نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.

5 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل

أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من سايوير بودكاست. معنا اليوم ضيفنا الدكتور نضال قسوم، الأستاذ بقسم الفيزياء في الجامعة الأمريكية في الشارقة، والباحث السابق في وكالة ناسا.

له أيضًا عدة كتب، منها كتاب متوفر على أمازون، عنوانه، وأعتذر إن كانت ترجمتي العربية ضعيفة، «سؤال كمي إسلامي: المصالحة بين التراث الإسلامي والعلم الحديث». يحاول نشر العلم في العالم العربي، وله مقاطع عديدة على الإنترنت، وظهر أيضًا على قناة MBC.

يحب الحديث عن الفلك والفيزياء، ويطمح إلى عودة العالم العربي والإسلامي إلى أصوله في علم الفلك. وهناك شاب في جامعة الشارقة اسمه عبد العزيز الزرعوني، لديه قناة «الكون»، ويظهر الدكتور نضال قسوم في حلقاتها ليتحدث عن الفلك. يمكن لمحبي الفلك متابعتها. أهلًا وسهلًا بك، دكتور نضال قسوم. أهلًا بك، دكتور محمد.

شكرًا جزيلًا على الاستضافة. أهلًا بك. قبل الدخول في موضوعنا الرئيسي، أريد أن أسألك عن ناسا: عملت فيها باحثًا، وأنا متأكد أن كثيرًا من المستمعين يريدون معرفة كيف وصلت إليها، وما العمل الذي قمت به هناك.

بعد أن أنهيت الدكتوراه في أمريكا، حيث درست الماجستير والدكتوراه، كانت وكالة ناسا تعلن عروضًا لاستضافة أو توظيف باحثين في مجالات متعددة، منها مجالي، وهو أشعة غاما. تقدمت بطلب، فاتصلوا بي وأجروا معي مقابلة،

وسألوني عن مقترحاتي والموضوعات التي أريد بحثها إذا التحقت بهم، وهل أعرف باحثين هناك يعملون في أبحاث مشابهة ويمكنني التعاون معهم. في النهاية، قدموا لي عرضًا للالتحاق بمركز غودارد المعروف، خارج واشنطن دي سي. انتقلت إليه، وقضيت 2 سنة كاملتين باحثًا بدوام كامل، ثم رجعت إلى الجزائر.

قضيت بضع سنوات في الجزائر، ثم أصبحت أعود صيفًا إلى المركز نفسه لإجراء الأبحاث، فأقضي شهرًا أو 2، وتكرر ذلك مرات عدة. توقفت عن الذهاب منذ نحو 10 سنوات، لأن أهم قمر صناعي جديد في مجالي كان أوروبيًا؛ فكأن مركز ثقل أبحاثنا انتقل من أمريكا إلى أوروبا، وأصبحت أسافر إلى أوروبا كل صيف،

لمواصلة أبحاث أشعة غاما. إذن، عملت فعليًا داخل ناسا، وليس في جامعتك على موضوعات ترسلها إليك الوكالة ثم تعيد إليها النتائج؟ نعم، بالضبط. كنت في أحد مراكز ناسا نفسها. لها إدارة عامة في واشنطن،

ومراكز تابعة لها غير مرتبطة بجامعات معينة. الباحثون فيها يعملون بدوام كامل. كنا نبدأ في الساعة 8 أو 9 صباحًا، ونعمل حتى 5 أو 6 أو 7 مساءً، ثم نعود إلى البيت. لم يكن لدينا تدريس أو طلبة أو جامعات مرتبطة بنا؛ كنا متفرغين للبحث.

هل تصف لنا المكان؟ هل يشبه ما نراه على يوتيوب والتلفزيون، أم يختلف عنه؟ مركز غودارد مكان كبير جدًا، كان يضم 32 مبنى. تصور أن هذا مركز واحد فقط! وكان كل مبنى يضم بين 50 و100 باحث. أقدّر عدد الباحثين فيه بنحو 2000،

إضافة إلى حوالي 1500 إلى 2000 تقني وإداري. كان المركز كله يضم نحو 5000 شخص يعملون في مجالات مختلفة: أبحاث المجموعة الشمسية، وأبحاث الأرض؛ فلدى ناسا أقمار صناعية تركز على الأرض، وتلتقط الصور والمعلومات لتحليلها.

كان أحد المباني مهتمًا بالطيران والمركبات الفضائية والصواريخ. لم تكن أبحاثه فيزيائية، بل هندسية لتطوير الطيران والصواريخ والمركبات. أما المبنى الذي كنت فيه فكان مخصصًا، تقريبًا بالكامل، للأشعة السينية وأشعة غاما، ويسمى «أبحاث الطاقة العالية».

