نص المؤلف الأصلي، يليه تفريغ التسجيل الكامل بما فيه الحوار.
9 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
كما ذكرت أنني أسافر كثيرا، وفي سفري أقدم محاضرات أو أشارك في حوارات وكذلك أحضر محاضرات، في هذه الحلقة سأذكر أكثر المواضيع العلمية إثارة من المحاضرات التي حضرتها ومن الحوارات التي نقاشتها. أعتقد أنكم ستستمتعون بتونع هذه الحلقة من مواضيع مختلفة. خلال الأيام الماضية شاركت في مهرجان طيران الإمارات للآداب، وكان مهرجان رائع جدا، حيث حضر إليه كتاب من دول مختلفة، كل شخص لديه مجموعة من الكتب الجميلة والأفكار المفيدة، أنا حضرت للحديث عن كتابي "أشياء لن تستطيع أن تتخيلها" في جلسة خاصة لي، وكذلك للحوار عن العلم في جلسة أخرى مع كاتب اسمه أدم راذرفورد من بريطانيا، كتب كتابا بعنوان: How to Argue with a Racist أو كيف تناقش عنصري.
قبل الذهاب إلى قاعة الحوار، جلسنا معا للحديث في غرفة مخصصة لالتقاء المحاورين والمنظمين للحوارات، فسألته عن كتابه، وعلام يحتوي، فذكر لي أنه يحتوي على أدلة علمية تستطيع الاستعانة بها في الرد على المتعصبين، واختار الرياضة والذكاء ليبين انحياز خاطئ موجود عند غالبية الناس، فطلبت منه أن يشرح لي باختصار هذا الانحياز، فقدم لي مجموعة من المعلومات التي أعرفها شخصيا، واستغربت جدا مما قاله له، واتضح لي من الحوار أنني مخطئ تماما في تبنيها، اكتشفت أنني مخطئ في تفكيري، وأنني بغير قصد اعتقدت بصحة معلومة وهي خاطئة، ولكن مع ذلك ناقشته فيها بقوة حتى أفهم الموضوع أكثر، وحتى أقنع نفسي أكثر في أجاباته، وأنه لم يقدم لي معلومات ناقصة، حتى أنه أثناء رده علي كان ينظر لي وأنت أتوقف عند كل إجابة لأفكر فيها قليلا، فسألني لماذا تتوقف، فذكرت له أنني أحاول استيعاب المعلومة الجديدة لاستبدال القديمة، وأجد مقاومة داخلية لكل ما أسمعه الآن، خصوصا أنني تعودت على الأفكار الأخرى.
ذكر لي أن من المعروف أن السود يتسيدون رياضة الملاكمة، أو العدو، أو كرة السلة أو ما شابه، فقلت له هذا الشيء معروف، ومن المعروف من عموم الناس أيضا أن السود أفضل من البيض في هذه الرياضات بشكل عام، فمثلا نجد الملاكمين السود لديهم القدرة على تسديد ضربات قوية جدا، وأجسادهم تبدو أكثر صلابة وتحملا للضراب، وفي الغالب لا يتمكن البيض من التغلب عليهم، وهذا ما نراه دائما، وكذلك في كرة السلة، السود أطول في القامة، ولذلك تجدهم أفضل في كرة السلة، أو تجدهم أسرع من غيرهم في الركض، وهذا أمر طبيعي، وهو واضح للمشاهد، فما المشكلة في ذلك؟
قال لي أن الاعتقاد بأن السود أقوى أو أسرع أو أفضل في بعض أنواع الألعاب غير صحيح، والاعتقاد بأنهم تسيدوا الألعاب المختلفة لا يدل بتاتا على أنهم أفضل، الحقيقة أن استحوذوا على نسبة كبيرة من بعض الألعاب أيضا ليس دليلا على أفضليتهم، إنما هناك خلفية لهذا الموضوع لا يعلمها الكثير من الناس، وهي أن سبب التسيد هو أن الأندية تختارهم للمشاركة في الألعاب المختلفة، فمثلا، كم شخص أسود تعرفه يلعب لعبة التنس الأرضي؟ فإذا كان للسود حظا أكبر في التفوق على البيض في الرياضة بشكل عام، فلماذا لا نجد الكثير من اللاعبين في لعبة التنس؟ أليس من المفروض أن نجد أن السود استحوذوا على جميع الألعاب بما فيه التنس؟ وكذلك ماذا عن السباحة؟ ما هي أعداد السود في اللعبة؟ ستجد أن الغالبية من اللاعبين بيض وليس من أصحاب البشرة البيضاء، فلماذا هذا التفاوت؟
بالنسبة للسباحة، هناك مغالطة مشهورة جدا، ومنتشرة على نطاق واسع تحاول تبرير عدم تفوق السود فيها، وهي أن السود لديهم عظام أكثر كثافة من البيض وثقل أجسادهم تجعلهم يغطسون في الماء، مما يعرقلهم ويجعلهم أبطأ من البيض، وقد نشرت هذه المعلومات حتى في برنامج تلفزيوني شهير اسمه نايت لاين (Nightline) حيث ذُكر فيه أن السود ليس لديهم حضور في مسابقات السباحة "لأنهم يفتقدون للقدرة على الطفو" ... معلومة غير صحيحة، ولا يوجد عليها أي دليل علمي. إنها مجرد إشاعة.
طيب ما الحقيقة؟ لماذا لا يوجد سباحين سود ينتافسون في السباحة تتناسب مع أعدادهم؟ الواقع المؤلم أن السود لا تتوفر التدريبات المناسبة لتعلم السباحة، فيقول آدم رذرفورد في كتابه أن غالبية أحواض السباحة تبنى في المناطق التي يقطن فيها البيض في الغالب، حتى بعد أن حصل السود على حريتهم عام 1964 في الولايات المتحدة. والإحصائيات تبين أن 70٪ من الشعب الأمريكي من السود لا يعرفون السباحة، وفي مقالة في بي بي سي بعنوان: لماذا لا يسبح السود الأمريكان؟ Why don’t Black American’s swim?، فبحسب مراكز مكافحة الأمراض واتقائها في الولايات المتحدة الأمريكية نسبة غرق الأطفال السود بين عمر 5-14 سنة في العمر تصل إلى 3 أضعاف غرق الأطفال البيض من نفس العمر، وتعود المشكلة إلى أن الأباء السود الذين لا يعرفون السباحة في الغالب لن يعلموا أولادهم السباحة أيضا، لأنهم كانوا يخافون أن يغرق أبناءهم لأنهم يعلمون أنهم سيغرقون لو حاولوا السباحة أنفسهم، وإذا مزجنا بين المقالة والكتاب لوجدنا أن الأسباب تعود إلى مشكلة العنصرية التي واجهها الأباء والذين لم يحصلوا على تدريب على السباحة، وبالتالي نقلوا لأبنائهم عدم القدرة على السباحة أيضا.
إذن، القدرة لا تعود إلى التركيبة البيولوجية للسود، إنما للتركيبة الاجتماعية والاقتصادية والعنصرية نفسها. ومن يعتقد أن السود أفضل في الرياضة بسبب قوتهم الجسمانية التي تعود بالتالي إلى الجينات عليه أن يبرر عدم وجدهم في مختلف الرياضات. في الواقع الموضوع يعود ليس فقط للجينات، إنما للتدريب الذي يتلقاه الشخص، وقد ذكرت قبل قليل إن الأندية تختار السود في مختلف أنواع الرياضات، وعندما نتساءل ما السبب في ذلك؟ فقد يكون السبب وأن اختيار الأندية لهم يعود لكونهم أفضل، تتبين الحقيقة إن الثقافة العامة التي صدقناها عن السود وقوتهم الجسمانية المتفوقة جعلت الأندية تختارهم وتركز على تدريبهم بكفاءة أكبر من المعتاد، وأهملت البيض لاعتقاد السائد إنهم أقل منزلة من السود في الرياضة.
