تفريغ صوتي مهيأ آليًا للقراءة؛ قد تحتاج بعض الكلمات إلى مراجعة. علامات الوقت تتيح الرجوع إلى التسجيل.

1 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل

أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من سايوير بودكاست. اليوم لدينا مقابلة مع شخص تعرفتم عليه من خلالنا في حلقات سابقة حول موضوع نظرية التطور. حلقتنا اليوم أيضاً عن نظرية التطور، لكن بشيء مختلف عن العادة. ما الفكرة؟ هذه الفكرة قديمة، لكن ردّ الدكتور فيصل الصائغ، وهو

دكتور استشاري في أمراض الدم وأستاذ مشارك في كلية الطب بجامعة الكويت، يدرس هناك. أهلاً وسهلاً بك دكتور. أهلاً وسهلاً دكتور محمد. ردّ الدكتور أحيا هذا الموضوع مرة أخرى. خلوني أبدأ معكم في البداية حتى أذكر ما حدث معي، وبعد ذلك ننتقل إلى المحادثة حول الموضوع. الموضوع عن ماذا؟ الموضوع عن نظرية التطور وتأثيرها في الطب، ونظرية التطور وعلاقتها بالطب.

كيف أن نظرية التطور تُستخدم تطبيقياً اليوم في الطب، وهذا أمر مهم. لماذا هو مهم؟ خلونا أقول لكم الفكرة بشكل عام. في السابق، أنا وأحد الأصدقاء تحدثنا عن نظرية التطور. تخصصه هو الفلسفة، وهو دكتور في الفلسفة، وتكلمنا عن الموضوع. فكان لديه سؤال فلسفي مهم بالنسبة له، والمفروض أن يكون مهماً بالنسبة للجميع أيضاً. أنت لديك نظرية

نظرية أينشتاين مثلاً عن النسبية الخاصة والعامة. اليوم أنت تعرف أن النظرية مهمة لأنها واحدة من الأشياء المهمة فلسفياً، وهي أن تكون هذه النظرية قادرة على إيجاد تطبيقات على أرض الواقع تستطيع أن تستخدمها فيها. قوة النظرية تتجلى من خلال التطبيقات. فاليوم أنت تعرف أن استخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) هو أحد الأشياء

التي تعتمد على نظرية النسبية الخاصة والعامة. لولاها لما كانت الأقمار الصناعية دقيقة نهائياً، فإذاً مستحيل أن نعود مرة أخرى. طيب، الحين نظرية التطور: أنت لديك نظرية أثبتها العلماء من خلال الأحافير، وأثبتها العلماء من خلال الـ DNA، وأثبتها العلماء من خلال الرياضيات. زين، لكن نتساءل فلسفياً: هل هناك تطبيقات لها في الحياة العملية، في الطب، أم لا؟

إحدى القصص التي مررت بها مع هذا الشخص الذي ناقشنا معه هذا الموضوع هي فكرة ما إذا كانت التطبيقات موجودة فعلاً أم لا. وقد أرسلت إلى أحد العلماء المتخصصين في نظرية التطور اسمه جيري كوين، ولا تزال الرسائل الإلكترونية عندي، وهذا الكلام قديم جداً. وسألته قائلاً: دكتور، هل لنظرية التطور تطبيقات أم لا؟ فبان أن الدكتور كان قد كتب مقالة علمية، مقالة

ليست بحثية، إنما مقالة علمية عادية نُشرت في مجلة النيتشر، أي ليست مقالة بحثية كعادة الأبحاث، إنما مقالة مثل ما يرسلها شخص إلى الجريدة. كتب فيها أنه لا توجد أي تطبيقات عملية لنظرية التطور في الطب. فأنا استغربت، يعني كيف لا تكون لها تطبيقات؟ فلما أرسلت

قال لي: بعد ما كتبت هذه المقالة، تواصل معنا أحد أصدقائك، وهذا الصديق بيّن لك أنك مخطئ يا دكتور. مع أن هذا الدكتور، وهو جيري كوين، متخصص في نظرية التطور، وكاتب كتب فيها، وقوي جداً في هذه النظرية، يفهمها جيداً، وينشرها بطريقة سلسة وواضحة للجمهور. فردّ عليه الصديق قائلاً: أنت تفهم الموضوع خطأ، وراجع نفسك، وأعطاه مجموعة من الكتب التي تُبيّن

أن نظرية التطور موجودة تطبيقياً في العلم الحديث وفي الطب، فالدكتور غيّر رأيه منذ ذلك الوقت، وأرسل لي مجموعة من الكتب قبل فترة ليبيّن لي أهمية النظرية في التطبيقات العملية التي نستخدمها في الطب. فاليوم مقابلتي مع الدكتور فيصل الصائق في هذا الموضوع بالذات، وبعدها سأذكر لكم تطبيقاً آخر ليس له علاقة بالطب، لنرَ إن كان الحديث سيأخذنا في هذا المجال.

نلاحقه، لكن الآن نريد أن نتحدث مع الدكتور فيصل. أهلاً بك دكتور، أهلاً وسهلاً. خلينا نتكلم عن نظرية التطور وكيف أن لها تطبيقات مباشرة في الطب. طبعاً، من الحلقات السابقة للمتابعين الذين استمعوا إليها، عندما تحدثتُ عن النظرية بصورة عامة،

وبعد ذلك تحدثنا في حلقات لاحقة عن التطور عند الإنسان وكيف وصل الإنسان إلى ما هو عليه الآن. طبعاً، هذه كانت الأساسيات التي وُضعت وأُثبتت مراراً وتكراراً لدعم تطور الكائنات الحية عبر الزمن.

فهذه لا نحتاج أن نعود إليها، فقد مررنا بها. والآن نريد أن ندخل في الجانب الآخر. الطب هو أحد علوم الأحياء، أو يستند إلى العلوم البيولوجية بشكل كبير جداً، وكل المتغيرات والثوابت التي تستند إليها البيولوجيا تجدها في الطب. ويعرف كلامي هذا

جميع المشتغلين في الطب. فالطب يستند إلى علوم التشريح، ويستند إلى علوم الفسيولوجيا، ويستند إلى الكيمياء الحيوية، وعلى علم العقاقير والسموم، وعلى علم الميكروبيولوجي وهو علم كبير جداً تتكلم فيه عن علم البكتيريا، وعلم الفيروسات، وعلم الطفيليات، وكل هذه الكائنات الحية.

وهناك طبعاً علوم مساندة أخرى، والمجال قد لا يسمحنا بذكرها. هذه العلوم تأسست خلال الحقب الأخيرة مع تطور العلوم البيولوجية، وشكلت العمود الفقري للطب الحديث وفهم آلية عمل جسم الإنسان. طبعاً، جسم الإنسان يتكون من أعضاء، والأعضاء تتكون من أنسجة، والأنسجة تتكون من خلايا.

الأمراض تبدأ من هذه الخلايا. نحن ننظر إلى الإنسان ككيان عام يتكون من جسد واحد، ولكنه في الواقع والحقيقة عبارة عن مليارات الخلايا التي تقوم بعمليات حيوية متشابهة ومختلفة كلٌّ على حسب وظيفته. فالأمراض تصيب هذه الخلايا عند الإنسان.

وعندما تمرض الخلايا، طبعاً تمرض الأعضاء، وبالتالي يظهر هذا على شكل أعراض مرضية عند الإنسان. فنحن نتكلم عن الخلايا، والخلايا طبعاً فيها عمليات حيوية وتركيبات مشابهة للخلايا الحيوية الأخرى الموجودة في الطبيعة، على سبيل المثال البكتيريا. فإذا أحببنا أن نتكلم

أما عن تأثير علوم الميكروبيولوجي وتطور الكائنات وحيدة الخلية، مثل البكتيريا، على الطب، فهذا مجال واسع. فعلى سبيل المثال، الفيروسات تتطور وتتغير بصورة مستمرة، وأكبر دليل على ذلك أن لقاحات الإنفلونزا السنوية تختلف عن تلك المستخدمة في السنة السابقة.

وهذا دليل على ظهور سلالات جديدة، وهي مجموعة من فيروسات الإنفلونزا التي تصيب الكائن الحي بما يُعرف بالرشح أو نزلات البرد الشائعة، وغيرها من هذه الأمراض. لكن هذه الفيروسات تغيّر غلافها الخارجي، بحيث إذا استطاع جهاز المناعة في عام ما...

...أن يتعرف على هذه الفيروسات، فإنها في العام التالي ترتدي قناعاً مختلفاً أو غطاءً جديداً، بحيث يعجز جهاز المناعة عن تمييزها، فتتمكن من غزو الجسم وإصابته بالمرض. هذا التغير الجيني الذي حدث بسرعة خلال فترة قصيرة جداً أنتج كائناً جديداً كلياً، وهذا الكائن...

...بالطبع، هل الفيروسات كائنات حية مثل البكتيريا أم لا؟ هذا موضوع بعيد عنّا، لكن الفيروسات ديناميكية جداً ومتغيرة باستمرار وشرسة. هناك نوعان من الفيروسات: فيروسات تحتوي على الحمض النووي DNA، وفيروسات تحتوي على الحمض النووي RNA كقلب أو لب...

...العملية الجينية التي تشفر وظائف هذه الفيروسات. هناك قصص معروفة في العصر الحديث، ونسعى من خلالها إلى إيضاح الصورة في ذهن المستمع. فيروس HIV، أو ما يُطلق عليه AIDS، وهناك فرق بين AIDS وHIV، فالناس يخلطون عادةً بين هذين المفهومين. AIDS هو حالة أو متلازمة...

...نقص المناعة المكتسبة، التي تجعل الإنسان عرضة للإصابة بأمراض كثيرة، لكن سببها هو فيروس HIV. هذا الفيروس لم يكن معروفاً قبل خمسين عاماً، أو حتى أربعين عاماً، وكان موجوداً في بعض القردة، أو أعتقد في الغابات، حيث كانت هذه القردة تتفاعل مع الفيروس وتتأقلم معه، ولا...