كنا نحو 60 إلى 70 باحثًا؛ بعضنا يعمل في أشعة غاما، وبعضنا في الأشعة السينية، وهما مجالان متقاربان. كنا نجتمع أحيانًا عدة مرات في اليوم، وأحيانًا كل 2 أو 3 أيام. ويأتينا زوار كثيرون يقدمون ندوات ومحاضرات، فنتعاون ونتبادل الاستشارات. كان المكان مخصصًا للبحث باستمرار.

أكثر ما أعجبني ولفت انتباهي في أجوائه هو تواضع الناس التام. لو أدخلت شخصًا إلى أحد المباني وسألته أين هو، فقد يقول إنه في أي مبنى عادي في أي مدينة. وإذا أخبرته أنه في مركز كبير تابع لناسا، فقد لا يصدق؛ سيرى أشخاصًا عاديين في مكاتب عادية،

يأكلون الساندويتشات، ويشربون القهوة، ويتحدثون ويمرحون. بعضهم يغادر وسط النهار، وبعضهم يبقى طوال الليل لأنه لم ينهِ عمله. وهؤلاء هم العلماء والمهندسون الذين نراهم في المقابلات والتلفزيون، وينجزون أشياء لا نحلم بها إلا من بعيد؟ بالضبط؛ هذه أجواء البحث العلمي وروحه:

التواضع، وأن يقول الإنسان لنفسه دائمًا، كما في المثل العربي: «علمت شيئًا وغابت عنك أشياء». ما زلت أذكر زيارة أساتذة كبار، وأحيانًا علماء حائزين على نوبل. نجلس معهم ونتناول الغداء ونتحدث. لو التقط أحد صورة، لما عرف أن هذا شاب جزائري أنهى الدكتوراه منذ 6 أشهر،

وذاك عالم أمريكي يعمل في هذه الأبحاث منذ 30 سنة وحصل على نوبل. يستمعون إلينا ونستمع إليهم، ويسألوننا ونسألهم، ونعرض أفكارنا ونتبادل الحديث على قدم المساواة. هل تفتقد هذه التجربة الآن، أم تشعر أنها انتهت وانتقلت إلى أشياء جديدة؟

للإنسان في حياته اتجاهات وأهداف متعددة. كما قلت، بعد أول 2 سنة كاملتين في المركز، عدت إلى الجزائر، وقضيت فيها بضع سنوات، ثم أصبحت أعود إلى ناسا في الصيف فقط. لماذا رجعت إلى الجزائر، ثم انتقلت إلى الكويت، ومنها إلى الإمارات؟ لأن أحد أهم أهدافي

أن ننهض بمنطقتنا وعالمنا العربي والإسلامي، وأن نعود، كما قلت في المقدمة، إلى سابق مجدنا في العلوم والفلك. أردت نقل بعض العلم الذي اكتسبناه إلى الجيل الجديد والطلبة، وأن نتعاون على إنشاء مراكز ومراصد وجمعيات علمية، وتنظيم مؤتمرات،

حتى لا يبقى النشاط كله في أمريكا. من السهل أن أبقى هناك؛ الأجواء رائعة، والاحترام متبادل. لكن إذا بقي كل واحد منا في ناسا، أو في مركز أبحاث أجنبي أو أوروبي، فمن المستحيل أن تنهض منطقتنا.

لذلك حاولت العودة وتقديم شيء. سنصل إلى هذا الموضوع، لكن قبل ذلك: لو أراد أحد المستمعين العمل في ناسا، وكثيرون يحلمون بذلك، فهل توجد طريقة محددة للوصول إليها، أم أنها تستدعي الباحثين كما حدث معك؟

هناك طريقان للعمل في مراكز ناسا: إما باحثًا، كما في حالتي، أو مهندسًا أو تقنيًا يشارك في العمليات التقنية. في الحالتين، عندما تكون لدى ناسا مشاريع أو تطورات جديدة في مجال علمي أو بحثي أو هندسي، أو في الطيران والصواريخ، تنشر إعلانات،

تطلب فيها مهندسين وباحثين في تخصصات معينة. أقول دائمًا إن المتميز في مجاله، سواء كان مهندسًا أو باحثًا في الفيزياء أو الكيمياء أو علوم البيئة، أو متخصصًا في تحليل الصور أو الحاسوب،

ستأتيه الفرصة؛ المطلوب دائمًا هو التميز. هل تقصد هنا التقدم إلى وظيفة في ناسا؟ نعم. لكنني تصورت أنك كباحث لم تتقدم بنفسك، بل جاء العرض عن طريق جامعتك. لا، لم يأتني عرض مباشر؛ نشروا إعلانات عن حاجتهم إلى باحثين في المجال،

