نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.
3 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل
أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في السايوير بودكاست.
أهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من السايوير بودكاست. انتشر فيديو بقوة على الإنترنت وعلى يوتيوب، ووصلت مشاهداته إلى 15 مليون مشاهدة. فيه امرأة أنقذت نحلة لم ينمُ جناحاها، تشبه النحلة الطنانة.
حجمها صغير، ولكنها بلا جناحين. كانت في حديقة المرأة، فأخذتها وقدمت لها الرحيق، وكانت تتفاعل معها بلطف وعطف شديدين. ارتبطت النحلة بها ارتباطًا وثيقًا؛ كانت تمشي على يدها وتنام في قبضتها، وكانت المرأة تداعبها بمسح طرف أنفها بظهر النحلة المغطى بالشعر الناعم.
قدمت لها بيتًا وطعامًا إلى أن نفقت النحلة. تعاطفت معها، وتعاطف كثيرًا كل من شاهد هذه العلاقة. بالتأكيد، المرأة تعاطفت مع النحلة، ولكن هل النحلة أحبتها؟ هل شعرت النحلة بدفئها وحنانها؟ هل لدى النحلة شعور؟
هل النحلة تشعر بالسعادة أو الحزن؟ هل للنحلة وعي حتى تشعر؟ لو قلت لك إن الإجابة عن هذا السؤال، أو عن سؤال ما إذا كانت للنحلة أو للحشرات عمومًا مشاعر، هي «ربما»، فقد ترفض الاعتقاد بأن هذا الشيء ممكن، أو ربما تضحك: «الذبابة لها مشاعر، مثلًا؟» من الصعب تخيل إمكانية أن تكون
للحشرات مشاعر. في هذه الحلقة سأتناول الأسئلة من الناحية العلمية: هل تشعر الحشرة بالألم؟ هل تحزن أو تكتئب؟ أم أنها مجرد آلات تتحرك باستخدام جسد بيولوجي بسيط؟ هل الخلايا العصبية التي فيها ليست إلا أجهزة بسيطة تحركها لتفادي الخطر، من غير شعور داخلي؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه في هذه الحلقة.
أقام علماء تجربة مثيرة على النحل الطنان، بيّنت أن النحل يبدي حالة شبيهة بالشعور الإيجابي بسبب الدوبامين. بعد أن أشرح التجربة سأشرح معنى هذه الجملة، حتى تتبين دقة العلماء في اختيار الكلمات لوصف حالة النحل. وضعوا النحل الطنان داخل طرف من غرفة التجربة، والمقصود بالغرفة هنا صندوق.
وفي الطرف الآخر 4 فتحات. على واحدة من الفتحات كانت هناك لافتة باللون الأزرق، وبداخل الفتحة شراب سكري. أما باقي الفتحات فوضعوا فيها الماء فقط. أرادوا أن يعلّموا النحل أنه إذا رأى اللون الأزرق، فهذا يعني أن هناك جائزة لذيذة في الفتحة تحت هذا اللون. ثم وضعوا، في تجارب أخرى،
لافتة باللون الأخضر على الجانب الآخر، وكان تحت اللافتة الخضراء مجرد ماء. فأرادوا أيضًا تعليم النحل أنه إذا رأى اللون الأخضر، فهذا يعني أن هناك ماءً بكل تأكيد. اللون الأزرق يعني السكر، واللون الأخضر يعني الماء. الهدف أنهم يريدون من النحل
أن يركز على الذهاب إلى اللون الأزرق وأخذ الجائزة السكرية، وتفادي اللون الأخضر. أما بقية الفتحات فكانوا يضعون عليها تدرجًا بين الأخضر والأزرق، بحيث لا يعرف النحل هل المقصود بهذا اللون سكر أم ماء. هو يعرف الأزرق ويعرف الأخضر، ولكن ماذا سيكون هناك بين اللونين؟
إذن، هو لا يعرف، ولذلك سيغامر. حتى أكرر: إذا ذهب النحل إلى اللون الأزرق حصل على ماء سكري، وإذا ذهب إلى اللون الأخضر حصل على ماء. أما إذا ذهب إلى أي من الفتحتين الأخريين اللتين لا يعلم ما بداخلهما، فإما أن يحصل على الماء السكري أو على الماء الخالي من السكر. النحل في هذه الحالة لا يعرف ما الذي سيحصل عليه؛ هي مجرد تجربة له، يربح فيها أو يخسر.