...يشكل خطراً على هذا النوع من القردة. لكن بسبب قطع الأشجار الجائر في أفريقيا، أو ما يُعرف بالتحريج، زاد الاختلاط بين الحيوان والإنسان، فابتعدوا عن الأماكن التي كانوا يسكنون فيها بالضبط، وذهبوا إلى الأماكن التي يوجد فيها البشر. وهناك بعض القبائل أو العادات المحلية...

...التي تمارس أكل لحوم بعض هذه الحيوانات. بالطبع، نحن نعرف أن الانتشار يتم عن طريق تبادل السوائل، وهذا هو الأساس لدخول الفيروس إلى جسد الإنسان. لكن بطريقة ما حدث هذا التبادل وانتقل إلى الإنسان، وحدثت هذه الزوبعة في بداية الثمانينيات، حتى تم اكتشاف...

الفيروس وتصنيفه في 1983، وتحديدُه بأنه فيروس جديد على البشر. الملفت للنظر أن معظم الأفارقة معرضون للإصابة بهذا الفيروس، لكن الدراسات الحديثة أثبتت أن 10% تقريباً من الأوروبيين قد تكون لديهم مناعة فطرية نوعاً ما بسبب

أن هذا الفيروس، بالطبع، أول ما يغزو جسم الإنسان يؤثر على نوع معين من الخلايا اللمفاوية المهمة جداً في جهاز المناعة، ويدخل داخل الخلية عن طريق مستقبل أو بروتين نسميه مستقبل CCR5. 10% من الأوروبيين لديهم طفرات في هذا البروتين

ليست بالبعيدة جداً، وتجعل دخول الفيروس إلى داخل الخلايا المناعية صعباً جداً. لهذا السبب لا يستطيع هذا الفيروس إصابة هؤلاء الذين لديهم هذه الطفرات. طيب دكتور، مخالف، لأجل أن أركّز الموضوع أكثر: ما أهمية أن أعرف أن هذه الطفرات حدثت أو لم تحدث؟ نعم، ما أهمية أن يعرف

أنه توجد سلسلة تطورية لهذه الأمراض، أو لتركيبة جسم الإنسان، تساعدني على تطوير أدوية مناسبة لهذا المرض أو غيره؟ الآن، بالطبع، الباحثون لم يكتفوا بهذه النتائج، وأرادوا معرفة من أين أتت هذه الطفرات إلى الأوروبيين، مع أنهم لم يتعرضوا أبداً لفيروس HIV، وهو كان موجوداً في أفريقيا وفي الغابات وفي نوع معين من القردة.

طبعاً، الأبحاث الجينية الآن هي أساس البحوث البيولوجية الحديثة، وحتى في التطور هي الأساس الذي يستند عليه العلماء لمعرفة ما حدث سابقاً من عمليات التطور. تم تقدير عمر هذه الطفرات بـ700 عام، وتم ربطها بالزمن الذي حدث فيه الطاعون

والطعون في أوروبا، الذي قضى على ثلثي أو أكثر أو أقل من شعب من الأوروبيين. كنوع من استراتيجية البقاء، وهي بالطبع أساليب النجاة أو استراتيجيات النجاة، كان هناك بعض البشر القليلين الذين لديهم هذه الطفرات وكانت صامتة. طبعاً، الطفرات عشوائية تحدث، وإذا لم تضر الإنسان ستبقى وتورَّث جيل بعد جيل.

القلة الذين يحملون هذه الطفرات. يقال، طبعاً، هذا الكلام هو فرضية للأمانة، ولكن طبعاً من الصعب معرفة الدافع الحقيقي. ولكن لأن عمر هذه الطفرة 700 عام، فتم تقديرها أو إسقاطها على زمن انتشار الطاعون. فالذين يحملون هذه الطفرات قاوموا الطاعون وحصلوا على فرصة أكبر للنجاة. لهذا السبب تجد الآن عددهم يصل إلى حتى 10% في أوروبا.

ولكن هؤلاء هم أنفسهم الذين لديهم مقاومة لمرض HIV بالضبط. فمعناه أننا جميعاً نحمل طفرات موروثة، طفرات حدثت في أزمنة مختلفة عند أسلافنا، أو طفرات فريدة نسميها طفرات خاصة فينا بسبب تغيرات تحدث أثناء

تكوين الحيوان المنوي أو البويضة، ويحملها صاحبها فقط، ويورثها لأبنائه. والابن يحمل موروثات والديه، لكن لديه طفراته الخاصة كذلك. ومعظم هذه الطفرات صامتة، لكن لا نعلم أنه في حقبة زمنية معينة، قد يحدث هجوم من ميكروبات معينة قد يكون لها وظيفة تمنح ميزة بقاء.

أو ميزة نجاة تفضله على الآخرين. هذا مثال لفيروس نقص المناعة البشرية (HIV). المثال الآخر هو إنفلونزا الخنازير، أو ما يُسمى بإنفلونزا الخنازير H1N1. كان H1N1 بالطبع فيروسًا جديدًا تطور منه نوع جديد من الفيروسات تسمى فيروسات كورونا. فالفيروس كان يصيب الخنازير فقط بإنفلونزا الخنازير، لكن تم

تلاقحه والتقاءه بالفيروس الإنفلونزا العادي عند الإنسان، فانتقلت موروثات هذا الفيروس مع فيروس إنفلونزا الخنازير، وأنتج لنا H1N1 الذي هو شديد العدوى وينتقل عن طريق الهواء بين البشر. فانتقل من الحيوان إلى الإنسان بطفرة كبيرة؛ ليست طفرة عادية، بل طفرة ضخمة أنتجت لنا فيروسًا جديدًا جدًا.

فهذا دليل على ظهور فيروسات جديدة إذا توفرت الظروف لظهورها. فالعلماء يأخذون بعين الاعتبار الطفرات التي تحدث بهدف ماذا؟ حسنًا، أنا أعرف الآن أن هذه الكائنات تطورت وانتقلت من حيوان إلى إنسان، والطفرات التي حدثت فيها أصبحت تقتل الإنسان أيضًا أو تصيبه بمرض خطير جدًا. طيب، ما الذي أستفيده من نظرية التطور في هذه الحالة؟

أولاً، استفدنا بمعرفة الآلية التي ظهرت فيها هذه الكائنات الحية. وثانيًا، نستفيد بمعرفة الآلية التي تنتج شيئًا يُسمى بالفيروسية (Virulence)، على سبيل المثال، أو حتى البكتيرية. الفيروسية هي شدة الإصابة أو شدة وحشية هذه الميكروبات في إصابة الخلايا أو إلحاق الضرر بها.

فبعض البكتيريا، مثلًا، لا تكون شديدة الفيروسية، أي أنه من الممكن أن تلوث جرحك بالطين فتصاب ببعض البكتيريا العادية التي قد لا تثير شيئًا. لكن بعض البكتيريا قد تلوث جلدك إذا كنت في مستشفى بسبب استخدام المضادات الحيوية، فتكون صعبة وقوية وقاتلة، أي شديدة الفيروسية. فبعض هذه الجينات تنتج سلالات أو أنواعًا معينة من الكائنات الحية

سواء كانت بكتيريا أو فيروسات، فتصبح شديدة الفيروسية. نرى ذلك الآن. ننتقل إلى البكتيريا والمضادات الحيوية، وسؤالك أستطيع الإجابة عليه من خلال تعرض الإنسان للإصابات البكتيرية، وخصوصًا الآن ظهرت ما تُسمى بالبكتيريا المكتسبة من المستشفى (Hospital-acquired bacteria)، أي البكتيريا التي تصيب المريض وهو داخل المستشفى. يعني المريض يأتي بإصابة مختلفة

والبكتيريا التي تعيش داخل المستشفى وهي بكتيريا مقاومة جدًا، بسبب أنه داخل المستشفيات يتم استخدام أنواع كثيرة جدًا من المضادات الحيوية. وهذا بالطبع يؤدي في النهاية إلى إنتاج أنواع مقاومة من البكتيريا تعيش داخل المستشفى لأنها تتطور مع تطور الدواء الموجود. نعم، فتقاومها. بالضبط، الآن التطور: إذا فهمت آلية التطور وضعتها في معادلات رياضية

تُتيح لك هذه التقنية التنبؤ بحالة الكائنات الحية، فتخبرك بأن الكائن أو البكتيريا التي لديك حالياً معرضة أو تستجيب لهذا النوع من المضاد الحيوي. وتُقدّر لك الاحتمالات بأن تصبح مقاومة بعد شهر أو سنة أو عشر سنوات، بناءً على ذلك أستعد وأراقب آلية المقاومة المحتملة.

إما من خلال بروتينات معينة موجودة على سطح البكتيريا، أو بروتينات تُخرج المضادات الحيوية من داخل البكتيريا إلى الخارج كنوع من المقاومة، أو قد تنتج بعض الإنزيمات التي تُفكك المضادات الحيوية. وهناك آليات كثيرة تستخدمها هذه الكائنات الدقيقة لمقاومة المضادات الحيوية، فأستطيع من خلال فهم آلية التطور معرفة كيف أنتجت هذه البكتيريا هذا النوع من المقاومة.

وبمعرفة الآلية، أعمل على إنتاج مضاد حيوي جديد أو دواء يتفوق في كسر الحاجز الذي وضعته البكتيريا. ومن خلال التنبؤ، أستطيع معرفة المدة الزمنية التي قد تتغير فيها البكتيريا بما يكفي بحيث قد لا تعالجها الأدوية الحالية. وتصدر منظمة الصحة العالمية سنوياً تحذيرات في هذا الشأن.