وكان مجالي آنذاك أشعة غاما. قد تطلب إعلانات أخرى مهندسي إلكترونيات للمساهمة في تطوير المركبات الفضائية، أو متخصصين في تحليل الصور، لأن لديهم برامج جديدة وصورًا من التلسكوبات أو الكواشف. عندما نشروا هذه الإعلانات تقدمت،

وأرسلت ملفًا أبديت فيه رغبتي في العمل في المجال. عندها اتصلوا بي وأجروا مقابلة: ما معلوماتك؟ ماذا تريد أن تفعل بالضبط؟ وهل تعرف العلماء الآخرين العاملين في المجال؟ ثم يختارون. ممتاز. [كلمات غير واضحة في الانتقال الصوتي]

ومن اهتماماتك الدعوة إلى إنشاء مراصد في العالم العربي. شاهدت لك مقطعًا على MBC، ولاحظت اهتمامك الكبير بالمراصد وبالفلك عمومًا، وكذلك برسالتك التعليمية وإيصال الفلك إلى الناس. هل تعطينا فكرة عما تحاول القيام به حاليًا؟

للأسف، عندما نمسح وضع علم الفلك في العالم العربي بمؤشرات متعددة، مثل عدد المراصد، أو الجامعات التي تقدم تخصصًا فيه على مستوى البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه، أو عدد الباحثين الفلكيين، أو الأبحاث

المنشورة في المنطقة، نجد أننا بعيدون جدًا عن المستوى العالمي، وحتى عن مستوى دول في المنطقة. إذا قارنا أنفسنا بتركيا أو إسرائيل أو جنوب إفريقيا أو الهند، نجد الفارق كبيرًا. لذلك نحتاج إلى تطوير المراصد،

والمناهج التعليمية في الفلك، والجانب الإعلامي لرفع الوعي. هل أجريت إحصاءً للمراصد الموجودة في المنطقة؟ نعم. البرنامج الذي شاهدته على MBC جاء بعد نشري مقالًا مطولًا من 4 صفحات في مجلة نيتشر المعروفة،

عن وضع الفلك في العالم العربي وسبل النهوض به والخروج من التأخر. لدي قائمة بالمراصد الموجودة. نحن نتحدث عن مراصد بحثية للباحثين لإجراء الأبحاث ونشرها، لا مراصد للهواة. عالميًا، نتحدث عن تلسكوبات يزيد قطرها

على متر؛ أي 1 أو 2 أو 3 أو 4 أمتار، ويبلغ قطر أكبرها حاليًا نحو 10 أمتار. في العالم العربي تلسكوب واحد قطره حوالي 2 متر، في مصر، بُني منذ 50 سنة. أعتقد أنه يعمل الآن، بعدما قضى سنوات، بل عقودًا، لا يعمل. هل تقصد مرصدًا راديويًا أم بصريًا؟ بصريًا.

هذا هو المرصد الوحيد الذي يزيد قطر تلسكوبه على متر في العالم العربي كله، ويعود إلى 50 سنة، ولا ينتج إلا أبحاثًا قليلة جدًا تُعد على أصابع اليد. أما التلسكوبات الأخرى فقطرها 50 أو 60 سنتيمترًا، وتكاد تكون في مستوى تلسكوبات الهواة،

أي ما يملكه الهواة في بقية العالم. لا يمكن أن ننهض بأبحاث الفلك بهذا الوضع، رغم امتلاكنا موارد مالية وبشرية، ومواقع طبيعية ممتازة: جبالًا عالية، ودرجات حرارة مناسبة، وسماء صافية. إنها إمكانات قد يحسدنا عليها الآخرون.

لماذا لم يأتِ الآخرون بمراصدهم إلينا؟ هل توجد مشكلة تقنية بحتة؟ هذا ممكن، بل كانت هناك مقترحات لإنشاء مراصد. لكن لا يأتي شخص من الخارج ويضع مرصده مباشرة؛ يجب الاتفاق مع الحكومة، وتحديد التمويل وطريقة قدوم العاملين، والجوانب الأمنية وغيرها.

ونحن أولى بالقيام بذلك بأنفسنا. إنشاء المراصد أحد سبل النهوض بالفلك البحثي في العالم العربي، بلا جدال. أنت تدعو إلى ذلك، لكن الدعوات الشفهية وحدها قد لا تحرك ساكنًا. أريد أن أسألك من جانب عملي:

هل هناك تحرك لجمع التبرعات أو التواصل مع جهات تمويلية؟ أو، على الأقل، إعداد مقترح من مجموعة من الباحثين، يصف المرصد المطلوب وميزانيته؟ هل توجد خطوات واقعية وإجراءات واضحة بهذا الاتجاه؟ لا أتحدث عن الوعظ وحده،

بل عن تحرك فعلي. نعم، كانت هناك تحركات وما زالت. منذ سنوات تحركنا كمجموعة من الفلكيين العرب، خصوصًا في الخليج، وطرحنا فكرة «المرصد الخليجي»، على أن يُختار له موقع مناسب. اقترحنا عُمان، مثلًا، بجبالها وإمكاناتها الطبيعية الملائمة.

