تفريغ صوتي مهيأ آليًا للقراءة؛ قد تحتاج بعض الكلمات إلى مراجعة. علامات الوقت تتيح الرجوع إلى التسجيل.
أنا محمد قاسم، وأهلاً وسهلاً بكم في سايوير بودكاست. أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من سايوير بودكاست. اليوم نتحدث عن مسبار الأمل. لقد تحدثنا سابقاً عن عدة مسابير ومركبات، بعضها ذهب إلى القمر، وبعضها إلى المريخ، وبعضها إلى الشمس.
مسبار مختلف عن العادة، لأنه مسبار صنعته دولة الإمارات العربية المتحدة. مسبار سيذهب إلى المريخ، وسيجعل دولة الإمارات العربية المتحدة أول دولة عربية تنضم إلى قائمة الدول التسع التي أرسلت مسابير ومركبات إلى المريخ. إنها فرصة رائعة أن نشارك نحن العرب اليوم
في هذا السباق العالمي المحموم للذهاب إلى الفضاء. وفي نفس هذه الأيام أيضاً، ستنطلق مركبات أخرى؛ وحدة تابعة للصين، ووحدة تابعة لناسا. المركبة التابعة لناسا ستحط على سطح المريخ، وهي تشبه مركبة كوريوسيتي في الشكل، لكنها مزودة بأدوات جديدة. إذا رأيتموها، ستلاحظون تشابهاً كبيراً في الشكل مع المركبة السابقة.
لكن هذه المركبة ستكون بأدوات جديدة لقياسات مختلفة عن تلك الموجودة في كوريوسيتي. أما اليوم، فتركيزنا هو على المسبار الإماراتي العربي الذي سينطلق الليلة بعد منتصف الليل. اليوم تاريخ 19 سبعة، بعد تأخير طبعاً 2020، وسينطلق بتاريخ 20 سبعة 2020 تقريباً الساعة الواحدة
و58 دقيقة بتوقيت الإمارات، أو الساعة الثانية عشرة و58 دقيقة بتوقيت الكويت والمملكة العربية السعودية. اليوم معنا ضيف مهم جداً، وهو سعادة الدكتور محمد الأحبابي، مدير عام وكالة الإمارات للفضاء. يشغل منصب المستشار الرائد في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في مركز التميز والتطوير للقوات المسلحة.
وهو نائب رئيس الاتحاد الدولي للملاحة الفضائية منذ أكتوبر 2018، ويرأس مشروع Think Tank Project. كما يشغل عضوية مجلس جامعة الإمارات العربية المتحدة، وعضو مجلس إدارة شركة إلياه للاتصالات الفضائية (إلياه سات)، والاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك. ضيفنا سيتحدث عن مسبار الأمل
أهدافه والرحلة، وأيضا عن ما تفعله الإمارات للتنسيق مع الدول العربية للمشاركة في مسبار جديد يشارك الجميع في تصنيعه وبنائه وفي المعلومات التي ستصدر عنه. كونوا معنا في هذا اللقاء. مساء الخير دكتور. السلام عليكم. السلام عليكم، كيف حالك؟ الله يعافيك دكتورنا. مساءك الله بالخير، كيف حالك؟ الحمد لله، عاش من سماع صوتك.
حياك الله دكتورنا العزيز والغالي. يا أخي، والله نسمع عنك الخير ونتابعك، لكننا مشغولون بالإطلاق. أخبرني ناصر وسعيد أني أتواصل معك. ضروري جداً أن تتواصل معنا، لأننا من دونك لا نستطيع أصلاً أن نعرف ما يحدث. ضروري جداً أن تكون معنا لتشرح لنا الأوضاع. الله يعزك. أنا حاضر. كيف أمورك؟ أشعر بالارتياح لسماع وضعك. إن شاء الله كل شيء تمام عندكم، والأقوان والزملاء.
الحمد لله، نحن جميعًا بخير ومرتاحون، ومتحمسون جدًا لموضوع المسبار الذي سينطلق إلى المريخ. في الحقيقة، لم أتوقع أن تكون موجودًا الآن في اليابان؛ فقد كنت أظن أنك في الإمارات، وهذا أمر رائع حقًا. سعيد بأنك تمكنت من ذلك. لا والله، أنا في اليابان حاليًا، في الحجر الصحي. في اليابان لديهم
نظام؛ فطبعًا لا يأتيهم أحد حتى الآن، إذ لم يفتحوا الحدود بعد. لكنهم لم يقصّروا معنا، وكان لا بد أن نقضي فترة في الحجر الصحي. بقيت علينا تقريبًا 4 أو 5 أيام، إن شاء الله. ممتاز. وبعدها سنلتحق بفريق العمل في جزيرة الإطلاق. نحن في طوكيو، العاصمة، وهم في مكان الإطلاق، أي جزيرة في جنوب اليابان. وأنت ستسافر بالطائرة، صحيح؟
لا، نحتاج إلى طائرتين: طائرة كبيرة أولاً، ثم طائرة صغيرة إلى الجزيرة. إنها جزيرة صغيرة مخصصة للإطلاق فقط، وسكانها قليلون، ولا توجد فيها حالات من كورونا. هم مشدّدون على دخول البشر، وقاصرون الوصول إلى الجزيرة. هذا من ضمن التحديات، طبعاً تعرف كيف، من ضمن تحديات المشروع.
تظهر لك أمور لا علاقة لها بالجوانب الفنية والبرنامج، بل هي أمور لوجستية. صحيح، عندما نطلق في ظل هذه الظروف، فهذا بحد ذاته إنجاز كبير جداً لنا ولغيرنا. أرى الناس والعالم شبه متوقف، وهناك أشياء بسيطة فقط تتحرك فيه.
وأتمنى أنه في النهاية، بعد هذا التعب كله وإضافة الجائحة له، أن تسير الأمور كما نتمنى، وأن يصل المسبار إلى المريخ. وبعد ستة أشهر، سأعود وأقابلك مرة أخرى، دكتور، على سايوير، حتى تخبرنا بما سيحدث. رحلة، إن شاء الله، معاً، بإذن الله. دكتور، خلينا نبدأ، لكن ممكن تعطيني فكرة عامة عن مسبار الأمل وأهدافه؟
طبعاً، دكتور محمد، أشكرك على الاستضافة وعلى الاهتمام، وعلى الدعم وإيصال المعلومة العلمية الصحيحة إلى المتلقي. هذا جهد تستحق عليه الشكر. وكذلك أشكرك على رفع الوعي، وخاصة الوعي بالمعرفة الواسعة الشاملة، التي هي بإذن الله أحد الطرق إلى النهضة.
والتنمية المستدامة على مستوى وطننا العربي. بالنسبة لمشروع مسبار الأمل، فهو مشروع طموح أُطلق عام 2014 من قبل قيادة دولة الإمارات. وله أهداف علمية، وأهداف عامة أيضاً. طبعاً، في البداية كانت الأهداف عامة، ثم
تمحورت حول أهداف علمية. في الأهداف العامة، كان الهدف أن يكون لدينا مشروع يلهم ويستهدف شريحة الشباب، ليس فقط في دولة الإمارات، بل على مستوى المنطقة العربية أيضاً. كما تعرف، دكتور، اليوم أغلب سكان المنطقة العربية هم من فئة الشباب، صحيح؟ وبرغم الظروف والتحديات
ما يحتاجه الشباب اليوم هو قليل من الأمل، وفي الوقت نفسه التشجيع والإلهام، حتى نتجاوز بإذن الله هذه التحديات، ويكون لدينا مسار ونور، إن صح التعبير، لبداية أفضل للجميع بإذن الله. وكانت الفكرة أن يكون هذا المشروع ملهمًا ومُشجِعًا.
وسُمي بالأمل، سُمي مسبار الأمل، جميل. ولما تفكر يا دكتور بكلمة الأمل، فالمقصود ليس الشريحة الواسعة في الوطن العربي فحسب، رغم ما ذكرت من تحديات وإحباطات وتعقيدات، ولكن إن شاء الله يبعث الأمل. وكان الهدف منه أن يبعث الأمل، وفعلاً كان التوجيه واضحًا بأن هذه مهمة كبيرة.
لها أهداف، ويجب أن تكون لها أهداف علمية تفيد البشرية على وجه العموم، وأن تكون المهمة العلمية فريدة أيضًا. المقصود أن وكالات الفضاء الأخرى لم تنفذ نفس التجارب التي سنفعلها، صحيح، حتى تكون لها قيمة علمية للبشرية. فطبيعي أن الإمارات أعلنت عن المشروع، وأننا سنقوم بمشروع.
ومثلًا، قد لا تعرف يا دكتور اليوم المجتمع العلمي، خاصة المجتمع العلمي الفضائي والمهتم بمجال الاستكشاف. طبعًا هناك منظمات ولجان عالمية تنظم الاستكشاف الفضائي، وتضع أسئلة علمية نيابة عن البشرية، أو الأسئلة الهامة التي تحتاجها البشرية.
أو العلم يحتاجها، والعلماء في الأرض لمعرفة الكواكب، وخاصة كواكب المريخ. فوضعوا عددًا من الأسئلة، وهذه الأسئلة مصنفة حسب درجة الأهمية، ثم يعرضونها على الدول: أي دولة اليوم تستطيع أن تقوم بمركبة أو تبعث مهمة للإجابة عن هذه الأسئلة؟ في النهاية هي تفيد البشرية.