حول البكتيريا فائقة المقاومة (Superbugs)، فإذا زرت الموقع الإلكتروني الخاص بها ستجد أنهم يسمونها بأن هناك أنواعاً جديدة يتم التحذير منها، وأن هذه الأنواع ظهرت أو من المحتمل أن تظهر، وأنها لا تستجيب لأي نوع من المضادات الحيوية. وهناك فرق بحثية موجودة تتابع هذه البكتيريا وآليات تطورها.

كما تعمل هذه الفرق على إيجاد الحلول بناءً على آليات التطور. فمن هذه الناحية، يتدخل الطب في مجال الميكروبيولوجيا، ونستفيد من التطور وفهم آلياته في إيجاد الحلول. حسنًا دكتور، بالنسبة للسرطان ونظرية التطور، ما العلاقة بين الاثنين؟ السرطان يعمل بآلية التطور، فهو يبدأ بخلايا طبيعية في جسم الإنسان.

تتحكم بها الآليات الموجودة في الخلايا الطبيعية الأخرى. تحدث لهذه الخلايا تغيرات في الجينات التي تتحكم في انقسامها، فتبدأ بالانقسام المتواصل غير المنضبط ولا يمكن السيطرة عليه، فيحدث ورم يُسمى الورم السرطاني. بالطبع هذا شرح مختصر جداً، فهي عملية معقدة.

بعيداً عن الكائن الحي الذي توجد فيه، لم أفهم المقصود. بمعنى أنها تنقسم وتتفاعل مع المضيف، أي مع الجسم، وكأنه الشيء نفسه، كأنها حشرة تعيش داخل الإنسان أو داخل الكائن الحي، تتغذى وتكبر وتنقسم وتسبب الضرر في النهاية حتى تقتل المضيف.

هذا تماماً ما يحدث. الخلايا لديها آلية لفحص التغيرات التي تحدث، لأنك إذا تخيلت أنه في اللحظة التي أتحدث فيها الآن، انقسمت مليارات الخلايا في جسمك. لديك خلايا نخاع العظم، وخلايا الجهاز الهضمي، وخلايا الجلد، وكثير من الخلايا تنقسم لحظياً.

فهناك عدد لا محدود من الانقسامات اليومية، وعن هذه الانقسامات، طبعاً الخطأ في نسخ الـ DNA وارد ونحن نعلم ذلك. هذه الأخطاء، حتى لو كانت قليلة جداً، وحتى لو كانت معظم الخلايا التي تحمل هذه الأخطاء تموت، ما سبب موتها؟ لا تستطيع أن تنقسم أو أن تتكاثر، أو هناك أول شيء جهاز المناعة

موجود خلايا المناعة تعمل كنقاط تفتيش، أي نقاط سيطرة وتفتيش، وأي خلية غير طبيعية تخرج إلى الدم يتم مهاجمتها وإزالتها. هناك الطحال، فالطحال كذلك يزيل جميع الخلايا غير الطبيعية في الدم. وكذلك هناك جينات موجودة، جين مشهور اسمه tumor suppressor gene أو P53

طبعاً إذا بدأت خلية في مرحلة تسمى ما قبل التحور إلى السرطان، يتم تثبيتها وإماتتها بآلية تسمى الموت التلقائي للخلايا. فآلية يتم تنشيطها في الخلايا غير الطبيعية أو الخلايا التي

قد تنفصل وتصبح سرطانية عن طريق هذه الآلية التي تسمى P53 أو tumor suppressor gene. هناك بعض الجينات المساعدة كذلك في هذا الموضوع. فالجسم عنده آليات دفاع ضد التغيرات التي قد تطرأ على الخلايا نتيجة الانقسامات المتواصلة واحتمال حدوث أخطاء في الـ DNA، ينتج عن ذلك أن هذه الخلايا تصبح سرطانية. ولكن فوق ذلك هناك خلايا تهرب

من كل نقاط التفتيش وتختبئ في بيئات بعيدة عن الخلايا المناعية. الخلايا المناعية تطارد الخلايا غير الطبيعية في كل مكان، وتلاحقها، ويحدث لها ما يشبه التمويه، أي أن هذه الخلايا تقوم بتمويه نفسها بتغيير البروتينات الخارجية لهذه الخلايا بحيث تصبح من الخارج المستقبلات أو الـ receptors

تكون عادية، لا توحي بأن هناك شيء خطير يتم داخلها. ولذلك تفلت وتبدأ تتسرطن وتزيد وتتكاثر. نعم، فتتسرطن في بيئات بعيدة عن عين خلايا المناعة. وعندما تشتد عودها وتتمكن، هناك خلاص الموضوع يصير خارج إطار سيطرة جهاز المناعة. السرطان، أنا شبهته بالحشرات أو بالطفيليات التي تم تساقط

وقوة الكائن الحي. وفعلاً مريض السرطان يزيد عنده الأيض، لأن هذه الخلايا الشرهة، أي الاحتراق الداخلي، فيبدأ في الهزال وفقدان الوزن وعدم الأكل. إلى أن يصبح كثير من الناس شافوا ناس فقدوا أوزانهم بسبب مرض السرطان، إلى أن يتوفى بسبب هذا الأورام. زين، الحين ارجع لي، احنا شنو علاقة هذا في التطور؟

هي الآلية التي خرجت منها الخلايا السرطانية. طبعاً يعتمد على التغيرات الجينية، يعني إذا تأخذ التفسير العام للتطور، هو التغيرات التي تطرأ على الحوض الجيني لجماعة معينة عبر الوقت، أو تغير في ترددات الأليلات عبر الوقت. فأنت عندك خلايا تحمل نفس الموروث الجيني، ولكن هناك قليل جداً من الخلايا

اكتسبت طفرة جينية في آلية تكاثرها، جعلتها تنقسم وتتكاثر بشكل غير مسبوق، وأدى هذا إلى ظهور مرض السرطان. فالسبب هو الجينات التي هي بالأساس مسؤولة عن التطور، لأن التطور يحدث بسبب التغير في الجينات. فعلى سبيل المثال، يسألني بعض المرضى، كوني طبيب دم: لماذا أنا لدي سرطان؟ فسرطان الدم كثير جداً.

ومعظمها ينتج عن خلل جيني. وعندما أشك، على سبيل المثال، في نوع معين من أنواع سرطان الدم، أطلب التحليل الجيني، سواء عن طريق الدم أو عن طريق نخاع العظم. فعندما نسحب عينة من نخاع العظم، نجد أن كثيراً من هذه الأمراض لديها تغيرات جينية لا تحدث في أمراض أخرى. فعلى سبيل المثال، هناك مرض يُسمى بالسرطان النقي المزمن (Chronic Myeloid Leukemia).

في الستينيات، باحثة من فيلادلفيا، أعتقد اسمها كراولي، اكتشفت الخلل الكروموسومي الذي يسبب هذا السرطان في ذلك الوقت، حيث لم تكن الجينات قد تطورت بعد. وهو عبارة عن ما يُسمى بجزء من كروموسوم 9 يذهب ويتصل

بـ 29-22 (Translocation). لاحقاً، مع تطور علم الجينات وإجراء تسلسل الكروموسومات (Chromosomal Sequencing)، رأوا أن جزءاً من الكروموسومين يتحدان مع بعض، وسُمي هذا الناتج النووي بـ BCR-Abl. هناك منطقة تسمى BCR Breakpoint Cluster Region، وفي الكروموسوم الثاني ABL، وهو أنكوجين (Oncogene)، أي جين محفز للسرطان موجود

لكنه خامد (Silent). عندما يلتقيان بهذا الترانسlokيشن (Translocation)، وهو يعني أنك تنقل جزءاً إلى جزء، طبعاً هي طفرة عشوائية بحيث يتم التبادل. أعتقد أن كلمة التبادل أفضل من الترانسlokيشن، يتم التبادل العشوائي، ولكن ينتج عنه مرض معروف جداً ونفس الصفات في كل مريض يحصل لديه هذا المرض.

هو مرض نادر ولكنه يحدث. يعني أنا شخصياً، سنوياً يمكن أن أعالج من خمسة إلى ثمانية مرضى في عيادتي فقط، ويحدث في كثير من الفئات العمرية. الشيء الجيد أنه طبعاً الطب استفاد من هذه النقطة. كيف استفاد؟ بعد معرفة التطور الذي يحدث لهذه الخلايا، أن هناك تبادل للمعلومات الجينية بين كروموسوم 9

و 22، نتج عنه جزء من الـ DNA ينتج بروتيناً، طبعاً يتم استنساخه. هذا البروتين هو الذي يحفز انقسام الخلايا. فالباحثون أنتجوا دواءً يسوي بلوك (حاصراً) على ناتج هذه العملية. فهنا تبدأ بتوقف انقسام الخلايا. يسمونها TKI أو Tyrosine Kinase Inhibitors

لأنه إنزيم يسمى تيروسين كاينيز (Tyrosine Kinase)، لأن هذا الناتج، أو هذا البروتين الناتج عن عملية التبادل، هو عبارة عن إنزيم، أي بروتين إنزيمي لآلية معينة يقوم فيها من خلال عمليات الانقسام داخل الخلية. وأنت تعمل له بلوك (حاصراً) يسمى تيروسين كاينيز انهيبيتر (Tyrosine Kinase Inhibitor)، لأنك فهمت العملية التطورية داخل الخلية.

وفهمنا الآلية التي حدثت، وأنتجنا علاجاً يعمل على حجب هذه الآلية، وبالتالي تحوّل المرض من مرض قاتل سابقاً لا يوجد له علاج إلا بزراعة نخاع العظم، إلى مرض يعيش معه المرضى الآن لسنوات طويلة كأنهم يعيشون مع مرض مزمن. وبعد الآن، الناس تتحدث عن أنه من الممكن أن يتعافى 50% منهم تعافياً كاملاً.

