تفريغ صوتي مهيأ آليًا للقراءة؛ قد تحتاج بعض الكلمات إلى مراجعة. علامات الوقت تتيح الرجوع إلى التسجيل.
أنا محمد قاسم، وأهلاً وسهلاً بكم في سايوير بودكاست. منذ سنتين وعدة أشهر لم أمرض أبداً فيهما؛ لم تصبني كحة ولا زكام ولا حمى ولا نزلة معوية، لا مرض فيروسي ولا بكتيري، رغم أنني عطست وسعلت لدقائق في بعض الأيام، ولكن
لم يستمر أيٌّ منها ليصبح مرضاً كاملاً يبقى معي لعدة أيام أو أسابيع. السبب يعود إلى أنني أتناول دواءً معيناً على مدى السنتين الماضيتين. الهدف من تناول هذا الدواء هو علاج حبوب ظهرت لي في الوجه، وقد عالج هذا الدواء الحبوب، ومعها ذهبت جميع الأمراض المعتادة.
مع العلم أنني كنت أمرض في كل عام على الأقل مرتين، وفي كل عام أيضاً تصيبني كحة ومرض صدري يذهب بصوتي نهائياً إلى درجة أنني لا أستطيع أن أشرح محاضرة في الكلية أو أتحدث مع أحد بوضوح. أنصحكم بالبقاء معي إلى نهاية الحلقة حتى أطلعكم على الطريقة التي تجعلكم لا تصابون بالمرض كما لم أصب به أنا شخصياً.
على مدى السنتين السابقتين، ذكرتُ في حلقات سابقة أن العلم لا يعتمد على السرد القصصي في إثبات صحة الشيء، بل لا بد من القيام بتجربة علمية دقيقة تثبت أو تدحض هذا الادعاء. الغالبية العظمى من المؤمنين بالعلاج بالطاقة يعتقدون بصحتها اعتماداً على سرد مجموعة من القصص والتجارب الشخصية لتأكيد صحتها.
أتتني طالبة في الكلية قبل محاضرتي بقليل، وقالت لي إنها ستوقف الدراسة وستخرج من الكلية. ولما سألتها عن السبب، قالت لي إنها ستسعى وراء حلمها في علاج الناس بالطاقة. طبعاً أنا صُدمت، ولكن للأسف لم تسنح لي الفرصة أن أجلس معها وأشرح لها وأدحض لها علم الطاقة في ذلك الوقت.
ولكن على عجل، ذكرتُ لها أن علم الطاقة ليس علماً حقيقياً، وأنه لا توجد هذه الطاقة التي تعتقد بوجودها. فردت عليّ بأنها جربتها وقد عالجت بعض الناس بطاقتها، فكيف أكذب تجربتها الشخصية؟ كلما قابلتُ وتحدثتُ مع شخص معجب بعلم الطاقة، كل ما لديه هو قصة: قصة شخصية، قصة منقولة من شخص آخر، قصة مبالغ فيها؛ كلها قصص.
لا أدري ما مصير طالبتي الآن بعد أن اتخذت القرار؛ هل لاحقت السراب أم أنها أكملت الدراسة؟ لننظر في اعتقادها الذي يعتمد على التجربة الشخصية. قبل ذلك، بيّنتُ في الحلقة السابقة أن مدّعي الطاقة لا يستطيعون استشعار طاقة في أيديهم، وذلك من خلال دراسة علمية قامت بها أميلي روزا مع أمها وأبيها الحاصلين على شهادة الدكتوراه.
ونُشر هذا البحث في مجلة مرموقة. هذه التجربة البسيطة تُبيّن أن مختص علم الطاقة يعتقد أن هناك طاقة تمر على يده، ولكن في الحقيقة لا وجود لهذه الطاقة إلا في مخيلته. قد تريد أن تقتنع أكثر بأنه لا وجود لهذه الطاقة، وإن أردت ذلك فتستطيع أن تشاهد تجربة أقامتها مؤسسة جيمس راندي، وهي موجودة على يوتيوب. وفي هذه التجربة يدّعي شخص أنه
يُزعم أنه يستطيع أن يبثّ طاقته للآخرين، كما يدّعي مختصو الطاقة أو المعالجون باللمس. ويدّعي أيضاً أنه أجرى عدة تجارب علمية (بين قوسين: علمية)، وأثبتت له هذه التجارب العلمية (بين قوسين: علمية) أنه يستطيع أن ينقل طاقته إلى الآخرين من خلال يده.
كما في حالة إيميلي روزا، ولكن هذه المرة تنتقل الطاقة من المختص إلى الشخص الآخر وليس العكس. وكان متأكداً تماماً أن طاقته كبيرة بما يكفي لكي ينجح في التجربة التي ستجريها المؤسسة عليه. فأجروا عليه التجربة، وهي تجربة شبيهة بتجربة إيميلي، وقد وضعتُ فيديو في الصفحة cyberpod.com
يوضح هذه التجربة، وهي موجودة بالكامل. أجروها أمام جمهور، وتستطيع أن تراها وترى دقتها. في بداية الفيديو، تقوم مجموعة جيمس راندي بسؤال مختص الطاقة إذا كان يقرّ بالاتفاق، وكان الاتفاق بأنه يقوم بالتجربة حسب القواعد المتفق عليها، وإذا أخطأ مرتين من تسع مرات سيعتبر قد فشل.
مختلفة، حتى لا يهرب متدّعي علم الطاقة بعد إجراء هذه التجربة ولا يبقى يغيّر في القواعد. فاتفقوا ووقّعوا الاتفاق، ومن ضمن هذه الاتفاقية أنه إذا أخطأ مختص علم الطاقة مرتين من تسع مرات، أو تسع محاولات، سيعتبر قد فشل. لماذا مرتين من تسع مرات؟ طبعاً هذا الموضوع لأنه معقد وثقيل الدم.
سأترك الإجابة عن هذا السؤال إلى نهاية الحلقة، بعد أن أنتهي من طرح الموضوع بالكامل، لأن هذا الموضوع يتعلق بالحسابات العشوائية، وهو موضوع معقد نوعاً ما، وقد يشتت انتباهك عن الموضوع الأصلي. بعد الاتفاق، تبدأ المؤسسة بتوضيح للناس الموجودين كيف سيجري الاختبار، ثم يُجرى الاختبار الواقعي.
