نص مستعاد من ملف المؤلف الأصلي.
اقتحم إبراهيم غرفة الاجتماعات: "لقد وجدتها، لقد وجدتها، إشارات من.." (1) وصمت بإحراج لما أدار العلماء الآخرين رؤوسهم ونظروا إليه باستغراب وبسكوت، لقد كانوا منهمكين في نظرية جديدة تفسر كيف بدأ الكون.
بعد لحظات ومن الهدوء المستفز، "تفضل عزيزي إبراهيم" (2) استجاب كبير العلماء فيصل العمري لإبراهيم، "ما الذي اكتشفته هذه المرة؟" (2)
"لقد اكتشفت إشارات آتية من الكون الذي سبقنا، إنها إشارات ليست من أكوان متوازية ولا عوالم متعددة، بل أتت من كون سبقنا كون انتهى ثم انبثق منه كوننا." (1)
رفع فيصل عينيه فوق نظارة القراءة وبتأكيد: "إبراهيم لقد ذكرت لك أنه لا توجد أكوان سابقة لكوننا، الكون بدأ من انفجار عظيم، ثم تضخم، ثم الخلفية الإشعاعية الميكروية الكونية، الكون أتى من العدم" (2)
تنهد إبراهيم: "أعلم ذلك، وقد ناقشنا هذا الموضوع سابقا، ولكن هذه المرة الأمر مختلف، فلدي الدليل القاطع على صحة النظرية، بل إن هناك رسالة من الذين سبقونا، دعني أشرح الفكرة ثم بعد ذلك إن لم تقبلها لن أعود لأقاطعكم أبدا." (1)
يبدو أن الجملة الأخيرة أثارت العلماء الآخرين وإن لم يصدقوها، صاحت العالمة فاطمة الترابي: "دعه يتكلم يا فيصل، دع الشاب يتكلم، لنرى الدليل، قد تكون نظرية الانفجار العظيم غير صحيحة." (3) ذكرها وهو يبتسم حرجا. خصوصا أن نظرية الانفجار العظيم مثبتة بعدة طرق حتى لو كانت فيها بعض الإشكالات التي لم يُجب عليها العلماء.
"دعه يتكلم" (4) صاح آخر، وهز البعض الآخر رأسه بالاتفاق: "نحتاج إلى راحة من العمل، وهذه فرصة جيدة للاستماع إلى القليل من الخيال العلمي." (5)
يبدو أن الأخيرة استفزت إبراهيم أكثر، ولكنه سيحول عاطفته إلى قوة في الدفاع عن اكتشافه، "أنتم تعلمون تماما أن الصورة الملتقطة للخلفية الميكروية الكونية Cosmic microwave background فيها معلومات تدل على مكونات الكون، وحتى نستطيع أن نرى هذه المعلومات علينا أن نحولها إلى تردداتها المختلفة، ومن خلال الترددات بإمكاننا الاستدلال على الطاقة الداكنة والمادة الداكنة والمواد الذرية الموجودة في الكون، وبهذا علمنا نسب كل مادة موجودة في الكون، فهناك حوالي 74% طاقة داكنة، 21% مادة داكنة، و4% المادة المتعارف عليها ، أليس كذلك؟" (1)
"معلومات تقدم في المراحل الدراسية المتوسطة، الكل يعلم هذه المعلومات، يرجى الانتقال للموضوع، رجاء" (2) قالها فيصل بتململ.