بعد سنوات من العلاج، يمكن إيقاف الدواء باطمئنان. وطبعاً، هذا المرض فتح الباب أمام أنواع كثيرة من السرطان، سواء سرطانات الدم أو سرطانات أخرى مثل القولون والرئة إلى آخره. فتم إنتاج مجموعة جديدة من الأدوية تسمى الأدوية الموجهة إلى الآلية الجينية التي تحفز

إنتاج هذا السرطان. فالآن الطب الحديث، خاصة طب علاج الأورام الخبيثة أو الأمراض السرطانية، متطور جداً، ونسبة الشفاء مرتفعة. وحتى الذين لا يشفون يعيشون مع أمراضهم كأنها أمراض مزمنة. وشنو بالأخير يقضي عليهم؟ يقضي عليهم مرض آخر؟ يعني بالضبط، مثلاً، أنا دائماً أقول لمرضاي، مثلاً اللي عمره، مثلاً على سبيل المثال

وبعد، عمره ستين سنة وشُخّص بالمرض، أقول له: أنت ستعيش حياة طبيعية مع العلاج، ولكن إذا كان هناك سبب للوفاة في المستقبل، فغالباً ستكون أسباباً طبيعية، مثل القلب أو [كلمة غير واضحة] أو أي شيء آخر. ولو أن الموت موت، لكن أنا في نقطة هنا مهمة جداً، و يعني مثل ما تقول أنت دائماً، هذه الخلايا السرطانية ذكية جداً، عجيب. طبعاً، الذكاء ليس ذكاءً

بسبب وجود جهاز عصبي، بل المقصود تطورها؛ فقد تطورت بحيث يكون لديها سلاح معين، وتغلبت في بعض الأحيان على هذه الأدوية بطفرات جديدة. تقوم هذه الطفرات بإلغاء مفعول الدواء، أو أن الدواء لا يستطيع الارتباط في أماكن معينة. يعني الدواء يأتي إلى نقطة معينة ويلتحم في هذه البروتينات التي تنتجها هذه الجينات، وبالتالي يقوم بتعطيلها، لكنها غيرت

من هذه البروتينات أو أزاحتها أو غيرت مكانها، فالدواء يصبح غير فعال. خلّني أقول لك فهمي لها، وقل لي إذا كلامي صحيح أم لا. تخيلي، يعني ما أدري قد أكون مخطئاً، أن الأورام السرطانية قاعد تنمو وتتشكل كل مرة بشكل جديد، فكل مرة قاعد تتغير الـ DNA فيها، وكل مرة قاعد تصير طفرات جديدة لها في نفس الشخص. أنا أتكلم، فتحاول معها التغيرات

بعضها سينجو ضد هذا الدواء الذي وضعته، مثل البكتيريا، وبعضها يموت، نفس الشيء. ففهمنا لنظرية التطور. طبعاً، الآن في حضوري المؤتمرات، يتم استعراض الطفرات، لأنه الآن مع التكنولوجيا والتسلسل الجيني (Sequencing) والأمور هذه، التسلسل الجيني الذي هو سلسلة للـ DNA، أنت تأخذ الجين نفسه وتعمل له خطوط، فتعرف أين حدث التغير.

في قواعد بيانات ضخمة جديدة الآن للتغيرات التي تحدث في الأمراض السرطانية. تستطيع من خلال إدخال هذه التغيرات في بعض المعادلات الرياضية التنبؤ باحتمالية حدوث مقاومة، ومتى حتى تحصل هذه المقاومة مستقبلاً. الآن الدواء فعال، لكن ممكن بعد كم فترة، كم سنة، يخرج لنا نحتاج جيل جديد من الأدوية يتعامل مع أنواع جديدة من الخلايا تطورت.

وأصبح دواءنا غير عديم الفعالية، وهذا كان غير مفهوم سابقًا. فإني أتحدث الآن عن أمراض الدم السرطانية، كونها تدخل ضمن تخصصي، كان العلاج السابق يعتمد بالكامل على العلاج الكيميائي، فكان يحرق الأخضر واليابس، بمعنى أنه يقتل الخلايا الطبيعية مع الخلايا السرطانية بالكامل.

كأنك تحرق الأرض وتترك الوقت لبقايا الخلايا الجذعية الموجودة في النخاع التي نجت، أو لديها آلية للنجاة. فطبعًا هناك خلايا جذعية طبيعية لديها آلية للنجاة، أو تطورت بحيث تستطيع مقاومة العلاج الكيميائي. وإلا فإن المرضى لا يتشافون بل يموتون، لأن خلاياهم انتهت.

انتهت الخلايا ولا تستطيع إنتاج خلايا الدم. وهذا يحدث، وإن كان نادرًا، في نسبة أقل من 5% أو أقل بعد العلاج الكيميائي المكثف. المرضى لا يعودون، أي لا يوجد حل بالنسبة لهم إلا زراعة عاجلة لنخاع العظم. ولكن الآن أنت تستغل نظرية التطور، فطوريًا هناك خلايا قادرة على الرجوع والتكاثر لأنها لديها...

يعني أنت عندك، مثل ما تقول، تنبؤ. وهذه القوة في نظرية التطور، فهي من نقاط قوتها أنك تتنبأ بأن هذا سيحدث. مثل ما تقول في الرياضيات أن 1 زاد 1 يساوي 2. أنت تقول إن هناك خلايا تطورت ولديها القابلية والقدرة على الرجوع والانقسام والتكاثر.

إلى خلايا طبيعية، وبالتالي الشفاء من مرض السرطان، لأن لديها جينات اكتسبتها أعطتها هذه الخاصية. ولكن مع الأسف، هي وجهان لعملة واحدة، لأن حتى الخلايا السرطانية لديها نفس القابلية. هناك خلايا، لأن معظم سرطانات الدم تصيب أو تبدأ في الخلية الجذعية الأم.

أو تبدأ في الخلايا الجذعية التي تكون المستعمرات، الخلايا الجذعية الأساسية. السرطان يبدأ فيها، أو التغيرات الجينية تبدأ فيها، وليس في الخلايا الناضجة التي نمت وكبرت. فلو كانت فيها أي خلل، الجهاز المناعي يدمرها. هذه الخلايا مختبئة داخل الأنسجة العميقة داخل العظم. بس أنت ما قاعد تكلم عن كل أنواع السرطان، أتكلم عن سرطان الدم، وهذا ينطبق نوعًا ما على بقية أنواع السرطان.

فتكتسب، فمعظمها لديها القابلية على الرجوع. ولهذا السبب، سابقًا، سرطان الدم عند الكبار مع العلاج الكيميائي المكثف، بعد خمس سنوات تجد ثلاثين أو أربعين بالمئة فقط على قيد الحياة، والبقية توفوا بسبب رجوع المرض. يعني حتى مع العلاج الكيميائي يمكن أن يموتوا. الآن ظهر علم جديد في سرطان الدم، هذا العلم...

الآن تم بناء تصنيف جديد لأنواع سرطان الدم. سابقًا كان التصنيف مبنيًا على شكل الخلايا أو المورفولوجيا. الآن التصنيف الجديد مبني على الخلل في الكروموسومات الحادث في هذه الأنواع من السرطان. التصنيف جدول كبير جدًا، وأنا، يعني، شغلة تقنية لا أتعمق فيها كثيرًا. أحدها، مثلًا، سرطان الدم الذي تكلمنا عنه 922، هناك مجموعة من أنواع السرطان.

عبارة عن طفرة نقطية، أو طفرة في نقطة واحدة، ينتج عنها تغيير في آلية معينة يؤدي إلى الإصابة بالسرطان. وهناك أنواع عبارة عن اكتساب كروموسوم جديد، فتجد مثلاً شيئاً يُسمى ثلاثية الصيغة الصبغية (Trisomy) 8، أو حتى فقدان كروموسوم معين (Aneuploidy)، أو إلى آخره. فهذه التغيرات التي تحدث لهذه الخلايا وتجعلها

سرطانية، تم تصنيفها حسب الخلل وحسب شدته. بالطبع، في قاعدة بيانات قديمة عبر السنوات، تم تجميعها ومعرفة مدى شدة هذه التغيرات، وكم يعيش المرضى بعد العلاج التقليدي في حالة إصابتهم بهذا النوع من الخلل الكروموسومي أو ذاك النوع، أو إلى آخره. فوجدنا أنه في أنواع تمنح ميزة في البقاء (Survival Advantage)، أو تمنح أفضلية

للنجاة مع العلاج، مثلاً سنقول 70-80% قد يتشافون، وبعضها تمنح عيباً في البقاء (Survival Disadvantage)، أو أفضلية؟ لا، ليست أفضلية، بل عيباً، أي شيء سيء يحدث لهم. فعرفنا الآن أن المرضى الذين لديهم التغيرات السيئة توضع لهم استراتيجية علاج مختلفة

قد تكون زراعة نخاع عظمي من البداية، لأنه لن يستجيب للعلاج، أو المرض سيعود بسرعة، وبعدها ستكون حتى الزراعة صعبة لأنه تعرض للعلاج الكيميائي أكثر من مرة على سبيل المثال، أو فتح المجال لصناعة أدوية تستهدف هذا النوع من الخلل وبالتالي علاج هذه الأمراض. زي بس دكتور، يعني أنت قاعد تقول لي مثلا

أن الشخص أو الدكتور الذي يعمل في هذا المجال، أو الذي يعمل في الأدوية، يستخدم التطور في هذا المجال. نعم، يستخدم بطريقة غير مباشرة. يعني مثلاً التطوير أو الصناعات الدوائية شيء كبير جداً، يعني من الصناعات. طبعا بتأكيد أنا ما أقصد أن الكل يستخدمها، نعم، بس أقصد يعني كيف لو أنا دكتور الآن، أو أنا متخصص في صناعة الأدوية، كيف أقدر أستفيد من