كيف يغامر؟ بعد أن تعلّم النحل هذا الشيء، قسموه إلى قسمين. أعطوا قسمًا ماءً سكريًا بنسبة بسيطة قبل الدخول إلى غرفة التجربة؛ أعطوه كمية بسيطة حتى لا يشبع. أما النصف الثاني فلم يعطوه شيئًا. عندما أدخلوا النحل إلى الغرفة، لاحظوا أن الذي تغذى على الماء السكري انطلق إلى الأماكن ذات الألوان المتدرجة مباشرة.
أي إنه غامر في الاختيار. تخيلوا: كان بإمكانه أن يذهب إلى اللون الأزرق، لكنه لم يذهب إليه؛ ذهب إلى المكان الذي يغامر فيه. بينما النحل الذي لم يحصل على السكر لم يغامر. على ماذا يدل هذا؟ هل السكر يعطيه شعورًا إيجابيًا، فيندفع إلى المغامرة؟ أم أن هناك أمرًا آخر يحدث في هذه الحالة؟
حاول العلماء فهم الموضوع بصورة أدق لمعرفة ما الذي يحدث. في تجربة أخرى قدموا، مرة ثانية، للنحل من الفريق الأول سكرًا قبل الدخول، ولم يقدموا شيئًا للنحل في الفريق الثاني. بعد ذلك عرّضوا النحل للضغط النفسي، وأقصد هنا أنهم عرّضوه لحالة كأن حشرة تحاول أن تمسك به.
وضعوا كل نحلة في صندوق صغير ضيق، وضغطوا عليها بإسفنجة ناعمة حتى يخيفوها. ثم أطلقوها داخل الغرفة. النحل في العادة يأخذ بعض الوقت للعودة إلى البحث عن السكر بعد التعرض للهجوم؛ لأنه، كما تعرفون، مرتبك الآن. حتى يعود إلى البحث عن السكر مرة ثانية، سيأخذ بعض الوقت.
النحل الذي تناول السكر انطلق في وقت أقصر للبحث عن السكر مرة ثانية، مقارنة بالنحل الذي لم يتناول السكر. ومن المعروف أن السكر يزيد من العواطف الإيجابية لدى البشر ويقلل من السلبية، فهذا الشيء يحدث أيضًا مع النحل. حسنًا، قد تقول الآن: لا، ربما يعمل السكر بطريقة أخرى، غير العواطف
وغير الشعور. أود أن أذكر نقطة مهمة في هذا الصدد: رغم أن لدى العلماء الآن تجربتين، وكلتاهما تبينان الأمر كأن لدى النحل مشاعر، فإنهم لا يضفون على النحل صبغة العواطف إلا بعد جمع أدلة كافية على ذلك. ربما يكون للسكر تأثير آخر لا يعرفونه، وقد يكون تأثيرًا ميكانيكيًا بحتًا.
فقد تكون النحلة ليست إلا آلة بيولوجية تأخذ السكر وتترجمه إلى مخاطرة، وفي هذه الحالة لا تكون العمليات متعلقة بعواطف. لذلك أقاموا تجربة أخرى تعطي انطباعًا أفضل عما يحدث داخل عقل النحلة. هنا بدأ العلماء العمل على شيء ربما يكون أقرب إلى ما يمتلكه الإنسان في دماغه، وهي مواد
تُفرَز وتعطي الإنسان مشاعر. تأثيرها معروف بشكل ممتاز جدًا لدى الإنسان، وهي موجودة أيضًا لدى الحشرات، ولا سيما النحل.
