيرك
لا تستطيع الجمع والطرح والضرب والقسمة
أحيانا تقلب الرقم بدلا من 54 تعتقد أنه 45
لا تستطيع القيام بالحسابات بداخل ذهنك
لا تستطيع معرفة الوقت
لا تستطيع معرفة الاتجاهات أو قراءة الخرائط
لا تستطيع أن تستوعب مفاهيم رياضية
تستخدم اليد في العد حتى بعد سن متأخر
تواجه صعوبة في تقدير وتقريب الأرقام
ذاكرتك ضعيفة في حفظ أمور لها علاقة في الحساب أو أرقام، حتى مثل تذكر أرقام الهواتف
لديك مشكلة في معرفة أطوال الأجسام أو حتى المسافات، فمثلا لو قل لك كم طولك أو طول عمود الإنارة المسافة بين نقطتين لا تستطيع أن تقدر الطول أو المسافة جيدا.
هذه هي أعراض الديسكالكوليا، ولكن باطن الديسكالكولي أسوء بكثير فبسبب حالته التي لا يملك أي قدرة على تصحيحها، فهو يفقد ثقته واحترامه لنفسه، يكون في حالة من التوتر بسبب القصور الذي يعاني منه، تواجهه مشاكل نفسية، دراسته تتدهور بسبب صعوبة تعلم الرياضيات، يعاني مع أسرته التي لا تفهمه ولا تفهم سبب تدهور درجاته في الرياضيات، وقد توجه له الاتهام بالتقصير، وهو أيضا يواجه صعوبة في الحصول على وظيفة في المستقبل، ويصعب عليه اتخاذ قرارات في الأمور المالية الشخصية لأنه غير قادر علي فهمها، لا يندمج مع المجتمع، سيعيش بدون هوية رياضية، وسيكون في حالة من الانعزال المستمر.
ماذا عن الحلول، هل هناك حلول تجعل الديسكالكولي قادرا على استيعاب الرياضيات، لم أجد شيئا صريحا يبين أن بإمكان الديسكالكولي تطوير رياضياته ليصبح بمستوى زملائه، ولكن بإمكانه أن يحسن من بعض النواقص حتى يستطيع التغلب على المشكلة بشكل عام، فهناك اقتراحات ولكن لست بصدد طرحها، لأنها اقتراحات متعددة، ولا يوجد شيء محدد وواضح بإمكانه أن يعالج المشكلة للجميع، الهدف من هذه الحلقة هو إثارة الموضوع، حتى يتوعى الناس للمشكلة بشكل عام، والناس ستشكل ضغطا على الحكومات لتبني المشكلة، على الأقل هذا أملي.
وللعلم، حتى العالم الغربي الذي في العادة يكون سباقا في الاهتمام بمثل هذه الحالات، لم يتقدم بسرعة في مجال الديسكالكوليا، ففي مقالة مبسطة تستعرض Shirely Carlson 200 عام من تاريخ صعوبات التعلم على طول الفترة من 1802 إلى ما بين بداية الستينيات إلى منتصف السبعينيات في الولايات المتحدة الأمريكية، فرغم وجود تشخيص بدائي لإعاقات التعلم مثل ديسلكسيا أو ديسغرافيا أو ديسكالكوليا، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تبدأ بالاعتراف بها إلا في تلك الفترة. ولعل أهم ما في الأمر في تصوري هو ربط هذه المشاكل مباشرة بالمخ والوراثة، وكذلك تحويلها من وصمة غباء أو إعاقة عقلية عامة إلى مشاكل خاصة بالتعلم في نواحي محددة، وتوفير البيئة المناسبة لعلاج هذه المشكلة مع الميزانية الحكومية المخصصة لإقامة الدراسات عليها لفهمها ولإيجاد الحلول لها، هذا ما نريده نحن أيضا من حكومات دولنا، الاعتراف بالمشكلة، ثم تخصيص ميزانية لها سواء على مستوى البحث فيها لإيجاد حلول لها، أو من خلال توفير إرشادات للمدرسين لفهم هذه المشكلة.
على الأقل أتمنى أن المدرسين الذين يسمعون بهذا الموضوع من السايوير أن يُشغّلوا راداراتهم الذهنية لمثل أولئك الطلاب، إذا ما اكتشفوهم في أوساط طلابهم يتأنون بالتعامل معهم، ويساعدونهم من التخلص من التنمر، ويعطوهم الوقت الكافي لحل الاختبارات الرياضية، ليعطوهم مدة أطول من زملائهم، ومدة كافية للإجابة وإن طالت عن المدة التي يحتاجهونها قرناؤهم، حتى يرفعوا عنهم الحرج والخوف، وفي نفس الوقت يحصلون على وقت كاف لمعالجة المعلومات في أذهانهم.