مثلاً خريطة التطور؟ مثلاً حتى عرف كيف أنتج دواءً جديداً. نحن عرفنا، أنت ذكرت النقطة بوضوح، أن في المؤتمرات التي يستخدمون فيها التطور نفسه والتنبؤات المختلفة للطفرات التي ستحدث

حتى يعرفون المرض وين رايح، وش اللي راح يصير بعد فترة، وش ممكن أنا أبني دواء جديد، متى أبني، متى أسوي لي دواء جديد حتى يعالج المرض. طيب أنا في المختبر الآن، وعندي بعض الأفكار عن نظرية التطور، كيف أقدر أوفق بين هذه وبين صناعة الدواء فعليا على أرض الواقع؟ يعني مثلا أنا أقصد لو أنت تقول لي أن هناك

التحام للديني وتبادل للديني في مناطق محددة، أنا كصانع للدواء أقول لك: أوكي، أنا راح أنشئ إنزيم معين أو بروتين معين يوقف هذه العملية من الحدوث. لا تحتاج مني أن أنا عرف نظرية تطور حتى أعالج هذه الشغلة. فشلون ترد على هذا التساؤل؟ طبعا أنا ما يخالف، أقدر أقول أنه من الصعوبة أن نقحم مفهوم التطور ككل ككونسبت

في كل خطوة نقوم بها، نتحدث عن الأمر بصورة عامة، لكن الجوهر هو أنني أرد على بعض جوانب سؤالك. فالتجارب المخبرية على الأدوية تبدأ من مرحلة ما قبل السريرية، وقد تكون على الخلايا وحيدة الخلية أو على الحيوانات. وكون الباحثين يستخدمون الحيوانات لإجراء تجاربهم المبدئية على الدواء، فهذا اعتراف ضمني

بأن هذه الكائنات الحية تشترك مع الإنسان في العمليات البيولوجية. فأنت تريد أن تعرف أولاً: ما هي أفضل طريقة لامتصاص الدواء؟ هل عن طريق الجهاز الهضمي، أم الجلد، أم الحقن؟ وبعد معرفة هذه العملية، تريد أن تعرف كيف يرتفع تركيز الدواء في الدم، وكم ساعة يبقى فيه. وبالطبع، تختلف الكائنات الحية في عمليات الأيض والتخلص من الدواء، ولكن

الأدوية التي تُفرز من الكلية، أو التي يتم تكسيرها في الكبد ثم التخلص منها، ستُفرز من كلية الأرنب والفأر والهامستر وحتى الإنسان. فمستحيل أن يُفرز دواء عبر الكلية في الهامستر والإنسان. أما عن طريق الكبد، فيتم تكسير الدواء الذي يتم التخلص منه عن طريق الكبد وإفرازه مع عصارة المرارة، وبالتالي خروجه من الجهاز الهضمي

سيخرج مع الجهاز الهضمي في الأرنب والقردة والإنسان. دكتور، سؤالي، وأقاطعك من خلفي: أنا ذكرت شيئاً، نعم، أنت ذكرت فيه، عندما ذكرت عملية التجارب العلمية على الكائنات الحية، فعلاً واحدة من الأشياء التي يقوم بها العلماء دائماً هي إجراء تجارب على بعض الكائنات الحية التي تعيش مدة قصيرة وتتكاثر بسرعة، صحيح، على مدى أجيال. ما هو الهدف منها؟

أنهم يعلمون أن هذه الأجيال، على مر الوقت، ستُطوّر آليات معينة لمقاومة الدواء، أو ستُطوّر آليات معينة لقبول هذا الدواء، أو ستظهر فيها تغيرات معينة. فلو لم يؤمنوا بنظرية التطور، لما جرت هذه الاختبارات على مدى أجيال من ذبابة الفاكهة (Fruit fly)، لأن مدة حياتها قصيرة جداً، فهي أفضل مثال لدراسة الأمراض أو الجينات عليها.

أنت حين سحبتني إلى نقطة ثانية مهمة جداً، قد تكون جزءاً من موضوعنا، وهي أنه من ذبابة الفاكهة تم في الواقع تصنيف الجينات المسؤولة عن إنشاء الأعضاء في الجسم. يعني بعد تلقيح البويضة، تنقسم الخلايا، فكيف تتجه بعض الخلايا لتصبح نسيجاً ضاماً، وبعضها عضلات، وبعضها جهازاً عصبياً، وبعضها قلباً؟ هناك

مجموعة من الجينات اسمها جينات الهوميو بوكس (Hox genes). لو دخلتم إلى الإنترنت، يمكنكم قراءة عنها. فهي موجودة منذ زمن بعيد، موجودة في ذبابة الفاكهة، موجودة في الكائنات الحية، وموجودة عند الإنسان. وبالطبع، مع الوقت تدخل تغيرات جينية، ولكن المبدأ موجود. وهذا بسبب دورة الحياة السريعة في ذبابة الفاكهة، وتم

إجراء تحويرات في جينات الهوميو بوكس عند ذبابة الفاكهة، بحيث لعبوا مثلاً في الجينات التي تتحكم بالعين، فأصبحت العين تظهر في الظهر أو في البطن. وفي ذبابة الفاكهة، توجد تجارب أو أن بدل أن تظهر أربع أرجل، لم تظهر أرجل عندما حُذفت الجينات المسؤولة عن التحكم في إنشاء الأرجل، أو ظهر عدد مضاعف من الأرجل، وقُيس عليها أمور كثيرة.

استطاع العلماء تحديد خصائص الجينات التي تتحكم في تكوين أعضاء الجسم وترتيبها، بحيث يكون الرأس في الأعلى، ثم الصدر والرئتان والقلب في المنتصف مع البطن، ثم الساقان والقدمان في الأسفل. تتحكم في هذا الترتيب جينات تُسمى جينات الهوميو بوكس (Hox genes)، وهي موجودة من ذبابة الفاكهة وحتى الكائنات الأبسط وصولاً إلى الإنسان.

إذن، يمكنني أن أشرح لك كيف أدت التجارب إلى فهم فيزيولوجيتنا، أي فهم فيزيولوجيا الإنسان. لنعد الآن إلى موضوع الأدوية؛ فهناك مثلاً تجارب تُجرى على... أود أن أقول إن لدي مرضاً وأجري عليه تجارب، وهو مرض فقر الدم المنجلي. من الناحية التطورية، لا توجد فئران مصابة بهذا المرض.

فكيف أجرب عليها أدوية جديدة مثلاً، أو أدرس مضاعفات المرض على أجسامها؟ أطلب من شركات متخصصة في البيولوجيا فئران تُسمى الفئران المعدلة جينياً (Knock-out mice). تقوم هذه الشركات بتربية سلالات من هذه الفئران بحيث يمكن التلاعب في جيناتها، فتُنتج فأراً يتكوّن في دمه دمٌ متجلط.

عجيب، أو مثلاً تريد اختبار مرض النزف الوراثي المسمى الهيموفيليا. الهيموفيليا عبارة عن مجموعة من الأمراض، وأشهرها الهيموفيليا A و B. ينتج الهيموفيليا A عن نقص العامل رقم 8. المرضى المصابون بهذا المرض يحتاجون إلى أخذ هذا العامل عن طريق الوريد بشكل مستمر، وإلا سيصابون بنزيف في أجسامهم، ونزيف داخل مفاصلهم، إلى آخره.

فكيف تستطيع تجربة أدويتك، أو دراسة مضاعفات هذا المرض على الحيوانات؟ تطلب من المختبرات فئرانًا مصابة بالهيموفيليا. فيعدّلون الحمض النووي بإزالة الجين المسؤول عن تصنيع العامل رقم 8، وينتجون فأرًا بهذه الصفة. وقِس على ذلك كثيرًا من الآليات والجينات التي تتحكم بوظائف الإنسان؛ فهي موجودة أيضًا في الفئران والأرانب.

ويُطلب من هذه المعامل المتخصصة، وهي موجودة بالطبع الآن، وموارد البحث متاحة عبر الإنترنت، فئران معدلة جينياً (Knock-out animals) تُستخدم في الأبحاث. تتابع أنت دراسة مرض يُسمى مثلاً التليف الكيسي (Cystic Fibrosis)، وهو يصيب الرئة ويؤدي إلى تجمعات صديدية. ومعروف الآن الجين المسؤول عنه، فيأتونك بفئران تم إزالة الجين منها انتقائياً، وبالتالي عندك...

تستطيع تجربة دوائك عليه في البداية، إلى آخره. وقد قُيست عشرات الأبحاث الآن. لو فتحت أي مجلة علمية طبية مهتمة بالبحث الأساسي (Basic Research) والبحث التجريبي (Experimental Research)، فمن المستحيل ألا تجد مقالين أو ثلاثة تتحدث عن الحيوانات المعدلة جينياً (Knock-out animals) التي تُجرى عليها هذه التجارب. هذه العلاقة الموجودة، أو هذه التطبيقات، مرتبطة بنظرية التطور مباشرةً وغير مباشرة، بالطبع.

بين التجربة الحيوانية وفائدتها للإنسان. أعتقد، لأستخلص من كلامك، أن فهم نظرية التطور يمنحنا فهماً أعمق لفسيولوجيا الإنسان والكائنات الحية، وكيفية التعامل معها وتغييرها بحيث تتناسب مع الأدوية التي نحاول تصنيعها. قد لا يكون هناك ارتباط مباشر في هذه الحالة، لكنني قرأت بعض المقالات التي تشير إلى وجود ارتباط.