وتعالَ الآن معي حتى نتخيل الطريقة: يأتي شخص خارجي ويجلس على كرسي، وتُربط عيناه، ويمدّ يده خلال حاجز، مثل تجربة إيميلي إذا تذكرونها، حاجز بين إيميلي والشخص الذي يدّعي أنه يستطيع أن يستشعر الطاقة. هذه المرة الشخص الخارجي هذا
يأتي ويضع يده بداخل فتحتين في الحاجز، بحيث أن مختص الطاقة يمرر يده على يدها، وتستشعر الطاقة على الجانب الآخر من الحاجز. إذن، الجانب الأول عندك المرأة الخارجية التي تمدّ يدها حتى تستشعر الطاقة، وعلى الجانب الآخر من الحاجز هناك شخصان: الأول هو المختص، والثاني هو شخص غير مختص بالطاقة، يقفان
بعيداً عن الشخص المعصوب العينين. يُنتقى أحدهما عشوائياً، لنقل مثلاً برمي عملة؛ هم استخدموا طريقة ثانية لكن بنفس المبدأ. ويذهب الشخص الذي اختير إلى الحاجز ويمرر يده على يد المعصوب العينين، ثم يأتي الشخص الذي لم يتم اختياره بعد ذلك ويمرر يده على المعصوب العينين كذلك. بعد أن تنتهي التجربة
أو مثلاً، لنفترض في هذا المثال أن المرأة التي وضعت يديها خلف الحاجز تُسأل عمّا إذا كانت قد شعرت بطاقة من الشخص الأول أو من الشخص الثاني. وإذا قالت، وطبعاً تُسجَّل هذه المعلومات على السبورة، إنها أحست بطاقة من الشخص غير المختص ولم تشعر بطاقة من المختص، فإن التجربة تكون قد فشلت، والعكس بالعكس.
إذن، هذه هي فكرة التجربة. وبعد أن بدأت التجربة، وبمجرد أن أُجريت تجربتان أوليتان، تبيّن أن الشخص الذي كان من المفترض أن يشعر بطاقة المختص لم يشعر بها، وفشل المختص في الدعاء وأحرج نفسه. ولكن عندما سُئل عن سبب عدم قدرته على نقل طاقته، لم يعرف السبب.
وكعادة أي شخص يثق بقدراته، فإنه وإن قبل بنتائج التجربة كما جاء في الاتفاق، إلا أنه لم يزل يصدق أنه يستطيع أن ينقل طاقته. وهذا ما أتوقعه من أي شخص يؤمن بعلم الطاقة، خصوصاً أنه استثمر وقتاً طويلاً في تصديقه؛ سيصعب عليه جداً التخلي عن فكرة خاطئة حتى وإن أثبتت التجربة خلاف ذلك.
كنت سأطلب من مدّعي علم الطاقة التوجه إلى مؤسسة جيمس راندي وقبول التحدي، ولكن توقفت المؤسسة عن طرح التحدي بعد أن أجرته على أكثر من ألف شخص. طبعاً، التحدي عام وليس مخصصاً لعلم الطاقة فقط.
كانوا يتحدون أي شخص بإثبات قدرته، حتى إنهم تحدّوا ساحراً مغربياً يدّعي أنه يستطيع أن يعرف ما هو موجود في غرفة مغلقة وهو خارجها. طبعاً، فشل هو أيضاً في الدعاء، والفيديو هذا موجود أيضاً من ضمن فيديوهاتهم، تستطيع أن تشاهده. فشل جميع من ادّعى الخوارق، وبعد أن أجرت المؤسسة التجارب من 1964 قبل حتى أن تصبح مؤسسة.
وحتى 2015 تحت إشراف المؤسسة. طبعاً، بدأ التحدي بألف دولار ووصل إلى مليون دولار. توقفت عن إجراء هذه التجارب لأن ما فيها من فائدة، فحوّلت المبالغ المالية إلى منح سنوية قدرها 100 ألف دولار للجهات غير الربحية التي تعنى بتشجيع التفكير النقدي.
طبعاً، وللأسف، توقف التحدي بعد سنوات طويلة، وأفشل جميع المدّعين بوجود خوارق. وفي المقابل، وإلى الآن تستمر الأوهام؛ يبدو أن إيهام الناس بالخرافات أمر سهل، والأمر الصعب هو إقناعهم بالعدول عنها. هذه التجربة، وإن كانت على شخص واحد، إلا أنها تبيّن أن مدّعي التأثير بالطاقة
لا يستطيع أن ينقل طاقته إلى شخص آخر. وذكرت في الحلقة السابقة أنه لا توجد دراسات مكررة غير مدحوظة أو مدحوظة تبيّن صحة العلاج باللمس أو الطاقة بشكل عام. بقيت هناك زاوية واحدة يلجأ إليها مؤسّرو علم الطاقة بعد فشلهم في دعواتهم الخارقة، وهي زاوية البلاسيبو.
أتذكر أن شخصاً سألني عن علم الطاقة، فبيّنت له أنه غير صحيح بالأدلة. فقال لي: ألا تعتقد أن له تأثيراً بلاسيبو، أو أنه مريح نفسياً على الأقل؟ فعندما يحشر المعالج بالطاقة في زاوية لا يتبقى له سوى هذه الزاوية. كلمة بلاسيبو تعني «سوف أسعدك»، وهي تُستخدم عادةً في مجال الطب والأدوية، وتأتي على عدة أشكال.
مجرد حبة لا تحتوي على المادة الفعالة طبياً، مثل أن تحتوي على السكر، أو أن تأتي على شكل جهاز سمع لا يعمل، أو مثلاً حقنة ليس فيها سائل المادة المعالجة، أو حتى عملية جراحية مزيفة. ما الهدف من هذا؟ في الغالب تُستخدم هذه الأشياء لاختبار قدرة الأدوية الحقيقية على العلاج.
فمثلاً، قد يقوم علماء بتجربة لمعرفة ما إذا كان دواء أنتجوه مؤخراً قادراً على علاج المرضى. فينتجون حبة فيها الدواء الفعال وأخرى ليس فيها الدواء الفعال، وتكون الحبتان متشابهتين في الشكل. ويأتون بمرضى يعانون من المرض الذي يُرجى أن يعالجه الدواء الجديد، فيقسمون المرضى إلى ثلاثة أقسام.
باختيارهم عشوائياً في كل قسم. فتُعطى المجموعة الأولى الدواء، والثانية حبة البلاسيبو، ولا تُقدم أي أدوية للمجموعة الثالثة. لاحظ أن المجموعة الثالثة هي المجموعة الضابطة (الكنترول)، وهي مهمة جداً. وبالطبع فإن المرضى لا يعلمون أي الأدوية تعاطوا، لأن الأطباء لا يريدون التأثير عليهم نفسياً حتى لا تكون هناك نتائج تؤثر.