فكل دولة من الدول التي لديها إمكانيات، أو لديها رغبة في الاستكشاف الفضائي، تختار جزءًا معينًا من هذه الأسئلة التي لها قيمة علمية، بهدف عدم التكرار. وفي الوقت نفسه، كل مهمة تناسب المهمة العلمية؛ مثلًا، إذا صممت مركبة فضائية، يجب أن تعرف بالضبط ماذا تريد أن تفعل.
المركبة التي تدور حول المريخ، مواصفاتها وتصميمها يختلفان عن مركبة تنزل على المريخ. ومركبة تنزل على المريخ وتكون ثابتة تختلف عن مركبة تنزل على المريخ وتتحرك، أي تكون فيها عربة. نحن، بصراحة، هذا المفهوم، مفهوم الاستكشاف الفضائي ومفهوم علوم الفضاء، كان جديدًا على المنطقة العربية.
وحتى نحن في دولة الإمارات، لم يكن لدينا أقمار صناعية، ولدينا مهندسون، لكن لم يكن لدينا هذا الفهم الكبير لعلوم الفضاء، أو ما يُسمى space science، وكذلك space exploration، أي مفهوم مركبات الفضاء التي تتجه إلى الكواكب، لم يكن موجودًا. هذا المشروع فتح لنا بابًا كنا نجهله، وكان مغيبًا.
يعني لعدة أسباب، في منطقتنا العربية توجد دول لديها استكشافات ونشاطات وبرامج مستمرة، مثل برنامج «بطاعة» أو برنامج آخر، لكن في منطقتنا لم يكن هذا موجوداً. دكتور ميخالف، أنت قلت كلمة، وإذا سمحت لي فأحتاج إلى تعليق أكبر عليها، فقد قلت إن الاستكشاف كان «مغيباً»، وكأنما هناك شيء يُغيّبه. فما الذي أبعَد هذا الاستكشاف الفضائي؟
فكلمة «مغيب» تعني ربما بسبب الظروف التي تمر بها المنطقة العربية، وبسبب الأولويات. مثلاً، قد يأتي اليوم شخص ويقول: لماذا تذهب إلى المريخ؟ لماذا أستكشف الفضاء وأنا لديّ تحديات على الأرض أحلها أولاً ثم أذهب؟ هناك أصوات من هذا النوع، لكن هذا لا يعني أن الفضاء والاستكشاف الفضائي والاستثمار فيه
ليسا طريق الحل لهذه التحديات، بل بمفهوم الاستدامة، إذا استثمرت مثلاً في العلوم الواسعة والمعرفة والتقنيات، فستكون جيلًا واعيًا، وستكون صناعات، وبعدها تنتهي هذه التحديات تلقائيًا.
وكما هو الحال في الهند، فأنا أردد دائمًا هذا المبدأ في موضوع الفلسفة الهندية في استثمار الفضاء. الهند لديها تحديات على الأرض، وهناك أشخاص يعانون من تحديات يومية، بالألوف وربما بالملايين، لكنها تستثمر مليارات في برنامجها الفضائي، والهدف هو حل هذه التحديات. فمن خلال الفضاء، أولاً، تلهم الجيل الأصغر وتدفعهم نحو التعليم العلمي والتقني،
ومن ثم توظفهم في هذه البرامج، فيكتسبون خبرة ويبدعون، لأن مجال الفضاء منصة رائدة للإبداع، لأننا نجهل الكثير، ولدينا تحديات كثيرة. وعندما يبدع الشخص ويبتكر، فإن لديه ثقافة الابتكار، فيبتكر حلولاً على الأرض.
ويصبح الشخص الذي يشارك في تصميم مركبة فضائية مشاركًا بالتأكيد في تصميم سيارة أو مركبة على الأرض، ويبدأ في ذلك، لأن تصميمها في الفضاء أصعب بالطبع. فإذا مررت بشيء صعب، فكل ما هو أدنى منه يكون أسهل. ومن خلال برنامجهم، يطلقون أقمارًا صناعية ويستكشفون مكانًا من الثروات، ويخططون لـ...
...للسكن، والطرق، والآلات في الزراعة. ومن هذا المنطلق، فإن الهدف هو استثمار في الفضاء بالفعل، ولكن بهدف حل التحديات التي على الأرض. وهذا ما تفعله أغلب الدول بهذه الطريقة؛ فبعض الدول تستثمر في الفضاء لأغراض استراتيجية، وأخرى لأغراض اقتصادية، وأخرى لأغراض علمية تدفع البحث العلمي في بلدها. لماذا؟ لأن الفضاء، كما ذكرت، مجال خاص.
ونحن ارتأينا من خلال هذا البرنامج أن يكون منصة، وفي نفس الوقت رحلة للإمارات لاكتساب العلم والمعرفة. والحمد لله، نسقنا المهمة العلمية من خلال هذا المجال، ومن خلال التنسيق مع المجتمع العلمي العالمي، في تحديد أسئلة نستطيع الإجابة عنها من خلال هذه المهمة، أي من خلال مسبار الأمل.
وبما أنك تسأل، عفواً دكتور، متى سيتم إطلاق المسبار؟ بإذن الله، سيتم الإطلاق في تاريخ 15 يوليو، أي الأسبوع القادم. وسيكون الإطلاق بإذن الله بعد منتصف الليل بتوقيت الإمارات، وأتوقع أن يكون في الكويت الساعة 12 إلا 5 تقريباً.
نحن في الإمارات الساعة الواحدة فجراً، وفي اليابان ستكون الساعة السادسة فجراً تقريباً. بالتأكيد سأكون ساهراً لمتابعة هذا الحدث، فلا عذر لك في ذلك. سنرسل لك دعوة دكتور، وإن شاء الله ستكون الدعوة متاحة على موقع المسبار، وعلى مواقع وكالة الإمارات للفضاء، ومركز محمد بن راشد للفضاء.
وسيتوفر بث مباشر عبر التلفزيونات ووسائل الإعلام في الدول العربية وبعض الدول الأجنبية. سيتواصل معنا في ذلك اليوم العديد من الجهات، مثل ناسا تي في التي ترغب في بث هذا الحدث. هذه المهمة في النهاية مهمة للجميع، بشكل عام على مستوى العالم، وبشكل خاص على مستوى المنطقة العربية، فهي مهمة لها هدف علمي سامٍ.
وتستهدف أهم شريحة في المجتمع. وبإذن الله، ستكلل المهمة بالنجاح. دكتور، ذكرتَ الأسئلة التي تتساءلون عنها، فما هي الأسئلة التي اخترتموها للمسبار حتى تضعوا الأجهزة المناسبة لها، كما تعرف دكتور، ومن كل الأخوة المستمعين؟ السؤال الذي يشغل البشر بشكل عام،
مختلفي المستويات، سواء كانوا علماء أو أشخاصاً عاديين، هو: هل توجد حياة على الكواكب الأخرى، ومن ضمنها كوكب المريخ؟ والسؤال الكبير الذي يحاول المجتمع العلمي الإجابة عنه هو من خلال البحث عن الماء، أي أنه يوجد تصور ودلائل على أنه إذا وُجد الماء، فالحياة تكون ممكنة.
وإذا لم يوجد الماء، فهذا يعني أن هناك تحدياً أو عدم وضوح فيما إذا كانت الحياة ممكنة أو كانت موجودة. هل المسبار ذاهب للبحث عن الماء هناك؟ أخبرني عن تسلسل المهمة العلمية. طبعاً، تم تصوير الماء على المريخ من مركبات فضائية قبل ذلك،
مهمات فضائية أمريكية وأخرى أوروبية، وتم تصويره من الجو أو من الغلاف الجوي للمريخ. التضاريس على كوكب المريخ اليوم تُظهر بوضوح أنه كانت هناك أودية، ويمكن ملاحظة أماكن مرور المياه وتجمعاتها. ولكن لا يوجد ماء بشكل معروف أو بشكل سائل،
كما نعرف على الأرض. السؤال الكبير هو: أين ذهب الماء الذي كان موجوداً على المريخ؟ الجيولوجيون يقولون إن هذا مجرى مائي، بنفس التعرجات الموجودة على الأرض في الأودية والسهول والجبال. أكبر أخدود في المجموعة الشمسية موجود على كوكب المريخ، وكان مجرى ماء تقريباً. السؤال الكبير للعلماء
إذن، أين ذهب الماء إذا كان موجوداً؟ في نظريتين تشرحان ذلك. الاحتمال الأول هو أن الماء تبخر إلى الفضاء الخارجي، تماماً كما يحدث عندما نضع الماء في وعاء مكشوف في الخارج؛ فبعد ساعة أو ساعتين يتبخر الماء، خاصة في غياب المجال المغناطيسي المحيط بالكوكب.
كما أن الغلاف الجوي للمريخ رقيق، مما يسمح بخار الماء بالتسرب إلى الطبقات العليا ثم إلى الفضاء. أما النظرية الأخرى فتقول: نعم، من الممكن أن يتبخر الماء، لكن من الممكن أيضاً أن ينزل تحت القشرة المريخية، تماماً كما نبحث اليوم عن المياه الجوفية على الأرض، وهي نتيجة للأمطار والأودية، حيث تتجمع المياه في السهول أكثر من الأماكن الأخرى في الصحاري.