مباشر على الفور، لكن في الحالة التي نتحدث عنها، الارتباط هو ارتباط مفاهيمي: كيف نتعامل مع الأشياء التي تطورت على مدى سنوات طويلة، وما أصولها الأصلية، وكيف بدأت؟ مثل فيروس مرض الإيدز، أو الأفضل أن نقول: أين بدأ، وإلى أين وصل، وكيف يتغير الآن؟

وكيف أستطيع أن أحاول علاجه، ولو أنه لا يوجد علاج حاليًا لأن التغير يحدث عليه باستمرار؟ فالمفاهيم نفسها هي التي تغيّر طبيعة تعاملنا مع الأدوية، بحيث نصنع أدوية أفضل في ظل هذه البيئة التي نفهمها فهمًا صحيحًا. لو كنا نفهم البيئة على أنها ليست تطورية، فاحتمال كبير أننا لن نعرف حتى كيف ننتج دواءً مناسبًا.

لما يحدث، ويمكن حتى في المستقبل، أن أكون محتارًا. يعني، حين صنعت هذا الدواء، ماذا حدث في الإنسان الذي قاوم هذا الدواء بعد خمس أو ست سنوات؟ مع أنه، لو لم تكن هناك نظرية التطور، لكان معناه أنه لم يعد بوسعي تغيير هذا الدواء. الإجابة على السؤال تكمن في التطور؛ فالتطور يأتي بصورة تلقائية، سواء أردت ذلك أم لم ترد. فهو تطور الخلايا الحية.

لا تظل الخلايا كما هي، بل تتغير وتتطور باستمرار. نأتي الآن إلى موضوع الأنيميا المنجلية. الأنيميا المنجلية هي أحد أنواع فقر الدم الوراثي، وهي جزء من الأمراض التي نتعامل معها كأطباء أمراض دم، وهي منتشرة في منطقتنا، مثلًا في الخليج، وفي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، والبحرين.

في الإمارات، وقد تكون موجودة في قطر، والكويت. ما هي الأنيميا المنجلية؟ وماذا تفعل؟ الأنيميا المنجلية مرض يتغير فيه شكل الخلايا من الشكل الدائري؛ فالكرات الدم الحمراء لها شكل الصحن، أو الدونات، لكن ليست مثقوبة تمامًا، أو ما يُعرف بالشكل القرصي. لكن المريض المصاب بالهيموغلوبين المنجلي...

يتغير شكل الخلية إلى شكل هلالي أو منجلي، كأنها مطوية، أي كأنها تصبح هلالًا. وتصبح جدران الكريات الحمراء صلبة، فلا تستطيع الدخول إلى الشعيرات الدموية الدقيقة. الشكل الدائري يمنح مرونة للجدران، لأن مساحة سطح الكريات الحمراء...

أكبر نسبيًا من حجم الهيموغلوبين الموجود داخلها، وبالتالي تستطيع هذه الكريات أن تغرس نفسها في الشعيرات الدموية الدقيقة، واحدة تلو الأخرى، أي يمكنها أن تضغط على نفسها. تخيل أنك تأخذ بالونًا كبيرًا وتحشر فيه هواءً قليلًا، فيمكنك ضغطه من النصف دون أن ينفجر، صحيح؟ لكن في حالة الأنيميا المنجلية، ماذا يحدث؟ ما يحدث على المستوى الجزئي أو الجزيئي...

أن جزء الهيموغلوبين يتكون من أربع سلاسل بروتينية: سلسلتين ألفا وسلسلتين بيتا، وبينهما حلقة تسمى الهيم. تحمل هذه الحلقة الحديد في مركزها، أي أن الحديد مثل جوهرة التاج محمول داخل هذه الحلقة.

محاطة بأربع سلاسل، هذه السلاسل الأربعة هي الهيم، وفي وسط الهيم يوجد الحديد. الحديد هو الذي يتحد مع الأكسجين، وبدون الحديد لا توجد عملية احتراق، وبالتالي لا توجد طاقة. لهذا السبب، أكثر أنواع فقر الدم شيوعاً هو نقص الحديد؛ فالناس الذين يعانون من نقص الحديد يعانون من فقر الدم. نعود إلى موضوع سلاسل بيتا.

تتم تشفير سلاسل بيتا بواسطة جينين: جين يأتي من الأم وجين يأتي من الأب. أما سلاسل ألفا فتتم تشفيرها بواسطة أربع مجموعات من الجينات: اثنتان تأتيان من الأب واثنتان تأتيان من الأم. ننتقل إلى سلاسل بيتا، لأن المشكلة في الأنيميا المنجلية تكمن في سلاسل بيتا. الأنيميا المنجلية تنتج عن حمل طفرة.

في عامل واحد فقط، وهو عامل DNA واحد، بحيث يتغير البروتين الذي يتم تشفيره في موقع معين ليصبح بروتيناً آخر. يعني، عندك الجلايسين يصبح فالين بسبب طفرة واحدة، وهي سلسلة من مئات البروتينات. سلسلة بيتا هي مئات البروتينات التي تشكل سلسلة بيتا، وهو البروتين المكون للهيموغلوبين.

طفرة واحدة فقط في موقع واحد، يتغير بروتين في موقع واحد من جلايسين إلى فالين. فما المشكلة التي تحدث؟ الفالين مع الفالين المتلاصق، لأن النهاية هي سلاسل بروتينية داخل كرات الدم الحمراء، وعددها بالملايين. الفالين مع الفالين، إذا التقيا داخل كرات الدم الحمراء مع نقص الأكسجين، أي عندما يُزال الأكسجين عن الدم.

تسحب الخلايا الأكسجين، ثم يعود إلى الرئة للتأكسج، ثم يعود مرة أخرى. يتحد جزيئا الفالين معاً برابطة تساهمية، فتتكون شراكة سلسلة، بحيث تتغير سلاسل بيتا من حالة شبه سائلة داخل الكريات الحمراء إلى حالة شبه صلبة، أو بوليمرات. يصبح مثل البوليمر، أي البوليمر.

البوليمر والبوليمرات، حتى لو قرأت التوصيف، فهذا ينتج الشكل الهلالي. تصبح سلاسل جزيئات بيتا جافة جداً على شكل عصي. فتخيل أنك تضع عوداً داخل بالون، فتأخذ هذه البالونة، إذا أمسكتها، شكل العود، فتأخذ الشكل الهلالي.

فلما تذهب هذه الخلايا إلى الرئة ويتم تأكسدها مرة أخرى، ترجع إلى وضعها الأول، وتتفكك الروابط التساهمية بين جزئي الفالين. وماذا ينتج عن هذا؟ يعني أن الحديد لا تستطيع الوصول إليه. الآن هذه الخلايا في مرحلة متغيرة من التأكسد، أي الأكسجين والتأكسد وإزالة الأكسجين.

فالخلية تأخذ الشكل المنجلي ثم ترجع مرة أخرى، وتأخذ الشكل المنجلي. مع الوقت، لا تستطيع العودة إلى شكلها الطبيعي، وتحدث تغيرات لأن جدران كرات الدم الحمراء حساسة جداً. ففي النهاية، تأخذ الشكل المنجلي. وما يزيد من حدوث هذه العملية هو إذا انتقل المريض إلى أماكن مرتفعة، لأن فرصة حدوث أزمة منجلية تكون عالية جداً، لأنه.

عندما ينقص الأكسجين، تتحول خلايا الدم الحمراء في جسمه إلى الشكل المنجلي. فماذا يحدث؟ هذه الخلايا المنجلية لا تستطيع العبور داخل الشعيرات الدموية لأنها غير مرنة وجافة، فتتشابك مع بعضها البعض وتغلق الشعيرات الدموية. فإذا أغلقت الشعيرات الدموية في جزء معين من الجسم، ماذا يحدث؟ يحدث أن

لا يصل الدم، فيقل الأكسجين، وبالتالي يعاني هذا الجزء من نقص الأكسجين. هل تقصد أن الشخص يموت؟ لا، بل تموت الخلايا في هذا الجزء. لذلك ترى دائمًا أن المصابين بفقر الدم المنجلي يعانون من آلام داخل العظام، ونسمي ذلك بالنخر الدماغي الجزئي (Microinfarction). النخر هو موت جزء معين، وكلمة ميكرو تعني صغير، فيحدث لهم نخر جزئي داخل

أكثر الأماكن تأثرًا هي رؤوس المفاصل، ومفاصل الفخذ، وكثير منهم يستبدلون مفاصل الفخذ في سن مبكرة. كما تتأثر مفاصل الذراعين والفقرات الظهرية، حيث يحدث فيها انهيار وضغط نتيجة موت أجزاء من هذه العظام لعدم وصول الأكسجين. والأخطر من ذلك أنه حتى منذ الطفولة

تحدث جلطات صغيرة جدًا، حتى في الدماغ. نعم، يتأثر الدماغ، وهذا يؤثر على تحصيلهم العلمي وتطورهم الذهني. هذا معروف وموصوف، وهو أمر خطير جدًا. كما يؤثر على الأعضاء الداخلية. بالطبع، قد يشعر بعض المستمعين بالرعب بسبب هذا البرد، لأنه لا يوجد علاج، والآن مرضى فقر الدم المنجلي يعيشون

حياة طبيعية، أي يصلون إلى أعمار لم يكونوا يعيشونها سابقًا. سابقًا، كان الحد الأقصى للعمر 30 أو أربعين سنة، فلم يكونوا يعيشون فعليًا. أما الآن، فهم يتجاوزون هذا العمر بكثير، ولكن ينتج في النهاية تلف في الكلى، والكبد، وربما في الدماغ والعظام وأعضاء كثيرة من الجسم. وبالطبع، يعانون من تكسير الدم لأن هذه الخلايا تتكسر