على صحة التجربة. بل إن حتى الطبيب الذي يقدم الدواء لا يعلم إن كان يقدم دواءً أو بلاسيبو. وهذه التجربة يُطلق عليها اسم Double Blind Experiment. المريض لا يعرف الدواء، لا يعرف ما الذي يتعاطاه، والطبيب كذلك لا يدري ما الذي يقدمه للمريض حتى لا يؤثر عليه. لماذا تُقام التجربة بهذه الدقة؟
هانز الذكي هو حصان تعلم الجمع والطرح والضرب والقسمة، واستطاع أن يجيب على الأسئلة سواء شفاهة أو كتابة. وكان يرعاه مدربه، مدرس الرياضيات ومدرب الخيول فيلهم فان أوستن الألماني. هذا كان في بداية القرن العشرين. استعرض أمام الناس وسأل أسئلة حسابية، كأن يسأل مثلاً
عن حاصل جمع 2 زائد 3، فيجيب الحصان بضرب الأرض بحافر قدمه خمس مرات. أدهش الجمهور بقدرته على الإجابة، واعتقد الناس أن هانز كان ذكياً فعلاً. قرر عالم النفس أوسكار فانغست أن يتحقق من الموضوع بشكل علمي، فدرس الحصان بعدة طرق. أولاً، أزال التأثيرات المختلفة من حوله
فحتى لا يتأثر الحصان بالجمهور، أبعدهم من المكان نهائياً. ثانياً، جرب أن يقدم شخص آخر الأسئلة بدلاً من فيلهم. بعد أن أبعد الناس وأزال تأثيرهم، ونحّى فيلهم جانباً، وقدم شخص آخر لسؤال الحصان، وجد أن الحصان لم يزل قادراً على الإجابة عليها. هذا يدل على أن فيلهم
لم يكن هناك خداع. فكّر في هذه المعضلة: كيف استطاع الحصان أن يقوم بعمليات حسابية؟ هل كان الحصان قادراً فعلاً على الحساب، أم أن هناك شيئاً فات أوسكار فانغست؟ بعد إزالة جميع المؤثرات من الحصان، ما الذي تبقّى؟ عندما غطّى أوسكار عيني الحصان وقدم له أسئلة لم يكن يعرف إجاباتها، فيلهلم
صاحب الحصان مسبقاً، لم يستطع هانز الإجابة عليها. عجيب! ما السبب في ذلك؟ اكتشف أوسكار أن هناك إشارات بين فيلهلم والحصان هانز، إشارات حتى فيلهلم لم يكن يعلم بها. لقد كان هانز يضرب على الأرض بحافره، فإذا ما تنفّس فيلهلم أو تحرك قلقاً من أن يتعدى هانز الطربة الأخيرة
استشعرها فتوقف. تخيّل أنه يطلب من هانز جمع 2 زاء 3، فيضرب الحصان بحافره على الأرض، فيعدّ فيلهلم في قلبه كم ضربة ضربها الحصان. ولما يصل هانز إلى الضربة الأخيرة، يضرب فيلهلم خوفاً من أن يتعدّاها، فيلاحظ ذلك الحصان ويتوقف عن العد. ما كان فيلهلم يعلم بذلك؟
ولا هانز ولا الجمهور. لم يكن هناك شخص مخادع في هذه التجربة أبداً، إنما يوجد أشخاص مخدوعون. ولهذا يقوم العلماء بتجارب دقيقة تمنع حتى الطبيب الذي يقدم الدواء من معرفة نوع الدواء الذي يقدمه للمرضى أثناء التجربة، لأن علم الطبيب بأن الذي يقدمه للمريض هو الدواء الفعلي وليس البلاسيبو فقط
سيعطي انطباعاً له بأنه يتعاطى الدواء الحقيقي، وكذلك يعطي الانطباع لمجموعة البلاسيبو أنهم يتعاطون البلاسيبو، وهذا سيغيّر من النتائج. وسنأتي إلى أي نتائج تتغير: هل يعالج الشخص مجرد تأثيراً نفسياً، أم أن هناك شيئاً آخر؟ وربما يصل العلماء إلى أن الدواء يعمل وهو لا يعمل، أو أن الدواء لا يعمل وهو يعمل، وهكذا تأثير البلاسيبو.
ما الذي يتغير إذا علم المرضى بأنهم يأخذون دواءً حقيقياً أو بلاسيبو؟ قد تسأل هذا السؤال وتقول لنفسك: إن كان الدواء فعلاً يعالج فلا خوف، لأنه بالتأكيد سيعالج المرض في المجموعة الأولى، وبالتأكيد أن المريض سيخبر الطبيب عن أثر الدواء إن عولج من المرض. وإذا لم يعالج، فبالتأكيد سيخبر الطبيب أنه لم يشفى حتى يقوم الطبيب بعلاجه الحقيقي بدل من البلاسيبو.
ما هو تأثير المعرفة على المرضى؟ هل المعرفة بالعلاج الحقيقي أو الوهمي يغيّر من نتيجة العلاج؟ هنا تكمن مشكلة العلاج بالبلاسيبو. قد نستطيع أن نفرق بين شفاء المريض إذا ما التأم جرح في يده، يعني لو كانت يده مثلاً فيها دم أو جرح والتأم هذا الجرح، الطبيب سيعرف أنه عولج
أو إذا شُفي من سرطان بعد استئصاله، أو إذا تحسّن مستوى السكر. لماذا؟ لأن هذه الأمراض كلها يمكن قياسها بالأجهزة. لكن كثير من الأمراض لا يعرف مدى تأثر المريض منها إلا من خلال إفادة المريض فقط، يعني إذا قال لنا المريض أنه يتحسن، تحسّن، أو لم يتحسن.
فإذا أخذنا مجموعة من مرضى السرطان، وقدمنا لبعضهم العلاج الحقيقي، وللبعض الآخر دواءً وهمياً (بلاسيبو)، ولم نعطِ البقية شيئاً، وعولجت المجموعة الأولى ولم تُعالَج الثانية أو الثالثة، سنعرف من خلال فحص حالة السرطان ما إذا كان السرطان قد اختفى أم لا. وكذلك بالنسبة للسكري، نستطيع أن نفحص مستوى السكر بعد تقديم العلاج لهم، فنقدر أن نفرق بين الناس الذين تأثروا بالدواء، وبين أولئك الذين لم يتأثروا به.
أما إذا أخذنا مجموعة من المرضى يعانون من صداع مزمن، وأعطينا ثلثهم العقار الجديد، وثلثهم دواءً وهمياً (بلاسيبو)، والثلث الأخير لا شيء، فمن المحتمل أن نسبة كبيرة من المرضى في المجموعات الثلاث يشفون بمرور الوقت بشكل طبيعي، فالكثير من الأمراض يعالجها الجسم بنفسه. ومن الممكن أيضاً أن لا يشفى مجموعة الضبط (الكنترول)، بينما تشفى مجموعة البلاسيبو التي تعاطت الدواء الحقيقي. كيف ذلك؟
يشفى مرضى البلاسيبو من الصداع وهم لم يتعاطوا دواءً حقيقياً، أليس من المفترض أنهم لا يشفون مثل مجموعة الضبط لأن كلاهما لم يتعاطا الدواء الحقيقي؟ هذا ما كان يجب أن يحدث، ولكن المشكلة أن الإنسان يتأثر بالخداع ويتأثر بالدواء الوهمي (البلاسيبو)، ولذلك قد يعتقد أفراد مجموعة البلاسيبو أنهم شفوا.
