نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.
أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من السايوير بودكاست. سنتحدث اليوم عن مسبار جونو، الذي توجه إلى المشتري ووصل إليه. كانت الأحداث في غاية الإثارة؛ فالمشتري أكبر كواكب المجموعة الشمسية، والاقتراب منه يشكل خطرًا على المسبار وأجهزته بسبب تأثيراته المختلفة في الأجسام.
معنا لشرح الموضوع الدكتور نضال قسوم، أستاذ الفيزياء في الجامعة الأمريكية في الشارقة، وباحث سابق في وكالة ناسا. وهو من القلائل الذين ينشرون علم الفلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كان يعمل مع عبد العزيز الزرعوني في قناة «الكون» على يوتيوب، ولديه الآن قناة جديدة يقدم فيها محاضرات فلكية قصيرة بعنوان «تأمل معي»، وهي ممتعة جدًا
ومفيدة جدًا. أهلًا وسهلًا بك، دكتور نضال. — أهلًا بك، دكتور محمد، وأشكرك. أنت من أبرز ناشري العلم في العالم العربي، وهم كما قلت يُعدّون على الأصابع، وأنت من السابقين في هذا المجال. يسعدنا التعاون والتواصل،
ونأمل أن تفيد هذه الجهود المجتمع العربي، سواء كانت فردية، كالسايوير بودكاست، أو برنامجي «تأمل معي»، الذي أحاول تقديم موضوعات جميلة فيه خلال فيديو من 10 دقائق أو ربع ساعة، أو كانت تعاونية مثل لقائنا هذا. نأمل أن تثمر المحاولات الفردية والثنائية والجماعية.
لنبدأ بصورة عامة لرحلة جونو، من انطلاقه من الأرض إلى دورانه حول المشتري، ثم ندخل في التفاصيل والأسئلة. — المشتري، كما تفضلت، هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، ويتميز بمجموعة من
الخصائص التي تثير اهتمام الفلكيين والفيزيائيين باستمرار.
منها مجاله المغناطيسي القوي جدًا، وهو أقوى من مجال الأرض بـ20 ألف مرة. وإلى حد ما يُعتبر جسمًا متوسطًا بين الكواكب والنجوم، وإن كان أقرب إلى الكواكب. لكنه يحمل خصائص عديدة تجعله شبيهًا بالشمس
والنجوم. فهو مثلًا غازي في معظمه، ويدور حول نفسه بطريقة غير صلبة؛ أي
إن أجزاءه لا تدور جميعًا بالسرعة نفسها. أي جزء من الأرض يدور حول محورها في 24 ساعة، مهما كان موقعه. أما المشتري، فتدور بعض أجزائه في 10 ساعات، وأخرى في 11 أو 12 ساعة أو أقل. ودورانه سريع أيضًا؛ يستغرب الناس أن هذا الكوكب العملاق، الذي يبلغ قطره
نحو 11 مرة قطر الأرض، وكتلته 300 مرة كتلتها، وحجمه أكثر من 1000 مرة حجمها، يدور حول نفسه أسرع من الأرض بمرتين ونصف.
كيف يدور كوكب بهذه الضخامة بهذه السرعة؟ هذا الدوران السريع، واختلاف سرعته من منطقة إلى أخرى، مع النشاط المغناطيسي العالي، تجعله جرمًا مهمًا جدًا للدراسة. أضف إلى ذلك
أنه أكثر الكواكب امتلاكًا للأقمار الطبيعية. للأرض قمر واحد، وليس للزهرة أو عطارد أقمار، وللمريخ قمران صغيران جدًا، في حدود 10 أو 20 كيلومترًا. أما المشتري، فلديه 66 أو 67 قمرًا،
منها الأقمار الغاليلية الـ4 المشهورة، التي اكتشفها غاليليو. يستحق كل منها رحلة أو دراسة مستقلة. المشتري إذن مثير جدًا
للرصد، حتى إن الهواة يرصدونه كثيرًا. تستطيع بتلسكوب صغير رؤية الكوكب ونشاطه وعواصفه وأعاصيره. وبتلسكوب قطره 10 إلى 20 سنتيمترًا، ترى الأقمار الـ4 وهي تغير مواقعها حوله من ليلة إلى أخرى. إنه مشهد مثير ومهم جدًا.