الجانب الثاني هو نظرية التبخر إلى الفضاء الخارجي. بالطبع، لم يحدث هذا في يوم وليلة، بل على امتداد وقت طويل، ربما بملايين السنين. الهدف هو معرفة ما إذا كانت هناك بقايا من بخار الماء في الغلاف الجوي للمريخ. لذلك، صُمم المسبار للبحث في هذا المجال، وهو ما يُعرف بإجازة علمية أو مهام بحثية.
يبحث المسبار عن هذه الغازات، وكذلك عن تكوين طبقات الغلاف الجوي للمريخ، سواء السفلية أو العليا، وكيف يتغير هذا الغلاف مع فصول السنة. كما يبحث في نسبة الغبار في الغلاف الجوي، فنحن نعرف اليوم أن هناك رياحاً عاتية.
وهناك غبار على سطح المريخ يستمر لفترات طويلة، مما يؤثر على المركبات الفضائية التي هبطت على السطح. فعندما يهب الغبار، يغطي الألواح الشمسية، مما يمنع المركبة من استمداد الطاقة من الشمس. وقد تأثرت مركبة أمريكية بعوامل الرياح والعواصف الترابية، وهذا صحيح.
وبالتأكيد، يبحث المسبار أيضاً في ثلاثة مجسات تم استقرارها، وهي الجانب العلمي الذي يبحث عن معلومات ويجمعها عن المريخ. تم اختيار أن لا تهبط المركبة على سطح المريخ، بل أن تدور حوله. ونتيجةً لذلك، أصبح هذا أول مشروع ندخل فيه.
ونسبة التعقيد فيه أقل مقارنة بمركبة فضائية تهبط على المريخ. كانت الخطة سليمة، بالطبع اخترنا هذا الجانب لأنه طبيعي ومنطقي، واختارنا أيضاً ألا تكون هناك تعقيدات في المركبة الفضائية، وألا تكون هناك مخاطر.
نحاول تقليل هذه المخاطر، فمثلاً هذا يساعدنا في خفض التكاليف والفترة الزمنية. فقد حُدد لهذا المشروع، عند إطلاقه، أنه يجب أن يصل إلى المريخ قبل أن تحتفل دولة الإمارات باليوبيل الذهبي، أي العام القادم، حيث ستكمل الإمارات خمسين سنة بإذن الله. فكان الهدف أن تكون المركبة موجودة في هذا التاريخ. كنا في البداية مضغوطين في الوقت، ولكن...
تبين لنا في النهاية أن هذا التوقيت كان سببًا في المثابرة والإصرار والعمل الدؤوب، لأن هناك تاريخًا محددًا يجب إنجازه. فتصوروا لو لم يكن هناك تاريخ محدد، فبرغم تحديات الفضاء وكل ما يصاحب هذه المشاريع، ربما كانت ستستغرق فترة أطول، فالمهمات الفضائية الأخرى تستغرق بعضها عشرات السنين.
نعم، صحيح، ولكننا كنا محظوظين، ولله الحمد، بقرار القيادة بأن هذا المشروع يبدأ اليوم، وأن لديكم ست سنوات. ست سنوات تعني تصميم مركبة فضائية ذات فائدة علمية فريدة، ولها أهداف تلهم وتبعد عن العمل الروتيني. ولله الحمد، سلكنا المشروع بهذه الطريقة، وبالفعل شاركت المعارضة الفضائية ومركز محمد بن راشد الفضائي في دولة الإمارات.
أي أنهم تولوا العملية، ودخلنا في شراكات علمية مع الجامعات، وشكلنا فريقًا. كان لدينا فريق موجود بالفعل، خاصة في مركز محمد بن راشد، من المهندسين الذين شاركوا في بناء أقمار صناعية، وكانت الفكرة موجودة لدينا، عدا الجانب العلمي الذي كان موضوعًا جديدًا علينا. ولكن هذه المركبات والمهمات الفضائية، كما تعرف يا دكتور، تتم من خلال شراكات علمية.
لا، هذا مؤكد، لا تستطيع العمل بمفردك، صحيح؟ سيستغرق الأمر سنوات. فبدلًا من أن تنجزه في 6 سنوات بالشراكة، قد يستغرق منك 15 سنة إذا قمت بكل شيء بنفسك. صحيح؟ حتى مسألة إنجاز كل شيء بنفسك لم تعد موجودة في هذا العالم، فكل ما نملكه اليوم هو نتاج مشاركة العالم كله.
حتى أبسط الأشياء، بل واحدة من الأشياء الصعبة التي تراها هي الهاتف نفسه، حيث تشارك فيه عدة دول وجامعات وعلوم، ويُصنع في دولة، والشاشة في دولة، والرقاقة في دولة. هذا العالم هكذا. حسنًا يا دكتور، كم ستستغرق الرحلة إلى المريخ؟ ربما يكون السؤال: لماذا المريخ؟
لماذا لا نذهب إلى مكان آخر؟ لماذا الاستكشاف؟ بالطبع، المريخ اليوم هو المرشح الأكثر احتمالًا للحياة، أي الحياة التي نعرفها اليوم، وخاصة الحياة البشرية. ثم إنه جارنا، أي قريب من الأرض، فهو الكوكب التالي بعد الأرض. فإذا اتخذنا المسار من الشمس في المجموعة الشمسية، فهناك ثماني كواكب بالضبط حتى بلوتو، لكن...
الكواكب الأربعة الأقرب إلى الشمس هي كواكب صخرية، منها كوكب الأرض والمريخ. فمثلًا عطارد قريب من الشمس، وهو غير صالح لأنه حار جدًا، كأنك قريب من النار. ثم يأتي بعده كوكب الزهرة، أي بيننا وبين عطارد. وللأسف، غلافه الجوي مليء بالغازات السامة، وهو حار أيضًا.
لأن غلافه الجوي سميك، ويحدث احتباس حراري داخله. كوكب الزهرة مستبعد بالطبع، ودرجة حرارته بالمئات، مما يستبعد قدرة البشر على العيش في بيئته. ثم نأتي إلى الأرض، التي يسمونها يا دكتور الجوهرة الزرقاء. لها قيمة ربما لا يعرفها كثير من البشر، لكن عندما تبدأ بمقارنة كوكب الأرض بالكواكب الأخرى...
ما حباه الله، فهذا الكوكب يمتاز بصفات ومميزات، منها وجود الماء والغلاف الجوي. هذا الغلاف الجوي يحبس حرارة معتدلة، لا باردة ولا حارة، ويحمينا من الإشعاع الضار. اليوم، أنا وأنت نخرج دون بدلة فضائية، لماذا؟ لأن الغلاف الجوي يحمينا من الإشعاع.
الضار القادم من الشمس ومن الفضاء، وهذا غير متوفر هناك، ولهذا يرتدي رواد الفضاء البدلة الفضائية عندما يخرجون من الغلاف الجوي. أما إذا كانوا تحت الغلاف الجوي فلا مشكلة، يمكنهم الذهاب إلى البحر أو المشي دون عائق. لكن عند الخروج من الغلاف الجوي، وهو على ارتفاع يقارب 100 كيلومتر من سطح الأرض، تبدأ التحديات، مثل الحرارة والبرودة الشديدة. إذا كنت مواجهًا للشمس، قد تصل الحرارة إلى 150 درجة.
فوق الصفر، وإذا كنت في الظل، قد تصل الحرارة إلى ما يقارب نفس القيمة تحت الصفر. تخيل ذلك، بالإضافة إلى الإشعاع الضار ومخاطر الكويكبات. هذا الغلاف الجوي، سبحان الله، يحمي الأرض؛ إنه مظلة لا تُقدَّر بثمن، تحمي من الإشعاع الضار، ومن الكويكبات والأجسام الفضائية التي تصطدم بالأرض وتحترق عند دخولها الغلاف الجوي.
وهذا ما نراه؛ نرى الشهب والجسيمات والكويكبات تدخل الغلاف الجوي للأرض وتحترق. وهذا ما ستبحثون فيه على المريخ نفسه. اليوم نستفيد من ذلك بالضبط، لأن دراسة ما حدث للمريخ مفيدة. نحن نعرف أن الغلاف الجوي للمريخ اليوم رقيق وضعيف وقد تآكل، ونعرف أن الإشعاع موجود على سطح المريخ، والإشعاع الكهرومغناطيسي حاضر.
وهذا يعني عدم وجود الطبقة الواقية. ونعرف أن الكوكب بارد لأنه لا يوجد غلاف جوي يحافظ على حرارة معتدلة. هذه الدراسات وهذا الفهم يفيداننا ويفيدان العلماء في كيفية حماية الأرض. لا تخالفني يا دكتور، مرة أخرى حتى أعود لفهم شكل مسار.
المسبار إلى المريخ نفسه. كم سيستغرق ذلك؟ ومتى تعتبرونه قد وصل؟ هل هناك نقطة محددة يُعتبر المسبار عند بلوغها داخل الغلاف الجوي أو يدور حول المريخ؟ ما هو المعيار الذي يُعتبر وصولاً؟ وكم سيستغرق حتى الوصول؟ سنطلق المسبار بعد حوالي 8 يوم، بتاريخ 5 ساعة.