انتقل إبراهيم إلى النقطة المحورية في الموضوع: "أعتذر، هذه المعلومات صحيحة ويتفق عليها جميع العلماء، ولكن هناك معلومات أخرى لم نلتفت لها، وهي إشارات الثقوب السوداء. إشارات لثقوب سوداء متبخرة." (1)
فقاطع فيصل إبراهيم مرة أخرى، ولعله أراد أن يزهو بعلمه ويبين أن الأمر معروف ولا حاجة لإعادة طرح الموضوع، حيث أكمل بالنيابة: "أنت تقصد الثقوب السوداء المتبخرة من الكون السابق، والتي طرحها روجر بنروز، والتي أطلق عليها اسم نقاط هوكنغ، فرضية لم يلتفت لها أحد، وقد جرب العلماء اكتشاف هذه الثقوب السوداء على مر الوقت، فلم يجدوا لها أثرا يمكن تأكيده بشكل قاطع، كل ما وجدوه كان مصادفة محضة." (2)
أكمل إبراهيم غير عابه للامبالاة فيصل لفرضية بنروز: "هذه الثقوب السوداء أتت من كون قبل كوننا، فطبعت آثارا دائرية على الخلفية الميكروية، نقاط هوكنغ كما ذكر فيصل، والكون الذي سبقنا طبعت على خلفيته صورا للثقوب السوداء من الكون الذي سبقه، وهكذا نرجع إلى ما لا نهاية، الكون يتسلسل تسلسلا لا متناه، لا بداية له، وسيتكرر إلى ما لا نهاية. وسينتهي كوننا هذا أيضا بثقوب سوداء تطبع على الخلفية الميكروية الكونية للذين يأتون من بعدنا وهكذا، إلى ما لا نهاية" (1)
وقبل أن يقاطع فيصل إبراهيم، أكمل بسرعة: "صحيح أن هذه الطبعات قد لا تكون إلا باريدوليا: أنماط نراها وهي بالفعل غير موجودة، كما لو ننظر للقمر لنرى وجه إنسان أو وجه الأرنب أو ما شابه، ولكنها أيضا قد تكون حقيقية..." (1)
لم يستطع أن يكمل إبراهيم كلامه قبل أن يقاطعه فيصل مرة أخرى: "بالضبط هذه الدوائر التي شاهدها العلماء ليست إلا باريدوليا، ولا يوجد دليل واحد يؤكد حقيقتها، ولم يتغير هذا الشيء منذ أن طرح بنروز فرضيته، فهل أتيت لنا بالدليل؟" (2)
"نعم، لدي الدليل، ومرفق مع الدليل رسالة من الذين عاشوا قبلنا في الكون السابق." (2)
"أعتقد أنك بدأت بالخروج عن العلم إلى العلم الزائف،" (2) لم يستطع أن يخفف فيصل من اهانته لإبراهيم بأقل من ذلك، يبدو أنه فقط صبره.
"أظن أنني متفهم لموقفك، لا تريد أن ينشر فريقك ورقة علمية محرجة، ولكني أعدك أن الموضوع صحيح، ويستحق النشر." (2)
فرفعت فاطمة صوتها في الغرفة: "دعه يكمل يا فيصل، فإما أن نخرج بورقة علمية، أو بقصة خيالية عظمية، وكلاهما صالح للنشر، وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة مجزية." (3) فضحك الجميع.
امتعض إبراهيم من التعليق ومن مشاركة زملاؤه بالتسخيف: "الإشارة التي التقطتها تحتوي على رقم، رمز مشفر، لا أعرف ماذا يعني تماما، ولكني متأكد أن له مغزا" (1)
"وكيف علمت أن الرقم حقيقي وليس مجرد معلومة عشوائية؟" (3) صاحت فاطمة، واطمأن فيصل أن زميلته تقف في صفه.
فرد إبراهيم بثقة: "السبب يعود لكون الرقم محاط برقم معروف من اليمين واليسار، رقمين لا يمكن أن يأتيان بمحض الصدفة. إنه باي: 314159265359، وقد كان على جانبي الرقم الذي لم أفهمه تماما، الرقم باي يدل على أن الأرقام المستخدمة عشرية، وكذلك أن الكون يحافظ على الأشكال لا الأطوال كما قال بنروز." (1)
صعق الجميع مما سمعوه، لقد كان: "هل أنت متأكد؟ أرني المعلومات لو سمحت،" (2) قالها فيصل وقد تزعزع عن موقفه المخالف قليلا.
قدم إبراهيم الأوراق لفيصل، ونظر إليها، وقلب الصفحات، وتمعن فيها مرة أخرى، ورفع وجهه إلى العلماء الآخرين بصمت وهو يراقب ردود أفعالهم.
"ماذا وجدت يا فيصل؟" (3) باستعجال.
"يبدو أن إبراهيم م... محق." (2) قالها فيصل بتردد، أنزل الورقة على الطاولة، واقترب العلماء الآخرين للنظر فيها: "إنه الرقم باي مكرر مرتين حول رقم في الوسط. إنه رقم طويل جدا، يبدأ بـ 19310808، وينتهي بـ 19420108، لم أُحصي عددها. إنه رقم طويل جدا"
"عددها أكثر من 10,000 رقم، أو بالتحديد 10,231 رقما متتاليا" (1) رد إبراهيم.