قبل فترة قصيرة نظرت إلى المشتري بتلسكوب صغير، ورأيت فعلًا 3 أقمار معه. شعرت بسعادة ونشوة من مجرد هذه النظرة البسيطة. — فعلًا، عندما ينظر الناس إلى الكوكب،
ويرون النقاط اللامعة حوله، يشعرون بالرهبة. أحيانًا يظهر قمران أو 3، وأحيانًا تظهر الأقمار الـ4، لأن بعضها قد يكون خلف المشتري، أو أمامه فيحجبه لمعانه، وقد تكون كلها على جانبيه فتُرى. يشعر المرء بالدهشة: بتلسكوب صغير أرى
جرمًا يبعد مئات الملايين من الكيلومترات، وأرى أقماره تتغير مواقعها من ليلة إلى أخرى في دورات منتظمة حوله. يحمل المشتري أيضًا ألغازًا عديدة. كيف تشكل مثلًا؟
هل لديه نواة صلبة؟ نعتقد ذلك، لكننا لم نتأكد ولا نملك دليلًا بعد. وإذا كانت لديه نواة صلبة، فهل تشكلت أولًا، كما تشكلت الكواكب الصخرية مثل الأرض والمريخ والزهرة، ثم جذبت إليها هذه الغازات كلها فأصبح كوكبًا غازيًا؟ أم تشكل دفعة واحدة ككتلة ضخمة من الغاز،
ثم انضغط تحت جاذبيته؟ هل بدأ من الداخل إلى الخارج، بنواة تجمعت حولها الغازات الكثيفة، أم من الخارج إلى الداخل، بكتلة غازية كبيرة كوّنت نواة عبر الانضغاط؟ هذا أحد الأسئلة المطروحة على جونو. وهناك ألغاز أخرى،
مثل نشاطه المغناطيسي وأعاصيره والبقعة الحمراء العظيمة الشهيرة. إنها موجودة على الأقل منذ أن نظر غاليليو إلى المشتري بتلسكوبه الصغير ولاحظها. قطر هذا الإعصار يساوي نحو ضعفين أو 3 أضعاف قطر الأرض، وهو مستمر منذ 400 سنة.
لاحظنا خلال العقود الأخيرة تقلصًا في حجمه، لكننا لا نعرف بدقة كيف نشأ، وكيف حافظ على نفسه قرونًا، ولماذا يتقلص الآن. إنها أسئلة مثيرة جدًا للفلكيين.
لننتقل إلى رحلة جونو. انطلق مسبار من الأرض وتوجه إلى المشتري؛ ما قصته، وكيف كانت رحلته؟ — أُطلق قبل نحو 5 سنوات، في أغسطس 2011، لكنه لم يتجه مباشرة إلى المشتري. تكرر هذا السؤال كثيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي:
لماذا لم يُطلق مباشرة؟ ولماذا قام بدورة واسعة استغرقت نحو سنتين، ثم عاد باتجاه الأرض ومر قربها؟ بعد تلك الدورة والمرور القريب من الأرض، انطلق قبل نحو سنتين ونصف
في المرحلة النهائية من رحلته إلى المشتري، التي أوصلته إليه. وقبل بضعة أيام دخل في مداره حول الكوكب.
كانت المرحلة المثيرة يوم 4 يوليو، عندما مر بالقرب من المشتري، وقلقنا بشأن دخوله المدار المخطط له. لماذا كل هذه الدورات والمراحل؟ لأن الوصول إلى المشتري يتطلب سرعة كبيرة، في حدود 100 ألف كيلومتر في الساعة.
إطلاقه مباشرة بهذه السرعة يحتاج إلى مخزون ضخم من الوقود. قرر الفلكيون والفيزيائيون والمتخصصون في الرحلات الفضائية توفير الوقود والتكلفة، ولو بإطالة الرحلة. يقطع المسبار دورة واسعة، كأننا أطلقناه نحو المريخ،
ثم يعود إلى الأرض ويمر خلفها في اتجاه حركتها حول الشمس. هذه نقطة مهمة: أن يتحرك خلف الأرض وفي الاتجاه نفسه. عندئذ تسحبه جاذبيتها وتمنحه دفعة إضافية،
فتزداد سرعته. وقد زادت فعلًا بنحو 30 ألف كيلومتر في الساعة. وإذا قسنا سرعته بالنسبة إلى الشمس، أصبحت نحو 130 ألف كيلومتر في الساعة. الشمس هي المرجع هنا؛ فالأرض والمشتري يدوران حولها، ولذلك نقيس سرعة جونو بالنسبة إليها.