لماذا نختار هذه الأيام؟ لأن هذه الفترة توفر ما يُسمى بنافذة الإطلاق إلى المريخ، والتي تتكرر كل سنتين تقريبًا. وهذا بسبب دوران الأرض والمريخ حول الشمس. فمن مصلحتك، إذا كنت ذاهبًا إلى أي مكان، أن تتبع أقصر طريق، لتقليل المسافة والتكاليف والوقود المستهلك اليوم.
فالمركبات الفضائية تُصمم لإطلاقها خلال هذه النافذة، أو نافذة الإطلاق، والتي تتكرر كل سنتين أو 26 شهرًا تقريبًا. لماذا؟ لأن الأرض تدور حول الشمس، والمريخ يدور حول الشمس، لكن بسرعات وتوقيتات مختلفة. فنحن، على سبيل المثال، ندور حول الشمس في سنة واحدة، حيث تكمل الأرض دورتها.
حول الشمس، والسبب في رؤيتنا للفصول هو ميلان محور الأرض. نحن نحتاج إلى سنة كاملة للدوران حول الشمس، بينما المريخ أبعد، ودورته أكبر، والدائرة التي يسلكها حول الشمس أكبر من دائرة الأرض، لذا يستغرق حوالي سنتين، أي ضعف الفترة الزمنية التي تستغرقها الأرض. وفي أوقات معينة، يقترب المريخ من الأرض.
أي لا يحدث التقابل إذا كان المريخ في الطرف الآخر خلف الشمس، بل هنا يكونان قريبين من بعضهما. وتتوفر هذه الظروف كل سنتين، ويجب أن يتم الإطلاق خلال هذه النافذة الزمنية حتى تسلك المركبة الفضائية أقصر مسافة إلى كوكب المريخ. بالطبع، إذا كانت هناك مركبة أوروبية، مثلاً مشتركة بين أوروبا وروسيا،
اسمها إكسو مارس، كان من المفترض إطلاقها هذا العام، ولكن نتيجة لتحديات تقنية وتحديات جائحة كورونا، تم تأجيلها. متى سيطلقونها؟ بعد سنتين. حتى لو تم حل التحديات بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر، لا يمكنهم الإطلاق؛ فهم مضطرون للانتظار هاتين السنتين. بالطبع، هذا الانتظار مكلف؛ فكيف تخزن المركبة؟ وكيف تفحصها لاحقاً؟ وكيف تخرج الوقود وتدخله؟
إنها عملية طويلة، لذا فإن لديكم فرصة ضيقة جداً لإطلاق الصاروخ الآن. فنحن، في هذا الشهر، سنطلق المركبات هذا العام. دكتور، المركبات التي ستُطلق إلى المريخ هي ثلاث مركبات ستُطلق في نفس النافذة الزمنية وفي نفس الشهر: المسبار الإماراتي الأمل، ومركبة أمريكية سُميت بالمثابرة أو العزيمة،
ومركبة صينية سُميت بتساؤلات السماء. بالطبع، كل مركبة تحمل جانباً من الإلهام وقصة وراء اسمها. وستُطلق هذه المركبات جميعاً في نفس النافذة. نحن مخططون، إن شاء الله، لإطلاق المسبار في تاريخ 15 يوليو. أما المركبة الصينية، فآخر ما قرأت قبل يومين أنها ستُطلق في تاريخ 23 سبعة، أي بعد حوالي أسبوع أو ثمانية أيام.
المركبة الأمريكية كان مقرر إطلاقها في تاريخ 17، ثم تم تقديم الموعد إلى 20، والآن تم تقديمه إلى 30 37. هذه المعلومة الأخيرة لديّ قبل يوم أو يومين، وهي محددة للإطلاق في 37. لكن جميعها ستتجه في نفس النافذة الزمنية إلى المريخ. أظن أن مركبة بيرسيفيرانس ستكون مركبة هبوط على سطح الأرض، تماماً مثل كوريوسيتي، مطابقة لها في الشكل.
مطابقة تماماً في الشكل، لكن بأجهزة علمية أخرى، ومع ذلك الفكرة نفسها: هي لن تدور حول المريخ فحسب، بل ستدخل الغلاف الجوي، ثم تدخل مداراً معيناً للمريخ بزاوية محددة. لأنك إذا دخلت بزاوية خاطئة، فمثلاً إذا كانت الزاوية حادة، قد تحترق في المريخ، لأن للمريخ جاذبية قد تسحبك وتسبب احتراقاً.
وإذا دخلت بزاوية ضيقة جداً، فقد تتجاوز المريخ وتدخل في مدار خاطئ، وهذا أصعب. هذه المرحلة تشبه مرحلة الإطلاق. دكتور، تحدثت عن المراحل، فكيف يمكنك اعتبار أن المركبة حققت انتقالها من مرحلة إلى أخرى؟ مرحلة الدخول إلى مدار المريخ هي مرحلة صعبة ومعقدة، ولا تقل أهمية عن مرحلة الإطلاق.
لأنها تنطوي على مخاطر عالية، ولكن المركبات الفضائية تُصمَّم بهذه الطريقة حتى تدخل في المدارات المحددة لها مسبقاً. طبعاً كل شيء مبرمج؛ فالمركبة، مثل مسبار الأمل والمركبات الأخرى، لا يوجد فيها بشر، بل هي مركبات روبوتية تُبرمج من الأرض وتتم متابعتها من خلال شبكة اتصالات.
ويتم توجيهها والتحكم فيها من الأرض. وهذه عملية معقدة، وصراحةً هي دليل على قدرة الإنسان في التعامل مع تعقيد المسائل، ويُطلق عليها اسم «فن العلم». فكيف تجلس اليوم على كرسي وتتحكم في مركبة يبعد عنك مسافة نصف مليار كيلومتر تقريباً؟
وإضافةً إلى ذلك، فإن الاتصالات بينك وبينها بطيئة؛ إذ يستغرق الأمر 20 دقيقة في بعض الأوقات من لحظة إرسال الأمر. وهذا يعتمد على موقع المريخ، لكنه يستغرق تقريباً من 10 إلى 20 دقيقة إذا كان المريخ قريباً من الأرض، أي حوالي 10 دقائق. أما إذا كان في الطرف الآخر من الشمس، فقد يصل زمن الإرسال إلى حوالي 20 دقيقة. فإذا قلت لها مثلاً: افتح اللوح الشمسي،
فسيصل الأمر إليها بعد 20 دقيقة. فما بالك بالمركبات التي تنزل مثلاً أو تدخل في الغلاف الجوي للمريخ؟ فأنت لا تملك تحكماً مباشراً ولا تستطيع رؤيتها أو تحريكها أو أخذ زاوية معينة، بل يعتمد الأمر على البرمجة المسبقة ونتيجة تعقيدات في البرمجة يتم تقليل المخاطر بهذه الطريقة. دكتور، سؤال: أنت قلت لي
إنك تعطي أمراً لفتح الألواح الشمسية. هل هذا يعني أن الألواح الشمسية موجودة في المسبار لكنها غير مفتوحة، وتُفتح عند الوصول؟ الفكرة طبعاً هي أنه عند إطلاق أي قمر صناعي أو مركبة فضائية، تحاول تقليل الحجم على أساس أن هناك صاروخاً في نفس لحظة الانطلاق.
فيقومون بتصميم الألواح الشمسية بطريقة الطي، بحيث تُفتح وتُغلق على جسم المركبة، تماماً مثل الدرج الذي يُفتح درجة بعد درجة، أو مثل السلم الذي يُطوى. ففي مرحلة الإطلاق، تنضم هذه الألواح بجانب جسم المركبة الفضائية، فتبدو المركبة وكأنها صندوق.
وعندما يتم الإطلاق وتنفصل عن الصاروخ، فإن الصاروخ قصة أخرى لا علاقة لها بالمركبة، لكنه يحمل مخاطر مماثلة لأنه يتكون من عدة مراحل. والصاروخ الذي يذهب إلى المريخ يجب أن يكون قوياً، لأنه يجب أن يدفع المركبة بأقصى سرعة حتى تصل بأسرع وقت، لكنه يحمل المركبة الفضائية إلى الطبقات العليا
خارج الغلاف الجوي مثلاً، ثم تنفصل المركبة عن الصاروخ بعد أن يوجهها بالاتجاه الصحيح. لأنك قد تكون المركبة سليمة ومبرمجة وكل شيء مرتب فيها ولا يوجد بها إشكالية، لكن الصاروخ بدلاً من أن يوجه المركبة أو يدفعها، قد يدفعها باتجاه خاطئ، أي باتجاه آخر غير المريخ. فأنت ستواجه مشكلة، طبعاً هناك
توجد تحديات ومخاطر لا حصر لها، ولكن بفضل البرمجة والإجراءات الاحترازية يتم تقليل هذه المخاطر، رغم أنها موجودة. فعندما تنفصل المركبة الفضائية، تحتاج إلى طاقة للتواصل معها. والطاقة موجودة في البطاريات والألواح الشمسية التي تغذيها. لذا تبقى الألواح الشمسية مفتوحة طوال الوقت، أي أنها تنفتح قبل الوصول.
بعد الانفصال والتوجه، لأنك تحتاج إلى التواصل مع المركبة الفضائية، لا توجد مشكلة تتعلق بالهواء؛ فالألواح الشمسية لا تعيق حركة المركبة لأن الفضاء خالٍ من الهواء. فعلى سبيل المثال، عند تصميم السيارات اليوم أو الطائرات، تلاحظ أنها مصممة لتتحرك أو تطير بسلاسة.