نظر الجميع إلى بعضهم وكأنهم فهموا ماذا تعني الأرقام، وعم الغرفة صمت طويل.
لنبدأ من البداية... بداية الكون، نتساءل: كيف تكون؟ كيف كانت بدايته؟ وإلى أين سينتهي؟ بحسب أقوى النظريات العلمية: "الانفجار العظيم" فإن الكون بدأ من نقطة حارة جدا، ثم تضخم بسرعة هائلة، ثم انفجر انفجارا عظيما، انتشرت الجسيمات في كل مكان، جميع الجسيمات كانت تسير بسرعة الضوء، ليس هناك ما يعيق حركتها، الضوء كان يتحرك بداخل الكون الصغير نسبيا، وكلما تحرك اصطدم بجسيم، لم يستطع الإفلات إلى أماكن بعيدة، برد الكون تدريجيا، وتجمعت الجسيمات، فتكونت الذرات، هيدروجين وهيليوم، وهنا استطاع الضوء الانطلاق، حيث لم يجد ما يعيق حركته، كان ذلك عند درجة حرارة 3000 كيلفين وفي العام 380,000 بعد انفجار النقطة الصغيرة.
استمر الكون في التمدد بعد أن تضخم بسرعة كبيرة، الضوء يلاحق هذا التمدد السريع وهو يتمدد أيضا، بالمقارنة.. الكون أسرع منه. في تلك الأثناء اجتمعت المواد مع بعضها بقوة جاذبية المادة الداكنة، وبسبب كتلها هي، تكونت الغازات، اجتمعت لتكون النجوم، والنجوم تكون المجرات، ثم المجاميع الشمسية، فتكونت الشمس والأرض، ونشأت عليها الحياة، فتطورت تدريجيا، إلى أن كان هناك إنسان يفكر... ففكر، وصنع، وأبدع، فصنع المراصد، وصنع أنواعا مختلفة من التلسكوبات، وكانت إحدى تلك الصور التي التقطتها التلسكوبات تعود للخلفية الإشعاعية الميكروية التي تكونت عند العام 380,000 عاما بعد الانفجار العظيم، كانت هذه الفوتونات متمددة إلى درجة أن حرارتها أصبحت اليوم 2.7 كلفن.
لاحظ العلماء أن الصورة هذه تبين فقط ما حدث بعد 380,000 من الانفجار العظيم، لا مجال لرؤية ما خلف هذه الصورة، لماذا؟ لأن الضوء كان يصطدم في الجسيمات المختلفة، ولم يستطع الهروب، لقد كان سجينا في تلك السنوات القصيرة حتى استطاع الهروب بعد برود الكون بما فيه الكفاية لكي تتألف الجسيمات وتكون الذرات. بالطبع فالعلماء يعلمون إلى حد كبير ما حدث قبل ذلك ليس لأنهم استطاعوا اقتحام ضبابية الخلفية الميكروية الإشعاعية، إنما لأنهم استطاعوا تكوين حالة الكون في بداياته من طاقات عالية في المصادم الهدروني الكبير وغيره، وبإمكانهم أن يعلموا كيف كان الكون يعمل إلى حد 10^-13 ثانية، أما قبل ذلك فالكون مبهم، والنظريات التي تحاول معالجته معدودة، إذن ماذا فعل العلماء لفهم ما قبل هذه الأوقات المتناهية الصغر، لقد وضعوا النظريات التي تبين كيف بدأ الكون، ومن هذه النظريات التضخم الكوني.
لماذا يقول العلماء أنه كان هناك تضخم في الكون قبل الانفجار العظيم مباشرة؟ نحن نعلم أن الكون الآن يتسع، وهو في تسارع في اتساعه، وهذا أمر معروف تماما وعليه أدلة قوية، ولكن التضخم الكوني لا توجد عليه أدلة، خصوصا أننا لا نستطيع أن نرى ما حدث قبل 380,000 بعد الانفجار العظيم، ولا نستطيع أن نكون درجات الحرارة العالية قبل 10^-13 ثانية، أو التي كانت موجودة في أجزاء من الثانية الأولى من تكون الكون. لقد تضخم الكون بين 10^-35 إلى حوالي 10^-34 جزء من الثانية، أي فاصلة، وبعدها 34 صفر ثم 1، جزء صغير جدا جدا جدا، فإذا لم تكن لدينا أدلة مباشرة على التضخم الكوني، فلماذا اقترح العلماء هذه الفكرة أساسا؟
لقد اقترحها آلان غوث وأكمل على فكرتها لاحقا آندري لندي لتصبح أكثر انضباطا في تفسير شيء اكتشفه العلماء في الخلفية الميكروية الإشعاعية، ومن غير اقتراح هذا التفسير تصبح لدينا مشكلة عويصة جدا. وهي مشكلة تساوي درجات حرارة الكون في كل مكان. وحتى أبين الفكرة لأضرب مثالا يوضحها.