الآن، اختم بشيء أثار استغرابي جدا، وقد يثير استغراب أي شخص في المجال التعليمي، وربما لن يقبلها بتاتا، أشعر أنني من هذا النوع الذي لا يستطيع قبول الفكرة، ولكن مع ذلك، فهي تستحق السماع.
باترورث يقترح اقتراحا عجيبا لتعليم الرياضيات للأطفال، وهو عن طريق عدم تعليمهم الرياضيات الرسمية من عمر 4 سنوات إلى عمر 11 عاما، بحيث تستبدل الرياضيات التي تعلم الطالب الجمع والطرح والضرب والقسمة والطرح الحسابية بالتفكير المنطقي، يتعلمها الطالب حينما يحتاج إليها أو لما تثير شغفه، كما يتعلم الطالب لغته الأم، لا يعني ذلك أن الرياضيات لا تُعلم نهائيا، إنما تعطى لهم أساليب التفكير لحل المسائل الرياضيات، ثم بعد ذلك، وفي السنة الحادية العشرة تقدم لهم الرياضيات من جدول الضرب، والإشارات، وغيرها من الأمور، وستجد أن أولئك الأطفال يستقبلون المعلومات ويحفظونها بسهولة، عندها يصبح الطالب قادرا على التفكير السليم للبحث عن حل للمسائل، ثم يستخدم السلاح الذي قدم له في السنوات الأخيرة.
يطرح هذه الفكرة، وهو يعلم تماما مدى صعوبة تطبيق الأمر حتى على مستوى الدراسات التجريبية، لأن الناس لن تخاطر بمستقبل أطفالها، وتعطل تحصيلهم للرياضيات، وتجعل أقرانهم يتقدمون عليهم، ولكنه يذكر أن لويس بينيزت (Lewis Benezet) مشرف مدرسة أقام هذه التجربة بالضبط عام 1930، وإن لم تكن تجربة منضبطة، إلا أنها تعطي دفعة بسيطة لتجربة هذا الأمر.
كان لويس يعتقد أن تدريس الطلاب أمورا لا يحتاجونها في السنوات الأولى تضييعا للوقت، ولذلك أراد أن يؤخر الحساب في الست سنوات الأولى إلى السنة 11، يتساءل، ما الذي يحتاجه الطفل ذو الـ 10 سنوات من قسمة مطولة؟ الرياضيات التي تقدم للطفل مملة إلى حد التخدير، وفي نظره، كان الطلاب في حال سيء في فهم المسائل، والتفكير في حلها.
أقام تجربة على طلاب مدرسة بحيث لا يدرس طلاب ما دون الصف السابع الحساب بالطريقة المعتادة، واختار مجموعة من الصفوف بحيث يدرسون الأطوال والمساحات والمسافات ومثل هذه الأمور، وطلب منهم تعلم تقديرها، علموهم معرفة الأرقام إلى 100، علموهم التواريخ والأوقات، وأكبر من وأصغر من، والنقود، ثم بعد ذلك القياسات وتقدير الأرقام، أقصد تقديرها تقريبيا، ثم بعد ذلك اختبر الطلاب لمعرفة مستواهم في حل المسائل الرياضية.
أعطاهم السؤال الرياضي التالي: " عصاة مغروسة في قاع بركة، نصفها في الطين، ما تبقى منها ثلثيه في الماء، ويبقى قدم أخير خارج الماء، ما طول العصاة؟"
فكر في السؤال من غير أن تستخدم ورقة ولا قلم، هذا سؤال رياضي ذهني من المفروض أن يكون سهلا لعامة الناس.
وكان هذه هي الإجابات على الأسئلة من الطلاب في الصفوف الذين تعلموا الرياضيات على الطريقة التقليدية:
الأول: "إضرب 1/2 في 2/3 ثم اجمع قدما إليها"
الثاني: "اجمع قدما واحدا إلى 2/3 و1/2"
الثالث: "اجمع 2/3 و1/2 أولا ثم اجمع قدما واحدا"
ورابع "اجمعهم جميعا ثم ستعرف طول العصاة"
كل الإجابات خاطئة. كل هَمّ الأطفال أخذ الأرقام التي سمعوها ثم معالجتها متمنين أن تنتج منها الإجابة الصحيحة.