فعينهم دائمًا صفراء، ويعانون من تكسير مزمن في الدم. الآن نعود إلى الجانب التطوري. نعم، أود أن أقول لك: نعود إليك، لكن استمتعت بالحديث. قبل ذلك، لا خلاف على أن هذا تخصصك، وأنا أعلم ذلك. فقل لي: ماذا يجب أن يلاحظ الشخص على نفسه حتى يعرف أنه يعاني من المشكلات؟ على سبيل المثال، عندما يولد الأطفال، يكون لديهم نوع معين من الهيموغلوبين نسميه هيموغلوبين F أو هيموغلوبين الجنين، وهو السائد

بعد ولادة الطفل، يحدث إيقاف للجين في آلية تتحكم فيها عملية دخول الأكسجين إلى الجسم. في آلية تفاعل معينة، يحدث هيدروكسلة وكربوكسلة. هذه الآلية التي يتم فيها تعطيل الجينات، فيحدث هيدروكسلة وكربوكسلة، أي يتم إضفاء غطاء من مجموعات الهيدروكسيل ومجموعات الكربوكسي على الجينات، فتتوقف الجينات عن العمل

ويتم استثارة جينات بيتا التي تنتج الهيموغلوبين بيتا. لا خلاف، لكن ارجع لي مرة أخرى. الآن، أنا لست متخصصًا ولا أعرف الفرق بين الهيموغلوبين وشيء آخر. يعني، إذا كان لديك طفل مصاب، كيف نعرف ذلك؟ تشعر بأن بعد ستة أشهر من العمر، سيبدأ وجهه في الشحوب، ولونه أصفر مصفر، وقد يزيد هذا مع الوقت. وقد يبدأ بالبكاء من غير سبب، وبالطبع هو يتألم لأنه قد يصيبه نوبة ألم

ويبدأ بالبكاء، ويظهر عليه الانزعاج، ويكون شهيته للحليب أو للتغذية أقل قليلاً من أقرانه. حتى في حالة الرضيع، عادةً ما تظهر الأعراض بعد 6 شهر من العمر، لأن عند بلوغه 6 شهر يكون الهيموغلوبين F (الطفولي) قد انتهى من الجسم، ويصبح الموجود غالباً هو الهيموغلوبين الذي يُسمى الهيموغلوبين A (البالغ)، وهو الذي يحتوي على سلاسل بيتا التي تسبب الأنيميا المنجلية. فبعد 6 شهر من العمر تبدأ الأعراض.

لهذا السبب، يجب أن يبدأ العلاج من هذا العمر في المرضى المعروفين بإصابتهم بهذا المرض. الآن، بالطبع، عندما يبدأ الطفل في النمو، سيشكو من ألم في مكان معين، ولن يستجيب للمسكنات العادية، أي أن البكاء يكون مرضياً، فيتم تشخيصه فوراً في المستشفيات، نظراً لانتشار هذه الحالة في مناطقنا.

فالتشخيص ليس صعباً، إذ يشك أطباء الأطفال على الفور في وجود هذه الحالة، ويجرون التحاليل اللازمة لاكتشافها لدى الطفل وهو رضيع، وذلك عن طريق التحليل الجيني. الآن، هناك أشخاص حاملون للمرض وليسوا مصابين به، لأن هذه الصفة متنحية، فلا بد من توريث جينين: جين من الأم وجين من الأب. إذا ورثت جيناً واحداً فقط، فأنت حامل للمرض ولا تعاني من أي شيء، ولا تظهر عليك أعراض.

فيجب أن تحمل جينين لكي تعاني من هذا المرض. نعود الآن إلى التطور؛ فالشيء المثير للاهتمام، وحسب قراءاتي حول تطور هذه الجينة، هو أن الهوموسيبينز (Homo sapiens) موجود في أفريقيا قبل انتقاله إلى بقية أجزاء الأرض من 200 ألف سنة. الآن، قالوا إن هذا الجمجمة في المغرب يعود إلى 300 ألف سنة، ربما.

زاد عدد السنين، ولكن هناك احتمال كبير أن ظهور جينة السكل، وهي عبارة عن طفرة في مكان واحد، أي أنها سهلة جداً وسهلة الانتشار من غير تعقيد، حدث قبل 6000 سنة في أفريقيا. الاحتمال كبير، حسب التحليل الجيني والتقديرات الجينية، أن هذه الطفرة حدثت في ما يُسمى بحزام الملاريا أو حزام الملاريا الاستوائية.

لأن الملاريا هي القاتل الأول على مستوى العالم من حيث الإصابات، حيث تقتل ما يقارب أكثر من 800 مليون شخص. كانت كذلك، بالطبع، ومع الطرق العلاجية الحديثة قد تكون هذه الأرقام قليلة جداً الآن، ولكن كثيرين يفقدون حياتهم بسبب الملاريا. فمن هو الشخص الذي لديه حصانة ضد الملاريا؟ هو الشخص الحامل للجينة، وليس بالضرورة المصاب، لأن إذا حملت صفة واحدة فقط، بالطبع...

حدثت طفرة، وهذا انتخاب طبيعي. نحن الآن نتحدث عن الانتخاب الطبيعي لطفرة كانت موجودة، ومنحت ميزة للبقاء، أو survival advantage، لمجموعة من الحاملين لها أو حتى المصابين، حتى يصلوا إلى سن التكاثر. فهدف الجينات هو الوصول إلى التكاثر؛ لا يهم من هذه الناحية إن كنت تعاني أو تتألم، ما دمت تصل إلى السن…

…التي تتكاثر فيها، وبعد ذلك تتعامل مع مرضك. صحيح، وهذا ما حدث للأسف. قبل 6000 سنة ظهرت هذه الجينة في أفريقيا، ومنحت ميزة للناس الذين يعيشون في تلك المنطقة. وبسبب الهجرات وتلاقي الناس على مدى آلاف السنين، انتقلت إلى مناطقنا أيضًا؛ وهي الجينة التي تمنح ميزة ضد الملاريا.

ما يُسمى بأنيميا البحر المتوسط أو الثلاسيميا، هي صفة وراثية نشأت في أفريقيا وانتشرت في منطقتنا بالشرق الأوسط. هل هذه الصفتان منعتا مرض الملاريا؟ ومنحتا فرصة أكبر لحاملي هذه الصفات ليورثوا جيناتهم مقارنةً بمن لا يحملون هذه الصفات؟ فإذا ذهبت إلى مناطق وسط أفريقيا،

ستجد أن أكثر من 50% من السكان يحملون هذه الصفة أو مصابون بها، وقد اعتادوا على هذا الوضع لأنهم يقاومون مرض الملاريا. فكريات الدم الحمراء المنجلية تفقد المستقبل أو المستقبل الخارجي الذي تستغله البزلزوا (الطفيل)

البلازموديوم، ويُسمى البلازموديوم الملارية، للدخول داخل الخلية، لأنها تدخل داخل كريات الدم الحمراء وتتكاثر أو تقضي جزءًا من دورة حياتها داخلها. والمستقبل الذي يدخل عبره غير موجود لدى المصابين بالأنيميا المنجلية، مما يمنحهم ميزة البقاء على قيد الحياة. هل هذا يفيدني في تطوير دواء معين لهذا الأمر؟ لا، بل هو مجرد فهم لآلية

ظهور الأنيميا المنجلية وانتشارها في أماكن معينة. الآن، القضية من ناحية علاج مرض الملاريا، هناك أبحاث توجهت نحو هذا المستقبل الذي تستغله الملاريا، ولكن هذا يتطلب أدوية باهظة الثمن لإنتاج دواء أو أجسام مضادة تحجب

هذه المستقبلات. ولكن حتى هذه الأدوية قصيرة العمر، ولن تكون فعالة على مستوى شعوب كبيرة جدًا. دكتور، قلت إن منطقتنا، في الكويت والسعودية وقطر وبعض المناطق، يوجد فيها نوعان: نوع تطور من الأنيميا المنجلية خلال 6000 سنة، وهو النوع الموجود لدينا، والنوع الهندي.

النوع الأفريقي موجود في السعودية، في الأجزاء الغربية مثلًا في الحجاز، حيث جاء الناس حاملين هذه الجينة ولم تتطور. أما الجينة التي ذهبت إلى الهند فجاءتنا بشكل متطور. كيف؟ لأن الجينة الهندية، أو ما يُسمى بالمتغير الهندي (Indian Variant)،

ينتج عنه زيادة في إنتاج هيموغلوبين يُسمى هيموغلوبين F، وهو هيموغلوبين طفولي. وهذا يمنح، على العكس، ميزة بقاء (Survival Advantage)، فتعاني أقل من آلام ومضاعفات هذا المرض، لأن الهيموغلوبين الطفولي طبيعي يؤدي نفس الوظيفة ويقلل من تركيز

الهيموغلوبين المنجلي داخل الكريات الحمراء، وبالتالي يقلل من مضاعفاته. هل هذا المرض موجود في أوروبا وأمريكا؟ نعم، موجود لدى الناس الذين أصولهم من أفريقيا أو الشرق الأوسط. الأوروبيون لا يعانون من هذا المرض. فمثلاً في أمريكا، تجد مراكز أبحاث في المدن التي يقطنها الأفارقة الأمريكيون. لا، لكن دعني أعود لأؤكد حتى أفهم جيدًا: أنا أتحدث عن فقر الدم المنجلي، نعم، موجود هنا، موجود فقط هنا.

إلا بالمهاجرين، طبعًا. أنت تقول إن الأمريكيين والأوروبيين لم يعرفوا هذا المرض قط. كيف عرفوه عندنا؟ إنه موجود في الأبحاث، لأن هذا مرض معروف عادةً. الأبحاث لها عالم معين اكتشفها. أتذكر من اكتشفها؟ هو موصوف في الكتب القديمة.