أخر مرة فاز فيها أبيض في الأولمبياد جري مسافة 100 متر كانت 1930، وأيضا كانت هذه آخر مرة كسر فيها أي أبيض قطعْ المسافة في أقل من 10 ثواني، لأنوه عن أمر مهم، لأني قضيت بعض الوقت في البحث حتى أتأكد من هذه النقطة التي قرأتها في كتاب آدم، وهي أن البيض شاركوا في مسابقة المئة متر، ولكنهم لم يفوزوا فيها، ولكنهم لم يشاركوا في السباق النهائي، ولم يستطع أي شخص أبيض شارك في المسابقة كسر حاجز العشر ثوان، كلهم كانوا أعلى من 10 ثواني في قطع المسافة، ولا يعني ذلك أن ليس هناك شخص أبيض يقدر على كسر العشر ثوان، بل هناك شباب يقدرون على ذلك، ولكنهم ربما لم يشاركوا في الأولمبياد مثل الشاب الأبيض ستريك جيزويت (Strake Jesuit) قطع مسافة 100 متر في 9.98 ثانية، مع ذلك لو تسابق في الأولبياد لربما خسر لأن اللاعبين السود أسرع منه بقليل.
الآن لدينا هذه الحالة التي تبين أن البيض لا يتنافسون في هذه المسابقة، وليس منهم من يقطعها بسرعة كافية للتنافس مع السود، فهل هذا يعني أن السود أفضل من البيض بيولوجيا بدليل ملاحظة هذه الرياضة المرموقة؟ بالطبع فإن البيولوجية لها دور مهم في الرياضة فمثلا رياضة كرة السلة تعطي الأفضلية للأطول في القامة، أما الأقصر فسيكون حظه أقل في النجاح في هذه اللعبة، ومن المعروف أن الطول يتم تحديده بالجينات، وكذلك من تؤهله الحالة الجسمانية للركض سيكون أسرع، وهناك من لديهم جين يجعل العضلات (Twitch Muscles) أكثر لدى بعض الناس مما يجعلهم أسرع في الركض القصير، وهناك أيض ما هو مسؤول عن إعطاء الرياضي قدرة على التحمل اكثر، مما يجعله مناسبا للركض مسافات طويلة على سبيل المثال.
الجينات التي تعطي اللاعبين قدرة على الركض السريع موجودة لدى السود من أصول أفريقية والجاميكيين بنسبة 96%، بينما لدى البيض بنسبة 80%، فإذا كانت هذه هي النسبة بفارق بسيط، فمن المفروض أن نجد لكل 6 سود متسابقين لكل 5 متسابقين بيض، فلماذا لا يوجد بيض في هذه المسابقات إذن؟ المسألة إذن لا تعود فقط للجينات، إنما لصب الاهتمام في السود لأننا نعتقد خطأ أنهم بتدريبهم سيكونون أفضل من البيض، وبذلك نهمل البيض في المسابقات. وهذا ينطبق عكسيا في حالة السابحة، التركيز على تدريب البيض في السابحة، وترك السود من غير تدريب، فصيبح لدينا عدم توازن في الكفتين.
هناك أيضا عنصرايات أخرى تطرق لها أدم في كتابه، وهي منتشرة ربما أكثر من عنصرية قوة السود في الألعاب المختلفة، منها المقولة التي تدعي أن اليهود أكثر ذكاء من باقي البشر، ولذلك تجد أنهم حازوا على الكثير من جوائز النوبل، أو يقال أن لديهم القدرة على فهم التجارة والأموال، وهذا يرجع لأصولهم التي كانت تتعامل تجاريا عالميا، وأنا شخصيا سمعت بهذا الشيء كثيرا، وحتى أن أحد أصدقائي الأطباء قال لي أن لديه الاعتقاد أن هذا الأمر فعلا صحيح، وأن لا يشك في أن اليهود لديهم جينات تجعلهم أكثر ذكاء باقي البشر على الأرض، ثم توارثها عبر التاريخ ليصلوا إلى ما هم عليه الآن. وهنا يذكر آدم أن لا دليل علمي على هذا الشيء نهائيا، فلا هم أقدر من غيرهم في الحصول على جوائز النوبل ولا حتى في التجارة.
وسنعود لهذه النقطة في النقاش مع أدم نفسه بعد قليل.
بعد حديثي مع آدم، وقبل دخولنا إلى قاعة الحوار فصح لي عن شيء لم أتوقعه أبدا، وهو أنه كان الاستشاري العلمي على فيلم Ex Machina ، فيلم رائع جدا، عن روبوت بذكاء اصطناعي في غرفة، وتتفاعل مع شخص، لا أريد حرق الفيلم عليكم، ولكنه فعلا من أحد أفضل الأفلام التي طرحت موضوع الذكاء الاصطناعي وتغلبه على البشر. والجميل أنني كنت أما الشخص الذي ساهم في وضع الأفكار الصحيحة فيه. شيء رائع جدا. أتمنى أن يأتي اليوم الذي يبدأ علمنا في انتاج أفلام الخيال العلمي حتى نساهم في معلوماتها، ونصحح الأفكار فيها.
أدم راذرفورد كاتب ومذيع علمي، درس علم الجينات بجامعة كوليدج لندن، وأثناء دراسته في الدكتوارة عن تطور العين كشف هو وفريقه عن أول سبب جيني لعمى الصغار، كتب وقدم العديد من البرامج الحائزة على جوائز لبي بي سي، مثل برنامج Inside Science، والخلية لبي بي سي 4، وأخذ دور الإله (صعود البيولوجيا المصنعة) لبرنامج الأفق Horizon، وهو مؤلف "كتاب البشر"، تاريخ جديد من التطور الذي يبحث في التناقض العميق للإنسان الحيوان، وألف أيضا كتاب: تاريخ مختصر لكل من عاش، وكتاب "الخلق" الذي يتحدث عن أصل الحياة والبيولوجيا الصناعية، وعمل آدم أيضا كاستشاري علمي في أفلام مثل Ex Machina، وفيلم Annihilation.
المصادر
اقرأ التفريغ الكامل للتسجيل، بما فيه الحوار
تفريغ صوتي تكميلي؛ حُرّر للقراءة.
أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من سايوير بودكاست. تأخرت عليكم، لكن كما يقولون: «من طول الغيبات جاب الغنائم»، واليوم لدي غنيمة مناسبة. أسافر عادة إلى دول مختلفة،
لتقديم محاضرات علمية أو إدارة حوارات وما شابه. سافرت مؤخرًا إلى دبي للمشاركة في مهرجان طيران الإمارات للآداب، ثم إلى الولايات المتحدة. رحلتي الأمريكية تستحق حلقة أخرى، أما حلقتنا اليوم فعن،
موضوع أثار اهتمامي في دبي، وأظن أنه سيعجبكم. يتعلق بفكرة نسمعها ونعتقد أننا نعرفها، لكنها خاطئة. كنت هناك للمشاركة في حوار،
عن كتابي «أشياء لن تستطيع أن تتخيلها»، في جلسة خاصة بي، وجلسة أخرى عن العلم مع آدم رذرفورد من بريطانيا، مؤلف كتاب «كيف تجادل عنصريًا». قبل دخول قاعة الحوار، جلسنا في غرفة،
مخصصة للمتحدثين والمنظمين. سألته عن كتابه، فقال إنه يقدم أدلة علمية للرد على المتعصبين، واختار الرياضة والذكاء لتوضيح انحياز خاطئ لدى كثير من الناس. طلبت شرحًا مختصرًا، فحدثني عن معلومات كنت أعتقد أنني أعرفها،
لكنني فوجئت بكلامه. اتضح أنني مخطئ تمامًا في تبني تلك الأفكار، وأنني اعتقدت، دون قصد، بصحة معلومات خاطئة. ناقشته بقوة كي أفهم أكثر، وأقتنع بالإجابات التي قدمها،
وأتأكد من أن معلوماته ليست ناقصة. كنت أتوقف بعد كل إجابة للتفكير، فسألني عن سبب هذه الوقفات. قلت إنني أحاول استيعاب المعلومة الجديدة لتحل محل القديمة، وأجد مقاومة داخلية لما أسمعه،
لأنني اعتدت الأفكار الخاطئة. ما موضوع حديثنا؟ ذكر الصورة الشائعة عن تفوق السود في الملاكمة والعدو وكرة السلة. قلت إن هذا معروف لدى عامة الناس؛ فهم يعتقدون أن السود أفضل من البيض في هذه الرياضات،
وأن الملاكمين السود يسددون ضربات أقوى، وتبدو أجسامهم أصلب وأكثر تحملًا، وأن البيض غالبًا لا يستطيعون التغلب عليهم. نرى هذه الصورة عند مشاهدة الملاكمة أو كرة السلة، حيث يبدو اللاعبون السود أطول قامة،
وأفضل في اللعبة، أو أسرع في الجري. كنت أراه أمرًا واضحًا وطبيعيًا؛ فما المشكلة؟ قال إن الاعتقاد بأن السود أقوى أو أسرع أو أفضل في ألعاب معينة غير صحيح، وإن هيمنتهم على بعض الألعاب لا تثبت أفضلية بيولوجية.