لنفترض أن دخلت إلى داخل المطبخ ووجدت بقعا من الماء في كل مكان. مشيت برجلين حافيتين عليه، فاستشعرت حرارة الماء الساخنة، فنقلت رجلك من مكان إلى آخر وإذا بالماء ساخن بنفس درجة الحرارة، الحرارة متساوية في كل مكان. تتساءل كيف يمكن للماء أن يكون بنفس درجة الحرارة؟ قد تتخيل أن الماء سُكب ثم أشعل شخص ما النار في نقطة محددة في المطبخ، فسخن الماء في تلك النقطة ثم انتقلت الحرارة إلى كامل أنحائه، لكنت ستعيد التفكير لأنك تعلم أنه حتى يسخن الماء وتتساوى درجات حرارته يجب أن توقد النار عليه لفترة طويلة جدا، بحيث تعطى الفرصة له لكي تنتشر. وبما أن الحرارة التي استشعرتها متساوية، إذن لابد أن هذا التساوي كان بسبب عملية أخرى.
ثم بعد ذلك تتخيل فكرة أخرى، شخص دخل إلى المطبخ سخن قدرا من الماء، ثم حمل القدر وإذا به ينزلق من يده ويُكب القدر بالكامل على الأرض، وبسرعة كبيرة انتشر الماء في كل مكان، بذلك تنتشر الحرارة المتساوية في القدر إلى كل مكان وبسرعة خاطفة. هذا التفسير أفضل بكثير من محاولة تسخين منطقة معينة والانتظار لحين تسخين جميع البقع بانتقال الحرارة البطيئة.
وهذا المبدأ بالضبط ينطبق على الكون، حينما رأى العلماء صورة الخلفية الإشعاعية الميكروية وجدوا أن الحرارة فيه متساوية إلى حد كبير جدا، ولكي تتساوى الحرارة في جميع أنحائه لابد أن هناك آلية معينة تضمن هذا الانتشار المتساوي، وكما في مثال المطبخ، لا يمكن للحرارة أن تنتقل من مكان لآخر لأن حتى الضوء لم تكن لديه الفرصة الكافية للانتقال إلى كافة الكون لتسخينه، فكيف أصبحت متساوية؟ وهنا تأتي نظرية آلان غوث، فعند الثانية 10^-35 جزء من الثانية كان الكون حارا ومتجانسا حراريا، وكانت الطاقة العالية هذه كلها متركزة في نقطة صغيرة جدا، وإذا بها تتضخم بسرعة هائلة، حيث كبرت في كل جزء من الثانية ضعف ما كبرت في الجزء من الثانية التي قبلها، حتى أصبح الكون واسعا ومنسجما حراريا من غير الحاجة لنقل الحرارة عن طريق وسيط.
(تخيل لو أعطيك مبلغ فلس واحد أو قرش واحد أو أدنى عملة، وأقول لك أنني سأزيدك ضعف ما لديك في كل يوم، في اليوم الأول أعطيك فلس، في اليوم الثاني أعطيك فلسين، في الثالث أعطيك 4 فلوس، في الرابع أعطيك 8 فلوس، في الخامس أعطيك 16 فلسا، وهكذا، في اليوم ال، 32 سيكون لديك أكثر من 4 مليار و29 مليون فلس، الكون تضخم بسرعة هائلة من النقطة الابتدائية، ونشرت الحرارة في كل أجزائه بهذه السرعة، ثم انفجر الكون انفجارا عظيما. أصبح ما نراه اليوم.)
إذن، نظرية أو بالأحرى فرضية التضخم الكوني أتت لكي تحل مشكلة، وبالرغم من أن هناك أدلة تتناسب معها، وهي أقوى ما لدى العلماء من وسيلة لتبرير الحرارة المتساوية، فرضية تتربع على عرش بداية الكون إلا أنها قد تُزال يوما ما لتستبدل بفكرة أفضل، فكرة عليها أدلة أقوى.