دعني أتأكد من فهمي: أطلقت ناسا المسبار من الأرض ليدور حول الشمس ويعود إلى الأرض مرة أخرى، بدل أن يتوجه فورًا إلى المشتري؟ — بالضبط. — ما المثال المناسب لتوضيح كيف تساعد هذه الدورة على زيادة سرعته؟
في رياضة رمي المطرقة، يدور الرياضي حول نفسه مرتين أو 3 قبل إطلاقها. وكذلك ترى الدوران في رمي الجلة، وهي الكرة التي يحملها الرياضي قرب عنقه. عندما يطلق الرياضي الجسم، يطلقه في اتجاه دورانه نفسه،
لا في الاتجاه المعاكس. فإذا كنت أدور مثلًا مع عقارب الساعة، أطلق الكرة في الاتجاه نفسه. — صحيح.
وهناك مثال آخر تذكرته، يتعلق بسؤال أثاره كثيرون مؤخرًا، ولعله مر عليك: لماذا تطلق ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية والروس وغيرهم صواريخهم إلى القمر أو المشتري أو المريخ من أماكن محددة؟ خرج من يقول إن هناك
«أبوابًا في السماء»، وما إلى ذلك. شرحنا أن الصواريخ تُطلق، قدر الإمكان، من أماكن قريبة من خط الاستواء. لماذا؟ لأن سرعة حركة سطح الأرض نتيجة دورانها تكون أعلى ما يمكن عند خط الاستواء. فعندما تطلق الصاروخ بطاقة محركه ووقوده،
يستفيد أيضًا من دوران الأرض. ويُطلق نحو الشرق لأن الأرض تدور من الغرب إلى الشرق، فتكون سرعته الابتدائية مجموع سرعة دوران الأرض وسرعة المحرك، لا الفرق بينهما. أما إذا أطلقته من القطب،
أو من مكان قريب من القطب الشمالي أو الجنوبي، فلن يستفيد بالقدر نفسه؛ فسرعة الحركة عند القطب نفسه تساوي صفرًا. نحاول الاستفادة من السرعات المتاحة، سواء بسبب الجاذبية أو دوران الأرض، لنحصل على أعلى سرعة بأقل استهلاك للطاقة والوقود.
إذن، انطلق المسبار ووصل
قرب المشتري بعد نحو 5 سنوات، من 2011 إلى 2016. عند اقترابه، أذكر أنني قرأت عن إطفاء الأجهزة ثم إعادة تشغيلها. ماذا حدث؟
قبل ذلك كانت هناك مرحلة يمكننا العودة إليها لاحقًا: اقتراب جونو وتصويره المشتري وأقماره بصور رائعة، وعبوره المنطقة الفاصلة بين المجالين المغناطيسيين للمشتري والشمس، وتسجيل الأصوات التي سمعناها. عندما اقترب من المشتري،
كان على المركبة إطفاء محركاتها لتخفيف السرعة. فجاذبية المشتري عالية جدًا، رغم أن المسافة من مركزه إلى سطحه نحو 70 ألف كيلومتر، أي نحو 11 مرة نصف قطر الأرض.