يُصمَّم هذا الصاروخ بهذه الطريقة، ورأس الصاروخ كذلك. لكن بعد الوصول إلى الفضاء الخارجي، لا يوجد شيء يعيقه. لذا فإن اتجاه المركبة الفضائية مهم جداً، فهي تحتوي على هوائي للاتصالات، ويجب توجيه المركبة نحو الأرض.
بالتأكيد، إذا خرجت المركبة، فلا بد أن يكون الهوائي موجهاً نحو الأرض. في البداية قد لا يكون موجهاً، ثم تقوم بتوجيهه. هذا هو الصاروخ؛ فعند إطلاقه، تقوم المركبة بحركات معينة لإعادة التموضع، بحيث يصبح الهوائي موجهاً نحو الأرض.
وتبدأ بالتواصل مع المركبة الفضائية. هل وصلت الآن إلى المريخ؟ ماذا سيحدث؟ هل ستدور حول المريخ باستمرار؟ هل ستسقط على المريخ بعد فترة؟ هل ستخرج عن المدار إلى الفضاء الخارجي؟ هل لها عمر محدد ينتهي بعده المسبار؟ بالطبع، كل ذلك يعتمد على التصميم وكمية الوقود.
الموجودة في المركبة الفضائية. فعلى سبيل المثال، جميع المركبات الفضائية، بما في ذلك الأقمار الصناعية، لها عمر افتراضي. يصمم المصممون المركبة الفضائية لتعمل مثلاً سنة أو خمس سنوات أو عشر سنوات، ويحددون كمية الوقود المناسبة لهذه الفترة، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية تحريكها وتوجيهها وإعادة تموضعها.
ولكن نظراً لعدم إمكانية إضافة وقود كبير يمنحك عمراً افتراضياً أطول، لأن الوقود يزيد من تكلفة الإطلاق. فالإطلاق كله يدور حول الوزن، ومن مصلحة مالك المركبة الفضائية ألا يكون الصاروخ كبيراً، وأن تكون المركبة خفيفة. وهنا يوجد توازن بين الفترة المطلوبة وكمية الوقود.
وهناك مفاضلة بين الفترة التي تريدها وكمية الوقود ونوع الأجهزة. يمكنك أن تزيد الأجهزة وتقلل الوقود، أو تضع جهازاً وتزيد الوقود لتحصل على فترة أطول. فهي كلها نتيجة مفاضلة وتصاميم. كم من الوقت سيبقى؟ صُمم مسبار الأمل ليعمل لمدة سنتين من تاريخ الوصول، أي بعد دخوله مدار المريخ.
مدارها حول المريخ، فهو مدار محدد يدخل فيه المركبة أولاً، أي تتجه نحو المريخ. وكلما اقتربت من المريخ، تكون هناك جاذبية، وهي أقل بالطبع من جاذبية الأرض، لكنها موجودة. لذلك، أول ما تقترب من المريخ، تُخفّف سرعتها، لأنها كانت تتحرك بسرعة مذهلة على أساس أن تصل. فأول ما تقترب من المريخ بمسافة معينة...
...تشتغل نفاثات الحركة لتخفيف سرعتها، على أساس أن تدخل بالسرعة والزاوية المطلوبتين. هذا كله مؤتمت، لا يتحكم فيه أحد، بل يعتمد على الضغط. بالطبع، هناك كاميرا تلتقط صورة للمريخ، وهناك جهاز يُسمى "ستار تراكر" (تتبع النجوم) ليتعرف على موقعه. هذا أمر جميل جداً، لأنه لا يوجد نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) هناك.
نظام GPS يخرج من نطاق الأقمار الصناعية التي تحيط بالأرض، وهذا النطاق يغطي تقريباً 20 ألف كيلومتر. فعندما يخرج منه، لا يكون مغطىً بمنظومة ملاحة. طيب، كيف يعرف اليوم أين هو؟ وكيف يعرف المتابعون على الأرض مكانه؟ من خلال جهاز "ستار تراكر"، أي تتبع النجوم. يُصمم له جهاز معين ينظر إلى الشمس، وإلى نجم آخر، وإلى كوكب آخر.
ويُحسب الموقع، فيقول لك: إذا كنت ترى الشمس بهذه الزاوية، وترى هذا النجم بتلك الزاوية، وترى كذا، فأنت في الموقع الفلاني. ويحافظ على نفس الاتجاه، وتُرسم له مسار بناءً على موقعه بالنسبة للنجوم والكواكب. بالطبع، كلما زاد عدد الكواكب والنجوم المستخدمة، زادت الدقة. مثلاً، أقول لك الآن يا دكتور: أنا أرى نفسي على بعد 50 كيلومتر من الكويت.
فتقول لي: يا أخي، هل أنت على بعد 50 كيلومتر شرقاً أم غرباً أم جنوباً؟ فأقول لك: أنا أرى نفسي أيضاً على بعد 100 كيلومتر من مدينة ثانية، لكنني لم أخبرك بذلك. أنت تعرف فقط أنني على بعد 50 كيلومتر من الكويت، و100 كيلومتر من مدينة أخرى. هذا هو نفس مفهوم الملاحة الفضائية؛ فأنت تحتاج إلى ثلاثة مواقع استرشادية على الأقل، مثلاً، تحتاج إلى أكثر من ثلاثة نجوم، سواء كانت الشمس أو كواكب.
أو نجوم أخرى، على أساس أن يحدد مكانه بالضبط. والمتتبعون في غرفة التحكم يعرفون مكانه، والمسافة المتبقية بينه وبين المريخ. بالطبع، عندما يدخل الغلاف الجوي للمريخ، يبطئ كما ذكرنا، ثم يدخل في المدار. عندما يدور، تكون الجاذبية والسرعة كافيتين للحفاظ على المدار، لأن إذا دخل بسرعة...
...مثلما ترمي شيئاً اليوم، إذا قذفته بقوة، سيرح مسافة أبعد وقد يتجاوز الهدف. لكن إذا أردته أن يصل إلى الهدف، يجب أن توازن بين قوة المقذوف أو سرعته والمكان الذي تريد أن يصل إليه. نفس الفكرة: تُحسب جاذبية المريخ، وتُحسب سرعة المركبة، فتدخل في مدار ثابت. فيصبح مثل الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض، حيث تتحكم في سرعتها وجاذبية الأرض.
هل لديك فكرة عن عدد المسابر الموجودة حالياً حول المريخ؟ بالطبع، هناك مركبات فضائية تدور حول المريخ، يمكن أن يكون عددها حوالي أربعة تقريباً. الدول التي أعرفها تسعة، أعتقد أن الدول التي لديها مسابر حالياً هي تسعة دول. صحيح، الدول التي حاولت، لكننا نتحدث عن مركبات؛ فعدد منها موجود يدور حول المريخ، وعدد منها موجود على سطح المريخ.
وهناك عدد من المركبات الموجودة على سطح المريخ والتي تتحرك، مثل مركبات الروفر. حالياً، تمتلك الصين مركبة صُممت، وفقاً للمعلومات المنشورة، لتنزل على المريخ. وتتكون هذه المركبة من ثلاثة أجزاء تقريباً: جزء يدور حول المريخ ثم ينفصل، وجزء ينزل على السطح، وعند هبوطه تخرج مركبة صغيرة (روفر).
أي مركبة تمشي على سطح المريخ. هل المركبة التي تدور حول المريخ تابعة للصين أم لدولة أخرى؟ هي تابعة للصين بالطبع. هذه أول مرة تحاول الصين ذلك، تماماً كما فعلت الإمارات سابقاً؛ فقد حاولت الصين من قبل بالتعاون مع روسيا، لكن المحاولة لم تكن موفقة. الآن، أرسلت الصين مركبة، والمعلومات المتاحة عنها شحيحة، على خلاف ما هو متاح عن مركبة الإمارات أو المركبة الأمريكية. لكن ما نُشر عنها أنها ستُطلق، إن شاء الله.
وأنها تحمل أسئلة علمية، وتتكون من جزأين: جزء يدور حول المريخ لاستقبال الإشارة. فعندما تكون المركبة على سطح المريخ، لا تستطيع رؤية الأرض مباشرة، إذ تكون في الجهة المقابلة، ولا يمكنها التواصل مباشرة. لذا، تحتاج إلى مركبة في المدار حول المريخ تستقبل الإشارة من المركبة الموجودة على السطح.
وتعيد إرسالها إلى الأرض. هذه هي نفس الطريقة التي اتبعتها مركبة إنسايت (InSight)، حيث كانت هناك مركبة مدارية ترسل البيانات. وكذلك فعلت المركبة الهندية التي أُطلقت قبل أربع سنوات، فهي تتبع نفس الفكرة: مركبة تدور حول المريخ. هل المعلومات التي ستستقونها من أجواء المريخ ستشاركونها مع العالم؟ هل ستُنشروها على الإنترنت بحيث يستطيع أي شخص البحث فيها؟ ما هي الطريقة المتبعة في ذلك؟
نعم، تم الإعلان رسمياً في بداية المشروع عن أن هذه المهمة علمية لمصلحة البشرية، ولمصلحة البحث العلمي المحلي في الإمارات، وعلى مستوى الوطن العربي والعالم. وقد وقعنا اتفاقية للانضمام إلى منظمة علمية تعنى بالشراكة في المعلومات.