وأن الصداع قد زال، فيخبرون الطبيب بذلك، لأن الألم الذي يشعرون به قد ذهب. فالألم شيء داخلي غير موضوعي، وهم الوحيده القادرين على شرح آلامهم للطبيب، وليس للطبيب أي معرفة حقيقية بما إذا كانوا قد شفوا أم بقوا على مرضهم، وهنا تحدث الأخطاء.
وهذه هي المشكلة الأساسية في علاج الناس بالطاقة أو باللمس؛ فالناس لا تعرف كيف تصف ما بداخلها تماماً، ولا تعرف مستوى تبدل وتغير آلامها تماماً. فأحياناً تبالغ في وصف الآلام كثيراً، وأحياناً تقلل من شأنها. فقط استمعوا لقصة شخص مرض وتألم من مرضه.
وذهب من طبيب إلى آخر ولم يجد الحلول. كثيراً ما تجد مبالغات في وصف الحالة. عندما يعالج الطبيب المريض من آلامه بدواء وهمي، يسأله مثلاً: كيف تشعر الآن بالمقارنة مع السابق؟ كيف للمريض أن يعرف حقيقة آلامه وبماذا يقارن حالته؟ هل يقارن بما يتذكره ونحن نعلم أن الذاكرة ليست دقيقة؟ هل يتذكر بالضبط مستوى آلامه السابقة؟
لا، نسي أنها ليست واحدة على مر الوقت. هل يأخذ المتوسط الحسابي لها؟ هل يعلم حقيقة مستوى آلامه؟ بالطبع لا يعلمها بدقة، ولذلك لا يستطيع أن يقدم تقريراً عن مستوى آلامه بالمقارنة مع السابق بدقة. ولهذا لا يريد الباحث أن يخبر المريض بنوع الدواء الذي قدم له، حتى لا يقدم المريض تقريراً بشعوره بالشفاء.
وهو لم يشفى في الواقع. عالم سيكولوجيا شيفرد سيغل، المختص بالتوقع، يشرح تجربة أجريت على مجموعة من المصابين بالربو. قُسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم أعطيه دواءً اسمه البيوترول، وهذا الدواء فعال ويستطيع أن يغير من كمية التنفس، وهذا أمر يمكن قياسه مخبرياً. وقسم أعطيه دواءً وهمياً (بلاسيبو)، وقسم لم يُعطَ شيئاً.
ذكر المرضى الذين تناولوا الدواء الوهمي أنهم يشعرون بتحسن بنفس مستوى تحسن الذين تناولوا الدواء الحقيقي. بالطبع لا يُسألون عن المقارنة مع الآخرين، بل تُطرح عليهم هذه الأسئلة كلٌّ على حدة، ثم تُقارَن الإجابات. فوجدوا أن الذين تناولوا الدواء الوهمي شعروا بنفس مستوى تحسن الأشخاص الآخرين الذين تناولوا الدواء الحقيقي. عجيب، لو سألت شخصًا
غير مختص: هل عالج الدواء الوهمي المرضى في هذه الحالة؟ سيقول لك: نعم، لقد شعر الذين تناولوا الدواء والذين تناولوا الدواء الوهمي بتحسن. إذا رأيتم، ولكن عندما قاس العلماء كمية الهواء التي يتنفسها مجموعة الدواء الوهمي، اكتشفوا أنها أقل من الهواء الذي يتنفسه الذين تناولوا الدواء الحقيقي. كان تنفسهم
بنفس مستوى من لم يأخذ الدواء. إذن لم تعالج مجموعة الدواء الوهمي. تخيّل لو أن شخصًا مصابًا بالربو ذهب إلى معالج بالطاقة ثم شعر بتحسن بعد الجلسة، وفي الواقع التجريبي لم يتحسن ولم يلتزم بالدواء الحقيقي. لمجرد شعوره بالتحسن بعد لمسات معالج الطاقة، قد يحدث أن يدخل هذا الشخص في حالة مضطربة
ويفقد قدرته على التنفس وقد يموت. تذكروا قصة دابرة هارسن في الحلقة السابقة؛ رفضت التوجه إلى الطبيب لاعتقادها بعلاج الطاقة. أتذكرون ما صار لها؟ يؤثر الدواء الوهمي على المرضى بطرق تبدو سحرية وهي في الواقع نفسية. على سبيل المثال، حبة الدواء الوهمي الكبيرة تؤثر على المريض أكثر من الصغيرة، ولون الحبة يؤثر على المريض أكثر من لون حبة أخرى.
والإبرة تؤثر على المريض أكثر من الحبة، وهكذا. كلها أشياء وهمية تجعل المريض يعتقد أنه شفي، وفي الواقع لم يشفِ، وإنما شعر أنه شفي. مجرد شعور. طيب، ما المشكلة في ذلك؟ ما المشكلة في أن المريض يشعر بأنه شفي وهو لم يشفِ؟ المشكلة أنه قد يذهب المريض معتقدًا أنه شفي، ثم يعود له المرض وتعود له آلامه بعد فترة.
ما الذي يحدث عندما يذهب مريض إلى معالج بالطاقة ويخرج سليمًا؟ أولًا، لأنكم صادقين، لن يذهب إلى معالج بالطاقة شخص مقطوع اليدين أو شخص مجروح أو شخص مكسورة رجله. الذين يذهبون إليهم عادةً يكونون في ألم داخلي: صداع، ألم في الظهر. أحيانًا ممكن يذهبون إليهم ناس مثلاً عندهم ألم شديد. أقصى شيء ممكن يكون مثلاً السرطان،
لكن يكون سرطانًا مخفيًا بالداخل. المهم أن الشخص في العادة آلامه داخلية لا يمكن رؤية العلاج مباشرة. ستلاحظ أن المختص يقوم ببعض الطقوس عليه ثم يسأل المريض: كيف تشعر الآن؟ بالطبع المريض، بالإضافة إلى كونه لا يعلم بالضبط الألم الذي أتى به، خصوصًا إذا كان الألم متأرجحًا متغيرًا، سيخبر المختص بأنه يشعر بتحسن.