أكمل وسألهم: "هل هناك أحد يعرف طريقة لمعرفة الطول؟"
فأجاب أحدهم: "قدم واحد يساوي 3/3، ثلثين ونصف مضروبة في 6"
سأل لويس: "لماذا ضربت بـ 6؟"
فأجاب الطالب: "قسمة."
طرح على الطلاب في الصفوف التي لم تتعلم الرياضيات الرسمية نفس السؤال، وكانت هذه هي الردود:
الأول: "عليك أن تعرف كم قدما هناك في الماء"
فسأل لويس: "ثم ماذا؟"
الطالب: "كم قدما في الماء، ثم اجمعهم معا"
فسأل لويس: "كيف ستقوم بذلك؟"
رد أحد الطلاب: "نصف العصى في الطين، ذلك يعني أن نصفها الآخر خارجها، فإذا كان ثلثين في الماء، إذن، ثلثين وقدما واحدا يساوي 3 أقدام، بالإضافة إلى الثلاثة أقدام في الطين، تساوي 6 أقدام."
رد طالب آخر بإجابة مطولة، وتوصل إلى الإجابة الصحيحة أيضا. لم أشأ أن أذكرها لأنه فيها لفة، ولكنها تدل على استخدام الطفل فهمه لحل السؤال.
بعد ذلك، لما أخذ الطلاب غير التقليديين اختبارات الرياضيات الاعتيادية لم يحصلوا على نتائج جيدة، ولكن مع مرور الوقت ومع تدريسهم الرياضيات التقليدية تمكنوا منها خلال أشهر، وأصبحوا متفوقين.
كما ذكرت، هذه التجربة لم تكن دقيقة، وإن دَوَّن لويس كل تجاربه بدقة، لذلك حتى نعرف فعلا ما إذا كانت طريقة التدريس هذه صحيحة، على المختصين في التعليم إيجاد اختبار مناسب لمعرفة تأثير عدم تدريس الرياضيات التقليدية للطلاب في المراحل الأولى.
هل هذه التدريس غير التقليدي سيساعد الطلاب بشكل عام الاستفادة، هل ستُعلم الديسكالكولين بشكل أفضل، كل ذلك يحتاج إلى دراسة لمعرفة الإجابة، ولكن الآن أنتم تعلمون ما هي الديسكالكوليا، ولعل لديكم في الأسرة شخصا ما يواجه صعوبة في الرياضيات، بفهمك للمشكلة سيساعدك ذلك على تفهم وضعه، وربما ستساهم من تخفيف مخاوفه، ومساعدته على الثقة في نفسه، وربما تستطيع أن أيضا أن تشترك مع آخر للطلب من الجهات المختصة الاهتمام الرسمي به وبغيره من أمثاله.
المصادر
- https://www.mathematicalbrain.com/pdf/BUTTJCPP05.PDF
- https://www.youtube.com/watch?v=h4Amu5OsRUM
- https://www.mathematicalbrain.com/pdf/MALECTURE.PDF
- https://www.mathematicalbrain.com/pdf/CATEGORY.PDF
- https://d1wqtxts1xzle7.cloudfront.net/56430174/Handbook_of_Mathematical_Cognition_-_Jamie_Campbell.pdf?1524770750=&response-content-disposition=inline%3B+filename%3DHandbook_of_Mathematical_Cognition.pdf&Expires=1609515042&Signature=ZZDTreZSQZX7t8Nfb4roPTEZ~ae9tIi76QCVqgM9qhGWZ7JsbIjjZXUXesW4LZRcTwBpSs39dgjc9RruqIlNOH32P9RivHaR9109DikRxXyWM2xGwpyc9n8VW~Sciu2Uh4FGGACdOMAkzNqcQnHvCKAwnORZuD6sJRB~lc3UCF9B~eope2KkwooX0S-Q1ht~LqBKSKwjG6U5VyTTX8rhfvBaIB7XVF0TxYn8Y-q5RHAWh90X14igZIx~qjpH0yUbl5ZMN-tUBeiryNYvV40ff6L1CyLdf2Loc52vCzUe3Vb4Hqs1CWg6WEjJtYzkii1rBF0uBJIjWm8zrAg~j3EStA__&Key-Pair-Id=APKAJLOHF5GGSLRBV4ZA#page=474
- https://www.researchgate.net/publication/21372328_A_specific_deficit_for_numbers_in_case_of_dense_acalculia
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