واحدة من تلك المواد هي السيروتونين، وهي مادة موجودة في أدمغتنا؛ موجودة في دماغك الآن، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالشعور بالسعادة. إذا كنت الآن تستمع إلى السايوير بودكاست وتحبه، فهذه المادة موجودة في دماغك، وتُفرَز وتشعرك بالسعادة لأنك تستمع إلى السايوير بودكاست. الكثير من الأدوية النفسية تعمل على هذه المادة. مثلًا، إذا كان هناك
دواء من فصيلة SSRI، وهي بالإنجليزية اختصار لـ Selective Serotonin Reuptake Inhibitor، أو مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، فإنها تمنع المخ من استرداد السيروتونين، بحيث يكون متوفرًا بكثرة. وعندما تقوم الأدوية بهذا الشيء يكون الإنسان مبتهجًا. المادة نفسها تُفرَز أيضًا في أدمغة النحل الصغيرة.
على العكس من ذلك، هناك مواد تثبط الإفرازات في المخ، فتشعر الإنسان بالإحباط. أعطى العلماء مادة تثبط سعادة النحل، ثم قدموا له السكر مرة ثانية قبل دخول الغرفة. بعد ذلك هاجموه بالطريقة السابقة نفسها، ولاحظوا أن النحل تأخر في الانطلاق للبحث عن السكر مرة ثانية.
هذا يعني أنه رغم تناوله السكر، فإن تثبيط مادة السعادة في المخ جعله يتردد في البحث عن الغذاء. وحتى يتأكدوا أكثر، أدخلوا إلى أدمغته مادة السيروتونين. تخيلوا: وصلوا إلى داخل المخ، إلى داخل الأعصاب، ووضعوا فيه السيروتونين مباشرة، فإذا بالنحل يبحث عن الطعام مرة ثانية.
النحل يتفاعل مع السيروتونين الذي نتفاعل معه نحن، والسيروتونين يجعلنا نشعر بشعور معين تجاه الحياة. فهل هذا يعني أن الشعور نفسه موجود لدى النحل؟ هذه التجربة قد تبين هذا الشيء، وقد يكون هذا الشعور موجودًا لدى النحل، ولكن بأسلوب بدائي جدًا.
صحيح أننا لا نعرف بالضبط ما الذي يشعر به النحل، ولا ندري إن كان مؤكدًا أن لديه شعورًا، لكن معرفتنا بالمواد التي تؤثر في مشاعرنا تقربنا كثيرًا من الاعتقاد بأن النحل يشعر، وإن كانت مشاعره بسيطة وغير معقدة. في تجربة أخرى شبيهة بهذه على النحل، استنتج العلماء أن النحل يشعر بشعور،
أو أنه يتشاءم تحت الضغط النفسي. أتوا بالنحل وقدموا له نوعين من الغذاء: الأول سكري، والثاني مر. ولكن قبل أن يقدموا له أيًا من الغذاءين حتى يتذوقه، جعلوه يشتم رائحتين. ربطوا الأولى بالسكر؛ كلما اشتمها النحل قدموا له سكرًا، وعندما اشتم الثانية
أعطوه الطعام المر. فتعود النحل على الرائحتين وعلى الطعام الذي يُقدَّم بعد الرائحة. بعد ذلك، إذا اشتم النحل الرائحة الأولى، تلاحظ أنه يمد لسانه مباشرة حتى يرشف العسل، قبل تقديمه له أصلًا. وإذا اشتم الثانية سحب لسانه حتى لا يشرب الطعام المر. تعلّم النحل
الرائحتين وتفاعل معهما كما هو مطلوب. بعد ذلك قاموا بشيء ذكي: خلطوا الرائحتين بالتساوي، بحيث لا يعلم النحل ما إذا كانت الرائحة تدل على أن الطعام القادم حلو أو مر. هنا بدأت التجربة التي تبين ما إذا كان النحل يشعر بالتفاؤل أو التشاؤم.