لم تكن المسألة في الموقع فقط، رغم بعض صعوباته، بل في التنسيق بين دول مجلس التعاون، والتمويل، ومن يدفع وكيف. عملنا على المشروع مدة طويلة، وعقدنا لأجله ملتقى استمر 3 أيام في الكويت،

لكنه لم يرَ النور للأسف. كيف كان الملتقى؟ هل ألقيتم محاضرة، أم ذهبتم إلى التجار أو الحكومات؟ كنا ننسق لإعداد مقترح، واتفقنا في النهاية على مواصفات المرصد، وقطر التلسكوب، ونوعية الأبحاث، والباحثين وطريقة عملهم. هذا ما نستطيع تقديمه بصفتنا علماء.

ومن جهة أخرى، تحركت مع بعض الزملاء هنا في الإمارات منذ بضع سنوات. وطُلب منا إعداد دراسة جدوى: إلى أي حد يمكن تنفيذ المشروع، وكيف، وكم يكلف؟ أُنجزت الدراسة بالفعل، وقُدمت إلى الجهات الرسمية في الإمارات.

وأبشرك، دكتور محمد، بأنه منذ نحو 2 أو 3 أشهر، صدر إعلان من جهة رسمية إماراتية عن إنشاء مرصد وطني. انتقلنا إذن من فكرة المرصد الخليجي إلى مرصد وطني إماراتي. كُلّفت مجموعة دبي للفلك، وهي مجموعة نشطة، بالإشراف عليه بالتنسيق معنا، ونلتقي بهم كل بضعة أسابيع.

لا تزال هناك إجراءات إدارية لم تكتمل، لكن نأمل تجاوزها والشروع في التنفيذ. إن شاء الله سيكون هناك مرصد إماراتي، على الأقل، خلال السنوات المقبلة. وأريد أن أضيف، إذا سمحت، أن الوعظ وحده لا يكفي فعلًا،

لكنني أريد أيضًا أن توجد مراصد في معظم دول العالم العربي. لا أستطيع التحرك بنفسي في لبنان أو مصر أو المغرب أو السعودية. لذلك أحاول، عبر النشر والظهور الإعلامي والحث،

تشجيع الآخرين. أتحرك في البلد الذي أعيش فيه؛ فعلت ذلك في الكويت ثم الإمارات. وأحاول أيضًا رفع الوعي ودفع زملائي في بقية الدول العربية إلى حث المسؤولين والحكومات على السير في الاتجاه نفسه. ممتاز. نأتي الآن إلى نقطة قريبة من صلب الموضوع،

وهي تعليم الفلك في المنطقة. ربما بحثت فيها أيضًا؛ ما الوضع؟ لا أتذكر أننا درسنا مادة خاصة بالفلك في حياتنا الدراسية. درسنا الفيزياء، ومن خلالها بعض المعلومات الفلكية العامة والبسيطة. لا أدري حتى إن كانت المناهج الغربية تتضمنه. هل توضح لنا الصورة؟

أنا مثلك، بالمناسبة، دكتور محمد. رغم أنني تخصصت لاحقًا في الفيزياء الفلكية، وحصلت فيها على الماجستير والدكتوراه وأجريت الأبحاث، لم أدرس قبل ذلك أي مادة في الفلك، حتى في البكالوريوس. هذا يكشف نقصًا وتقصيرًا. حدث الآن بعض التعديل في المدارس المتوسطة والثانوية؛

في معظم الدول العربية توجد مادة «علوم الأرض والفضاء»، تجمع الجغرافيا والجيولوجيا والفلك. يقدمون فيها معلومات عن المجموعة الشمسية، وتشابه الكواكب مع الأرض واختلافها عنها، ويربطونها بعلوم الأرض والجيولوجيا. ثم ينتقلون إلى النجوم: لماذا الشمس ليست كوكبًا؟ وما الذي يميزها عن الكواكب؟

إنها نجم يصدر الطاقة ويشع، وهي تشبه نجومًا أخرى، أو أن النجوم الأخرى شموس. يقدمون معلومات من هذا النوع. لكن ما يؤسفني هو وضع الجامعات. مسحت تقريبًا معظم الجامعات العربية، دولة دولة، بما فيها السودان وموريتانيا، ودخلت إلى مواقعها لأبحث عن تخصصات الفلك،

فوجدت الجامعات التي تقدمه تُعد على أصابع يد واحدة. هل تتحدث الآن عن الجامعات، لا التعليم قبل الجامعي؟ بالضبط، أتحدث عن الجامعات التي يوجد فيها تخصص علم الفلك.