ومع هذا البعد عن المركز، فإن الجاذبية عند سطح المشتري تعادل مرتين ونصف جاذبية الأرض عند سطحها. إذا مررت قربه بسرعة عالية، فستجذبك جاذبيته وتزيد سرعتك أكثر مما تحتاج،
فتدخل مدارًا غير المخطط له، وربما تفلت تمامًا ويصبح مسارك غير إهليلجي. لذلك كان تخفيف السرعة ضروريًا. نحتاج في البداية إلى سرعة كبيرة كي لا تستغرق الرحلة 10 أو 20 سنة،
لكن عند الاقتراب يجب تخفيضها إلى المقدار المناسب، كي يمسك المشتري بالمركبة ويديرها في المدار المطلوب. — هل يستخدمون دافعات؟ — نعم، هناك محرك ووقود كيميائي صلب من نوع الهيدرازين، وهو الوقود المستخدم عادة. يعمل المحرك كابحًا، في اتجاه
معاكس للحركة، فيخفف السرعة بدل زيادتها. — ممتاز، وبعد دخول المدار، لماذا أطفؤوا الأجهزة؟ — قالوا إن ذلك زيادة في الاحتياط. أولًا، عند الاقتراب من المشتري اتخذت المركبة اتجاهًا لا يواجه الشمس،
لضبط اتجاه الدخول. وعندما لا تواجه الألواح الشمسية الشمس، لا تصلها طاقة جديدة. وفي تلك المرحلة كانت الأجهزة، لو عملت، ستستهلك الطاقة دون حاجة؛ لأننا لم نضبط بعد
المسار والمدار، ولم نبدأ تسجيل البيانات. أمامنا 20 شهرًا لتشغيل الأجهزة والاستفادة منها، فلا داعي إلى استهلاكها جزءًا من الطاقة الآن. وثانيًا، نحن ندخل مجالًا مغناطيسيًا قويًا جدًا، ولا نعرف بعد كيف سيكون
سلوك الأجهزة والمركبة قربه. إنها المرة الأولى، ومن الأفضل أخذ الاحتياطات. بعد الاستقرار في المسار والمدار نبدأ تشغيل الأجهزة تدريجيًا. وقد أُعيد تشغيلها الآن تقريبًا كلها، واحدًا تلو الآخر خلال عدة أيام، بحذر،
ثم تبدأ العملية الاستكشافية العلمية. — دخل جونو مدار المشتري؛ كيف سيدور حوله؟ شاهدت لقطات يظهر فيها الدوران من أسفل إلى أعلى، لا حول خط الاستواء مثلًا،
أي باتجاه يختلف عن دوران المشتري نفسه. هل هذا صحيح؟ — نعم، بل إنه من أهداف جونو. والاسم يحمل طرفة: جونو في الأسطورة الرومانية زوجة جوبيتر، وكانت تستطيع كشف
ما بداخله، كما تعرف الزوجة ما يفكر فيه زوجها وما يخطط له. ومن الناحية العلمية، يُشرح الاسم بعبارة «مركبة المشتري المدارية شبه القطبية». فهي مركبة تتخذ مدارًا، وليست مثل بعثات المريخ التي تضم مركبة مدارية تبقى حول الكوكب، وأخرى تهبط،
ثم قد تتحرك على سطحه. لا يمكننا الهبوط على المشتري بهذه الطريقة، ولذلك هي مركبة مدارية. والأهم أنها شبه قطبية: تمر فوق القطب الشمالي، ثم تحت القطب الجنوبي، وتبتعد في مدارها الإهليلجي الطويل، وبعد
أسبوعين تعود لتكرر المرور من الشمال إلى الجنوب. لماذا؟ لأن من أهدافها دراسة الشفق القطبي الجميل والمدهش. يحدث هذا الشفق نتيجة تفاعل بين أقمار المشتري، خصوصًا آيو، أقربها.
آيو قمر صغير ومذهل بنشاطه البركاني وألوانه الصفراء والبنفسجية والبرتقالية. من يرى صورته قد يندهش: أهذا قمر؟ إنها ألوان غير مألوفة لقمر، من الأصفر والأخضر إلى البنفسجي.
لديه نشاط بركاني شديد، ويتأثر بجاذبية المشتري ومجاله المغناطيسي، ويقذف غازات كثيرة. يتأين بعض هذه الغازات، ثم يوجهها المجال المغناطيسي لتسقط على قطبي المشتري. فكأن الكوكب
يجذب جسيمات مشحونة تسقط على رأسه، فتثير الشفق القطبي بألوانه الزرقاء والبنفسجية وأشكاله المختلفة. يشبه الشفق الذي نراه على الأرض، وهو غالبًا أخضر مع شيء من الأزرق، وأحيانًا أحمر.
لكن الشفق عندنا تسببه جسيمات الرياح الشمسية المشحونة الآتية من الشمس، أما عند المشتري فتأتيه من أقماره، خصوصًا آيو. — أثناء اقتراب المركبة من المشتري سُجلت أصوات معينة. لنستمع إليها، ونريد منك شرح طبيعتها.