استحواذهم على نسبة كبيرة من المشاركين ليس دليلًا على ذلك، بل توجد خلفية لا يعرفها كثيرون، تتعلق باختيار الأندية للاعبين. كم لاعب تنس أسود تعرف؟ لو كان للسود تفوق عام في الرياضة على البيض،
فلماذا لا يهيمنون على التنس أيضًا؟ وماذا عن السباحة؟ الغالبية العظمى من المشاركين فيها بيض. لماذا هذا التفاوت؟ توجد خرافة واسعة الانتشار لتفسير قلة السباحين السود،
تزعم أن عظامهم أكثر كثافة، وأن ثقل أجسامهم يجعلهم يغوصون في الماء ويبطئهم. رُددت هذه الفكرة حتى في برنامج «نايت لاين» التلفزيوني الشهير، حيث قيل إن غيابهم عن منافسات السباحة سببه،
ضعف قدرتهم على الطفو. هذا ادعاء سخيف وغير صحيح، ولا دليل علميًا عليه، بل مجرد إشاعة. ما الحقيقة إذن؟ لماذا لا تتناسب أعداد السباحين السود مع نسبتهم في المجتمع؟ الواقع المؤلم أنهم،
لا يحصلون على تدريب مناسب لتعلم السباحة. يذكر رذرفورد أن معظم المسابح تُبنى في مناطق يسكنها البيض، حتى بعد سنة 1964، التي يصفها الحديث بأنها سنة حصول السود على حريتهم في الولايات المتحدة. وتبين الإحصاءات أن 70% من الأمريكيين السود لا يعرفون السباحة.
بحثت عن الموضوع، ووجدت مقالًا في بي بي سي بعنوان «لماذا لا يسبح الأمريكيون السود؟». وفق مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، يبلغ معدل غرق الأطفال السود بين 5 و14 سنة، 3 أضعاف معدل غرق البيض من العمر نفسه.
ترتبط المشكلة أيضًا بأن الآباء الذين لا يعرفون السباحة لا يعلمون أبناءهم غالبًا. يخافون من الغرق ويخشونه على أطفالهم. إذا جمعنا ما في المقال والكتاب، نجد جذورًا في العنصرية التي واجهها الآباء وحرمتهم من تعلم السباحة،
ثم انتقل عدم تعلمها إلى الأبناء. إذن، الأمر مرتبط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والعنصرية، لا بتركيبة بيولوجية للسود. من يعتقد أن تفوقهم الرياضي يعود إلى قوة جسمانية جينية، يحتاج أيضًا إلى تفسير غيابهم عن رياضات أخرى.
الموضوع ليس الجينات وحدها، بل التدريب كذلك. قلت إن الأندية تختار السود لألعاب معينة؛ وربما تفعل ذلك بسبب الصورة الثقافية التي صدقناها عن قوتهم المتفوقة، فتركز على تدريبهم،
بكفاءة أكبر، وتهمل البيض اعتقادًا بأنهم أقل قدرة رياضية. هذه «نبوءة تحقق ذاتها»: نتبنى اعتقادًا أو توقعًا، ثم نجعله يتحقق بطريقة تعاملنا معه.
يقول التفريغ إن آخر فوز لأبيض في سباق 100 متر بالأولمبياد كان سنة «1930» [الرقم يحتاج مراجعة]، وإنها آخر مرة قطع فيها أبيض المسافة بأقل من 10 ثوانٍ. بحثت للتأكد من النقطة التي قرأتها في كتاب آدم: شارك البيض في سباقات 100 متر، لكنهم لم يفوزوا،
ولم يصلوا إلى النهائيات أو يكسروا حاجز 10 ثوانٍ بين المشاركين فيها. هناك من يستطيع ذلك خارج الأولمبياد؛ مثل العداء الأبيض «سريك جزوت» [الاسم غير واضح]، الذي قطع 100 متر في 9.98 ثانية، لكنه لم ينافس في الأولمبياد. وحتى لو فعل،
فسيخسر أمام لاعبين سود أسرع قليلًا. إذن، لدينا غياب عن المنافسة النهائية، ولاعبون لا يقطعون المسافة بسرعة تكفي لمنافسة المتصدرين. هل تثبت هذه الملاحظة أن السود أفضل بيولوجيًا؟
بالطبع، للبيولوجيا دور في الرياضة. كرة السلة تمنح الأطول قامة أفضلية، وتقل فرص الأقصر. والطول يتأثر بالجينات، كما توجد جينات تسهم في صفات جسمانية تجعل الشخص أسرع في الجري.
لدى بعض الناس جينات ترتبط بزيادة الألياف العضلية سريعة الانقباض، ما يساعد في العدو القصير. وأخرى تسهم في التحمل والجري لمسافات طويلة. الجينات المرتبطة بالعدو السريع موجودة، بحسب ما يعرضه الحديث، لدى 96% من السود ذوي الأصول الإفريقية والجامايكيين، مقابل،
80% لدى البيض. هذا فارق محدود، وكان يفترض أن نرى مقابل كل [عدد غير واضح] رياضيين سود، 5 رياضيين بيض. فلماذا لا يظهر البيض بهذه النسبة في منافسات العدو؟ ليست الجينات وحدها التفسير، بل تركيز الاهتمام والتدريب على السود بناء على الاعتقاد بأنهم سيكونون أفضل.
الملفت أن نسب الاختلافات الجينية المذكورة لا تنعكس في نسب المشاركة والتفوق التي نراها عمليًا. ترتبط الصورة باعتقادات خاطئة، وتنقلب في السباحة؛ إذ ينصب الاهتمام على البيض،
ويُترك السود دون تدريب كافٍ، فيحدث اختلال. قد يكون الانحياز لصالح البيض أو السود، والمشكلة أننا صنعناه بمعلومات خاطئة. تناول آدم صورًا أخرى من العنصرية، ربما تكون أكثر انتشارًا من الصور الرياضية،
ومنها الزعم بأن اليهود أذكى من بقية البشر، بسبب كثرة جوائز نوبل، أو أنهم أفضل في التجارة والمال بسبب تاريخهم التجاري العالمي. سمعت هذا كثيرًا، وقال صديق طبيب إنه يعتقد بصحته،
وأن هناك جينات موروثة تجعل اليهود أذكى. يوضح آدم أنه لا يوجد دليل علمي على هذا الاستنتاج الجيني، بل توجد أدلة ضده. فلا يصح الاستنتاج أنهم أقدر بالفطرة من غيرهم على نوبل أو التجارة.
سنعود إلى ذلك في المقابلة بعد قليل. وبعد حديثنا في دبي، قبل دخول القاعة، أخبرني آدم بشيء لم أتوقعه: كان مستشارًا علميًا لفيلم «إكس ماكينا»، وهو فيلم رائع.
أنصح محبي الخيال العلمي والذكاء الاصطناعي بمشاهدته. تدور فكرته حول روبوت ذكي في غرفة يتفاعل مع أشخاص، ولا أريد إفساد أحداثه؛ ففكرته جميلة جدًا. كنت أتحدث إلى شخص،
ساهم في أفكاره العلمية. ستسمعون ذلك في نهاية اللقاء؛ فقد أنهيت المقابلة ثم تذكرت أنني لم أسأله عن الفيلم، فعدت وطلبت منه الإجابة عن أسئلة حول الاستشارة العلمية فيه.