أخذوا نصف النحل ووضعوه في صندوق، وهزوا الصندوق ليشعروه كأن هناك هجومًا عليه من يعسوب. أما النصف الآخر فلم يتعرض للهجوم. عندما قدموا له خلطة الرائحة، لاحظوا أن النحل الذي تعرض للهجوم صار متشائمًا؛ غالبيته سحب لسانه معتقدًا أن الطعام الذي سيُقدَّم له سيكون مرًا.
بينما النحل الآخر مد غالبيته لسانه، معتقدًا أن الطعام القادم له حلو. درس العلماء أيضًا، مرة ثانية، الدوبامين ومواد أخرى في المخ، فلاحظوا أن مستوياتها انخفضت لدى النحل الذي تعرض للهجوم. هذا الشعور يشبه شعور البشر عندما يتعرضون لشيء سلبي يجعلهم ينظرون إلى الأمور
وإذا حصلت لهم مواقف إيجابية نظروا إلى الأمور المستقبلية بإيجابية، رغم اختلاف مستوى المشاعر بين البشر والنحل. إذن، هذه التجربة أيضًا تبين أن هناك ربما شعورًا. وهناك دراسات على الذباب تبين أنه يكتئب أيضًا. صدق أو لا تصدق: الذبابة تكتئب!
الذبابة التي لا نترك لها عادة مجالًا للعيش إذا اقتربت من الطعام، هذه الذبابة الصغيرة يصيبها اكتئاب. وهي تشعر أيضًا بالألم؛ ففي إحدى التجارب اكتشفوا أنها تشعر بالألم رغم عدم وجود الشيء الذي آلمها، بعد إصابتها. دعوني أشرح بشكل أفضل: جرّب العلماء إصابتها بجرح،
ثم عالجوها. وبعد العلاج لاحظوا أن الذباب يتصرف بخوف. الجرح التأم، فلماذا تخاف الذبابة؟ مثلما تصاب أنت، مثلًا، في رجلك، وبعد العلاج تحاول ألا تمشي عليها رغم أنها تعالجت وأصبحت سليمة، لكنك تحذر لأنك تخاف أن يعود الألم مرة أخرى. تخيلوا أن الشيء نفسه موجود لدى الذبابة.
الحشرات والكائنات الصغيرة عمومًا لديها تراكيب تشبه تراكيب المخ، ومواد كيميائية تعدلها كذلك. لذلك نرى هذه التصرفات التي تدل على وجود مشاعر. في السابق، عندما كان بعض العلماء يتكلمون بلهجة ناعمة عن مشاعر الحشرات، نظر إليهم علماء آخرون نظرة دونية؛ لأنهم يعتقدون أن محاولة إضفاء مشاعر
على الحشرات عبارة عن تجسيد، يسمونه Anthropomorphism. بعبارة أخرى، نحن نضفي صفة بشرية على هذه الحشرات. لكن يبدو الآن أن العلماء يقتربون من الاقتناع بأن الحشرات قد تكون لها مشاعر. لدى النحلة مليون خلية عصبية، ومخ الإنسان يحتوي على 86 مليار خلية عصبية.
أنت لديك ما يعادل حوالي 86 ألف مخ نحلة، لكن تعقيد مخ الإنسان ليس عبارة عن مجرد خلايا عصبية متراكمة فوق بعضها. المخ مكون من شبكات أكثر تعقيدًا، ومن أجزاء لها وظائف مختلفة لا توجد في مخ النحلة. المقارنة بين النحلة والبشر في الوظائف مقارنة ظالمة،
والمقارنة في المشاعر أكثر ظلمًا. ومع ذلك، هناك مشاعر بسيطة جدًا وغير معقدة تجعل النحل يدخل في حالة من الكآبة أو التفاؤل أو التحفيز أو ما شابه، كما دلت الدراسات المختلفة. الآن دعونا نكن أكثر دقة في الموضوع. ذكرت أنه قد تكون للنحل مشاعر، وربما يكون هذا تهورًا مني؛ فكلمة «مشاعر» مليئة بالمعاني.