مرت هذه الأصوات بمرحلتين. الأولى عند عبور جونو ما يُسمى «الصدمة القوسية»، وهي المنطقة التي تلتقي فيها الرياح الشمسية المنتشرة عبر المجموعة الشمسية مع المجال المحيط بالمشتري. وكما ذكرت، تصل الرياح الشمسية إلى المناطق القطبية للأرض،
فتحدث الشفق الذي نعرفه بألوانه الخضراء وغيرها. وتواصل هذه الرياح انتشارها في المجموعة الشمسية. وعندما تقترب من المشتري، يؤدي مجاله المغناطيسي القوي إلى كبحها وتخفيف سرعتها وضغطها. المنطقة التي تبدأ فيها سرعتها بالانخفاض،
وتنضغط فيها، تُسمى الصدمة القوسية. يشبه ذلك الأمواج المتراكمة أمام قارب يتحرك في الماء وخلفه. عندما عبرت جونو هذه المنطقة، سجلت أمواج البلازما. — لكنها ليست أصواتًا نسمعها في الفضاء مباشرة؛ بل جرى
إدخال الترددات التي التقطتها المركبة في مجال سمع الأذن، أليس كذلك؟ — الأمران صحيحان معًا. لنفهم معنى الصوت: إنه اهتزاز في وسط معين. عندما يتحدث شخصان واقفان معًا، بعيدًا عن حديثنا الحالي عبر الكمبيوتر،
تهتز طبقة الهواء بينهما، ويصل الاهتزاز إلى طبلة الأذن، ثم يحوله الدماغ إلى إشارات صوتية. الصوت اهتزاز بتردد معين. وتسمع الأذن تقريبًا الترددات من 10 أو 20 هرتز،
إلى نحو 20 ألف هرتز. هذا هو المجال المسموع، وهناك ما فوق المسموع وما تحته، كما أن هناك ضوءًا مرئيًا وأشعة فوق بنفسجية وتحت حمراء. ولا يشترط أن يكون الوسط الذي ينتقل فيه الصوت هو الهواء؛ فقد يكون الماء،
أو حتى جسمًا صلبًا. لذلك ينتشر الصوت عبر الجدران إلى الجهة الأخرى. وإذا وضعت جهازًا داخل الجدار فقد تسمع الصوت الذي أرسله فيه. ويمكن للاهتزازات أن تنتشر في البلازما أيضًا. ما البلازما؟ إنها جسيمات مشحونة. إذا أخذنا غازًا
وفصلنا إلكتروناته عن أنوية ذراته، كأن نأخذ الأكسجين ونفصل إلكتروناته عن الأنوية ثم نتركها تتحرك معًا، تصبح لدينا بلازما: ذرات أو جزيئات فُصلت شحناتها، أو جرى تأيينها. ويمكن لهذا الوسط أن ينقل الصوت. فلو أزلنا الهواء المحيط،
وجعلنا المكان مليئًا بالبلازما، ثم تكلم شخص، لوصل الصوت عبرها. وهذا ما سجلته جونو: اهتزازات واضطرابات داخل المجال المغناطيسي والجسيمات المشحونة القادمة أساسًا من الشمس، أي الرياح الشمسية.
عندما تقع ترددات هذه الاهتزازات في المجال المسموع، تتحول إلى أصوات يمكن تسجيلها. — وصل جونو إلى المشتري وبدأ الدوران؛ ما أهداف المهمة؟ — دخل الآن مدارًا أوليًا،
تستغرق دورته نحو 53 أو 54 يومًا: 27 يومًا للوصول إلى أبعد نقطة عن المشتري، ثم 27 يومًا للعودة إلى أقرب نقطة. ويكون على ارتفاع نحو 5000 كيلومتر فوق سطح السحب والغازات. — هل المدار دائري تمامًا؟ — لا، إنه إهليلجي طويل،
أي بيضوي. نحن الآن في بداية يوليو، وسيصل المسبار إلى أبعد نقطة قرب نهاية الشهر، ثم يبدأ العودة نحو المشتري في 2 أو 3 أغسطس. وفي 27 أغسطس سيكون مروره الثاني عند أقرب نقطة خلف المشتري.