أتمنى أن يبدأ عالمنا العربي إنتاج أفلام خيال علمي، لنساهم بمعلوماتنا ونصحح أفكارها، وندخل هذا المجال الذي يبدو حكرًا على الغرب. نحتاج إلى قوة في هذا الجانب، وإلى،
استثمار من دولنا لصنع أفلام نراها في السينما ونستمتع بها. ننتقل إلى المقابلة، لكن أولًا نبذة عن آدم رذرفورد: كاتب ومذيع علمي، درس الوراثة في كلية لندن الجامعية. وأثناء الدكتوراه عن تطور العين، اكتشف،
مع فريقه أول سبب جيني لعمى الأطفال. كتب وقدم برامج حائزة على جوائز لبي بي سي، منها «إنسايد ساينس» و«الخلية» على بي بي سي 4، وكتب «لعب دور الإله: صعود البيولوجيا الاصطناعية» لبرنامج «هورايزن». وهو مؤلف «البشر»،
عن تاريخ جديد للتطور والتناقض العميق للإنسان الحيوان، و«تاريخ مختصر لكل من عاش»، و«الخلق» عن أصل الحياة والبيولوجيا الاصطناعية. وعمل مستشارًا علميًا لفيلمي «إكس ماكينا» و«أنيهيليشن». تابعوا الحوار معنا.
مرحبًا، آدم، كيف حالك؟ بخير جدًا، وأنت؟ أنا بخير. سعيد بلقائنا في دبي، وقد فوجئت وصُدمت في الوقت نفسه بما تعلمته منك عن العنصرية والعلم؛ كانت لدي مفاهيم خاطئة كثيرة. بعد حديثنا، فتحت كتابك،
وأعترف بأنني توقعت ألا يعجبني، لكنني قرأته فوجدته جيدًا جدًا واستمتعت به. أولًا، كتابته ممتازة، وثانيًا، معلوماته مذهلة ومستندة إلى العلم، وثالثًا، حججه المنطقية كانت مقنعة بالنسبة إليّ.
قرأته من أوله إلى آخره دون توقف، ووضعت خطوطًا تحت بعض العبارات. لا يعني ذلك أنني بلا أسئلة، بل أنني أحببته وأرى أن الناس ينبغي أن يقرؤوه. يسعدني أن لديك أسئلة؛ أحب سماع أسئلة العلماء الآخرين، لأنها تساعدني في تطوير عملي، خصوصًا الأسئلة التي تتحدى أفكاري. وذهبت أيضًا،
إلى يوتيوب، ووجدت لك نقاشًا مع مجموعة من المختصين بالموضوع. كان مفيدًا، وأجاب عن بعض أسئلتي، وسعدت بوجوده لأنه يعزز ما تطرحه في الكتاب.
لنبدأ بالفكرة الخاطئة التي كانت لدي: اعتقدت أن السود أفضل من البيض في الرياضة بسبب استعداد أو أفضلية جينية. نعم، هذا اعتقاد شديد الشيوع،
وصورة نمطية ترتبط خصوصًا بذوي الأصول من غرب إفريقيا، المنحدرين من أشخاص استُعبدوا خلال تجارة الرقيق عبر الأطلسي. أساسها المعاصر أنه لم يصل رجل أبيض إلى النهائي الأولمبي منذ 40 سنة، أي منذ 1980.
تقصد نهائي سباق 100 متر؟ نعم. يرتبط هذا بصور نمطية قديمة عن رياضية السود وقوتهم البدنية، وعن المستعبَدين وذريتهم، خصوصًا الأمريكيين الأفارقة. إنها صورة راسخة،
لكن أرقامها ضعيفة إحصائيًا. لم يشارك في ذلك السباق سوى 58 رجلًا. هل تقصد 58 أبيض؟ لا، 58 رجلًا أسود شاركوا في النهائي منذ آخر مشاركة لرجل أبيض.
إذن، العينة صغيرة من البداية، ولا نبني في العلم استنتاجات واسعة على حجم كهذا. نقطة جيدة. وهناك سبب آخر: رياضيو النخبة حالات استثنائية جدًا. من يصلون إلى نهائي 100 متر الأولمبي،
ليسوا بالضرورة ممثلين للمجتمعات التي جاؤوا منها. أقول ذلك بأقصى درجات الإعجاب: إنهم استثنائيون بدنيًا، وربما نفسيًا أيضًا. للوصول إلى هذا المستوى، تحتاج إلى تفانٍ لا يملكه معظم الناس، فهم خارج المعتاد أصلًا. وهناك أمر آخر،
علينا التفكير فيه بعناية عند ربط الرياضة بالوظائف الجسمية والوراثة: الرياضة ليست ساحة متكافئة تمامًا. توجد مزايا جسدية وفسيولوجية تجعل بعض الناس أكثر استعدادًا لرياضات معينة؛ فالأطول قامة أفضل في كرة السلة، مثلًا. وعند النظر إلى الوراثة، نجد أسسًا جينية،
للتفوق في رياضات الطاقة الانفجارية، كالعدو القصير، مقارنة برياضات التحمل كالجري الطويل. ربما سمع المستمعون عن الألياف سريعة الانقباض وبطيئته. لدى الناجحين في الرياضات الانفجارية نسبة أعلى من الألياف السريعة،
بينما لدى رياضيي التحمل نسبة أعلى من البطيئة. هاتان حقيقتان، وللنسب أساس جيني، وإن كان أعقد مما يتصور الناس. نسأل بعد ذلك: هل نسب الجينات المرتبطة،
بالألياف السريعة أو البطيئة تتوافق مع الصور النمطية أو التصنيفات العرقية المستخدمة؟ هنا الإجابة الواضحة: لا. توجد فروق نسبية محدودة، لكنها ليست معدومة الأهمية، في تواتر هذه الجينات؛ هذا صحيح. وأنا لست ممن،
يقولون إن الإنسان يولد صفحة بيضاء متطابقة في كل مكان؛ توجد اختلافات، وبعض الصفات الجسدية المرئية مكتوب في الجينات. لكن أرقام الرياضات منحازة بشدة إلى مجموعات معينة، بدرجة لا تفسرها نسب الاختلافات الجينية.
فهيمنة ذوي أصول غرب إفريقيا على 100 متر في آخر 40 سنة لا تظهر في رياضات أخرى تحتاج إلى الفسيولوجيا ونسب الألياف السريعة نفسها، رغم أننا نتوقع ذلك لو كانت الجينات العامل الوحيد. دعني أقاطعك،
فالسود ليسوا ممثلين بالقدر نفسه في الرياضات الأخرى مقارنة بتلك التي يتفوقون فيها. عفوًا، أعد سؤالك. لنفترض أن السود أصحاب الألياف السريعة ممثلون جيدًا في سباق 100 متر، وقد أثبتوا قدرتهم هناك،
ثم نسأل: لماذا لا يظهرون في الإسكواش مثلًا؟ قد أقول إن السبب هو التمييز وقلة مشاركتهم. وإذا سمحنا لهم باللعب أكثر، فربما يتفوقون على البيض. لو كانت المسألة جينات فقط، وتساوت كل الأمور الأخرى، بما فيها،
العوامل التي تدفع الناس إلى ممارسة الرياضة، فقد نرى أفضلية محدودة لمن لديهم نسبة أعلى من الألياف السريعة جينيًا. أجريت تقديرات في الكتاب: إذا اعتمدنا على الجينات وحدها، فقد نتوقع،
5 رياضيين سود مقابل 6 بيض، عفوًا، العكس: نحو 6 سود مقابل كل 5 بيض. حتى لو تساوت الرياضات وكل العوامل عدا الجينات، فلن نرى الهيمنة المطلقة الموجودة في ألعاب معينة. أقدم هذا الافتراض غير الواقعي عمدًا،
لأن هناك عوامل كثيرة أخرى. السباحة أبرز مثال؛ تحدثت عنها في الكتاب. عدد الأمريكيين الأفارقة الذين شاركوا في السباحة الأولمبية عبر تاريخها، لا النهائيات وحدها، هو 2 فقط: رجل وامرأة. وهناك منذ زمن،
خرافة شبه علمية عن كثافة عظام الأمريكيين الأفارقة. لها نواة من الحقيقة؛ إذ يختلف نمط إصابتهم بهشاشة العظام في المتوسط عن الأمريكيين ذوي الأصول الأوروبية. لكن هذه المعلومة تحولت إلى تفسير لعدم سباحة السود.