وطبعًا، مع تطور الطب، تم وصفه، لأنهم كانوا فيه مهاجرين هنود إلى بريطانيا من 1800 وشوية، ومهاجرين أفارقة إلى أوروبا من القرن الماضي وحتى ما قبل القرن الماضي، وكان بعضهم مصابًا، فتم وصف المرض ومعرفته من بدايات القرن العشرين. دكتور، مرة ثانية، نرجع حق

التطور. نحن نعرف أن الهجرة تمت من أفريقيا وراحت باتجاه أوروبا ودول الثانية كلها، يعني هذه الهجرة الأولى اللي صارت. ما كان فيهم بالضبط. نحن قلنا عمر الجينة تقريبًا ستة آلاف سنة. هذه بعد انتهاء الهجرات. الهجرات كانت وين؟ سبعين ألف سنة. الهجرات قديمة، يعني يمكن الإنسان أن ينتر دال موجود هناك وتفاعل مع فأنت تتكلم على طفرة نشأت في حوض الملاريا في أفريقيا للحماية من الملاريا

بصورة الانتخاب الطبيعي. طفرات وانتخاب طبيعي وتطور. أنت حالة معينة تعطي فائدة أو فرصة أكبر لأن الإنسان يعيش في ظروف هذه الظروف الصعبة. تدري شنو اللي أنا مستغرب منه دكتور؟ أنت عارف لما مثلاً تطالع تلفونك اليوم، اللغة العربية اللي فيه مثلاً خلي أعطيك مثال بخالف شوية بختلف. اللغة العربية اللي موجودة على التلفون اليوم، لو تأخذ الكيبورد الأبل

وتقعد تكتب رسالة وتقارنها مع الكيبورد اللغة الإنجليزية على التلفون على الآيفون، خلينا نقول تمام. تلاقي بالتحديث اليديد iOS 13 اللي نزل أمس، أمس نعم. تقدر تسوي سوايبينج على الكلمات على الحروف، عفواً نعم. وإنت قاعد تسوي سوايبينج يعطيك الكلمة يطلع لكياها ويصلح لكياها صحيح. باللغة العربية لازم ترد تضغط كلك كلك زر ورا زر حتى تكتب الكلمة، تمام نعم. اللي يبقى بينه

أن عادة الغرب عندما يريد أن ينتج شيء للعالم العربي يتأخر، لأن هذه ليست ثقافتهم ولا شغلهم. أنت تريد أن تنتج إنتاجاتك تفضل، وإذا احتاجوا أن يطوروا هذه الأمور يستقطبون بعض العرب حتى يطوروها لهم لكي يستفيدون من المنتج، وهذا يأخذ وقت طويل. اليوم كنت مع صديقي كنا نتكلم عن هذا الموضوع فقلت له

لما تطور الكتابة على الآيفون بحيث يصير أنه من مخك أنت بس تفكر وتكتب اللغة الإنجليزية، راح يطول لنا كيبورد سوايب على الكيبورد اللي موجود بالأبل بعد ما هم يطورون سنوات ضوئية، تمام صحيح. الحين بس لا لحظة، دواء هذا المنجلي، عفوا المرض المنجلي، من اللي سوال الدواء إذا هو كان خاص فينا إحنا

مو من المعقول ان الغرب شريط طلع دول لا مش في احنا جزء من منظومة كبيرة لان المرض موجود في افريقيا موجود في الشرق الاوسط موجود في جنوب شرق اسر من ضمنها الهند وبعدين كل ما تروح الى مثلا اللي هو اندونيسيا ماليزيا خلاص مش موجود هناك اكثر عندهم الثلاثيمية نوع الفة سمونا الفة ثلاثيمية متشرك كتير عندهم الاعتقد اللي خلى

خلال فترة المرض، وهو مفهوم معروف في الغرب، تشير الهجرات بالطبع إلى وجود الأفارقة في أمريكا، وجلبهم خلال فترات العبودية السابقة، منذ عام 300 على سبيل المثال، وكذلك وجود العمال من الشرق الأوسط أو الهند أو أفريقيا في أوروبا.

خلال القرنين الماضيين، وبالطبع، كان الباحثون موجودين في أيام الدول الاستعمارية، وقد عرفوا أن هذه الأمراض موجودة منذ ذلك الوقت. أقصد أن أقول لك قصة، والشيء بالشيء يذكر، في الستينيات انتبه أحد الباحثين البريطانيين إلى نقطة، وسأل نفسه سؤالاً، فقال إن الهنود الهندوس النباتيين، وبعضهم نباتيون صارمون.

بالطبع، نعرف أن فيتامين ب 12 موجود في المصادر الحيوانية فقط، وأن فيتامين ب 12 من أهم الفيتامينات التي يحتاجها الجسم، خاصةً في تصنيع الحمض النووي في الخلايا الجديدة. نقص فيتامين ب 12 يؤدي إلى أمراض كثيرة جداً، وهذا ليس موضوعنا. لاحظ أن النباتيين الصارمين يأتون من الهند، في ذلك الوقت أيام دول الكومنولث، حيث كانت مسألة الهجرة سهلة، فالمواطن الهندي يستطيع أن يأتي إلى بريطانيا من دول الكومنولث.

ويعيش في بريطانيا. فالمهاجرون الهندوس النباتيون الصارمون يأتون ولا يعانون من أي أعراض لنقص فيتامين ب 12، ولكن بعد بقائهم في بريطانيا لسنتين أو ثلاث سنوات تظهر عليهم أعراض المرض، رغم أنهم لم يغيروا عاداتهم الغذائية، وهم يأكلون نفس الطعام. فيتامين ب، لا الشمس، والبيتافول، يقول لنا إنه موجود فقط في المصادر الحيوانية، في اللحوم.

وفي أي مصدر حيواني، حتى في الحشرات، موجود. فقام ببحث، انظروا إلى عقلية البحث، وهذا سؤال لفت انتباهه. سافر إلى الهند وقام ببحث، ونشر ورقة علمية أو مقالة علمية في ذلك الوقت في الستينيات. ما النتيجة؟ يقول لك إنهم هناك، من حيث مستوى النظافة أو المستوى الصحي، متدني.

فالورقيات والخضروات التي يأكلونها مليئة بالديدان وبيض الديدان، حسن، بيض الديدان. فهذه تشكل مصدراً للبروتينات وفيتامين ب 12. عجيب، عجيب. فعندما أتوا إلى بريطانيا، هذه الورقيات نظيفة، تنتج في مزارع عليها رعاية ورقابة، ولا تحتوي على ديدان أو مبيدات، إلى آخره.

فنقص هذا المصدر الذي كانوا يأخذونه من موطنهم، فظهر عندهم مشكلة نقص فيتامين ب 12. ما معنى هذه القصة؟ معناه أن هذا الطب الغربي، في النهاية الطب الحديث طب غربي، وتطور ونشأ عندهم، أولئك الذين يمارسونه الآن قد تكون فيه جذور موجودة من أيام اليونانيين، ثم علماء المسلمين، إلى آخره. ولكن الطب الحديث طب غربي بحت. هم استعمروا العالم.

ووصفوا أموراً كثيرة، لدرجة أن داروين ذهب إلى جزر لم يكن أحد قد سمع بها من قبل. عندهم حبوا الاستكشاف، وحبوا التوصيف، وحبوا التدوين، وحبوا الكتابة، فوصفوا كل شيء كانوا يرونه. يعني حتى مثلاً المرض الذي تكلمت عنه، الهيموفيليا، ونقص العامل الرقم الثمانية، سبب نزف الدم، آخر قياصرة روسيا الذي أطيح به بالثورة البلشفية، عائلة آل رومانوف، اسمه أليكسس، ابن القيصر.

كان يعاني من الهيموفيليا، فكان ينزف دائماً داخل المفاصل، حتى كانت بعض المفاصل تمتلئ بالدم، وهكذا. وقد استغل راسпутين هذه النقطة، إذ ادّعى للعائلة أنه قادر على شفاء هذا المرض عبر أمور هي في الحقيقة كلها شعوذة ودجل. والقصة معروفة، وهي قصة آل رومانوف.

هذه الجينة تنتقل من الأم إلى الابن؛ ويُسمى الهيموفيليا A بـ X-linked، أي أنه موجود على الكروموسوم X. طبعاً، الذكر يحمل X وY، فيأخذ Y من الأب وX من الأم، بينما الأنثى تحمل X وX. فإذا كانت الأنثى حاملة لجينة X مصابة بهذا المرض، فإن ابنها يكون مصاباً، لأنه لا يملك كروموسوم X آخر يعوّض عنه، أما البنت فتأخذ X من أبيها وX من أمها.

ولأنه مرض نادر، فمن النادر أن يكون كلا الكروموسومين X مصابين، فتكون الأم حاملةً للمرض لا مصابةً به، لأن هناك كروموسوم X سليماً يعوّض. ومن أين أتت هذه الجينة؟ أتت من الملكة فيكتوريا. تزوّجت بنات الملكة فيكتوريا من أمراء أوروبا، وبعض بنات هؤلاء الأمراء أنجبن أطفالاً مصابين بالهيموفيليا. وكان أحد العوائل المصابة هو آل رومانوف.

الذين سقطوا في الثورة البلشفية. والمعلوم عن الهيموفيليا أنه 70% أو 80% من الحالات وراثية، لكن نسبة كبيرة تصل إلى 30% تكون طفرات عشوائية تحدث في الجينة، فتكون هناك عوائل لا يوجد فيها تاريخ لهذا المرض، ومع ذلك يولد لديها طفل مصاب نتيجة هذه الطفرة العشوائية غير المتوقعة. دكتور، الحديث معك لا ينمل، شكراً. أنا ألاحظ أنني أحياناً...

أحياناً أنجرف في حديثي دينياً، فأنسى أحياناً ما كان الموضوع عنه. وأشكرك شكراً جزيلاً على هذه المقابلة الراعية. كان معنا الدكتور فيصل الصايغ، استشاري أمراض الدم، وأستاذ مشارك بكلية الطب في دولة الكويت. يعطيك العافية، شكراً دكتور محمد.

✦

نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.