عندها تبدأ الأجهزة بتسجيل البيانات، ونتوقع وصول معلومات وصور وغيرها مع بداية سبتمبر تقريبًا. ثم ينطلق مجددًا، ويصل إلى أبعد نقطة بعد نحو 27 يومًا، ويعود في منتصف أكتوبر. حينها يغير فريق المهمة المدار، بحيث لا تعود الدورة الطويلة
تحتاج إلى شهرين، بل إلى أسبوعين فقط. — هل يعني ذلك أن المدار سيصبح أقرب إلى الدائرة بدل الشكل البيضوي؟
سيبقى بيضويًا، لكنه أصغر حجمًا. — هل سيُصوَّر المشتري من جميع الجوانب؟ — بالتأكيد، لكن ليس في كل دورة. في كل مرة يمر المسبار فوق المشتري وبجانبه وتحته ثم يبتعد. وفي المرة التالية يكون
المشتري قد دار حول نفسه، فنصور جهات مختلفة. سيكمل المسبار 37 دورة، وبمجموعها يصور الكوكب من أعلى وأسفل والجوانب والمناطق الاستوائية. والأمر لا يقتصر على التصوير؛ فجونو يحمل 9 أجهزة مختلفة تسجل بيانات كثيرة، وتقيس
الموجات الراديوية والميكروويف، والمجال المغناطيسي، والجاذبية، والجسيمات المشحونة عالية الطاقة، والأشعة فوق البنفسجية، وأشياء أخرى. في كل واحدة من الدورات الـ37 تُسجل البيانات وتُحلل، وفي النهاية،
عندما نجمع التسجيلات من جميع مناطق المشتري، تكون لدينا بيانات تحتاج إلى سنوات للاستفادة منها. — لدينا الآن أجهزة على الأرض تعطينا معلومات عن أجواء المشتري ومكوناته؛ فكيف
ستضيف جونو معلومات غير متاحة حاليًا؟ — أهم ما ينبغي توضيحه أنها ستمنحنا القدرة على سبر أغوار المشتري، ورصد ما تحت السحب على أعماق مئات، وربما آلاف، الكيلومترات. — كيف؟ — أحد أجهزتها
يُسمى مقياس إشعاع الميكروويف. كما نقيس الأشعة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية أو السينية، يوجد نطاق كهرومغناطيسي يُسمى الميكروويف، بين تحت الحمراء والراديو. وتحمل جونو جهازًا لقياس
هذه الموجات. ما فائدتها؟ تتنوع أطوالها من السنتيمترات إلى المليمترات وغيرها، ويشير كل طول موجي مسجل إلى عمق معين جاء منه. مثلًا، الأطوال الموجية الأطول تأتي من منطقة أقرب إلى السطح،
والأطوال الأطول تأتي من الأعماق، لأنها تستطيع الاختراق والوصول إلى المركبة. بتسجيل أطوال موجية مختلفة وبمقادير مختلفة، نستطيع معرفة ما يوجد على أعماق 10 أو 50 أو 100 أو 500 كيلومتر.
— إذن، لن نرسل شيئًا إلى داخل المشتري ليقيس ذلك، بل نستقبل موجات مختلفة تعطينا معلومات عن طبقاته؟ — بالضبط. — فكرة جميلة، لم تخطر ببالي. — وهذه قدرة غير متاحة لنا من الأرض. وهناك شيء آخر يصعب، بل يستحيل، قياسه من هنا:
الجسيمات المشحونة التي تُحدث الشفق القطبي الجميل عند قطبي المشتري.
ذكرنا أن الشفق يظهر بألوان زرقاء وبنفسجية وأشكال مختلفة، وأن الجسيمات تأتي من آيو وأقمار المشتري. هذه الجسيمات لا تصل إلى الأرض، فلا يمكننا قياسها هنا. لمعرفة سبب حدوث الشفق بهذه الصورة وطبيعة التفاعلات، يجب قياس الجسيمات وكيفية تفاعلها مع المجال المغناطيسي في الموقع نفسه وعن قرب.
شاهدت مقطعًا يتحدث عن أهمية استكشاف المشتري لفهم نشأة المجموعة الشمسية. نعرف عنها الكثير، ونريد معرفة المزيد عن بداياتها. لكن إذا ابتعدنا عنها، فهل تساعد معرفة المشتري على فهم الكواكب خارج المجموعة الشمسية؟
ربما نعم وربما لا؛ لا نعرف بعد. فالمشتري نفسه يحمل ألغازًا. من الأسئلة المتعلقة بتشكله ونشأة المجموعة الشمسية، وربما نشأة الكواكب الكبيرة الأخرى كزحل ونبتون وأورانوس، سؤال كمية العناصر الثقيلة فيه.