يصدقها سود أيضًا؛ لدي أصدقاء في لندن يقولون إنهم لا يطفون جيدًا. قد تبدو مضحكة، لكنها سخيفة تمامًا؛ لا يمكن لاختلاف كثافة العظام تفسير الغياب شبه الكامل للأمريكيين الأفارقة أو السود عن السباحة. ومن المفترض أيضًا ألا تكون،
عظامهم جميعًا أكثر كثافة؛ ولو كان هذا السبب، لدخل الأقل كثافة هذه الرياضة. بالضبط، مع أفضلية طفيفة على ذوي العظام الأكثف، لكننا لا نرى ذلك. وهناك نقطتان: أولًا،
الأمريكيون الأفارقة ليسوا مجموعة جينية متجانسة جدًا. معظمهم ينحدر من أشخاص استُعبدوا في 5 أو 6 دول بغرب إفريقيا، وإفريقيا أكثر تنوعًا جينيًا من بقية العالم مجتمعة. وخلال تجارة الرقيق،
نُقل أسلافهم دون الحفاظ على الفصل بحسب بلدهم أو قبيلتهم. وصلوا إلى الأمريكتين، واختلطوا وانتشروا في أنحاء البلاد، فأصبحت تركيبتهم الجينية معقدة وفريدة، بطريقة تختلف عن أصحاب الأصول الأخرى. لذلك لا يمثلون مجموعة متجانسة،
من منظور جيني. أما من منظور الهوية، فالانتماء مهم جدًا، لأنهم يتشاركون تاريخًا وأنسابًا وتجارب. قول «أنا أمريكي إفريقي» ذو معنى ثقافي كبير، لكنه أقل دلالة جينيًا. وعندما نعمم القول إن الأمريكيين الأفارقة أفضل رياضيًا، فنحن لا نتحدث حقًا عن مجموعة جينية واحدة؛
فالاختلافات بينهم تضاهي اختلافات غيرهم، وربما تزيد بسبب ذلك التاريخ الخاص وإفريقيا نفسها. هذا مثير للاهتمام. لماذا إذن يقل السباحون الأولمبيون السود، أو الملاكمون الأمريكيون البيض،
ولماذا تزيد أعداد السود في ألعاب، والبيض في أخرى؟ سؤال ممتاز، وليس له جواب بسيط. لكن الإجابة العامة أن الميل إلى رياضات معينة ثقافي في معظمه.
هناك عوامل كثيرة تثير اهتمام الناس برياضة وتدفعهم إلى ممارستها، وبعضها بيولوجي، مثل أفضلية الطول في كرة السلة. لكن حين تهتم مجموعة برياضة وتصبح مهمة ثقافيًا لها، تتكون كثير من الصور النمطية. وما لا ننتبه إليه جيدًا،
أن هذه الصور تتغير مع الزمن. نربط كرة السلة اليوم بهيمنة الأمريكيين الأفارقة، لكن اليهود كانوا القوة المهيمنة عليها في أمريكا حتى الستينيات، وكانت أفضل الفرق تضم لاعبين يهودًا. والجري الطويل، الذي يهيمن عليه الآن،
رياضيون من شرق إفريقيا، خصوصًا كينيا وإثيوبيا، كان حتى الأربعينيات تحت هيمنة الفنلنديين، المعروفين بـ«الفنلنديين الطائرين»، وقد سجلوا عشرات الأرقام العالمية المذهلة. والملاكمة مثال آخر؛ نعم، نجح فيها كثير من الأمريكيين الأفارقة منذ مدة، لكن في،
عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، كان البيض واليهود مهيمنين أيضًا. وفي بريطانيا، فاز تايسون فيوري مؤخرًا ببطولة العالم للوزن الثقيل، وهو من أصول روما، أو ممن قد يسمون هنا بالغجر. لكن ألا يمكن الرد بأنه في الزمن الذي،
كان فيه اليهود يتفوقون في الملاكمة أو السلة، والفنلنديون في الجري، لم يكن السود يشاركون بكثرة كما يفعلون اليوم؟
ربما كان أولئك الأفضل آنذاك، لكن دخول السود رفع مستوى الأداء، فتغلبوا على الجميع، حتى أفضل لاعبي الماضي. وبعد هذا التفوق الكبير، قد لا نستطيع إعادة،
اليهود أو الفنلنديين أو البيض عمومًا إلى القمة، لأنهم ليسوا بمستوى من تفوق عليهم. علينا النظر على مدى تاريخي طويل، وإلى المستقبل أيضًا، لأنني أظن أن هذا الاستنتاج غير صحيح. أنا واثق جدًا بأن فائز سباق 100 متر،
في أولمبياد هذا العام سيكون من الأمريكيين الأفارقة، أو من ذرية المستعبَدين من غرب إفريقيا، لكنني أظن أننا سنرى قريبًا أول صيني يقطع 100 متر في أقل من 10 ثوانٍ. وهذا مجرد تخمين: لو تحدثنا بعد 50 سنة،
فربما نكرر الحوار نفسه عن الصينيين بدلًا من الأمريكيين الأفارقة. هذه التحولات الثقافية بطيئة، وتجري على مدى عمر أو جيل، وأعمارنا القصيرة نسبيًا تجعلنا أقل قدرة على ملاحظتها. وهناك عامل لم نذكره،
وهو أن كثيرًا من الألعاب التي يهيمن عليها الأمريكيون الأفارقة ارتبط تاريخيًا بالطبقات العاملة، لا بالامتياز الاقتصادي. تُمارس في الشوارع أو لا تحتاج إلى مستوى اقتصادي مرتفع للبدء، مثل الملاكمة وكرة القدم في بريطانيا وألعاب القوى،
مقارنة بألعاب أخرى كالدراجات. سباق الدراجات القصير مثال جيد: لا يوجد فيه متسابقون سود، بينما تتشابه الكتلة العضلية وتوزيعها لدى الناجحين فيه مع ما نحتاجه عند عدائي المسافات القصيرة. لماذا هذا التفاوت؟ أوضح تفسير هو،
أن ركوب الدراجات ارتبط تقليديًا بالأوروبيين البيض، وأنه يحتاج إلى المال؛ فهذه الدراجات تكلف عشرات آلاف الجنيهات. وكذلك تدريب السباحة له تكلفة. والقدوة مهمة أيضًا، فينشأ تأثير دائري يعزز نفسه. السباحة مهمة للنقاش لأن،
إحصاءاتها لافتة: بين 60% و70% من الأمريكيين الأفارقة لا يعرفون السباحة. وعندما درست هيئة «سويم أمريكا»، التي يصفها الحديث بأنها هيئة السباحة الرسمية في الولايات المتحدة، العوامل المرتبطة بذلك، وجدت عوامل اجتماعية واقتصادية؛ فالدروس خارج المدرسة مكلفة.
ومن العوامل المهمة أن الوالدين لا يسبحان. وحتى بعد انتهاء الفصل العنصري سنة 1964، بُنيت المسابح أساسًا في المناطق البيضاء، مع غياب القدوات. لكن العامل الأقوى، الذي ضحكت ثم وضعت رأسي بين يدي عندما قرأته أثناء كتابة الكتاب قبل نحو سنة، هو ببساطة: عدم تعليم الشخص السباحة.