لكنها لا تزال لا تحل مشكلتان أساسياتان، الأولى: صحيح أن التضخم ضمِن نشر الحرارة بالتساوي بالتضخم السريع، كما حدث في موضوع القدر والماء عندما سقط القدر وانتشر الماء في كل مكان بسرعة، ولكن كيف أصبحت حرارة الماء بداخل القدر متساوية؟ في حالة القدر انسجام درجة حرارة الماء فيه كانت بسبب انتقال توزيع الحرارة بداخل لفترة من الزمن، ولكن من أين أتى النظام الأولي لهذه النقطة؟ التضخم لم يقم بسوى توسعة قطر هذا الانتظام، ولكنه لم يكونه بالأساس. الثانية: ما الذي أوقف هذا التضخم؟ لماذا توقف وتحول إلى انفجار عظيم ثم تلى ذلك اتساع أبطأ للكون؟ لماذا لم يستمر؟ هذان سؤالان لا تجاوب عليهما فرضية التضخم.
فرضية الكون الدوري المطابق
الآن نأتي لفرضية أخرى أنتجها العالم الفيزيائي الرياضي روجر بنروز، فرضية عجيبة جدا، وهي ربما أغرب الفرضيات التي مرت علي إطلاقا، يطلق عليها اسم الكون الدوري المطابق (Conformal Cyclic Cosmology). قضى العشر سنوات الماضية في محاولة إقناع العلماء بدراستها، ولكنه لم يستطع أن يحقق تقدما لإقناع العلماء، ولكن يبدو أن لديه فكرة جديدة قد تجعلهم ينظرون لها بجدية أكبر، وكتب ورقة علمية حديثة يقدم فيها طريقة لإثبات نظريته عن طريق الخلفية الميكروية الإشعاعية. في هذه الورقة يدعو العلماء للبحث عن إشارات لثقوب سوداء اندثرت من كون سابق لكوننا طبعت آثارها على الخلفية، ويدعي أن هذه الآثار ستكون ربما بحجم القمر بقدر 8 مرات. عجيب!
هناك نظريات كثيرة عن الكون، منها ما يجعله متعددا من خلال تكون فقاعات كونية، منها ما يجعله متتعددا غشائيا خلال أبعاد متعددة مثل ما في نظرية الأوتار، منها ما يجعل الكون ينكمش على نفسه بعد اتساعه، ثم يعود لينفجر مرة أخرى، وهكذا تتكرر العملية مرارا وتكرارا.
فرضية الكون الدوري المطابق كون يتكرر، ولكنه يتكرر بطريقة مختلفة تماما عما عهدته سابقا، فمثلا حينما تفكر في اتساع الكون ثم بعد ذلك انهياره على نفسه وانكماشه ليصبح نقطة صغيرة تنفجر مرة أخرى لينتج منها كون جديد، تستطيع أن ترى كيف أن بداية الكون تعادل انكماشه إلى نقطة صغيرة، لن يخالف ذلك ما تعتقده، أو حتى قدرتك على تخيل الكون.
ما يطرحه روجر بنروز يختلف، فهو يقول أن الكون يتسع ويتسع ويتسع، ولا يهم إن كان يتسع إلى ما لا نهاية أو إلى كون واسع جدا ومحدود، وحتى بعد وصوله إلى حالة معينة أثناء الاتساع يصبح هذا الاتساع نقطة الانفجار العظيم القادمة. لأعيد في مثال تستطيع تصوره، تخيل أن لديك مخروط، سيكون ضيقا من جهة، وواسعا من جهة أخرى، المكان الضيق يمثل الانفجار العظيم، والمكان الواسع يمثل نهاية الكون، ولكن ضع في الاعتبار أن الكون ليس مخروطي الشكل، إنما ما يمثله المخروط هو الكون عندما انفجر من نقطة، ثم تقدم الوقت ليتسع، إلى أن وصل إلى نهايته في فوهة المخروط الواسعة. ولو قطعنها المخروط إلى حلقات، لكانت كل حلقة تمثل الكون في نقطة زمنية معينة، طبعا مع فارق التشبيه، لأن الحلقات ثنائية الأبعاد والكون ثلاثي الأبعاد.