تختلف هذه الكمية إلى حد ما عن الموجودة في الشمس. قلنا إن المشتري يشبه الشمس في كونه غازيًا وفي بعض خصائص دورانه، لكنه يختلف عنها في جوانب معينة. نريد أن نفهم لماذا يحمل عناصر ثقيلة
أكثر من غيره، ومن أين أتت. هل كانت بهذه الكميات في السديم الذي تشكلت منه المجموعة الشمسية؟ وإذا كانت موجودة، فلماذا لا نجد النسب نفسها في الشمس، التي تحمل أكثر من 99% من مادة ذلك السديم؟ يجب أيضًا معرفة وضع زحل ونبتون وأورانوس. إذا وجدناها شبيهة
بالمشتري، فقد نستنتج أن شيئًا حدث أثناء تكوّن المجموعة الشمسية، على الأقل في مناطقها الخارجية. أما إذا وجدنا المشتري فريدًا ومختلفًا، حتى عن زحل، فقد يكون قد تعرض لحدث خاص أثناء تكوّنه. عندها تصبح المسألة محلية،
ولا تشمل المجموعة الشمسية كلها. نفترض أن بعض الخصائص مشتركة بين المشتري والكواكب الكبيرة الأخرى، لكن لا نستطيع الجزم أو التعميم قبل دراستها. — في ختام اللقاء أريد أن أسألك سؤالًا يتكرر، مع أنني أشعر بأنه ربما لا ينبغي طرحه:
لماذا تنفق ناسا المليارات على الفضاء والفلك، بدل إنفاقها على الفقراء وتوفير حياة أفضل لهم؟ — هذا سؤال يتردد كثيرًا، وأبشرك أنني أضيق به قليلًا أيضًا، لأنني أجبت عنه مرات وكتبت فيه.
بعد شرح أهمية العلم عمومًا وعلوم الفضاء والتطور الذي تحدثه، يُفترض ألا نحتاج إلى تكرار ذلك. انظر إلى الأمم المتقدمة: الهند وصلت إلى المريخ، والصين إلى القمر والمريخ، وكل الدول تريد نصيبًا في الفضاء، فضلًا عن تطبيقات الأقمار الصناعية والتجسس وما يُسمى حروب النجوم. ومع ذلك يتكرر السؤال.
عندما تحدثت عن جونو على تويتر، أو قدمت حلقة عنه في «تأمل معي»، جاءتني الأسئلة فورًا: لماذا، يا دكتور؟ حتى إنني تعمدت في الحلقة ألا أذكر أن تكلفة الرحلة بلغت
1.1 مليار دولار. قلت: لو ذكرت أنها كلفت مليارًا و100 مليون دولار، لانفجر الناس اعتراضًا. لكنها في رأيي تستحق ذلك وأكثر. أقول دائمًا للناس: قارنوا
هذه الميزانيات بغيرها. اجمعوا ميزانيات الفضاء في العالم كله، ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية والصين وروسيا والهند وغيرها، فتصل إلى 40 أو 50 مليار دولار. أما ميزانية الأسلحة والجيوش في العالم فتقارب الآن 2000 مليار دولار.
نحن لا نتحدث عن 40 أو 50 أو مليار واحد، بل عن 2000 مليار دولار لا نجني منها إلا الدمار، ثم يُحاسب العلم على مليار أو 10 مليارات تساعد الإنسانية على بلوغ مستويات أعلى! قارن حال الإنسانية قبل عصر الفضاء وبعده؛ لا مجال للمقارنة.
تخيل كيف كنا قبل 60 أو 70 سنة فقط، وكيف نعيش الآن، مع مئات بل آلاف الأقمار الصناعية والرحلات، وما وصلنا إليه واستكشفناه وعرفناه، فضلًا عن التطبيقات التي جنيناها من تطوير التقنيات الفضائية وغيرها. الناس يستخدمون هذه التطبيقات كل يوم.
نعم، إنها في حياتنا اليومية، ويمكن سرد أمثلة كثيرة. لكن حتى دون أمثلة، أقول: تخيل أننا في 2016، ولا يوجد شيء اسمه الفضاء، وأننا خصصنا علمنا وتقنياتنا كلها لما على الأرض. ثم تخيل صورتين أو فيلمين: أحدهما عالم دون تقنيات الفضاء،
والآخر عالم يمتلكها. بغض النظر عن التكلفة، حتى لو بلغت 1000 مليار دولار خلال الـ50 سنة الماضية، أو حتى 10 آلاف مليار، أي حياة وأي عالم تختار؟ لا أتصور أن أحدًا سيقول: أريد البقاء على الأرض دون معرفة ما فوقنا، مع أن الأرض تكاد لا تكون ذرة في هذا الكون الفسيح.