وجدت مثلًا جامعة الملك عبد العزيز في جدة بالسعودية، وجامعة آل البيت في المفرق بالأردن. بضع جامعات تقدم مناهج متكاملة، بعضها للبكالوريوس وبعضها للماجستير، لكنها تُعد على أصابع يد واحدة. ثم بحثت عن الجامعات التي تقدم على الأقل مادة أو 2 في الفلك،

حتى يستطيع من يرغب من الطلبة أن يتعلم شيئًا عنه، ولو في مادة اختيارية. فوجدتها أيضًا تُعد على أصابع يد أو 2؛ معظم الجامعات العربية لا تقدم حتى مادة واحدة. ويقول لي كثير من الطلبة: ما الفائدة؟ دعنا نهتم بالأبحاث والمواد المهمة،

وأنتم منشغلون بالنجوم والمجرات! هذا سؤال يُطرح عليّ دائمًا: ما أهمية الفلك؟ مهما أجبت، يبقى من يسأل لماذا ننفق الملايين ووقتنا وجهدنا على النظر إلى النجوم، ولدينا مشكلات على الأرض. ما ردك، دكتور؟ نحن العرب والمسلمين أكثر أمة على الأرض تحتاج علم الفلك.

حتى الآن لم نحل مشكلة رمضان، لأننا لا نفهم الفلك جيدًا. وليس الأمر مقصورًا على العالم العربي؛ لدى الجاليات المسلمة في كندا وإسكندنافيا وروسيا واسكتلندا وغيرها مشكلة في مواقيت الصلاة نفسها، لا رمضان فقط. تصبح أوقات الصلاة صعبة جدًا في الصيف. كنت منذ بضعة أشهر في أوسلو،

بالنرويج، واجتمعت بالمجلس الإسلامي هناك، فحدثوني عن معاناة ومواقف غريبة جدًا. وكنت في فرنسا قبل حوالي 2 أسبوع، فقالوا إن لديهم 4 تقاويم للصلاة. على ماذا تعتمد؟ أليست مبنية على الفلك؟ بعضها مبني عليه، لكن هناك اختلافًا في تعريف العشاء والفجر مثلًا. عندما تسأل شخصًا: ما الفجر؟

المغرب معروف: تصل الشمس إلى الأفق وتنزل تحته، فيحدث الغروب. والظهر حين تبلغ الشمس أعلى موضع لها في السماء. وللعصر عدة تعريفات، لكنه يقع تقريبًا في المنتصف بين الظهر والمغرب. أما العشاء والفجر، فما تعريفهما؟ نحن نبدأ الصيام عند الفجر، لكن ما الفجر تحديدًا؟

الفجر هو وصول أول شعاع ضوئي، قبل الشروق. لكن قبله بكم؟ هنا تختلف الحسابات: بعضهم يعتمد وجود الشمس 18 درجة تحت الأفق، أي قبل شروقها بنحو ساعة ونصف، وبعضهم يعتمد 12 أو 16 أو 15 درجة. لذلك نحصل في النهاية على تقاويم متعددة، ويأتي أشخاص من المدينة نفسها،

فيصلون العشاء أو الفجر، أو يبدأون الصيام، في أوقات قد تختلف 20 دقيقة أو نصف ساعة، وهذا لا يجوز. أقول دائمًا إن علم الفلك احتل مكانة مهمة في ثقافتنا وحضارتنا،

سواء للتأمل وفهم موقعنا في الكون وعلاقتنا بالطبيعة وبالله، أو لتطبيقات عملية مثل مواقيت الصلاة والصيام واتجاه القبلة. والأهم أن أي أمة لا يمكن أن تنهض وتتطور،

فتتقدم في بعض المجالات وحدها وتبقى متأخرة تمامًا في غيرها. لا نجد دولة ممتازة في الأحياء، مثلًا، ولا تفهم شيئًا في الجيولوجيا. النهضة العلمية والثقافية والحضارية شاملة، وتحتاج إلى تدريس جيد في جميع المجالات، ونشاط،

وإنفاق على التعليم والأبحاث. لكن قد يقول لك شخص: نريد نهضة تعليمية عامة، لكن لا نريد هذا الإنفاق على الفلك. أنت تطلب مراصد وباحثين متخصصين وميزانيات للطلبة لكي ينظروا إلى السماء. لنفترض أنني عرفت وجود نجم يتسع

لمليار شمس مثل شمسنا، أو وجود مليارات المجرات؛ ماذا بعد؟ لماذا لا أنفق على أبحاث أخرى؟ ما الأهمية الخاصة للفلك؟ ولنترك العبادات جانبًا؛ فالناس يحاولون التعامل معها بطرق مختلفة.