الآن، أحضر مخروطين، ضع الفوهة الضيقة لأحد المخروطين أمام الفوهة الواسعة للمخروط السابق، ما يخبرنا به بنروز هو أن الفوهة الواسعة للمخروط الأول هي ذاتها الفوهة الضيقة للمخروط الثاني. الآن ضع عدة مخاريط واحدا تلو الآخر، هكذا يفعل الكون، حينما يموت كون يحيى آخر، وبهذه الطريقة تستمر السلسلة إلى ما لا نهاية، ويعيش كل كون دهرا من الزمن أو ما يطلق بنروز عليه اسم Aeon، بل ليست لهذه الأكوان بداية، لأنها تتكرر في الماضي إلى ما لا نهاية... كيف؟ ركز معي حتى تصل الفكرة.
لدينا عدة مشاكل، أولا كيف أصبحت الفوهة الواسعة جدا تساوي نقطة في منتهى الصغر؟ وكيف تترك الثقوب السوداء علامات واضحة على الكون التالي؟
نحن نعلم أن الكون الحالي يتمدد، بل نعلم ما هو أهم من ذلك أن الكون يتمدد بتعجل، أي أن سرعة تمدد الكون تزداد كلما مر الوقت، هذا يعني أن الكون لن يعود مرة أخرى للانكماش (طبعا ما لم يكن هنالك أمر آخر يغير من كل ما نعرفه عن الكون)، أين يتمدد؟ حاليا يتمدد بين المجرات، المجرات تتباعد عن بعضها، ومع مرور مليارات السنوات ستختفي جميع المجرات، فلو نظر الناس في الأزمنة القادمة إلى الفضاء الخارجي لرأوا النجوم والكواكب والثقوب السوداء والسدم وغيرها بداخل مجرتنا درب التبانة، ولكنهم لن يروا شيئا أبدا خرج المجرة، سيبدو لنا أن الكون لا يحتوي إلا على مجرة واحدة، ولو كانت هناك حضارات أخرى في المجرات الأخرى لما استطاعت أن ترى سوى مجرتها التي تقطن فيها، ستشعر مجرتنا بالوحدة.
بعد ذلك كلما تقدم الوقت ستنطفئ النجوم تدريجيا حيث ستستهلك طاقاتها، وستبتلع الثقوب السوداء نجوما أكثر، وتكبر أكثر، ومع مدة أطول من ذلك ستتفكك كل مكونات النجوم والكواكب وغيرها، وتتبخر تدريجيا، وحتى الثقوب السوداء ستتبخر مع الوقت تدريجيا وعلى مدى طويل جدا جدا، تتبخر عن طريق إشعاعات هوكنغ، شيئا فشيئا تصغر، حتى تنفجر ولا يبقى منها شيء. كل ذلك سيطول ربما ليصل عمر الكون 10^106 سنة.
ما الذي تبقى الآن؟ لقد تبقت الجسميات الصغيرة، والإشعاعات الضوئية، وحتى الجسيمات ستتفكك مع برود الكون التدريجي، كل المواد تتفكك إلى إشعاعات وجسيمات لا كتلة لها، الإشعاعات في الأساس ليست لها كتل، ولكن حتى الجسيمات مثل الإلكترون لن تكون لها كتل، وهنا تتغير المعادلات الكونية، هنا يتغير الكون الواسع إلى نقطة، لا يتغير في أن يصغر اتساعه، إنما يبقى الاتساع على ما هو عليه، ويصبح الاتساع هو ذاته نقطة، لا تمييز بينهما، عجيب! كيف؟!
هنا يشرح بنروز فكرته العبقرية، لنفكر مرة أخرى في الضوء، حينما يعبر المسافات الشاسعة، ما هو شعوره؟ بالطبع ليس للضوء شعور، فلنتخيل أن لديه شعور، كيف سيشعر بتقدم الوقت؟ الحقيقة أنه لن يشعر بتقدم الوقت نهائيا، لو انطلق الفوتون من الشمس إلى الأرض بالنسبة لنا الذين نعيش خارجه سيستغرق 8 دقائق في السفر إلى حين الوصول، ولكنه هو لا يشعر بمرور الوقت، خرج من الشمس وهو في نفس اللحظة على الأرض، وكذلك لو أن فوتون خرج من إحدى نجمتي ألفا سنتوري ووصل إلى الأرض، بالنسبة لنا سنحسب أنه استغرق 4.3 سنة للوصول، ولكن لو سألنا الفوتون كم لبثت، لذكر لنا أنه لم يشعر بمرور أي وقت نهائيا، بالنسبة له انطلق من النجم ووجد نفسه على الأرض في نفس اللحظة، ولو انطلق فوتون من بداية المجرة إلى نهايتها لاستغرق 100,000 سنة للوصول بحسب حساباتنا، ولكنه لن يشعر بمرور حتى لحظة واحدة. وهكذا لو أن الضوء قطع الكون كله لما شعر بمرور أي وقت نهائيا. وهذا أمر معروف لا غبار عليه.
