نص مستعاد من ملف المؤلف الأصلي.

أزمتين فيزيائيتين عظيمتين

رغم أن الفيزياء لم تجب على جميع الأسئلة التي طرحها الإنسان، إلا بعض الأسئلة التي أتى بإجابات لها لم تكن أجابتها دقيقة. الفيزياء لا تعرف ما المادة الداكنة، ولا الطاقة الداكنة، الفيزياء لا تعرف من أين أتى الكون، ولا حدوده، الفيزياء لا تعرف إن كان هذا العالم واحد أم متعدد، ولكنها تعرف ما هي سرعة توسع الكون وكذلك المواد والقوى المكونة له، أو... هل فعلا تعرف الإجابة الدقيقة على هذه الأسئلة؟ هذه هي الحلقة التي تبين أنه قد تكون معلوماتنا الفيزيائية ناقصة أو خاطئة قليلا، ولا يزال البحث مستمرا لإيجاد الإجابات الصحيحة.

سرعة اتساع الكون

يبدو أن معرفة سرعة توسع الكون ليست بهذه البساطة، لقد حاول العلماء معرفتها بعدة طرق، لكن رغم أن الإجابات قريبة من بعضها، إلا أنها لا تتطابق مع بعض. دعونا نمر على الطرق التي حسب فيها العلماء سرعة اتساع الكون منذ وقع إدوين هابل على الاكتشاف بأن الكون يتسع.

لقد اعتقد العلماء أن كل ما يرونه من أضواء في السماء هو الكون كله، كل بقعة ضوء نجم، أو سديم أو ما شابه، كلها حولنا في حيز من الفراغ ضيق، وأن بإمكانهم رؤيتها كلها بسهولة من خلال المناظير، كان الكون كله عبارة عن مجرة واحدة من النجوم، والكون كله بما يحتويه ثابت لا يتسع، أزلي ليس له بداية.

لكن في عام 1924 راقب هابل السماء... كان ينظر إلى سديم مغزلي الشكل، وإذا به يفجر معلومة بأن هذا الذي أطلق عليه العلماء اسم سديم كان في الحقيقة مجرة كاملة، اليوم نعرف اسمها تماما، إنها مجرة آندروميدا، هذه المجرة التي على وجهة التقاء مع مجرتنا، وستندمج معها بعد 5 مليار عام تقريبا، لا بل لم يقف عند هذا الحد ليقول أن الكون يتكون من مجرتين، بل إن السماء تعج بالمجرات.

كيف اكتشف هابل أن السديم لم يكن سديما في مجرتنا، إنما مجرة مستقلة خارج مجرتنا؟ ما الذي فعله حتى يتمكن من إخراج هذه البقة الحلزونية من الضوء خارج المجرة، لقد اعتمد على فكرة أخرى أسست لها العالمة Henreitta Leavitt، اعتمد على ضوء نجوم خاصة يطلق عليها اسم سفيد، هذه النجوم تشع بضوء ثابت الشدة، إذا عرفنا شدة الضوء عند مسافة معينة، بإمكاننا أن نعرف المسافات الأخرى بحسب شدة ضوء النجم، فإذا كان النجم براقا فلابد أنه قريب، وإذا كانت خافتا فلابد أنه بعيد، مثل أن أقول لك أن ضوء مصباح 100 واط محدد لا يختلف، فلو ذهبت إلى أي سوق في العالم ستجد أن شدة إضاءة هذا اللمبة واحد، وبهذا لو وضعت أمامك وعلى بعد متر واحد لمبة 100 واط، ووضعت أخرى على بعد كيلومتر، فماذا ستلاحظ لما تنظر لهما؟ ستلاحظ أن شدة إضاءة اللمبة القريبة أكبر من شدة إضاءة اللمبة البعيدة، إذا علمت شدة إضاءة اللمبة على مسافات مختلفة بإمكانك معرفة تكوين قانون رياضي يعطيك المسافة الفاصلة بينك وبين أي لمبة توضع أمامك من خلال شدة إضاءتها، أمر بسيط جدا.

بهذه الفكرة الرائعة استطاع أدوين هابل معرفة المسافة التي تفصلنا عن السديم، نظر إلى نجوم سفيد الموجودة فيه، وبعد قياس المسافة اكتشف أنه من المستحيل أن تكون هذه النجوم في مجرتنا، لابد أنها تبعد عنا مسافة شاسعة، وفي وقتها حسابه للمسافة لم يكن دقيقا، فقد حسِب أنها تبعد عنا مسافة 860,000 سنة ضوئية، ولكن الواقع بمعرفتنا اليوم، المسافة الأدق هي حوالي 2.5 مليون سنة ضوئية؟ لقد كان ذلك أمر صاعق للعلماء، حيث كون ثورة كونية جديدة.