أولًا، الميزانيات المطلوبة للفلك ليست خارقة أو هائلة. مرصد كامل بتجهيزاته، وحتى الطريق المعبد للوصول إلى الجبل، ومصاريف الباحثين ورواتبهم، يُدفع معظم إنفاقه عند الإنشاء، ثم تبقى بعد ذلك تكاليف التشغيل.

تتراوح تكلفة ذلك كله بين 10 و50 مليون دولار. هذا قليل جدًا بالنسبة إلى العالم العربي، حيث تبلغ ميزانية الدولة الواحدة مليارات أو عشرات المليارات. هل نستكثر أن ننفق مرة كل 10 سنوات، 10 أو 20 مليون دولار على مركز أبحاث؟ هذه نقطة. وثانيًا،

أبحاث الفلك ليست مجرد معرفة أن نجمًا كبير أو صغير، أو وصف مجرة. هناك أبحاث في الفيزياء والضوئيات وفيزياء الكم لا يمكن إجراؤها على الأرض، لأنها تحتاج إلى ظروف معينة: مجالات مغناطيسية، أو طاقات عالية، أو كثافات ودرجات حرارة مرتفعة جدًا. ففي الكون،

توجد أماكن تصل حرارتها إلى 10 مليارات درجة، وهي غير موجودة على الأرض. حتى لو أردت إجراء تجربة فيزيائية عند مليار درجة، لا أستطيع هنا، لكن قد أُجري ما يعادلها عن بُعد في الفضاء. المقصود أن هناك ظروفًا في الفضاء،

تتيح تجارب أو أرصادًا لا يمكن إجراؤها على الأرض. قد يطلب منا باحث في الضوئيات أو الكيمياء أو التفاعلات إجراء حساب أو قياس أو رصد يساعده في مجاله؛ لا يهمه النجم أو المجرة بحد ذاته، بل قياس تفاعل أو عملية معينة. إذن، للفلك أيضًا

تطبيقات وفوائد غير مباشرة لعلوم أخرى. وحتى الأطفال، إذا شجعتهم على النظر إلى السماء، فقد يكبرون لإنجاز أشياء مختلفة، بغض النظر عن تخصصهم في الفلك. وجود الأمل والطموح والنظرة البعيدة يجعل من لديهم رؤية للمستقبل

يتخيلون أشياء أكبر قد تفيد البشرية. عندما نحبب الأطفال في الفلك منذ الصغر، نحببهم في التفكير عمومًا؛ فالتفكير في الكون يدعو إلى التأمل فيما يتجاوز المألوف على الأرض. أشكرك، هذا كلام صحيح،

ومهم جدًا. أقول لطلبتي إن الفلك أول العلوم التي ظهرت لدى الإنسان؛ لأنه عندما لاحظ ظواهر السماء سأل: لماذا تحدث؟ الأمر نفسه مع الطفل أو أي شخص يرى شيئًا ويسأل لماذا وكيف. الأطفال يكررون «لماذا؟» حتى يصبحوا مزعجين أحيانًا،

فإذا أجبتهم، سألوا من جديد، حتى تقول لهم: يكفي! ننزعج من حبهم للمعرفة وفضولهم. في أول محاضرة في الفلك، أختم بوصية أريد أن تبقى في أذهان الطلبة: كونوا فضوليين. هذا ما يدفعنا لدراسة الفلك؛ اسألوا أنفسكم دائمًا: لماذا؟

إذا نمّينا هذا الحس في الناس، وكما قلت فإن الفلك يساعد على ذلك، وإن لم يكن المجال الوحيد، فإنه يصبح مهمًا جدًا لمواصلة الأبحاث وتطوير العلوم.

دكتور، لا يقتصر عملك على المراصد والتعليم؛ لك أيضًا موضوعات على يوتيوب مع عبد العزيز الزرعوني في قناة «الكون». أحث محبي الكونيات والفلك على متابعتها. هل تحدثنا عن الإعلام العلمي في العالم العربي،

وعن عملك في هذا المجال؟ لو سألتني قبل بضع سنوات، لقلت إن الوضع مزرٍ. كان الإعلام العلمي العربي ضعيفًا، ويكاد يكون معدومًا. المجلات العلمية تُعد على الأصابع، ويصعب العثور عليها؛ مجلة في مصر وأخرى في سوريا، ولا نجدها في الأسواق. وكذلك البرامج العلمية.