لو تذوقت الآيس كريم، مثلًا، فأنت تعرف هذا المذاق الطيب الذي يشعرك بنوع من اللذة. ولو اشتممت رائحة المجاري تضايقت، ولو دخلت إلى فيلم رعب ربما خفت. هذه المشاعر الداخلية التي تشعر بها شخصيًا لا يعرف أحد كيف هي تمامًا. نعم، أعرف مشاعري الداخلية تمامًا، لكنني لا أعرف ما تشعر به أنت،
إلا بالمقارنة العامة من الخبرة. مثلًا، قد نتعرض أنا وأنت لوخز إبرة؛ أنت تتألم وتسحب يدك، وأنا قد أصرخ من شدة الألم الذي أشعر به. هل نشعر بدرجة الألم نفسها رغم أن الوخزة واحدة؟ قد تنظر إليّ باستغراب من ردة فعلي الشديدة، وتسأل: لماذا تصرف بهذه الطريقة القوية تجاه الوخزة؟ بالمقارنة، أنت لم تشعر بالشعور نفسه.
لكنك لا تعرف ما الشعور الذي أحسست به داخليًا بالتحديد. تعرف ما شعرت به أنت، لكن تجربتي تختلف عن تجربتك؛ أنت لا تعرف وعيي الداخلي تمامًا. ينطبق هذا أكثر على معرفتك بوعي الحيوانات، أو بحالتها الشعورية الداخلية، إن كانت موجودة. فإذا خافت القطة وهربت، تعرف أنها تصرفت بطريقة
تبين أنها خائفة، لكنك لا تعرف نوع الخوف الذي انتابها، ولا تعرف شعورها الداخلي. هذا الصندوق الواعي الداخلي مغلق إلا لصاحبه. وإذا كنا لا نعرف ما تشعر به القطة، فنحن لا نعرف ما تشعر به النحلة أو الذبابة أو العنكبوت؛ هذه الصناديق مغلقة بالقدر نفسه. الآن نعود إلى الدقة.
عندما ذكرت أن الحشرات قد تكون لها مشاعر، لا أقصد أن مشاعرها مثل مشاعرنا النوعية؛ فالعلماء لا يعرفون حقيقة ذلك. لا يعرفون إن كان لديها إحساس نوعي بالألم أو السعادة أو الكآبة مثلنا. لكنهم بالتأكيد يعلمون أن المواد المختلفة بداخل المخ تُفرَز كما تُفرَز المواد نفسها بداخل أدمغتنا، ولذلك فهذه
حالات متشابهة. لدى الحشرات حالات بيولوجية تشبه الحالات البيولوجية لدينا، المرتبطة بمشاعرنا. لاحظوا: إذن، يسميها العلماء «حالات بيولوجية مرتبطة بالمشاعر». لا يسمونها مشاعر، إنما حالات. لا نستطيع أن نقول إن كانت هذه الحالات
تعني بالضرورة أن الشعور النوعي موجود، لكن يبدو أن التجارب العلمية كلها تقترب تدريجيًا من إضفاء المشاعر النوعية عليها. أتوقع أن تصبح لغة العلماء في المستقبل أكثر قربًا من ذلك، خصوصًا مع تجارب أكثر.