لا ننسى أن هناك جانبًا إنسانيًا في الموضوع؛ لا يود أحد أن يحرج المختص، خصوصًا إذا شعر نفسياً بنوع من التحسن. وأحيانًا الشخص ينام على فراش المساج ويرتاح شوية ويشعر براحة، فيخلط الألم بالراحة. ولو كانت هذه العلاجات تقام أمام العديد من الناس، فسيكون هناك ضغط على المريض بالقول إنه يشعر بتحسن. وإذا لم يقل إنه شعر بتحسن، فبالتأكيد سيخبره مختص الطاقة
أنه يحتاج إلى عدة جلسات أخرى حتى يُعالج تماماً. البلاسيبو له تأثير محدود، وغالباً ما يكون هذا التأثير مرتبطاً بالمخ وبالتالي بالنفس. فمثلاً، البلاسيبو يغيّر من مستوى الألم كما ذكرت، وهو أمر شخصي داخلي لدى الفرد، وكذلك مثلاً
يؤثر على الاكتئاب، أو اضطرابات النوم، أو متلازمة القولون العصبي، أو ضغط الدم، وغيرها من التأثيرات البسيطة. وفي الغالب، كل تأثيراته تكون في نطاق ضيق جداً، وإسهاماتها محدودة زمنياً. والعلماء يربطون تأثيرها بالتوقع؛ فتوقعك يجعلك تتأثر إيجاباً أو سلباً. وحتى في حالة النوسيبو، وهو أنك تتوقع أنك ستتأثر سلباً، يقول الدكتور
تيد كابتشك: «البلاسيبو ربما يجعلك تشعر بتحسن، ولكنه لن يعالجك». ويكمل: «لقد تبين أن تأثيره الأكبر في حالات إدارة الألم، والتوتر المرتبط بالقلق، والآثار الجانبية لعلاج السرطان مثل الإجهاد والغثيان». طبعا، بين قوسين، انتبه: ليس علاجاً للسرطان، هذا مختص في
البلاسيبو لا يدّعي أنه يعالج السرطان، بل يقول إنه يعالج أو يساهم في تخفيف الآثار الجانبية لعلاج السرطان، مثل الإجهاد والغثيان. وهذا البروفيسور من جامعة هارفارد، وهو مختص في البلاسيبو، وله أوراق علمية أحياناً تكون متطرفة ناحية البلاسيبو، ولكن بالرغم من ذلك لا يدّعي أن البلاسيبو يعالج. وأجمل ما قاله هو
«تأثير البلاسيبو هو طريقة للمخ ليخبر جسمك بما يحتاجه لكي يتحسن». البلاسيبو له تأثير على المخ وله تأثير على الجسد، ولكن محدود جداً، وهو ليس بديلاً للعلاج، إنما قد يساهم في تحسين شعورك بتخفيف الألم بحيث يجعله أكثر راحة. نأتي مرة أخرى إلى قصة طالبتي ونأخذ الجانب الآخر منها. دعت
أن لها تجربة شخصية ناجحة. ما الذي في يدها؟ بعض الناس نتساءل: هل فعلاً ما في أحد؟ لنترك النقطة الأولى الآن عن استشعار الطاقة، ولنقل أن بطريقة أو أخرى لا تفهمها طالبتي، أو حتى ممارسو علم الطاقة لا يعلمونها، أن الناس تشافوا على أيديهم. وهذا يأتي من ملاحظاتهم الشخصية
هل فعلاً شفوا الناس بسببها؟ أم أن هناك أسباباً أخرى خفيت عنها؟ هل هي متأكدة أنها هي التي عالجت الناس، وأنه لم يكن سوى تزامن بحيث شفي الشخص أثناء وجوده معها صدفة؟ هل لديها إحصائيات في عدد الناس الذين عولجوا على يدها
فكم شخص شفي وكم شخص لم يشفى؟ أم أنها تتذكر الذين عولجوا بانتقائية وتنسى الذين لم يعالجوا؟ لنقل أن المريض ادّعى أنه شفي، هل تابعت حالته بعد شفاءه؟ أم أنها اكتفت بتصريحه الآن بعد علاجها له باللمس؟ هل تعلم كم من أولئك الذين ادّعوا أن آلامهم ذهبت في زيارتها لهم لم تعد
يعانون من آلامهم مرة أخرى بعد عودتهم إلى المنزل. المشكلة أن مثل هذه الأسئلة ليست لها إجابات لدى المختصين؛ فقلة قليلة منهم يعرفون هذه الإجابات، ولو عرفوها لاكتشفوا أن العلاج بالطاقة ليس له التأثير المزعوم. فمثلاً، مغالطة التزامن لا تعني التسبب، وهذا ليس في قاموس المعالج باللمس. وستجد أنهم يعتقدون أنه طالما صرح المريض بأنه يشفي،
فهذا يعني أنه هو السبب في ذلك العلاج. وكذلك هم يعتقدون أن المريض إن شفي فذلك يعني أنه شفي، وإن قال لهم المريض إن الآلام انخفضت فذلك يعني أنها فعلاً انخفضت. ولا يدرون أن مثل هذه الأمور يحاول العلم تفادي الوقوع فيها عند القيام بالتجارب. كنت جالساً مع أحد الأصدقاء ومعنا طبيب، فقال لصديقي إنه ترك أكل اللحوم الحمراء والبيضاء.
فهو الآن لا يأكل إلا السمك. ومنذ أن بدأ بهذا النوع من الطعام، ومنذ أن بدأ بتناول أغذية صحية، ذهبت منه آلام ركبته؛ كان يتألم كثيراً عندما يمشي، أما الآن وبعد انتقاله إلى الأسماك والغذاء الصحي فلم يعد يحس بآلام الركبة. وشرح تأثير دهون الأسماك على المفاصل، وعلل أن الدهون هي سبب تحسن حالته، بالطبع.
هذا الأمر منتشر ومعروف عند الكثير من الناس؛ بعض الأسماك تحتوي على دهون أوميغا 3، ولعلها تكون السبب في تحسنه. ولكني شككت في المبالغة في الأمر، وطلبت من صديقي الطبيب أن ينظر في التجربة الشخصية ويعلق عليها. فسأل الطبيب: كم نزل وزنك بعد أن تحولت إلى النظام الغذائي الجديد؟ فرد صديقي: عشرة كيلوغرامات.
فقال الطبيب: إذن هذا هو السبب الأساسي خلف انخفاض آلام ركبتك. فتفاجأ صديقي، ما كان منتبهاً للسبب الأكثر منطقية. تخيل لو أن يقترح على شخص بدين آخر أن يقوم بنفس التجربة، سيقول: لا، بدل نظامك الغذائي إلى الأسماك، لا تأكل اللحوم وستذهب آلام ركبتك. لو أكل هذا الشخص البدين الكثير من السمك يومياً ولم يخفض من وزنه،
سؤال هو: هل ستذهب آلامه؟ طبعا أنا لا أدعي الآن أن الصديق كان مخطئاً أو كان صحيحاً، إنما أريد أن أبين أن التجربة الشخصية ليست كافية لمعرفة حقائق الأمور. لا بد من القيام بالتجربة؛ فهناك أشياء قد تفوت الشخص ولا يفكر فيها، ويحتاج أن يفكر فيها حتى يعرف الأسباب الحقيقية.