لا يوجد عامل جيني سحري يمنعها؛ علّم الناس السباحة وسيتعلمون. لكن العوامل الأخرى رفعت الحواجز الثقافية أمام الأمريكيين الأفارقة. والنتيجة أخطر من الفوز في الأولمبياد: معدل وفيات الغرق،
لدى الأطفال الأمريكيين الأفارقة بين 7 و14 سنة أعلى بـ3 أضعاف. نعم، قرأت ذلك على بي بي سي؛ بحثت عنه ووجدته في خبر، وفوجئت. كان الوالدان لا يعلمان أطفالهما لأنهما لم يتعلما، ويخافان عليهم، معتقدين،
أن الطفل سيغرق مثلهما لأنه لن يستطيع السباحة. صحيح. أعيش في جنوب لندن، وهناك منظمتان تهتمان بإدخال الأطفال السود إلى السباحة. الوضع في بريطانيا ليس بسوء أمريكا، لكن ثقافيًا ما زال أصدقاء يقولون: نحن لا نسبح،
بل نغرق ولا نطفو جيدًا. نضحك، لكنه اعتقاد خطير فعلًا. لننتقل إلى الذكاء، الذي لم نناقشه في دبي. فوجئت، لأنني كنت أعتقد أن اليهود أذكى،
بسبب نسبتهم المرتفعة بين الفائزين بنوبل. وسمعت دائمًا أنهم أفضل في التجارة والمال، وصدقت ذلك. قال لي صديق طبيب، وربما لم يكن جازمًا تمامًا،
إنه يعتقد أن في حمضهم النووي ما يساعدهم على التفوق في العلم أو المال. كيف تناولت ذلك في الكتاب؟ لنبدأ بما قلته أولًا،
فالحكم على مجتمع من فائزي نوبل يشبه الحكم من رياضيي النخبة؛ ربما نبدأ أصلًا بخطأ في اختيار العينة. لكن توجد إحصاءات أكثر إفادة، تشير إلى أن ذوي الأصول اليهودية الأشكنازية يحققون، في المتوسط، نتائج أعلى في اختبارات الذكاء من مجموعات أخرى. وعمومًا،
تمثيلهم مرتفع نسبيًا في أنشطة تُربط بالقدرات المعرفية والفكرية. تقصد أن تمثيلهم أقل؟ لا، أعلى. والأرقام لافتة وحقيقية. أحاول في الكتاب،
عرض البيانات أولًا بوضوح، ثم السؤال عن التفسيرات العلمية لها. الطريق السهل هو القول إن اليهود يحققون جوائز نوبل علمية أكثر، بينما لم يفز أمريكيون أفارقة بأي،
جائزة علمية منها، وفي المقابل يهيمنون على سباق 100 متر الذي يغيب عنه البيض. هكذا تنشأ الصورة النمطية. المثير أن المثالين مما يسمى أحيانًا «العنصرية المرتبطة بصفات إيجابية»؛ الجميع يريد أن يكون أسرع وأقوى وأذكى. لذلك يقول البعض: لست عنصريًا،
لأنني أنسب صفات جيدة. لكن عند تحليل العلم، لا نجدها مشفرة بيولوجيًا بهذا الشكل، كما رأينا في الرياضة. كما أنها تعزز خرافات قديمة استُخدمت لقرون لإخضاع الناس.
هذا ما فعله النازيون قبل المحرقة: زعموا أن اليهود أذكى وأقوى، ولذلك يجب اضطهادهم. وتصوير السود بأنهم غير أذكياء لكنهم أقوياء بدنيًا كان جزءًا من تبرير قرون الاستعباد. لنعد الآن إلى الذكاء.
هل يوجد دليل علمي يوضح أنه لا فرق بيننا نحن الناس العاديين وبين الفائزين بنوبل، سواء كانوا يهودًا أو غربيين أو غيرهم؟ أحب النظر إلى العوامل المرتبطة بنتائج كهذه.
سأعطيك مثالًا من الفيزياء، يناسب تخصصك. حللت مع زميل في كلية لندن الجامعية جوائز نوبل للفيزياء خلال القرن 20. أقوى ارتباط استطعنا عزله لم يكن الأصل الأشكنازي وحده، بل تحديدًا أن تكون أم الفائز،
يهودية أشكنازية مجرية. ونظرنا أيضًا إلى عباقرة مشروع مانهاتن وبناء الفيزياء الذرية في القرن 20، فوجدنا تفصيلًا أدق: عدد منهم درسوا في المدرسة نفسها في المجر.
عندما نقول «أشكنازي مجري»، قد يبدو الأمر جينيًا. لكن عندما نكتشف أن نسبة ملحوظة درست في مدرسة واحدة، لا يعود التفسير الجيني مقنعًا. القيمة الثقافية التي تُمنح للتفوق في هذا الفرع العلمي،
مع معلم ملهم جدًا وبيئة تشجع ذلك وترعاه، عامل أهم بكثير. ويجب الاعتراف بأن للجينات دورًا كبيرًا في الذكاء؛ لسنا متطابقين منذ الولادة، مهما تمنينا ذلك. يقول الحديث إن الجينات تفسر نحو 50% من قابلية توريث الذكاء،
والبيئة نحو 50%. بقيت هذه التقديرات متقاربة قرابة قرن، وليست الفكرة مثيرة للجدل في الوراثة وعلم النفس. أظن أنك ذكرت في الكتاب 60 و40، إن لم أخطئ؛ أيهما 60؟ التوريث؟
تختلف الدراسات. أستخدم 50 مقابل 50 لأن التقديرات تتراوح بين 40 و60 في الاتجاهين، بحسب الدراسات والأساليب. لدي سؤال افتراضي: لنفترض أن لدى الأشكناز أفضلية بنسبة 51%،
في حمضهم النووي تجعل بنية أدمغتهم مختلفة قليلًا. قد لا يبدو 51% فرقًا كبيرًا، وقد تنشئ البيئة أشخاصًا أذكياء في الجانبين. لكنني أطرح الفرضية التالية:
حتى فرق 1% قد يشبه أجنحة الطائرة. حين تستطيع الارتفاع قليلًا عن الأرض بفضل أجنحتها، فإن هذه الأفضلية لا تسمح لها بالطيران على ارتفاع متر فقط، بل،
على ارتفاع 30000 قدم أيضًا. ربما تمنح تلك الميزة الصغيرة الأشكناز قدرة كبيرة، مع قليل من الرعاية، مقارنة بمن لديهم 50%، وفق المثال. هنا تفكر كمهندس، لا كعالم أحياء،
وأقولها بود. الذكاء، والبشر بيولوجيًا عمومًا، لا يعملون بهذا المنطق الثنائي. عندما نتحدث عن الطبيعة والتنشئة،
نعني بالطبيعة ما تشفره الجينات، وبالتنشئة ليس المدرسة والبيت وقراءة الوالدين لك أو احتضانك فقط؛ هذه أجزاء منها. نعني كل ما ليس مشفرًا جينيًا، وكثير منه عشوائي، مثل وضعية الجنين في رحم أمه وأمور مشابهة.