الآن وبعد أن علم هابل أن الكون ليس بهذا الصغر وأننا نعيش على جزيرة واحدة من جزر مجراتية متعددة، انتقل إلى أمر أكثر أهمية، فهذه المجرات ليست ثابتة، بل كانت تتحرك، فما هي سرعة حركتها سواء في الابتعاد أو الاقتراب؟ استخدم هابل فكرة دوبلر، المجرات التي تبتعد عنا ضوؤها يميل إلى الحمرة، أما تلك التي تقترب فضوؤها يميل إلى الزرقة، بالإضافة لاستخدامه للنجوم سفيد لمعرفة بعدها عنا اكتشف أن غالبية المجرات تبتعد، وهذا دليل هائل على أن مكونات الكون الضخمة تبتعد عن بعضها، وأن الكون يتسع فيسمح لها بالابتعاد... الكون يتسع؟ لقد أخطأ آينشتاين حينما وضع الثابت الكوني الذي يثبت الكون، واعترف بخطئه.

بعد ذلك تساءل هابل، إذا كانت تبتعد، فهل كل المجرات تبتعد عن بعض بنفس السرعة أم أنها تختلف؟ لقد اكتشف أنه كلما كانت المجرات أبعد، كلما كانت أسرع في الابتعاد، المجرات الأبعد أسرع في التباعد من المجرات الأقرب، ومنها حسب هابل الثابت الذي سمي باسمه لاحقا، ثابت هبل، وهو الثابت الذي يعطينا سرعة اتساع الكون بحسب المسافة التي تبعد عنا، وكان هذا الرقم: 500 كيلومتر في الثانية لكل 3.2 مليون سنة ضوئية أو فرسخ فلكي، هذا يعني لو أننا نظرنا إلى مجرة تبعد عنا فرسخ فلكي واحد، فستبتعد عنا بسرعة 500 كيلومتر في الثانية، ولو كانت هناك مجرة على مسافة 2 فرسخ فلكي، ستبتعد بسرعة 100 كيلومتر في الثانية، ولو أن مجرة كانت على بعد 3 فراسخ فلكية لكانت تبتعد بسرعة 1500 كيلومتر في الثانية وهكذا، طبعا هذه النتيجة خاطئة جدا بالمقارنة مع قياسات العصر الحالي الأدق.

عودة إلى التمدد الكوني، حتى لو استخدمنا أضواء نجوم سفيد، لدينا مشكلة، شدة إضاءتها تنخفض كلما كانت المسافات أكبر، لذلك لن نستطيع أن نعرف مكانها إذا كانت المسافة بيننا وبين المجرة التي تحتويه هائلة جدا، لذلك لجأ العلماء إلى نجوم منفجرة انفجار سوبر نوفا، إضاءة هذه الانفجارات أشد من إضاءة المجرة كلها في وقت قصير، وبهذا يمكن مشاهدتها على مسافات أكبر، بها اكتشف العلماء أن المجرات لا تتباعد فحسب، بل إنها تباعد بعجلة، تخيل انفجار قنبلة، وانطلاق شظاياها، إذا كانت القنبلة في حالتها الطبيعية ستبتعد الشظايا مسافة إلى مسافة ما، أما قنبلة الكون فشضايا الكون من مجرات تتغير سرعتها أكثر وأكثر كلما مر الوقت، إنها تتعجل، ومن هذا الاكتشاف علم العلماء أن هناك شيء ما يدفع الكون للتمدد بعجلة، وهذا الشيء يطلق عليه اسم الطاقة الداكنة.

ما ثابت هابل الذي توصلوا له من هذه الطريقة؟ لقد كانت 73.5 كيلومتر لكل ثانية لكل فرسخ فلكي +- 1.5 خطأ، هذا يعني أنه لو كانت لدينا مجرة على بعد فرسخ فلكي لابتعدت عنا بسرعة 73.5 كيلومتر في الثانية، ولو كانت على بعد 2 فرسخ فلكي، لابتعدت عنها بسرعة ضعف السرعة السابقة، وهي 147 كيلومتر في الثانية، وهكذا، وهذه قراءة ادق بكثير من قراءة هابل، انسى قراءة هبل تماما، وتذكر هذا الثابت، 73.5 كيلو متر في الثانية. هذه كانت إحدى طرق الكشف عن سرعة تمدد الكون، وثابت هبل.