وأريد أن أذكر أنني أجريت استطلاعًا على تويتر: من يرى أن إنفاق مليار دولار على جونو جيد ومفيد، يصوت بنعم، ومن يراه تبذيرًا، يصوت بلا. فوجئت بأن 80% قالوا إنه جيد ومفيد.
فقط 20% قالوا إنه تبذير، مقابل 80% أيدوه. الاستطلاع موجود على صفحتي، ويمكن الرجوع إلى منشورات الأيام الماضية. الأرقام أمامي: شارك 1761 شخصًا في التصويت،
وقال 80% منهم بالضبط إنه مفيد وجيد. الحمد لله، يبدو أننا تقدمنا قليلًا. المشكلة أن الناس ينظرون إلى تقدم الدول علميًا ويشتكون من أوضاعنا المتردية، ثم عندما ندعو إلى الإنفاق على العلم يقولون: أنفقوا على الفقراء بدلًا منه. إذا كنت تشتكي،
فعليك أن تنفق لمعالجة السبب، وإلا فلا تشتكِ، لأننا لا ننفق على العلم والفضاء. — وهناك جانب آخر مهم جدًا: الثقة بالنفس والشعور بالعزة. لا يمكنك اكتساب هذه المشاعر وأنت تقضي حياتك في الاستهلاك، دون أن تقدم علمًا
إلى العالم. انطلق جونو في 2011، ووصل في 4 يوليو 2016، يوم احتفال أمريكا باستقلالها عن بريطانيا. تخيل أمة استطاعت الوصول إلى المشتري بهذه الدقة،
في هذه الساعة وهذه اللحظة، وفي يوم عيد استقلالها. ذلك يمنحها اعتزازًا عظيمًا. — وتأكيدًا لكلامك، عندما أُعلن عن المسبار الإماراتي، حتى قبل تسميته «مسبار الأمل» وقبل تحديد موعد وصوله،
سُئل المسؤولون: لماذا نريده؟ فأجابوا: نريد أن نكون في مصاف الأمم المتقدمة. هذا هو الهدف؛ أن يكون لدينا جيل يهتم بالعلم والفضاء والرحلات، ويريد الوصول إلى أبعد ما يمكن. والأمر الثاني
أن موعد وصول مسبار الأمل، الذي تخطط له الإمارات الآن، سيكون بمناسبة الذكرى الـ50 لتأسيس الدولة. وأنا سعيد بوجودي ضمن الفريق الموسع للمشروع.
إنها الفكرة نفسها: الاعتزاز والثقة بأننا حققنا شيئًا في يوم احتفالنا، سواء كان 4 يوليو أو الذكرى الـ50. لا يمكن أن نبقى منشغلين بالأرض وحدها؛ يجب أن نتطلع إلى الأعلى. أقول دائمًا: كيف تقيس تقدم أمة؟ لا أتحدث عن دولة أو
عن المقياس الاقتصادي المعتاد، بل عن تقدم مجتمع: انظر إلى مدى تطلعه إلى السماء. كلما أراد الإنسان المعرفة والوصول إلى ما فوقه، بدل انشغاله فقط بما سيأكل، وأين سيقضي عطلته، وكم جهاز آيباد سيشتري، كان ذلك فرقًا. هل ينظر حوله وإلى الأرض فقط،
أم إلى السماء؟ — كلام سليم. شكرًا لك، دكتور نضال، على هذا اللقاء الجميل والمعلومات الرائعة. — العفو، يسعدني ذلك، وأشكرك على جهودك وتواصلك وعطائك، ونرجو أن تكون الفائدة مشتركة.
كان معنا الدكتور نضال قسوم، أستاذ الفيزياء في الجامعة الأمريكية في الشارقة وباحث سابق في ناسا. ستجدون معلوماته على موقع سايوير بود دوت كوم، وسأضع روابط قناته على يوتيوب وحسابه على تويتر لتتابعوه وتتعلموا منه الفلك.
شكرًا لك، دكتور محمد، وبارك الله فيك، وأتمنى لك إقامة سعيدة في بريطانيا. نبقى على تواصل دائمًا. — بارك الله فيك.
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