خاصة معلومات الفضاء الخارجي. تضم هذه المنظمة أعضاء من حوالي 200 جامعة ومعهد علمي مشتركين في المنظمة، ويتشاركون في المعرفة والبيانات التي تدخلها. وقد وقعنا معهم اتفاقية تنص على أنه، إن شاء الله، بمجرد وصول البيانات من المريخ، سيقوم الفريق المعالج بها، لأن البيانات، كما أوضح الدكتور، تأتي بمستويات مختلفة.
يُطلقون عليها اسم البيانات الخام (Raw Data)، أي بلغة الأجهزة، وهي 010 لا يمكن فهمها مباشرة. ثم تُؤخذ وتُحلل وتُرفع إلى المستوى 1 والمستوى 2، وفي المستوى 3 تصبح فيها معلومات (Information) تأتي على شكل 0 و1 بهذه الطريقة، ثم تُحلل، ولكن في النهاية...
عندما تحتوي المعلومة على أرقام يمكن للباحث أو العالم الاستفادة منها، يتم نشرها وتعميمها. وأنا أشجع، بصراحة، جامعة الكويت والجامعات العربية اليوم، لأن هناك فرصة، وكلامك سليم: البحث واسع والمجال واسع. بصراحة، على الأقل نستفيد من البيانات، فالأهمية العلمية واضحة.
ألهمونا، ونحن نفعل ذلك، لكن الثروة الحقيقية والفائدة تكمن في البيانات، وأسميها الكنز العلمي الذي يمنح الباحثين مجالاً واسعاً للبحث والنشر، وفي الوقت نفسه ترتقي الجامعات بمستوياتها من خلال النشر العلمي في الدوريات ذات القيمة العالية. لكن لحظة، لاحظتُ أن هناك أشخاصاً، ولا أدري إن كانت ملاحظتي دقيقة أم لا،
عادةً لا تُنشر المعلومات مباشرة، بل يأخذون وقتهم في نشر أوراقهم العلمية حتى يتعارفوا على تفاصيل المركبة ويبنوها ويتعبوا عليها. من غير المعقول أن تصلني البيانات فأحوّلها من لغة البايت إلى لغة مفهومة وأرقام، ثم أضعها على الإنترنت ليطلع الناس أبحاثاً قبل أبحاثي. بالتأكيد، لديكم أيضاً نظام يسمح لكم بإخراج الأبحاث التي تريدونها، ثم
تضعونها؟ أم أنا مخطئ؟ لا والله، نحن الأمانة، والتوجيه واضح والسياسة واضحة: سنشارك البيانات، لكن معالجة البيانات تستغرق حوالي من 4 إلى 5 شهراً، لأن معالجة البيانات بهذا المستوى تتطلب جهداً. فطريقة البيانات التي تصلنا صحيحة وهي بايت، لكن تركيبها يختلف حسب نوع المستشعر، فيجب ترجمتها من لغة المستشعر إلى لغة ثانية، ثم إلى
لغة ثالثة لاستخلاصها، ثم نقول: هذه لها فائدة علمية، وهذه لا فائدة لها. مثلاً هذه معلومة مؤكدة، وهذه غير مؤكدة. الفريق البحثي العلمي الموجود في المشروع يقوم بفحص هذه البيانات أولاً، ثم يضعها، لأن المجال واسع؛ فعندك مثلاً ثلاثة أجهزة
تجلب بيانات، ويجب أن تقارن بين هذا وذاك. يبحث مستقر الأمل في طبقات الغلاف الجوي العليا والسفلى للمريخ، وفي أوقات مختلفة من السنة، لأن للمريخ فصولاً تشبه فصول السنة على الأرض تقريباً، لكن مدتها أطول؛ فالفصل يستغرق ستة أشهر، لأن السنة هناك تعادل سنتين تقريباً حسب الحسابات الأرضية.
هذا الطريق العلمي يشارك فيه مع الجامعات، وبدأنا نؤسس مع جامعاتنا الوطنية مثل جامعة الإمارات وجامعة خليفة وبعض الجامعات المحلية لبناء البنية التحتية للمعلومات. لا يمكنك أن تأخذ هذه المعلومة وتعطيها لشخص وتقول له: خذها وفككها، فلا تمشي بهذه الطريقة؛ يجب أن تكون لديك بنية تحتية
منظمة حتى تستطيع أن تستخرج منها ما تريد. ممتاز، وهذا هو السبب في أن الجامعات على مستوى العالم، التي لديها خبرة طويلة، تأخذ البيانات العلمية وتكون عملية النشر أسرع لديها مقارنة بالجامعات التي لا تملك البنية التحتية. نحن اليوم نشجع الجامعات المحلية، وكذلك الجامعات العربية من خلال المجموعة العربية للتعاون الفضائي، لتقوم المؤسسات الفضائية العربية بالاستعداد
لهذه البيانات والاستفادة منها. نقول: الأقربون أولى بالمعروف، لكن إذا لم تكن مستعداً اليوم ولا تستطيع الاستفادة من هذه البيانات، فإنها في النهاية تذهب إلى الجهات التي لديها القدرة والإمكانية. عادةً، عندما نشاهد فيديوهات عن ناسا وطريقة تعاملها مع المسابير أو المركبات التي تسير على الأرض، نلاحظ أن لديهم
غرفة ضخمة تحتوي على شاشات تعرض كل شيء، ومجموعة كبيرة من الناس يجلسون يراقبون الأجواء والسماء وسير الحركة والإشارات المختلفة. فعندهم أحياناً، وحتى المراكب التي تسير على الأرض، يوجد أشخاص ينامون ويقظون وفقاً لتوقيت المريخ نفسه. فأنا
طبعاً أتصور أنه بما أننا لا نملك مركبة الآن على المريخ، فالمسبار يختلف قليلاً. فما وضع هذا الموضوع في الإمارات أو وكالات الفضاء؟ فعندك مراحل مثلاً، الإطلاق مرحلة مهمة تحتاج تواجد، أي انفصال المركبة من الصاروخ، وهي مرحلة مهمة تتطلب تواجد فريق علمي وفني وفريق أساسي يتخذ القرارات.
وبعدها تدخل في مرحلة السفر إلى المريخ، والتي تستغرق سبعة أشهر. طبعاً لا يوجد شيء علمي أو أجهزة تعمل خلال هذه الفترة، بل تراقب فقط أن المركبة متجهة حسب الاتجاهات المحددة. فهذه عملية برمجة، تبرمج مسارها وتجلس تراقب فقط، لا قدر الله، إذا حدث شيء معين أو خلل أو إشارات غير طبيعية.
فمثلاً دكتور، عندك شاشة وأنت في مكتبك تراقب هذا، أليس كذلك؟ صحيح، لأنك تحتاج إلى شاشة تراقبها. حتى في جيبيل أو ناسا، هي شاشات، والمسافة بينك وبينها قد تكون كبيرة، فهناك محطة في أستراليا، وأخرى في إسبانيا، وثالثة في كاليفورنيا، لأن الأرض تدور، فأنت تريد دائماً أن ترى المركبة.
لذلك يجب استخدام ما يسمى بشبكة الفضاء العميق (Deep Space Network). هذه الشبكة هي التي تحافظ دائماً على اتصال أو قناة اتصال بالمركبات الفضائية، وهي شبكة لجميع المركبات الفضائية. هل وصلتم هناك؟ هل يوجد عندكم الآن برج تحكم أو مراقبة؟ إذا لم تصل هناك، طبعاً هذه مرحلة أكثر
مرحلة، طبعاً تحتاج متابعة خاصة، ربما لمدة شهر، لأن المركبة تبدأ بفتح الأجهزة والحساسات والمجسات للتأكد من أنها تعمل، لأنك حفظتها على الأرض وكانت الأمور جيدة، لكن بعد الإطلاق والهزات والسفر الطويل والإشعاع
هل لا زالت بنفس المستوى؟ فأنت تجلس تقريباً تبحث وتتابع لمدة شهر تقريباً، ثم تبدأ باستلام البيانات وضبطها (Calibration). دكتور، تعرف موضوع الضبط، طبعاً، فأنت لازم تضبطها لتكون القراءات التي تأخذها هي نفسها القراءات المتوقعة، وليست ضوضاء (Noise) أو شيئاً غير علمي. تستغرق هذه الفترة حوالي شهر.
وبعدها في الأخير تبدأ بتشغيل الأمور والأجهزة، وتبدأ باستلام البيانات وتحليلها. طبعاً في النهاية، عندما تتأكد أن البيانات فعلية وتدل على متغيرات، تبدأ بالمقارنة والتحليل حتى تصل إلى نتيجة تعلن فيها أن الأمور، الحمد لله، كلها سليمة. دعنا نتحدث عن المستقبل، فقد تحدثنا عن المشروع الحالي.
ما هي مشاريعكم المستقبلية، سواءً للمريخ أو غيره؟ فالمريخ يعني أنكم بدأتم الآن تصطفّون مع الدول المتقدمة جداً في الفضاء، لأن المريخ ليس مكاناً يذهب إليه أي أحد، فما هو المشروع الذي يقف وراء ذلك؟ هل سيكون أيضاً للمريخ، أم للقمر، أم لشيء آخر أبعد من ذلك؟ ما هي خطتكم؟ والله نحن، دكتور، مركزون حالياً، وللأمانة، جهودنا على هذا المشروع.