كنت أنا وابني ننظر إلى ميكروبات باستخدام ميكروسكوب. لدي ميكروسكوب، وتحدثت عنه في يوتيوب؛ تستطيعون الذهاب إلى
حسابي على يوتيوب حتى تعرفوا وتشاهدوا الصور والفيديوهات لهذه الميكروبات. نظرنا إلى الهدبيات، وهي كائنات وحيدة الخلية، ولها أنواع متنوعة. لا تستطيع رؤيتها بالعين المجردة ولا بالعدسة الفردية؛ تحتاج إلى تكبيرها أكثر من 100 إلى 400 مرة حتى تراها تتحرك في الماء. تنمو من بيضة، وتكبر،
وتتحرك بحثًا عن الطعام. تأكل وتُخرج وتتزاوج وتتكاثر، ثم تموت لتعود دورة الحياة مرة أخرى. سألني ابني: هل هذه الكائنات لديها عقل؟ هل لديها وعي؟ فأجبت بسرعة: لا، هذه مجرد روبوتات بيولوجية صغيرة، فيها آلات بيولوجية تعمل بحسب تراكيبها المختلفة.
هذه الآلات لا تمتلك جهازًا عصبيًا. كان هذا جوابي لابني، لأنه اعتقادي. واعتقادي، طبعًا، ليس إلا واحدًا من اعتقادات مختلفة موجودة في هذا العالم، مبنية على آراء علماء وفلاسفة. وفي الحقيقة، رغم اعتقادي هذا، لا توجد إجابة محددة لهذا الموضوع. هناك مدارس مختلفة في تصنيف الوعي، ولكن لا توجد إجابة واحدة.
لن أخوض في هذا الموضوع بشكل مطول، لكنني سأتكلم عن جانب منه، وهو القول إن كل الأشياء لديها وعي. لنتكلم عنه بشكل مختصر، وسنعود إليه في المستقبل. بدأنا من الإنسان وأعطيناه وعيًا؛ لأننا نعرف ما يجول بداخل عقله. كلنا يمر بتجارب شخصية داخلية نوعية من الأحاسيس، ونتكلم عنها،
ونعرف من خلال حديثنا عنها أننا لسنا وحدنا من يمتلك هذه الأحاسيس. في السابق، لم نكن نعتقد أن الحيوانات لديها وعي؛ كنا نعتقد أنها روبوتات بيولوجية. هذا مذكور في التاريخ، وحتى بعض الفلاسفة كان يعتقد ذلك. أحيانًا يُقال إن الحيوانات ليست لديها أرواح، ويُعبَّر بذلك عن أنها بلا وعي. لكن مع الوقت قبلنا أن الثدييات لديها وعي،
حتى لو كان بدرجة مختلفة. فهي أيضًا، كما نعتقد، لديها شعور بالألم أو اللذة. قطتي، مثلًا، تفضل الطعام الرطب على الجاف. كل صباح تأتي وتمسح جسمها على رجلي، وتلحقني من مكان إلى آخر إلى أن أقدم لها الطعام الرطب، رغم أن الطعام الجاف متوفر لها. الطعام الرطب ألذ بالنسبة لها، وطريقة تفاعلها تبين ذلك.
وإذا قدمت لها التونة الرطبة فضلتها على اللحم الرطب. القطة لديها عقل، وعقلها يعطيها شعورًا داخليًا بالسرور عندما أقدم لها نوعًا من الطعام تفضله على آخر لا تفضله. بعد ذلك أُضيفت الأسماك والزواحف إلى قائمة الكائنات الواعية هذه؛ فالتجارب تظهر للعلماء أن لهذه الكائنات وعيًا كذلك. هناك دراسات كثيرة تبين هذا الشيء.