يصعب حساب هذه العوامل. ومقياس مثل معامل الذكاء أو القدرة المعرفية متعدد العوامل جدًا، ويصعب اختزاله في صفة واحدة. انتُقد معامل الذكاء طويلًا بوصفه مقياسًا إشكاليًا،
لكنني لا أتبنى رفضه. يعترف علماء نفس كثيرون بمشكلاته؛ فهو رقم واحد يمثل ظواهر معقدة ومتعددة العوامل. كيف يمثلها رقم واحد؟ نعرف أنه تقييم مبسط للقدرات المعرفية عمومًا، لكن طول دراستنا له،
يمنحه قيمة فعلية، حتى لو لم نفهم تمامًا ما نقيسه. كما أقول في الكتاب، قياس شيء أسهل من فهم ماهيته، وهذا ينطبق هنا. تشبيهك بالطيران مثير، وسأفكر فيه لأنه قد يساعد في مناقشة،
موضوعات صعبة كهذه. لكن القدرة على الطيران ثنائية تقريبًا: تطير أو لا تطير، وفرق 1% قد يفصل بين الإقلاع والهبوط، أو الإقلاع والتحطم. أما بيولوجيًا، وخصوصًا في صفة معقدة كالذكاء، والدماغ البشري الذي قد يكون أعقد كيان،
نعرفه في الكون، فلا تتحول الفروق الجينية الصغيرة، مقابل البيئية، إلى فارق من نوع الإقلاع أو التحطم. آدم، أليس هناك فرق بنحو 2% فقط،
لا أذكر الرقم بدقة، بين الإنسان والقردة؟ غيّر هذا الفرق البسيط بنية الدماغ، فأصبحنا كالطائرة التي ترتفع عاليًا. فلماذا لا يحدث فرق مشابه بين مجموعات بشرية، مثل اليهود،
وبقية الناس؟ صحيح أننا قريبون جينيًا جدًا من أقرب أقاربنا من القردة، لا أسلافنا المباشرين، مثل الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب، والفروق صغيرة. لكن الأجسام والتطور معقدان ولهما تاريخ طويل،
والفروق الجينية بيننا وبين الشمبانزي غيرت القدرات المعرفية، وسلوكنا ووظائف أجسامنا عمومًا بقدر يمكن قياسه. وفي السؤال انحياز ضمني يفترض أن الذكاء صفة مرغوبة،
للكائن الحي دائمًا. ليس هذا تصورنا للتطور؛ ليس له اتجاه محدد تتجه فيه كل الكائنات، إذا «تطورت صحيحًا»، إلى الذكاء. إذا لم توجد ضغوط تنتقي،
سلوكًا يقود نوعًا إلى نجاح معرفي، فلن يحدث ذلك. نستطيع تفسير الفروق جينيًا، لكنها نتاج 7 ملايين سنة من التطور في بيئات متغيرة. وكانت النتيجة أننا نتحدث الآن، أنت في الكويت وأنا في لندن، وهذا رائع، ولن يفعله شمبانزي، لكن،
ذلك لا يعني أننا أسمى منه أو أكثر تطورًا؛ إنه مقياس محدد نستطيع تفسيره. بصراحة، لم تقتنع نفسي تمامًا بالإجابة. إنه مقياس نهتم به، ويبدو من الملاحظة أننا،
أفضل بكثير من الحيوانات الأخرى بهذا المعنى، وإن لم يكن ذلك صحيحًا بنسبة 100%. انتُقيت قدراتنا بطريقة سمحت لنا بالانتشار على الأرض والسيطرة تقريبًا على الحيوانات، بسبب بنية أدمغتنا. لذلك أجد القول إن الذكاء لم يُنتقَ،
غير مقنع؛ يبدو أنه انتُقي، حتى خلال مدة ظهوره القصيرة. لكنني لا أسأل عن الانتقاء نفسه، بل أفترض ظهور طفرة قبل بضعة آلاف من السنين لدى الأشكناز مثلًا،
ولم يمضِ وقت كافٍ لانتقائها طبيعيًا. لنفترض حتى أن الطبيعة لن تنتقيها، وأن أثرها سيختفي مستقبلًا؛ فالطفرات عشوائية. لكنها موجودة الآن وتمنح زيادة في الذكاء بطريقة لا نفهمها، لأننا لا نعرف كل الجينات وكيف تؤثر في،
السلوك أو الصفات الظاهرة. نرى إحصاءات توحي بذكاء أعلى، فربما يرتبط ذلك بالحمض النووي. أين الخطأ في هذه الحجة؟
أحب مناقشتك لأنك تفكر بعمق وتبحث، كما ينبغي للعلماء. وهنا أستطيع أن أكون أقل اعتمادًا على التخمين. علينا تفكيك عدة نقاط. أولًا، يوضح الكتاب مدى اختلاطنا كنوع بشري، وأن الحدود التي نرسمها،
بين المجتمعات أكثر ضبابية مما نظن. للأصول الأشكنازية نمط جيني يمكن التعرف إليه عمومًا إذا كان نصيبها في أصل شخص كبيرًا، لكنه متصل بغيره من المجتمعات. ومن المحتمل أن لدى كل منا،
نصيبًا ملحوظًا من هذا الأصل الجيني؛ وأنا أعرف أن هذا صحيح في حالتي. حدود فئات مثل الأشكناز أو السود جينيًا ليست حادة كما نتخيل. هذه نقطة،
والثانية أن أصل الأشكناز في أوروبا غامض نسبيًا. نعتقد أنه يعود إلى أواخر العصور الوسطى، في القرن 12 أو 13، ثم حدثت هجرات وتنقلات وتهجير قسري، وصولًا إلى المحرقة في الحرب العالمية الثانية، ما جعل البنية السكانية مميزة وغير عادية.
لذلك ليست محددة جينيًا بدقة كبيرة. الأشكنازية، واليهودية عمومًا، تعريف ثقافي أكثر من أي شيء آخر، رغم أننا نرى بعض آثاره في الحمض النووي. والزمن مهم عند التفكير في التطور؛ فالمدة ليست كافية حقًا،
إذا تحدثنا عن بضعة قرون، لنقل 600 سنة، ليعمل الانتقاء بقوة، وخصوصًا لتثبت نسخ جينية معينة في مجتمع وتصل إلى تواتر يجعل الجميع تقريبًا يحملون،
ذلك الأليل، أي النسخة الجينية المرتبطة بالصفة. هذه النقاط تضعف الحجة. وهناك تطور حاسم في الوراثة خلال آخر 5 أو 10 سنوات: نستطيع النظر في الجينوم ورؤية مواضع حدوث الانتقاء، حتى دون معرفة الصفة الظاهرة المرتبطة بها.
نمسح تسلسل الجينوم ونقارن بين أشخاص كثيرين، فنحسب إحصائيًا أن منطقة معينة من الحمض النووي شائعة بدرجة مرتفعة في مجموعة، بينما تتدرج المناطق المحيطة بها وفق توزيع معتاد. يمكننا نمذجة ذلك والاستدلال على حدوث انتقاء طبيعي، وزيادة تواتر،
مجموعة جينات في ذلك الموضع. نستطيع طرح السؤال واختباره، لكننا لا نرى هنا تلك الإشارة؛ نبحث عن الانتقاء ولا نجده. هل تقصد عدم وجود انتقاء لدى اليهود لجين معين يثير الشك في ارتباطه،
بالذكاء مثلًا؟ نعم، هذا صحيح عمومًا. الذكاء متعدد العوامل جينيًا؛ توجد مئات الجينات ذات التأثيرات الصغيرة، وفق ما بدأنا نفهمه، موزعة عبر الجينوم. نعتقد أن نحو نصف جيناتنا يشارك في تطور الدماغ، ربما حوالي 10000 جين.
تمييز الأكثر أهمية للقدرات المعرفية ليس سهلًا، لكننا بدأنا. وما تُظهره النسخ الجينية، عند دراسة مجموعات كبيرة، هو مساهمات صغيرة متراكمة في الفروق على مستوى السكان، وليس تحديد قدرة كل فرد. بدأنا نرى،
سمات وراثية مرتبطة بالقدرات المعرفية، لكننا لا نرى انتقاءً لها في مجموعات بعينها. ما نراه هو ارتفاع تواتر أمراض محددة. اقترح بعضهم في السنوات الأخيرة أن هذا قد يفسر نجاحًا معرفيًا أو ذكاء أعلى،
على غرار ارتباط الملاريا بفقر الدم المنجلي. نعرف هذه القصة جيدًا: من يحمل نسخة واحدة من الجين المنجلي يكون محميًا من عدوى الملاريا، أما نسختان فتسببان المرض المنجلي الخطير الذي يهدد الحياة. قيل طويلًا،
إنه «مرض للسود»، خصوصًا لشيوعه لدى الأمريكيين الأفارقة، لكنه ليس كذلك؛ إنه مرتبط بالملاريا. نراه بنسب مرتفعة في الشرق الأوسط وأجزاء من الهند واليونان وأمريكا الجنوبية، لأن أصول هؤلاء ترتبط بمناطق كانت الملاريا متوطنة فيها.
أذكر هذا لأن حالة تغاير الزيجوت، أي امتلاك نسخة واحدة، تحمي من الملاريا. اقترح بعضهم أن شيوع أمراض معينة لدى مجتمعات يهودية قد يكون مشابهًا: أفضلية لحامل نسخة واحدة، وربما تسهم، بحسب هذا الادعاء، في الذكاء. وما الرد؟
طرحت ورقة مؤثرة هذه الفكرة قبل 10 أو 15 سنة، وكان لها صدى كبير. إنها فرضية تخمينية مثيرة للاهتمام، والتخمين ليس ممنوعًا في العلم؛ من المهم التفكير ووضع تخمينات مدروسة لحل المشكلات المعقدة.