هذا مجرد مثال حتى أوصل إلى مبدأ أن الناس لا تميز بين التجربة العلمية والتجربة الشخصية. الناس تعتقد أن التجارب الشخصية هي دليل على صحة فرضيتها. التجربة الشخصية هي بداية الطريق لمعرفة الحقائق، وبعد ذلك يمكن القيام بالتجارب الحقيقية التي تزيل أي متغير بإمكانه أن يؤثر على النتائج. فلو أردنا معرفة ما إذا كانت الأسماك هي السبب في اختفاء آلام الركبة،
فسنأتي بعدة أشخاص بهم آلام ركبة مشابهة لآلام صديقي، ثم نقسمهم إلى ثلاثة أقسام عشوائية. ونقدم لقسم منهم نظاماً غذائياً معتمداً على دهون السمك مع الإبقاء على نظام يحافظ على أوزانهم، وقسم نبقيهم على نظام أكل اللحم مع تقديم دهون السمك على شكل أقراص، وقسم لا نغير حميتهم الغذائية. ثم نتابع حالتهم يومياً. طبعا متعب، ها يعني ليفكر أنه تعالي إذا أنا عشان أثبت الشيء لازم أجرب إي نعم.
تفضل، هذا هو العلم. أما هل لديك أسباب لحالتك الصحية؟ لا يا عزيزي، هذه آلاف السنين مرت عليها، وقد قضينا عليها بالعلم. نريد أن نفكر بطريقة صحيحة حتى نصل إلى نتائج صحيحة. نريد أن نجرب أسبوعًا بعد أسبوع، ونسجّل ملاحظات بدقة، ثم ننظر إلى النتائج.
فإذا بينت النتائج أن ركب الذين أكلوا الأسماك وتناولوا دهون الأسماك تحسّن، والذين بقوا على حميتهم الغذائية المعتادة لم يتحسنوا، فذلك يعني أن الدهون قد تكون السبب. قد تكون السبب، لاحظوا قلت «قد»، فالعلم دقيق، وهناك
عوامل أخرى لم ينتبه لها الباحث، وهذا ما لا يراعيه مختص علم الطاقة. كلٌّ يسوّي هو: يحرك يده على المريض، ويسأل عن حالته بعد الانتهاء من الجلسة، ثم إذا قال إنه يشعر بتحسن، سيعتقد مباشرةً أن المرض قد تحسّن فعلًا، وأنه هو لديه القدرة الخارقة على معالجة المرض. لا يا جماعة، التجربة العلمية ليست بهذه البساطة.
لسنا نعيش قبل ألف سنة، ولا حتى قبل أربعمائة سنة. الآن الأمر مختلف. تريد أن تنتج دواءً معينًا، تريد أن تخبر الناس بطريقة معينة، لازم تجربها، ومو أي تجربة. لا يدّعي أحد أنه لا، والله هذه تجربتي علمية. التجربة العلمية منضبطة جدًا جدًا،
ولا تزال كثيرًا من الأحيان تخطئ، ولذلك يتحقق من ورائها العلماء الآخرون حتى يروا إن كانت هناك أخطاء في التجربة، وحتى لا يخرج شيء، لا يخرج دواء معين وهو ليس بدواء ويضر بصحة الآخرين. تخيّلوا، نحن عندنا أدوية الآن بين الفترة والأخرى تُسحب من السوق لأنها فيها أضرار، فما بالك بأدوية لا نعرف
كيف تعالج الناس، وأشياء يدّعيها مثل مختص الطاقة أنها تعالج وهي ليس لها علاقة بالعلاج. تحت التجربة نحن قاعدين نخطئ، فكيف بأشياء خارج نطاق التجربة؟ واحد يشعر أنه يعالج الناس. طيب، نأتي إلى ما هو أصعب: أحيانًا يأتي شخص ويخبرني أنه فعلاً تحسّن، كان عنده مرض من نوع ما وتحسّن بعد أن أخذ مجموعة من الجلسات مع مختص الطاقة.
حتى أنهم ذهبوا، أو أن هذا الشخص ذهب إلى عدة أطباء ولم ينجح أي من الأطباء في علاجه. وأحيانًا تكون القصة أكثر وقْعًا: يذكر لصديقه أنه لم يكن يتوقع أبدًا، وكان يشكّ في إمكانية علاجه بالطاقة، حتى يبيّن أنه كان شكاكًا في هذه النوعية من الناس، ثم عُلج.
إذن أنا ما كنت أصدق أن جماعة علم الطاقة يستطيعون أن يعالجوني، ولكنهم عالجوني، الآن أصبحت أصدقهم. طيب، الحين أنا كيف أفسّر شفاءهم؟ طبعًا الكلام الذي أقوله ليس من عندي، أنا هو من العلماء. أنا أعطيكم ملخصًا لكلام العلماء الذين بحثوا على مدى سنوات في هذه الموضوعات. سأفترض في هذه الحالة أن المرض فعلاً شُفي، لن أقلّل ولن أحقر.