بالنسبة لنا، ما الذي يقيس الوقت؟ إنها الكتلة، الكتلة تتسبب في اختلاف الوقت، الكتلة هي الساعة، يذكر بنروز أن الطاقة تساوي الكتلة في مربع الضوء، وهذا قانون آينشتاين E=mc^2، وفي نفس الوقت بحسب قانون بلانك فإن الطاقة تساوي التردد في ثابت بلانك E=hf، ولو تساوي المعادلتان مع بعض لكانت m = hf/c^2، وهذا يعني أن الكتلة تساوي التردد، وهنا نكتشف الأمر المهم، أن الكتلة تساوي التردد، وماذا يعني أن لدينا تردد؟ هذا يعني أن لدينا مُوقِّت، شيء يحسب الوقت، إذن الكتلة هي السبب في وجود اختلافات في الوقت لكل الناظرين.
ماذا يحدث لو لم يكن لدينا شيء يحسب الوقت في المستقبل البعيد بعد 10^106 سنة؟ لن تكون لدينا مساطر لقياس المسافة التي عبر فيها الضوء من نقطة إلى أخرى، فكر فيها لو كنت أنت الفوتون، وتعبر من طرف إلى طرف آخر في الكون، بدأت وانتهيت في نفس الوقت، كيف ستعرف كم كانت المسافة التي قطعتها؟ ما هي مسطرتك لتحديد المسافة؟ لو أردت أن تقطع مترا واحدا، أو عشرة أمتار أو مليون متر أو حتى سعة الكون اللانهائية، كلها واحدة بالنسبة لك، كل مكان بالنسبة لك هو هنا.
الآن أصبحت المقاييس كلها لا معنى لها، الأطوال لا تعني شيئا، الكبير والصغير هما نفس الشيء، الكون الواسع الضخم الذي قد يكون لا نهائي في الحجم هو ذاته الكون الصغير اللانهائي في الحجم، وبحسب بنروز لو استخدمنا رياضيات التطابق لتطابقت الضخامة مع النقطة.
الآن لدينا حالة نهائية أو لا نهائية للكون التي تشابه الحالة الابتدائية، الضوء والجسيمات الصغيرة جدا ليس لها كتل، وكلها تتحرك بسرعة الضوء لأن المجال الذي يعيق حركتها غير موجود، ليس هناك وقت يمر في كلتا الحالتين، هذه بالضبط كانت حالة الكون الابتدائية، وبحسب ما نعرفه عن نظرية الانفجار العظيم.
وهذا ماذا حدث أيضا في النهاية، مع تمدد الكون، أصبح الكون متجانسا تماما، الحرارة متساوية في كل مكان، كما كانت في بداية الكون، الحرارة موزعة في كل مكان بالتساوي، وهنا تعالج فرضية بنروز مشكلة البداية التي تجانست فيها حرارة الكون الأولى قبل التضخم، وبهذا أيضا يلغي الحاجة للتضخم تماما. ويستمر الكون في التمدد ويبدأ دهر جديد.
ما هو الإثبات على الكون الدوري المطابق؟
طرح روجر بنروز هذه الفكرة قبل حوالي 10 سنوات، ولكنه لم يعرف كيف يثبت هذه الفكرة، فكيف لنا أن نرى كوننا سبقنا وقد انتهى دهره؟ وكيف لنا أن نرى الكون القادم ونحن لن نكون موجودين لنرى نهاية هذا الكون؟ اتضحت الفكرة مع الثقوب السوداء، وكان فيها الحل الذي قد يعطي إشارة واضحة على الخلفية الكونية الميكروية الإشعاعية، حيث ستترك أثرا لتبخرها عليه.