بعد ذلك، وبدلا من استخدام النجوم لمعرفة سرعة تباعد المجرات استخدام العلماء طريقة مختلفة تماما، وهي باستخدام الخلفية الميكروية الإشعاعية والتي تكونت بعد الانفجار العظيم بحوالي 400,000 عام، حتى أبسط الأمر كلية، تخيل أن لديك قنبلة انفجرت، وأنت التقطت صورتين لهذه القنبلة: أولا في اللحظة بعد الانفجار بقليل، وثانيا صورة للحظة بعد الانفجار أثناء تبعثر الشظايا في كل مكان، الصورة الأولى تعطيك شكل الشظايا قبل أن تنتشر في كل مكان، ولديك الصورة الثانية لديك نفس هذه الشظايا، ولكنها كل منها بعيدة عن الأخرى، تستطيع أن تعرف سرعة تباعد الشظايا عن بعض من خلال هذه الصورتين، وهذا ما فعله العلماء باستخدام الخلفية الميكروية الإشعاعية والتي تتعبر الصورة الأولى، وكذلك المرحلة الحالية من تبعثر المجرات في الكون، وهي الصورة الثانية. حسب العلماء سرعة تمدد الكون، وكانت 67.6 كيلومتر في الثانية لكل ميغابارسيك +- 0.3 نسبة خطأ. لقد هذا ثابت هبل جديد. مصيبة!

الإجابتان تختلفان عن بعض، الأولى 73.5، والثانية 67.6. أي القراءتين صحيحة؟ وهذه هي بالضبط المشكلة، لا يعلم العلماء أي من القراءتين صحيحة، لا بل حاول العلماء حساب سرعة تمدد الكون بعدة طرق، في كل طريق يكتشف العلماء أن هناك اختلافات بسيطة بين الإجابات، وبهذا تصبح أزمة مضاعفة. والمشكلة الأخرى التي لا مفر منها أن هاتين القيمتين لا تتقطعان في الأخطاء.

الآن أيضا، لدينا قراءة جديدة باستخدام تلسكوبات أدق، وهذه القراءة توافق قراءة نجوم سوبر نوفا، وهي بقيمة 73.2 بخطأ قدره +- 1.3. أي القيم الثلاثة صحيحة الآن؟ لا أحد يعلم الإجابة على هذا التساؤل.

هل انتهت طرق اكتشاف سرعة اتساع الكون؟ علمنا أن النجوم النيوترونية طريقة، والخلفية الميكروية الإشعاعية طريقة أخرى، لدينا طريقة أخرى جديدة: مرصد لايغو الذي يكتشف تصادم الثقوب السوداء أو النجوم وتموج الزمكان، العلماء يعملون على استخدام هذه الموجات لمعرفة مسافات البعيدة، وسنعرف من خلالها سرعة اتساع الكون، وإذا أعطتنا هذه الطريقة إجابة مختلفة فتزداد هذه الأزمة، وسنحتاج إلى طرق جديدة لمعرفة الحقيقة. ننتظر حتى يحسم العلماء الإجابة.

الأزمة الثانية

الأزمة الثانية أيضا شديدة الوقع، اكتشف العلماء أن النموذج المعياري للجسيمات قد يكون ناقصا، إما أن هناك جسيم جديد لم يؤخذ بالحسبان أو أن هناك قوة فيزيائية جديدة لم نعلم عنها من قبل، أو أن التجارب التي أقيمت مؤخرا خاطئة. وكلا الأمرين الأوليين مثيران إلى أقصى الحدود.

أولا ما النموذج المعياري أو Standard Model؟ النموذج المعياري عبارة نظرية تصف ثلاث قوى من أربعة في الطبيعة، وكذلك تصف جميع الجسيمات الموجودة في الطبيعة، ما هي القوى الأربعة؟ القوة الكهرومغناطيسية، القوة النووية الضعيفة، والقوة النووية القوية، والجاذبية، النموذج المعياري فسر الثلاث الأولى، ولكنه لا يشتمل على الجاذبية، وهذا أمر ربما يكون مقبولا، وخصوصا أن الجاذبية بحسب قوانين آينشتاين ليست إلا انحناء في الزمكان تتسبب به الكتل.

ما هي الجسيمات التي عرفها المنوذج؟ إنها الإلكترون، الميوان، والتاو، والإلكترون نيوتريو والميون نيوترينو والتاو نيوترينو، ولدينا أيضا الكوركات، وهذه أيضا أنواع، آب، وداون، وتشارم وسترينج وتوب وبوتوم، إذا كنت تتساءل ما إذا كان هذه فعلا أسماء لجسيمات، فالإجابة نعم رغم غرابتها، هذه الجسيمات تكون البروتونات والنيوترونات وغيرها، بداخل البروتون على سبيل المثال ثلاثة كواركات: إثنان من كوراك آب، وواحد كوارك داون، أما النيوترون، فيحتوي على إثنين كوارك داون، وواحد كوارك آب.