أتحدث عن البرامج والأنشطة العلمية الإعلامية التي ننتجها في العالم العربي، لا البرامج الأجنبية المترجمة أو المرفقة بترجمة مكتوبة. أقصد أن ننتج بأنفسنا محتوى علميًا نافعًا للمجتمع. كان ذلك قليلًا، لكنه بدأ يظهر الآن؛ وسايوير بودكاست أحد النماذج،

وكذلك قناة «الكون» على يوتيوب، وهي عربية بنسبة 100%، وبها الآن 30 حلقة أو أكثر. بدأت أنشطة واهتمامات تظهر، منها إنتاج أفلام وثائقية لقنوات مثل الجزيرة الوثائقية وناشيونال جيوغرافيك أبوظبي وغيرها. أصبح هناك عرب،

يريدون إنتاج إعلام علمي عربي. لكن العالم العربي يضم 300 مليون شخص، وعددًا هائلًا من الطلبة والتلاميذ، والمقاطع الموجودة على يوتيوب لا تتناسب إطلاقًا مع هذا الحجم. نحن نحاول، والبركة في القليل كما نقول في بلدنا، لكن

الحاجة ما زالت إلى المزيد في كل المجالات: علوم الأرض، والبيئة، والأحياء، وسائر العلوم. نحتاج إليها بكل الوسائل، على الإنترنت والتلفزيون والراديو، وفي الصحف والمجلات والنوادي.

معظم المقاطع التي أتابعها غربية. وعندما أرى مقاطع عربية، ألاحظ غالبًا، وليس دائمًا، فبعضها ممتاز، أنها

تفتقر إلى شيء من المؤثرات البصرية، ودقة المعلومات، وجودة الإلقاء. أشعر أحيانًا أن السبب الأول هو أن المستوى العلمي هنا لم يصل عمومًا إلى مستوى الخارج.

والسبب الثاني أن الشاب هناك، إذا أراد إعداد مقطع علمي، يستطيع الاستعانة بالجامعات،

والمؤسسات، وطلب عينة أو فراشة أو جهاز معقد، والذهاب إلى أستاذ فيزياء ليشرح له الظاهرة. هذه الإمكانات متاحة لديهم وليست متاحة لدينا. هل يمكن أن تتطور مقاطعنا لتصل إلى هذا المستوى، حتى مستوى الشباب الأمريكي الصغار، الذين يقدمون علومًا وإنتاجًا ممتازين؟

كلامك صحيح. أحد الأسباب قلة المنافسة؛ من يعرض منتجًا في السوق دون منافسين لا يجد حافزًا قويًا لتحسين الجودة. لكن إذا ظهرت منتجات مشابهة من جهات أخرى، يضطر إلى جعل منتجه أفضل. التنافس،

يؤدي إلى التطوير ورفع المستوى والجودة. سأعطيك مثالًا من برنامج «الكون» الذي يقدمه صديقنا عبد العزيز الزرعوني، وكيف بدأ وتطور. بدأ منذ نحو سنة، ولم يبقَ على إتمام عامه الأول إلا 2 أو 3 أسابيع.

يمكن لأي شخص أن يذهب إلى يوتيوب ويرى تطوره. كانت المقاطع الأولى بسيطة جدًا، مع مشكلات في الصوت والتصوير والمونتاج. جاءني عبد العزيز بعد دراسته مادة الفلك عندي، وقال إنه أحبها، وأصبح يفكر فيها دائمًا، ويريد نقل المعلومات إلى الناس.

أحضر كاميرا، وبدأنا التصوير ببساطة. ثم قال بنفسه إن المقاطع لا تقارن بما يراه من دول أخرى على يوتيوب، وإننا نحتاج إلى التطوير. أحضر خلفية خضراء وإضاءة من عدة اتجاهات،

فقلت له إن لدينا قسم إعلام في الجامعة الأمريكية، ووصلته به. أعطوه بعض الأدوات وساعدوه، وأتاحوا له الاستوديو أحيانًا. ثم تلقى ملاحظات بأن الصوت ليس صافيًا بنسبة 100% ويحتاج إلى تحسين، فبدأ يبحث كيف يطوره ليصل إلى المستوى المطلوب.

ومنذ حوالي أسبوع أو 2، اشترى كاميرا أخرى وعدسة جديدة، وقال إنه يحتاج إليها لتحسين الصورة. هكذا يحدث التطوير: يبدأ الإنسان متعثرًا وبلا خبرة، لكن كل عمل نقدمه يدفع الآخرين إلى التطور. الآن، من ينشر على يوتيوب برنامجًا في الفلك أو الجيولوجيا أو الأحياء أو الحاسوب أو الإلكترونيات، سيجد نفسه مطالبًا بهذا المستوى على الأقل، أو أفضل منه.