سرطان البحر يشعر بالألم عندما يوضع في قدر من الماء الحار؛ إنه يشعر بالمعاناة. يجب ألا نعذب اللافقاريات بهذه الوحشية. بعض الدول الأوروبية تمنع ذلك حاليًا. بريطانيا قد تمنع طهيها في الماء الحار وهي حية، وقد ترفعها قانونيًا إلى مستوى الكائنات الحية التي لديها وعي،
وقد يكون هذا قريبًا. هذه الحلقة تبين أن الحشرات ربما تكون لديها مشاعر أيضًا. الحشرات فيها خلايا عصبية، وهذه الأعصاب والمواد الكيميائية، مثل الدوبامين، تعطيها حالات تشبه الحالات البشرية المرتبطة بالمشاعر. ربما سيأتي اليوم الذي تصبح فيه هذه أيضًا واعية، وقد يدخلها القانون ضمن الحيوانات الأخرى الواعية. لا أعرف كيف سيحدث هذا، ولكن
قد يأتي ذلك اليوم. الآن نعود إلى الكائنات الحية وحيدة الخلية: هل هذه أيضًا تمتلك وعيًا؟ ليست لديها خلايا عصبية، فهل لها وعي، حتى لو كانت بهذه البساطة؟ هذا سؤال بالنسبة للخلايا الحية، لكن ماذا عن الأشياء غير الحية؟ هل الصخرة لها وعي؟ هل الماء له وعي؟ ماذا عن المواد الكيميائية التي تكوّن الحياة، أي الجزيئات؟ هل البروتين له وعي؟ هل الجزيء
الواحد من الماء له وعي؟ هل لذرة الهيدروجين أو الأكسجين وعي؟ هل للبروتون أو الإلكترون وعي؟ الإجابة تعتمد على من تسأل. إذا سألت عالمًا فيزيائيًا، ففي الغالب لا يعتقد علماء الفيزياء أو غيرهم بوجود وعي لهذه الأشياء الصغيرة. البروتون أو الإلكترون لهما صفات أو خصائص معينة، مثل الكتلة
أو الإشارة أو الدوران المغزلي، ولكن ليس لهما وعي. الوعي ينبثق من الأشياء بتراكيب معينة، مثلما تنبثق رطوبة الماء أو مائيته بعد اندماج ذرات الأكسجين والهيدروجين. الأكسجين وحده ليس رطبًا ولا مائيًا، والهيدروجين كذلك ليس رطبًا ولا مائيًا، ولكن الرطوبة تتكون عند ارتباط ذرتي هيدروجين
مع الأكسجين. الوعي أيضًا ينبثق عندما تنتظم الذرات والجزيئات بطريقة معينة كما هي في الأعصاب، وعندما تطلق إشاراتها ينبثق الوعي. هذا هو موقفهم العام من الموضوع. لكن إذا سألت بعض الفلاسفة، فسيقولون لك إن كل الأشياء لها وعي، وإن كان وعيها بسيطًا جدًا جدًا جدًا،
ولا يُقارَن بوعي الكائنات الحية الأكثر تعقيدًا. واحدة من هذه المدارس، التي عادت في الوقت المعاصر، تُسمَّى «الروحية الشاملة»، أو Panpsychism. يتساءل أصحاب هذه المدرسة: لماذا إذا رُكبت المادة بطريقة معينة انبثق الوعي أو الشعور الداخلي؟ من أين تأتي هذه التجربة الداخلية؟ هذه التجربة مختلفة عن جميع تراكيب المادة.