ولله الحمد، اكتسبنا من خلال هذا المشروع قدراً معقولاً من المعرفة والفهم لهذه العملية، أي عملية الاستكشاف الفضائي، وأصبحنا ممثلين من خلال هذا المشروع في عدد من اللجان، منها لجنة علمية تعنى بالاستكشاف الفضائي على مستوى البشرية، تضم 15 دولة، وأصبحت الإمارات من خلال هذا المشروع عضواً.
فنحن اليوم، أنا مثلاً مدير وكالة الإمارات للفضاء، أجلس بجانب مدير وكالة ناسا، ومدير وكالة الفضاء اليابانية، والأوروبية، ونناقش خطط البشرية للمستقبل واستكشاف الفضاء: هل تتجه البشرية نحو المريخ وتكثف المهمات الفضائية، أم تتجه نحو القمر؟ طبعاً كل دولة لديها قدراتها وأهدافها، ولكن...
المشاريع المستقبلية تدخل فيها معايير اقتصادية وسياسية. مثلاً الإدارة، خاصة في الولايات المتحدة، دائماً تجري تغييرات؛ ففي عهد أوباما كان التوجه هو التخلي عن فكرة الذهاب للمريخ، بينما كان التوجه في عهد الرئيس الذي سبق بوش...
كان التوجه نحو القمر وتأسيس مجموعة من الأقمار الصناعية. فجاءت إدارة أوباما ورأت أن هذا المشروع مكلف وأنه لا داعي له، وأنه بدلاً من أن نذهب إلى القمر الذي وصلناه قبل خمسين سنة، نذهب إلى المريخ، فوضعوا مهمات فضائية نحو المريخ. ثم عادت الإدارة الجديدة إلى القمر، فترامب يقول صحيح إن المريخ هو الهدف الأخير للبشرية، ولكن بدلاً من أن نذهب إلى المريخ وهو بعيد...
نذهب إلى القمر، نتعلم، نجرب تقنيات، نصنع أشياء في الفضاء، نستعمر على الأقل كيف؟ طبعاً هناك مدينة يسمونها «لونر فيليج» أو «موم فيليج»، وهي مثل محطة الفضاء الدولية اليوم؛ هذه المحطة التي تدور حول الأرض هي مختبر فضائي تشترك فيه 15 دولة، ويجربون فيها تقنيات، ويجربون كيف يؤثر...
الرائد الفضائي الإماراتي، هذا يجربون كيف تؤثر بيئة الفضاء على البشر، وكيف تعمل المعدات الفضائية، وكيف يتم إنتاج الماء والغذاء. ولكن هذه قريبة من الأرض. الآن التوجه، طبعاً ناسا بحكم حجمها وكبر الميزانيات التي لديها، سواء كانت تكنولوجية أو علمية أو مالية، هم الذين يحركون الاستكشاف الفضائي.
عادة لا تستطيع دولة أن تقوم بكل شيء بنفسها؛ حتى ناسا اليوم تفضل التعاون، وقد انتقلت من مفهوم التعاون الدولي إلى التعاون مع القطاع الخاص، فتقول: أنا دولة، والحكومة لا تقوم بكل شيء، ولكن أشرك أيضاً القطاع الخاص، وأشرك الدول الأخرى في التوجه الحالي الموجود اليوم، ونحن أعضاء في هذه اللجنة.
يعني الطرح كله يدور حول القمر، وأن القمر يحتوي على مياه خاصة في القطب الجنوبي، وكذلك أن الذهاب إلى القمر أقرب، أي يستغرق حوالي يومين فقط، بعكس التأثير البشري في مركبة فضائية؛ فوضع رائد فضاء يختلف تماماً عن رحلة تستغرق سبعة أشهر. اليوم، هناك مشتركون في برنامج في روسيا لمحاكاة هذه الرحلة التي تستمر سبعة أشهر، وهي مجموعة من
المرشحين سيدخلون في بيئة مشابهة لعملية الإطلاق والمركبة الفضائية، وسيبقون تقريباً حوالي سبعة أشهر، وسيتم مراقبة التأثيرات، سواء كانت نفسية أو جسدية، لمعرفة كيف يمكن للبشر تحمّل هذه الفترة في مكان صغير محفوف بالمخاطر للوصول إلى المريخ أو إلى الكواكب الأخرى.
أنتم أذكرتم أيضاً خطة للذهاب إلى المريخ، لكن طبعاً هذه خطة بعيدة المدى. هذا مشروع طموح، فالفضاء دائماً يتطلب الأمان، ودخوله يحتاج إلى استمرارية وتخطيط طويل الأمد. لا يمكنك أن تقول اليوم: سأذهب إلى المريخ، فتخطط وتنفذ، ثم تغير رأيك غداً وتقول: سأذهب إلى القمر، فتخطط وتنفذ. لا تشتت الجهود ولا تضيع الوقت.
لذلك، يجب أن تكون لديك استراتيجية طويلة الأمد: ماذا تريد أن تفعل في الفضاء؟ ضع لنفسك أهدافاً وخططاً، وتهيّأ وتدرّب وتتعلم، واشترك على أساس تحقيق هذه الأهداف. نحن، بعد أن تعلمنا وشهدنا الفائدة من مشروع مسبار الأمل، أوصت الدولة وقيادتها بأن يكون لدينا مشروع طويل الأمد يمنح المصداقية، وفي الوقت نفسه يمنح الطمأنينة للشباب؛ فطالب يتعلم اليوم ويذهب إلى الجامعة ليدرس الفضاء،
إذا لم يكن لديه اطمئنان بأن هذا القطاع سيكون له وظيفة بعد تخرجه، قد يساوره الشك، وقد لا يتجه إلى هذا المجال. لكنك تقول له: يا أخي، انظر، أنا ملتزم لك في مجال الفضاء، لدي مشاريع فضائية وهذه خطتي. مهما كان، أنت تدرس الفضاء وتتعلم، وأنا لدي مشاريع ستدخل فيها وتتواصل. فالعملية منظومة، ولا يمكن أخذها من جزء؛ فأحياناً إذا أردت أن تنجزها بطريقة صحيحة،
ما رأيك في إعلان سمو الشيخ محمد بن راشد عن مبادرة نوابغ الفضاء؟ ما الموضوع؟ طبعاً دكتور، للأمانة، قد تكون شهواتي مجروحة في هذا الموضوع، لكن فكرة مسبار الأمل، وأعود إلى الحديث الأول، هي فكرة موجهة للمنطقة العربية والشباب العربي. وهذه المشاريع، طبعاً، كان مسبار الأمل أول مشروع ملموس موجه بطريقة غير مباشرة،
من خلال الإلهام، ومن خلال الاسم، ومن خلال التعليم، ومن خلال شرائط البيانات إن شاء الله، وهي المبادرة الثانية التي تمت في 2016، أي تقريباً بعد إطلاق مسبار الأمل بسنتين أو ثلاث سنوات. وجه الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة في الإمارات، حفظه الله، بإنشاء... بأننا نحن في وكالة الإمارات للفضاء، وفي الإمارات، بما أننا قطعنا شوطاً لا بأس به، متواضعاً إلى حد ما، لكننا قطعنا شوطاً
لماذا لا نشترك مع إخواننا العرب ونوحد جهودنا مثل الآخرين؟ أوروبا مثلاً، تشترك 22 دولة في وكالة فضاء أوروبية. وكان التوجيه بأننا كلفنا في الوكالة بالبحث في إمكانية هذا التعاون العربي. وفعلاً بحثنا وسافرنا، وتشرفت بزيارتي للكويت، حيث زرت الجامعة الكويتية، والتقيت بك، وزرتك في بيتك.
وتحدثنا عن أهمية الفضاء وكيفية تأسيس البرامج الفضائية، فبدأنا بزيارة الدول ومحاولة تقديم بعض من خبرتنا المتواضعة، وسعينا إلى تزويدهم ببعض الطرق الشرعية التي تساهم في تأسيس برامج فضائية مستدامة، كل دولة حسب إمكانياتها وظروفها. كنت تتحدث عن المجموعة العربية للتعاون الفضائي، أليس كذلك؟
المجموعة العربية للتعاون الفضائي بدأت بأربع دول تقريباً، أي أربع مؤسسات من أربع دول، ثم زاد العدد إلى ست دول. وقبل العام الماضي، في بداية 2019، كان هناك 11 دولة و11 مؤسسة فضائية من 11 دولة عربية. والحمد لله، اليوم هناك 14 دولة و14 مؤسسة فضائية، سواء كانت وكالة فضاء أو مركزاً فضائياً.
بعض الدول العربية لا تملك حتى الآن وكالات فضاء، ولكن الحمد لله تلاحظون أن هناك نهضة وتخطيطاً للفضاء، وهناك تأسيس لوكالات فضاء، كما حدث مع البحرين حيث كان لنا الشرف بالعمل معهم. كذلك الأخوة في المملكة العربية السعودية أسسوا الهيئة السعودية للفضاء، والجزائر أسست وكالة فضاء، ومصر أسست وكالة فضاء، وأطلقت دول كثيرة أقماراً صناعية.