في اعتقادهم بشفائهم، لن أذهب أبعد من ذلك، وسأقول إنهم شفوا فعلاً من مرض حقيقي وليس مجرد شعور. يعني لن أقول للشخص الذي يقول لي هذا الكلام إنه كان يشعر بألم وخفّ عنه الألم، بل سأقول إنه شفي فعلاً من مرض معين كان مصاباً به، وذهب هذا المرض. وكان وقته، طبعاً، هو عند
علم الطاقة، شخص متخصص في علم الطاقة. وأنا أنصح أي شخص يناقش من يدّعون أنهم شفوا من مرض بسبب علم الطاقة، ألا يقول لهم إنهم لم يشفوا نهائياً؛ فهم أدرى بتفاصيل المرض والشفاء. اعتبر أنهم شفوا فعلاً، لكن اسألهم هذا السؤال أو قل لهم هذا الكلام: نعم، شفيتُم، ولكن لا تستطيعون ربط شفاءكم بعلاج الطاقة. لا يوجد دليل
على أن ذهابك لهذا الشخص هو السبب. الأدلة العلمية الغامرة تُبيّن أن الشفاء يحدث لأسباب أخرى لا علاقة لها بالمختص. وإذا أردتم أن تدّعوا أنكم شفيتُم، فعليكم بتقديم الدليل على هذه العلاقة السببية، وليست تزامنية. هذا ما أقوله لمن يقول لي إنه شفي؛ لن أردّ اعتقاده بأنه شفي، بل سأعتبر أنه شفي فعلاً من مرض معين، لكني أشكّك
فيما يشكّك به العلماء، وهو الشفاء عن طريق الطاقة. ليس هناك دليل على الشفاء بالطاقة. كل ما حدث أنهم شفوا تزامناً مع بعض الحركات البهلوانية. طيب، إذا لم يكن المعالج بالطاقة هو السبب، فما السبب في شفاء الشخص من المرض؟ السبب يعود لقدرة الجسم على علاج نفسه بنفسه، وبعبارة أكثر دقة
يعود الجسم إلى المتوسط الحسابي. لنعتبر حالتك الآن غير المرضية أو الصحية هي الحالة الطبيعية لك، وهي المتوسط الحسابي. أحياناً تشعر بصحة غير طبيعية خارقة خالصة من الآلام، وأحياناً تمرض وتهبط مستويات حالتك إلى ما هو أسفل خط المتوسط. سؤال: متى تلجأ إلى الطبيب؟ هل تلجأ إليه في بداية المرض؟ فكّر قليلاً، لما يصيبك مرض
هل تذهب إلى الطبيب في بداية المرض؟ يقول الدكتور شابرد سيغل، المختص بالتوقع، بأن المريض عادةً ما يلجأ إلى العلاج في أقصى حالات المرض. وفي العادة تكون الحالة القصوى هي بداية علاج الجسم لنفسه. ولما يذهب إلى الطبيب ويُعطى دواءً من أي نوع كان، فإنه في العادة يرجع إلى حالته الطبيعية بعدها بأيام، فيربط الشفاء مع العلاج. وهذا هو أحد أسباب
الشفاء الذي لا علاقة له بمختص علم الطاقة. يعني جسمك قاعد يعالج نفسه، لكن المشكلة أنك تذهب وتربطها بعلم الطاقة. أما لو أن المريض ادّعى أنه شفي بعد عدة سنوات ولم يعد المتوسط الحسابي لحالته بعد فترة قصيرة، فقد بيّن العلم أيضاً أن هناك حالات تُطلق عليها بالشفاء التلقائي (spontaneous remission)
تحدث في حالات من المفروض أنها تزداد سوءاً، مثل السرطان، وتحدث من غير تدخل الطبيب، ومن غير تدخل العلاج بالطاقة، ولا أي نوع من العلاجات. تحدث هكذا لوحدها. العلماء لا يزالون يحاولون معرفة الأسباب. وهذا أيضاً قد ينطبق على المريض الذي مرّت عليه سنوات حتى وصل إلى المعالج بالطاقة، ويشفيه تلقائياً. فكّر فيها: لو أن الشخص ينتقل من مختص لآخر ثم لآخر
وهكذا، وفجأة، ماذا سيفعل المعالج؟ سيربط بين هذا الشفاء والمعالج الأخير، وإذا لم يجد ذلك، سيكمل البحث عن معالج آخر إلى أن يشفى من مرضه، فيحذّر الناس من الذهاب لهذا المختص المحظوظ، أو يبقى طول حياته يبحث عن معالج ولن نسمع عنه أبدًا. أحد الأسباب الأخرى للشفاء هو أن يمر المريض على الطبيب ثم يأخذ منه أدوية فيتعاطاها، ولكن العلاج يطول.
وأخذ الدواء واستفاد جسمه منه، فيذهب للمعالج بالطاقة فيشفى، ويكون السبب الحقيقي هو الدواء الذي أخذه على مدى أشهر. فيمدح الوهم ويذم الحقيقة، ويحمد المعالج بالطاقة ويلعن الطبيب الحقيقي. لما ظهر العلم التجريبي وقزم كل الأساليب الأخرى لفهم الطبيعة، ما كان ليفعل هذا الشيء من فراغ.
أثبت وجوده بدحض الكثير من القصص الفولكلورية والملاحظات الشخصية العفوية، واستبدلها بحقائق كاشفة ساطعة يمكن الاستفادة منها تطبيقيا على أرض الواقع. الدواء الذي خفف من آلامنا وعالجها أتى من ضبط المتغيرات المختلفة علميا حتى لا ينتج دواء يؤثر على نفسية الشخص ويعالجها يوفوريا بشكل مؤقت، وبعدين يبقى المرض في محله.
فرّق العلم ما بين تأثير البلاسيبو وتأثير الدواء الحقيقي، وهذا ما لا يستطيع أن يفهمه مختص علم الطاقة. هو يقوم بحركات وطقوس ويتفوه بكلمات ويصدر همهمات أثناء إجراء الجر الوهمي للطاقة يدويا، وبقصد أو من غير قصد، يهمّ المريض بأنه عالج، وما فعله هو مجرد إشعار المريض براحة مؤقتة (بلاسيبو)، أو أنهم شفوا تلقائيا، فيظن الناس أن المختصين
فعلا عالجوا المريض. فلا مختصو الطاقة يعلمون الحقيقة، ولا المرضى، ولا المصدقين. إذا كان مختصو الطاقة يعتقدون أن لديهم القدرة على التأثير بالناس بقوة تأثير البلاسيبو، فهم يقولون وبصراحة العبارة أن طرقهم وهمية كحبة البلاسيبو الوهمية، وأن تأثيرهم ليس إلا تأثير توقع المريض، وأن العلاج بالطاقة ليس طاقة ولا علاج حقيقي. فكروا فيها: إذا ادعى شخص
أن العلاج بالطاقة هو تأثير بلاسيبو، فهو يقول لك أن العلاج بالطاقة هو علاج وهمي كحبة البلاسيبو. طلبت منكم في البداية البقاء معي حتى أخبركم بالدواء الذي أبعد عني المرض لعامين كاملين. إذا كنت لا تزال تنتظر حتى أخبرك بهذه الحبة، فأنت لم تفهم الدرس. التجربة الشخصية ليست دليلا كافيا لمعرفة الحقائق، هذا الدرس كله
عن هذا الموضوع. تجربتي الشخصية لا تعني شيئا، لابد من القيام بتجربة علمية لإثبات صحة زعمي إن الدواء هو السبب في بقاء صحتي جيدة لعامين. كلما سرت هذه القصة أمام أشخاص غير مختصين، يسألوني بإلحاح عن الحبة، وإذا ذكرت القصة لطبيب مختص، ينظر في وجهي ويقول لي إنه مجرد حظ. شايفين الفرق بين المختص
والشخص العادي الذي دائما ينضحك عليّ بهذه الأشياء؟ ليس هناك أي دليل على أن حبة مضاد حيوي أبقتني سليما. المضاد الحيوي يعالج البكتيريا، لكن الأمراض تعزى إلى عدة أسباب منها الفيروسات التي لا تعالجها المضادات الحيوية. وكذلك تجربتي الشخصية قد تكون ناقصة، لأنني ما قلت أني لا أشرب من كوب شرب منه شخص آخر، وفعلا هذا ما أسويه، قد يكون هذا السبب.