أنت تركب ذرات على بعضها، لكن كل هذه الذرات وكل هذه القوانين لا تذكر أي شيء عن الشعور الداخلي الذي تشعر به الكائنات الحية. يسمون الوعي، بالنسبة لهم، «المشكلة الصعبة». لا يمكن تفسيرها من خلال الفيزياء؛ ولذلك لا بد أن هناك شيئًا آخر غير مادي، موجودًا في المادة، يعطيها الوعي،
ويكون جزءًا لا يتجزأ منها، وأصغر وحدة لها، مثل الخصائص الفيزيائية الأولية للمادة. أطلق الفيلسوف ديفيد تشالمرز هذا الاصطلاح، «المشكلة الصعبة» أو Hard Problem، على الوعي، وكتب كتابًا يشرح فيه وجهة نظره، اسمه The Conscious Mind. كل شيء في هذه الحياة
له وعي مهما كان صغيرًا، وهذا الوعي يمثل وحدة جديدة ليست موجودة في الفيزياء؛ خاصية جوهرية فيه، كما هي الخواص الفيزيائية الأخرى. كل الأشياء لديها شعور أو تجربة نوعية داخلية، كما نشعر نحن بالألم، مثلًا. لكن شعورنا معقد، ويتركب من عدة أجزاء من المشاعر البدائية الموجودة في هذه الأجزاء الصغيرة من الجسيمات. وللعلم،
الروحية الشاملة لا تعني أن الإنسان لديه روح. طبعًا، النظرة القديمة كانت تعني ذلك، أما النظرة الحديثة فلا؛ أزالوا الروح واستبدلوا بها الوعي، الوعي في الأشياء الصغيرة بوصفه جزءًا منها، وليس شيئًا ينفصل، كما لدينا في الإسلام روح تنفصل عن الجسد. لا، المقصود في النظرة الحالية المعاصرة شيء مندمج، جزء أساسي وجوهري.
مثلًا، ديفيد تشالمرز، وهو أحد أكبر رواد الاعتقاد بالوعي في هذه الأشياء، يعتقد أن الروحية الشاملة تحل مشكلة المادية البحتة التي يتناولها الفيزيائيون، وتحل أيضًا مشكلة الثنائية بين المادة والروح؛ فهو، بمعنى ما، يمسك العصا من الوسط. طبعًا، لن أناقش الفكرة بالتفصيل ولا الردود عليها؛ هناك ردود كثيرة
على الموضوع، وسنتطرق إليها في المستقبل. الآن أردت فقط أن أعرض عليكم الفكرة حتى تستمعوا إليها. حسنًا، لماذا من المهم أن نعرف أن الوعي أو الشعور النوعي موجود في الكائنات الحية الصغيرة، أو حتى في المادة عمومًا؟ إذا صح هذا الكلام بالنسبة للحيوانات أو حتى الكائنات الحية الصغيرة، وعلمنا
أن لديها مشاعر، وأنها تتألم أو تسعد، فقد نغير طريقة تعاملنا معها. لاحظ أن بريطانيا تتجه الآن إلى تصنيف الحيوانات اللافقارية البحرية على أنها واعية، وهذا يغير مباشرة طريقة طبخها. أما إذا أتينا إلى المواد، فلو كان الوعي شيئًا جوهريًا فيها، فأين هو في قوانين الفيزياء؟ هل نحتاج إلى تغييرها،
تغيير القوانين، أو إضافة شيء إليها لا وجود له اليوم ضمنها؟ وضعوا أيضًا في الاعتبار أن هناك ردًا قويًا جدًا على إضافة قوانين فيزيائية لتشتمل على الوعي. ربما طرحت فكرة الروحية الشاملة وكأنها فكرة موثوقة، وأن الفلاسفة أو العلماء قبلوها. لا، طبعًا.
هناك ردود قوية جدًا على الموضوع، لكنني لن أتطرق إليها الآن. بغض النظر عن وعي الكائنات الحية وكيفية التعامل معها، أو حتى اكتشاف قوانين فيزيائية جديدة من شأنها أن تضيف إلى الحياة شيئًا جديدًا لم نكن نتوقعه في السابق، فإن الأهم من ذلك كله هو المعرفة: معرفة كيف يعمل الوعي. الإنسان
يبحث عن إجابات وجودية منذ بداية التاريخ، والظمأ الدائم لهذه الإجابات لا ينتهي. وربما تدور أقوى الأسئلة في هذا الوقت في رحى هذا الموضوع بالتحديد. ولا بد أن نجد له إجابة يومًا ما، حتى نروي العطش القديم.
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