حتى لو كانت الأقمار التعليمية، مثلاً أقماراً صناعية كبيرة، فهناك نهضة وتجاوب. وللأمانة، أعتقد أن برنامج الإمارات الفضائي لعب دوراً، ولو بنسبة بسيطة، في تشجيع الدول الأخرى على الدخول في هذا المجال. ومن هنا جاءت فكرة التعاون العربي، والحمد لله أسسنا هذه المجموعة اليوم. وقد ارتأت الإمارات أن لا يقتصر الأمر على مجرد تأسيس المجموعة.
وأن تكون على الورق فقط، بل دعمتها بمشروع، لأنكم تعرفون أن هذه المنظمات التعاونية إذا لم يكن لديها مشروع كبير يوحدها، فإن الأمر لا يعدو أن يكون اجتماعاً وتصويراً، والناس تتذمر. لذلك، ارتأت الإمارات تمويل قمر سُمي بالقمر العربي، وهو قمر صناعي عربي.
هذا القمر الذي سُمي باسم المجموعة، يدور حول الأرض وليس حول المريخ أو أي كوكب آخر. إنه قمر للتصوير الفضائي يخدم المنطقة العربية. وللأمانة، له هدفان ساميان. أولاً، سُمي هذا القمر بـ 813، وقد اختار هذا الاسم الشيخ محمد بن راشد. لماذا 813؟ طبعاً له دلالة عميقة. دكتور محمد، 813 هو تاريخ.
تأسيس بيت الحكمة في العصر العباسي، عندما كان العلماء العرب والمترجمون ينتجون المعرفة في ذلك العصر. طبعاً، عندما نتحدث عن تاريخ العصر القديم، كان للعرب مساهمات علمية في مجال الفلك والطب وعلوم الاجتماع والرياضيات، لكن بيت الحكمة هو الذي كان يضم هذه المجموعة.
ارتأى الشيخ محمد أن يكون هذا القمر منصةً يتشارك فيها العلماء والمهندسون العرب في تصميمه وتصنيعه كفريق واحد، مما يمهد للتعاون الأكبر. الهدف الأول هو أن يكون منصةً للتعليم والتدريب. والهدف الثاني هو أن يخدم المنطقة بعد إطلاقه وتصميمه وتصنيعه، حيث يدور حول الأرض ويعمل.
يعني مثلاً قياسات ورصد للأرض، خاصة المنطقة العربية، ويساهم في إيجاد حلول لبعض التحديات. ما هي أكبر التحديات عندنا اليوم على مستوى الوطن العربي؟ أبقى عندنا التصحر، يعني المنطقة العربية بشكل عام منطقة صحراوية رعوية، فيها ثروات طبيعية لا نعرف عنها.
تحتاج إلى الخدمات القضائية والأنشطة القضائية، فصُمم القمر ليكون بتقنية عالية ومتعدد الأطياف، يقيس عوامل مناخية، ويأخذ صوراً، ثم تُوزَّع البيانات أو المعلومات التي يجلبها على الوطن العربي. لدينا مركز سيكون موجوداً في الإمارات، ولكننا أيضاً نشجع الدول العربية، من كل دولة مثلاً، على إنشاء محطة أرضية لاستقبال هذه البيانات.
حتى يستفيد منها، يأخذ البيانات ويحللها، ويستخرج منها عوامل بيئية ومناخية، مثل نسبة الغبار في الجو وتأثيرها في المحاصيل الزراعية، وأفضل وقت للمحصول المعين، ومكان المياه، على أساس إذا قمنا بمشاريع زراعية نعرف أين المكان الأفضل. وإذا قمنا بالتخطيط للمدن والطرق، فبالتأكيد هذه البيانات موجهة للدول العربية بدون مقابل.
عفواً دكتور، للتوضيح فقط، عندما تقول بدون مقابل، هل تقصد أن البيانات بدون مقابل، ولكن القمر الصناعي بتمويل مشترك من جميع الدول؟ أم بتمويل إماراتي؟ القمر الصناعي إماراتي، يعني شوف لو فكرت فيها دكتور، الإمارات، يعني أنا مثل ما قلت لك، الشراكة مجروحة، لكن دولة الإمارات قدمت هذا كهدية للوطن العربي.
فالمفروض الدول العربية تدخل بذراعها، بس نحن اليوم فاتحين، وأعلن أول أمس الشيخ محمد بن راشد عن هذه المسابقة، يريد أن يشجع المهندسين والنوابغ في الوطن العربي للالتحاق بهذا البرنامج وبرامج تعليمية أخرى. فلما تلاحظ، عفواً دكتور، القصد أن نوابغ الفضاء هو تشجيع للشباب للدخول في المجموعة العربية للتعاون الفضائي، أليس كذلك؟
هو تشجيع للشباب للدخول والمساهمة في تصميم القمر العربي. ليس شرطاً أن تأتي عن طريق المجموعة، يمكنك التقديم عبر موقع إلكتروني، وليس شرطاً أن تكون العملية من الضمان، بل هذا أفضل، ونحن نحاول الدفع بهذا الموضوع، لكن قد يكون شخص عربي اليوم عالماً بارزاً في أمريكا أو في دولة أوروبية.
وعنده قدرات وإمكانيات، لماذا لا نتركه هناك؟ لماذا لا نستغله مثلاً ونخليه يشارك ويفيد؟ هذا جميل، الفكرة في موقع إلكتروني، والحمد لله نحن متحمسون في وكالة المرأة للفضاء لأن نكون جزءاً من هذا العمل العربي الهادف. عمل الأمانة يهدف إلى رفع مستوى هذه الأمة، وفي نفس الوقت إتاحة فرص لها حتى تستفيد وتطوّر المهارات.
طبعا المستهدف منه النوابغ، يعني الناس الموجودون، ما شاء الله، نحن نعرف أن الوطن العربي يزخر بهذه الفئة، سواء في فئة العلماء أو في فئة النوابغ والمواهب، ولكن من خلال هذا البرنامج، قيادة دولة الإمارات تأمل أن تشجع هؤلاء النوابغ والمواهب.
القواعد العامة له، وحتى الآن في مرحلة التصميم، فهي موجودة حاليًا على الموقع الإلكتروني، وعلى منصات التواصل الاجتماعي للوكالة، وحكومة دولة الإمارات، وتغريدات الشيخ محمد بن راشد. توجد في الموقع ضوابط، وأعتقد أنه اليوم وغدًا بإذن الله ستكون هناك ضوابط محددة المعايير، أي معايير القبول. اليوم تقريبًا سبعون ألف شخص قدّموا على هذا البرنامج، أي أن الشغف واضح.
طبعًا، مع كل دقيقة يزيد العدد، وبالتأكيد سيكون هناك تقييم واختيار للأفضل بناءً على القدرات، سواء قدرات الأقمار الصناعية أو قدرات المراكز. لكن عندنا اليوم، للعلم، أصبحت لدينا ثلاث جامعات وطنية توفر تعليمًا فضائيًا في دولة الإمارات، وهي: جامعة الإمارات، وجامعة خليفة، وجامعة الشارقة. فهم يوفرون درجات في الماجستير.
تختلف البرامج من جامعة إلى جامعة، لكن أكثرها يتعلق بعلوم الفضاء، وفلك الفضاء، وتقنيات الفضاء، وكلها في مجال الفضاء. لذلك، هناك فرصة أيضًا للشخص الذي قد لا يملك خبرة مثلاً، لكنه نابغة أو لديه إمكانيات تجعله يسلك المسار التعليمي، فتتاح له الفرصة ليتعلم ويتدرب. لدينا مشاريع مع الجامعات الوطنية نمولها بهدف التعليم، وهي أقمار صناعية مصغرة.
اليوم لدينا طلاب، مثلاً، نضمهم من البحرين، أي حوالي تسعة طلاب في الإمارات يدرسون في جامعة خليفة، ويعملون أيضًا على قمر صناعي مصغر يتضمن دراسة، وأقمار كيوب سات، وعملًا يدويًا. حسنًا، ما هو موقع الوكالة حتى يذهب إليه المهتمون بهذا الجانب؟ وكالة الإمارات للفضاء، أي شخص يمكنه البحث عنها.
مثلاً في جوجل أو تويتر، فقط يكتب: وكالة الإمارات للفضاء، فتظهر وكالة الإمارات للفضاء، وتغريدات الشيخ محمد بن راشد، وكل شيء موجود في هذه المواقع، بما في ذلك إنستغرام. العملية سهلة. دكتور رانم يشرح أيضًا عن المشاريع. أنا لدي مقابلة بعد ساعة، لدي موعد بعد ساعة، لكني أود فقط أن أقول لك إنني لا أحب أن أطيل أكثر من هذا، لأنني لا أريد أن آخذ من وقتك، ولديك بالتأكيد أمور أخرى.
خاصة أننا اقتربنا من إطلاق القمر الصناعي الذي سيذهب إلى المريخ. أتمنى لك، دكتور، نجاحًا باهرًا، وأتمنى ألا يحدث أي خلل، لأن هذا أمر قد يحدث، وأتمنى أن ينجح المشروع بالكامل مع أخذ القراءات، وأن يكون هذا أول مشروع عربي يذهب إلى المريخ. يعطيك العافية، والشكر الجزيل لك.
كنت سعيدًا جدًا بلقائك. شكرًا دكتور محمد، الله يوفقك، ونتمنى لك دائمًا الاستمرار في إيصال المعلومة الصحيحة، ورفع سقف الطموحات والتطلعات. شكرًا جزيلاً لك، وفارق الله فيك كثيرًا من أمثالك. تسلم.
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