أنا دائماً أشرب من كوب ماء مخصص لي، ولا أشرب من فناجين القهوة التي شرب منها شخص آخر، وأضع مسافة بيني وبين المريض بالزكام. هذه كلها تدخل في الحسبة، لكنني جمّلت القصة وجعلتها في حبة واحدة، أعطيتك حبة واحدة تُنقذك من المرض. أترون كيف تكون القصة مؤثرة؟ أترون كيف، عندما ذكرتُ القصة في البداية، يمكن أن تفكروا: تعال، دعني أبقى حتى نهاية البودكاست؟
إن شاء الله يكون البودكاست هو السبب في بقائكم، والمعلومات الموجودة فيه، وليس هذه الفكرة. ولكن إذا كانت هذه الفكرة قد عبثت بذهنكم، فأعلموا أن الناس ستؤثر فيكم هكذا. تريدون إجابة بسيطة وسهلة؟ يلا، دعوني آخذ دواءً واحداً ينقذ حياتي كلها. في هذه الحالة، قد تكونون تأثروا، أو قد تكونون أنتم الأذكياء الذين انتبهوا خلال البودكاست.
ولاحظوا أنكم تقولون: تعال، أنا لن أطيع، ولن أعتمد على تجربة شخص واحد حتى يخبرني كيف أعيش حياتي كلها. الآن نأتي إلى النقطة الأخيرة التي ذكرتُ في البداية أنها ثقيلة الدم، وهي فكرة شرح اختيار سبعة من تسعة للتعبير عن الفشل. لماذا لم يكن مثلاً أربعة من تسعة؟
هذا بالطبع يرجع إلى قوانين العشوائية. ركزوا معي؛ إذا أحببتم أو استطعتم أن توقفوا البودكاست، فلن أشرح شرحاً ثقيلاً جداً، لكن الفكرة المبدئية هي: ما هو الاحتمال أن يخرج المختص من التجربة وقد نجح؟ أقصد الآن ليس من حيث أنه فعلاً قادر على نقل طاقته، إنما على أساس العشوائية. خلونا نبسّط قليلاً: تخيلوا أنني أدّعي أن عندي القدرة على التأثير على العملة.
بحيث أنني أستطيع أن أجعلها تقع على الوجه وليس على الكتابة. فتتحدّوني بأنني لا أستطيع القيام بذلك، ونتساءل: كم تجربة من المفروض أن تُقام عليّ حتى تعرفوا أنني صادق؟ إذا اتفقنا أنا وأنتم على تجربة واحدة، فمن الممكن أن تُرمى العملة في الجو وتسقط على الوجه، فأدّعي أنني فزت. لماذا؟ لأنه قد يكون حظاً، فهي مسألة حظ.
نسبة 50% من العملة تقع على الوجه، ونسبة 50% تقع على الكتابة. فإذن أنا قد أربح إذا قمتم بالتجربة مرة واحدة بنسبة 50%. فهل تقبلون أن تتحدوني برمي العملة مرة واحدة؟ بالطبع لا. طيب مرتين؟ بالطبع لا أيضاً، لأنه من الممكن أن أحظى بسقوط العملة على الوجه مرتين متتاليتين فأفوز، وبهذا أثبت قدرتي. وفي الحقيقة، قد لا تكون عندي أي نوع من القدرات.
كيف الحال مع ثلاث رميات أو أربع رميات؟ من الناحية الرياضية العشوائية، كلما زاد عدد الرميات، قل احتمال سقوط العملة على الوجه في هذه الرميات. هناك قانون احتمالي يُطلق عليه اسم Binomial Distribution، وهو يحسب عدد المرات التي من الممكن أن تظهر فيها سبع نجاحات من تسعة، مثل المسابقة المذكورة.
يعني تخيلوا: أرمي العملة، كم مرة يظهر لي سبعة أوجه من تسعة؟ ما هي نسبة نجاح علم الطاقة سبع مرات من تسعة؟ إذا كان سبع مرات من تسعة، أو فشل مرتين من تسعة، فستكون هذه النسبة سبعة بالمئة، أي أن هناك احتمالاً بقدر سبعة بالمئة.
أن تسقط العملة على الوجه سبع مرات من تسع مرات أقذفها في الجو، وكذلك بالنسبة لمختص علم الطاقة عشوائياً. أنا لا أتحدث عن أنه قادر أو غير قادر على أن ينقل طاقته للطرف الآخر، إنما عشوائياً، لو واحد ما عنده القدرة على أن ينقل طاقته، يعني لا يدعي هذا الشيء ويأتي ليجرب هكذا عشوائياً، فهناك نسبة 7%.
أنه إذا مرر يده على الأشخاص سيشعرون بطاقة، طبعا أيضاً وهمية عشوائياً. هناك احتمال 7% أنه ينجح. فاختارت المؤسسة نجاحها 7 مرات من 9 حتى يكون عندها ضمان بأن المختص بعلم الطاقة لن يستطيع أن ينجح عشوائياً. ولو أنها اختارت 5 مرات نجاح من 9، فكان احتمال نجاحها هو 25% 25% كثير.
احتمال قوي. لذلك اختارت 7 من 9. ومع ذلك هناك احتمال لنجاحها عشوائياً بقدر 7%. هذه مغامرة أخذتها المؤسسة على نفسها اعتماداً على الرياضيات. شكراً لكم للمتابعة، أرجو أن أكون قد أوصلت الفكرة بشكل صحيح. هذا تلخيص للأفكار الموجودة من العلماء المختصين في هذا الجانب، وهذا ما يطرحونه عادة.
وأنصحكم إذا أحببتم أن تعرفوا أكثر، تابعوا بودكاستاً اسمه Skeptics Guide to the Universe. هذه مجموعة من الشكوكيين ينظرون في هذه الأمور بين الفترة والأخرى، ويأتون بالأبحاث التي تدعي أنها تستطيع أن تعالج بعلم الطاقة والردود عليها وما أشبه. فهي لا تتحدث في علم الطاقة بالتحديد دائماً، لكن بين الفترة والأخرى أنواع أخرى من العلاجات يمرون عليها.
ويعملون لها نوعاً من التحدي ونوعاً من الشكوكية، طبعا أيضاً معتمدين على المختصين وليس فقط آراء شخصية لهم. تابعوا إذن هذا البودكاست، وهناك بودكاستات أخرى تتكلم عن المواضيع هذه. وتابعوا العلماء وتعالوا إلى صفحتي أيضاً، ستجدون بعض الفيديوهات التي تتكلم فيها مناقشات مع العلماء المختصين حول هذه المواضيع. شكراً لكم لحسن استماعكم.
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