أما الجسيمات التي تحمل القوى الثلاث التي ذكرتها فهي: غلوونز، هيغز، فوتون، زي بوزون، ودبليو بوزون، قد تستغرب وتسأل: ما المقصود بحاملات القوى؟ ذكرت شيء اسمه القوة النووية القوية، وحاملة القوة النووي القوية هي الغلووانات، بالذات هذه تمسك بالكواركات بداخل البروتونات بقوة مذهلة، تخيل لديك كواركات بداخل بروتون، وتريد تحطيم البروتون إلى أجزائه والتي هي كواركات تستطيع أن تحطمه باستخدام المصادم الهدروني الكبير.

أعتذر عن هذه المقدمة الطويلة المملة المكونة من تعريف طويل، الآن تعالوا معي إلى المشكلة، تجربة جديدة وتعتبر تكرار لتجربة سابقة، أقيمت على جسيم الميوان، الميوان له خصائص الإلكترون، ولكنه أثقل منه بمئتي مرة، وبينت التجربة أن النتائج لا تتوافق مع النظرية الفيزيائية، النظرية الفيزيائية، اسم التجربة Muon G-2، وضعوا ميوان بداخل مجال مغناطيسي، وجعلوه يلف في دائرة كبيرة نسبيا متأثرا بهذا المجال، بحسب النظرية الفيزيائية الكهروديناميكية الكمية Quantum Electrodynamics من المفروض أن يميل الميوان باتجاه معين، وهذا الميلان يطلق عليه اسم G-Factor، وهذا ما يحدث، ولكن هناك فرق بسيط بين التجربة والحسابات التي تأتي من المعادلات النظرية.

لو نقارن بين الإلكترون والميوان، ستكون النظرية دقيقة إلى درجة التجربة أن الحسابات تتماشى مع نفس التجربة بالنسبة للإلكترون بقدر جزء من مليار، إلى هذه الدرجة النظرية دقيقة، ولكن إلى إذا ما أتينا إلى الميوان فالأمر مختلف، النظرية لا تتنبأ بنفس الدقة، والاختلاف يصبح جزء من المليون بدلا من المليار، تخيل أنني أقول لك في حالة الإلكترون أنني محاسب على حساباتك البنكية، وبعد التدقيق اكتشفت أن هناك خطأ بقدر دولار من مليار دولار، بينما في الميوان، هناك خطأ بقدر دولار من مليون دولار (تقريبا)، قد تقول أن هذه الأخطاء لا تعد شيئا، ولكن بالنسبة للفيزيائيين هذا الخطأ البسيط قد يعني أن هناك أمرا ما خفيا لم يكتشفوه بعد.

لقد أقيمت التجربة مرتان، مرة قبل عشرين سنة في عام 2000، وأتت بنتائج مخالفة للحسابات الفيزيائية، ولكن العلماء لم يكونوا متأكدين أن التجربة كانت دقيقة بما فيه الكفاية، فأعادوا التجربة مرة أخرى وأعلنت النتيجة مرة أخرى في أبريل 2021، واتضح أن هنالك فرق بين التجربة والحسابات، خصوصا أن التجربة الجديدة أكثر دقة من السابقة بقدر 4 مرات.

ماذا يعني هذا؟ وهنا مربط الفرس، هناك ثلاث احتمالات، إما أن الحسابات خاطئة الفيزيائية خاطئة، أو أن التجربة خاطئة، أو أن هناك فيزياء جديدة بدأنا بالنظر إليها من خلال هذا الثقب التجريبي الصغير، ولعلنا نكتشف قوة جديدة أو جسيم جديد. وهذا ما يتمناه الفيزائيون الآن، إذا اكتشفوا قوة جديدة ستكون ثورة هائلة.

ننتظر السنوات القادمة لنرى ماذا ستأتي من نتائج، سواء على مستوى سرعة تمدد الكون أو القوة الجديدة في الكون، إذا استطاع شخص ما الإتيان بالنتائج الدقيقة، وحسب سرعة تمدد الكون واتفق العلماء على الإجابة، أو لو استطاع العلماء إثبات أن التجربة على الميوان دقيقة وأن هناك جسيم أو قوة جديدة، فتوقعوا جائزتين نوبل في هذين المجالين. أنا وإياكم من المنتظرين.

المصادر

✦

نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.