ممتاز. دكتور، نحن رجلَا علم، ونحب نشر الروح العلمية. أتابعك على تويتر، وألاحظ أن لديك نحو 5000 متابع. لدي حوالي 7000 على تويتر، وربما 100000 على فيسبوك، لكن العدد لا يحكي القصة كاملة؛ فالتفاعل مهم أيضًا. كيف تشعر وأنت

رجل علم، ومن القلائل في المنطقة، ولديك 5000 متابع، بينما أشخاص لا يقدمون شيئًا مما تقدمه يتابعهم مئات الآلاف أو الملايين؟ لقد وصلت إلى 5000 منذ 2 أو 3 أيام فقط،

وغردت بذلك وأنا سعيد وأحتفل بالرقم الجميل. لكن الناس ردوا بأن حسابًا بهذا النوع من العلم يستحق أكثر: ما قيمة 5000، بينما يتابع لاعبًا أو ممثلًا أو فنانًا أو شخصًا عاديًا،

أعداد أكبر بكثير؟ لست ضد الرياضة؛ أحب كرة القدم والتنس، ولا ضد الفنون أو الأفلام أو الموسيقى، بالعكس. ولا أعترض على أن يكون للاعب 100000 متابع، أو لفنان مليون، أو لأي شخص ملايين. لكن يجب على المجتمع

أن يعطي اهتمامًا أيضًا لأشخاص مثلك. انظر إلى الوقت الذي تقضيه في نقل المعلومات على تويتر وفيسبوك والبودكاست: تتصل بالناس، وتجري الحوارات، وتسجل وتمنتج وترفع الملفات، وتجيب عن الاستفسارات. كل هذا الجهد والعلم، ثم لا يبلغ متابعوك ومتابعويّ،

حتى 1% من متابعي أشخاص قد لا يقدمون جملة مفيدة في الشهر. والمشكلة، دكتور، أنك عندما تنشر معلومة علمية، تخشى أن تكون خاطئة، لأن العلم دقيق جدًا. لا تستطيع نشر أي شيء، وإذا اتضح الخطأ،

تعتذر وتصحح. رغم الدقة والجهد المبذول لإيصال المعلومة إلى عامة الناس، تجد التفاعل شبه معدوم؛ كأنه محرك ديزل، مقارنة بمحركات الصواريخ عند علماء ناسا.

إنها عملية متعبة فعلًا. أقدر جهدك الكبير في المنطقة، وأتمنى أن يتابعك الناس. لدي حسابك على تويتر، واسمه نضال قسوم،

وفي كتابة قسوم حرفا «s»، ثم «o u m». اسم الحساب طويل قليلًا. أرجو أن يزيد عدد متابعيك. وجود 100000 متابع في جهة لا يعني أنهم سينتقلون إلى جهة أخرى، لكنني أدعو متابعيّ الآن إلى متابعتك. أتمنى أن يهتم العالم العربي بعلمائه في الفلك؛ فكثيرون يتابعون

الغربيين، ولدينا الدكتور نضال قسوم، أستاذ الفيزياء في الجامعة الأمريكية في الشارقة، والباحث في ناسا. تابعوه؛ ننتظر منكم ذلك. دكتور محمد، أشكرك جزيل الشكر على الاستضافة والتعريف بجهودي المتواضعة. وأشكرك أيضًا على جهدك وأشد على يدك. أنت،

وأنا بقدر ما، ومن يعمل مثلنا، رواد نحاول تقديم شيء جديد في مجال صعب. كان يمكننا الدخول في السياسة والتعليق عليها، فنكسب متابعين كثيرين،

أو الدخول بسهولة في مجالات أخرى وإثارة الضجيج، فيتابعنا الناس ويهتمون بما نقول. لكن مجالنا هو البناء، والبناء صعب. يدفع الرواد دائمًا ثمنًا كبيرًا للوصول إلى نتيجة صغيرة، ونحن نعرف هذا ونقبله ونواصل الطريق.

نأمل أن يستفيد الناس. كلما قال لي شخص إنه استفاد وشكرني، أشعر أنني أديت واجبي، والباقي على المجتمع. إذا دعمنا المجتمع وروّج لنا، فالحمد لله، فهذا ما نريده. وإن لم يفعل، فنحن مستمرون في هذا الدرب، ونقدم ما نستطيع.

دكتور نضال، أشكرك على وقتك، وأتمنى إجراء مقابلات أخرى مستقبلًا، لكن عن المعلومات العلمية والفلكية نفسها: السماء والأرض وناسا وما يفعله العلماء. تحدثنا اليوم إلى حد ما عن «سياسة العلم»، ولنتحدث لاحقًا عن العلم البحت؛ لديك موضوعات كثيرة في هذا الجانب.

شكرًا جزيلًا لك. أشكرك، وبارك الله فيك. مع السلامة.

✦

نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.