ففي نهاية الكون السابق ما تبقى فيه لفترة طويلة جدا الثقوب السوداء، البعض سيصطدم مع الآخر، وهذه التصادمات ستخلف موجات جاذبية تترك أثرها على الخلفية الإشعاعية الميكروية، وبعضها ستأخذ وقتا طويلا لكي تتبخر عن طريق إشعاعات هوكنغ، تتبخر تدريجيا إلى أن تصغر، ثم تنفجر ولا يبقى شيء. لما تتبخر ستطلق إشعاعات ضوئية، وتطبع شكلا دائريا على الخلفية، ويكون لها شكلا محددا تحدده الرياضيات.
وقد قام بعض زملاء بنروز بمحاولة دراسة هذا الموضوع من خلال المحاكاة على الكمبيوتر، ونشر ورقة جديدة لم تحكم بعد وأهداها لستيفن هوكنغ، انتج الباحثون حوالي 10 آلاف صورة مصطنعة عشوائية للخلفية إشعاعية ميكروية، ثم حاولوا اكتشاف ما إذا كانت هناك أي إشارات في العشوائية، فلم يجدوها، ولكنها وجدوها بالخلفيات التي تتشابه مع الخلفية الحالية.
لأوضح لكي تصل الفكرة. لو نظرت إلى صورة الخلفية الإشعاعية الميكروية لوجدتها تظهر وكأنها صورة مبقعة، تستطيع أن تتخيل فنان وأمامه لوحه، وبيده فرشة، يغطسها في اللون، ثم يرش بشكل عشوائي على اللوحة فتمتزج الألوان، ستكون هناك بقعا هنا وهناك، وستظهر صورة مبقعة عشوائيا، ولكن الفنان الذي يرش الأصباغ لا يرشها بطريقة عشوائية بحتة، إنما لديه حس فني يضفيه على الرسمة. الشخص الاعتيادي الذي ينظر لها سيقول أنها عشوائية، ولكن عن المختص في الفن سيرى أنماطا في تلك الصورة، صورة الخلفية الإشعاعية الميكروية تبدو وكأنها عشوائية، ولكنها في الحقيقة ليست كذلك حتى وإن ظهرت للناظر الاعتيادي على أنها كذلك.
الآن أحضر آلاف الناس، واطلب منهم أن يرشوا الألوان كل منهم على لوحته الخاصة، ثم ليقدموها لك، وأنت المختص بالفن والألوان وضربات الريشة نظرت في الصور، فرزتها عن بعضها، ستتمكن من تمييز الفنان من الشخص الذي رمى الألوان على اللوحة بأسلوب عشوائي بحت. حسك الفني يريك أشياء لا يراها الشخص الاعتيادي.
كذلك كانت فكرة زملاء بنروز، شكلوا صورا مختلفة من الخلفيات الميكروية الإشعاعية، فالتي كانت عشوائية تماما لم تظهر طبعات للثقوب السوداء، بينما الأخرى "الفنية" المشابهة من حيث المبدأ للخلفية الميكروية الإشعاعية أظهرت عليها أشكال الثقوب السوداء. وهذا أمر مثير جدا، وقد يدعو بعض العلماء لإعادة النظر في فكرته. فلربما اكتشفوا أن نظريته صحيحة.
يتخيل بنروز خيالا كمثل خيال القصة التي ذكرتها، أن حضارة متقدمة كانت موجودة قبل نهاية الكون السابق، استطاعت أن تترك أثرا عن طريق التحكم في الثقوب السوداء، تستطيع مثلا أن تترك الثقوب السوداء في أمكان محددة لتخلف رسالة تخبرنا بوجودهم قبلنا، ماذا سيقولون؟ لا أحد يدري، في قصتي وضعت رقما فيه مغزى، هل فهمته؟ لربما لن تترك حضارة متقدمة مجرد أرقاما بسيطة. ربما سيتركون لنا رسالة يقولون فيها: حافظوا على التباعد الاجتماعي، ولبس الأغطية الواقية على الوجوه، واشتغلوا بالجائحة كما عمل نيوتن أثناء الطاعون واستخرج لنا أجمل النظريات.
المصادر
- https://www.space.com/42202-why-we-need-cosmic-inflation.html
- https://www.space.com/42261-how-did-inflation-happen-anyway.html
- https://arxiv.org/pdf/1808.01740.pdf
- https://www.youtube.com/watch?v=QecUblItkf8
- https://map.gsfc.nasa.gov/resources/camb_tool/index.html
- https://www.youtube.com/watch?v=ftjwnjR0apY
- https://www.youtube.com/watch?v=JDmKLXVFJzk
- https://www.youtube.com/watch?v=aPStj2ZuXug
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