لكننا نستطيع الآن التحقق. طُرحت الفكرة قبل عصر الجينوم، والآن لا نجد صفة عصبية ظاهرة مرتبطة بتلك الأمراض تدعمها. كانت فرضية مقبولة للاختبار ضمن ورقة غريبة في جوانب أخرى، لكننا أصبحنا قادرين على فحصها، ولا نجد الأثر المفترض.
تقصد أننا لا نجد تأثيرًا في الذكاء؟ بالضبط. هذه الأمراض ونسخ الجينات المرتبطة بها لا تظهر عندما نمسح مجتمعات كبيرة بحثًا عن صفات ترتبط بالقدرات المعرفية. لذلك، رغم أن الفرضية كانت،
جديرة بالنظر وليست فكرة سخيفة، فإن العلم يتحرك باستمرار، ونسد الثغرات عندما تتيح التقنية ذلك. أصبحت التقنية متاحة، واختفت تلك الثغرة. هذه الإجابة أقنعتني أكثر. سؤال آخر: عنوان كتابك «كيف تجادل عنصريًا»،
وقد يتحدث علماء أحيانًا عن أفكار ذات طابع عنصري؛ مثل واطسون، عالم الوراثة الذي وُصف بالعنصرية وروّج، على الأرجح، أفكارًا خاطئة. كيف يستطيع عالم مناقشة البيانات،
دون أن يصبح عنصريًا إذا بدت منحازة نحو تفسير عنصري؟ لنفترض أننا اكتشفنا يومًا صفة تجعل السود أفضل من البيض في أمر محدد؛ إذا تحدث عنها عالم، فقد يُتهم بالعنصرية لأنه يطرح فكرة،
تبدو لنا اليوم عنصرية. كيف يعرضها إذا كانت البيانات تدعمها؟ أنت محق؛ يجب أن نتبع البيانات والعلم، وإلا أصبحنا أصحاب أيديولوجيا لا نختلف عن غيرنا. أبسط إجابة هي أننا لا نرى،
دليلًا على فروق عرقية توافق صورنا النمطية الثقافية. من الأسباب أن الأعراق، بهذه التصنيفات، لا توجد فعليًا كفئات جينية منفصلة. أرى أنه من المستبعد جدًا أن نجد نمطًا جينيًا يتوافق بدقة مع التصنيفات الشعبية،
أو الثقافية للعرق. لكن لو حدث ذلك، رغم استبعادي الشديد، وفحصنا النتائج وتأكدنا من صحتها، فعلينا اتباع البيانات. وهنا نقطة أساسية في الكتاب: لا أقول إن العنصرية سيئة فقط لأنها مبنية على أفكار علمية،
زائفة أو تحريف للعلم. ما أقوله هو أن العلوم الجينية والتطورية التي أجريناها حتى الآن لا تدعم التصور الثقافي العنصري. إذا كنت عنصريًا، فلا تستطيع استخدام أدوات علمي للدفاع عن موقفك، لأنها لا تقول ما تدعيه.
والأهم: العنصرية ليست سيئة لمجرد استنادها إلى علم سيئ، بل لأنها اعتداء على الكرامة الإنسانية. لو ثبت افتراضك، وأظهرنا عاملًا بيولوجيًا جينيًا فطريًا يجعل مجموعة أسرع عدوًا، أو،
أفضل في التحمل أو الذكاء أو عزف الجاز، ويرتبط فعلًا بفئة عرقية، فعلينا أن نسأل: هل يبرر ذلك اضطهادها أو فصلها عن الآخرين؟ هنا ننتقل من عملنا العلمي القائم على البيانات،
والذي يفترض من حيث المبدأ ألا يكون سياسيًا، إلى مسؤوليتنا البشرية: أجرينا العلم وعرفنا نتيجته، فكيف نعامل الناس؟ والحقيقة أن العلم لا ينفصل تمامًا عن السياسة، وليس محايدًا تمامًا؛ البشر يجمعون البيانات، ويحملون انحيازاتهم. واجبنا كعلماء أن ندرك،
ما تقوله البيانات، ونفحصه بأفضل أدواتنا، ثم نتصرف كبشر ونعامل بعضنا بكرامة. يا لها من خاتمة مهمة للبودكاست! ينبغي أن يستمع الجميع إلى هذه الكلمات بعناية، ويسعدني،
أنك قلتها في هذا الموضع. أشكرك على المشاركة في سايوير، وعلى مناقشة موضوع بالغ الأهمية وضعته في كتاب رائع: «كيف تجادل عنصريًا». شكرًا جزيلًا، آدم رذرفورد. شكرًا لك، محمد، سعدت بلقائك،
في دبي، وأتمنى استمرار تعاوننا طوال حياتنا. شكرًا لك. تمنيت أن يكون لدينا وقت للحديث عن «إكس ماكينا». صحيح، لم نتحدث عنه! أريد أن يعرف الناس قصته. هل أنت مشغول الآن؟ أستطيع الاستمرار دقيقة أخرى، إن أردت.
هل نتحدث عنه وأضيف الحوار في نهاية البودكاست؟ بالتأكيد. فاجأتني بقصته في دبي، وما زلت أفكر فيه. فيلم رائع وعميق، يتجاوز حتى أفكار تورنغ،
وكنت أحد مستشاريه العلميين. حدثني عن ذلك. كانت من أمتع تجارب حياتي المهنية، وغيرت حياتي فعلًا. عملت قليلًا في السينما قبلها، لأن لدي برنامجًا إذاعيًا وأقدم العلوم للجمهور مثلك،
فيتصل الناس لأنك العالم الوحيد الذي سمعوا به. حدث ذلك مرات، وأنا أحب السينما؛ ربما هي الشيء الوحيد الذي أحبه أكثر من العلم! اتصل صديق وقال إن صديقًا له يعمل على فيلم يتضمن علمًا، ويريد الحديث إلى علماء مهتمين. وافقت، وبعد،
10 دقائق وصلت رسالة من أليكس غارلاند، الكاتب وكاتب السيناريو المعروف والناجح. كتب أفلامًا ناجحة عديدة، لكن هذا كان أول إخراج له. طلب قراءة سيناريو عن الذكاء الاصطناعي. أنا عالم أحياء، لا متخصص في الذكاء الاصطناعي،
وكان لديه بالفعل مستشار في الذكاء الاصطناعي، اسمه في التفريغ «موريس شاناهان»، ألّف كتابًا أثر كثيرًا في تطوير أفكار الفيلم. أراد مني التحقق من الواقعية: هل يتحدث الناس والعلماء بهذه الطريقة؟ وهل الأفكار العلمية مناسبة، خصوصًا ما يتعلق،
بشكل الروبوت آفا وسلوكه؟ وهل الحجج عمومًا منطقية؟ قرأت السيناريو وذهلت من روعته. قدمت ملاحظاتي، وأعجبته، فالتقينا وتناقشنا، ثم استمر عملنا معًا في أفلامه الـ3 التالية.
هل ذهبت إلى موقع تصوير «إكس ماكينا»؟ نعم. بعد انتهاء التصوير، يدخل الفيلم مرحلة المونتاج التي تستمر عامًا. المؤثرات الحاسوبية فيه كانت بالغة الأهمية؛ فقد فزنا عنها بالأوسكار، وهذا يوضح مدى جديتهم.
صنع آفا نفسه عمل شارك فيه بعض أكثر الأشخاص إبداعًا ممن عملت معهم، وكثير منهم من خلفيات فيزيائية، سواء في البرمجة أو تجسيد الأفكار على الشاشة. يبدو أن للفيزيائيين جينات ذكاء أفضل،
عفوًا، أنا أمزح فقط! ومن الطرائف في فيلمنا التالي «أنيهيليشن»، مع ناتالي بورتمان التي أدت دور عالمة أحياء، أنني كنت أقدم خبرتي المباشرة. احتجنا لقطات كثيرة لشرائح وخلايا تحت المجهر،
فتبادلت نقاشًا طويلًا مع أندرو وايتهيرست، رئيس المؤثرات الخاصة. سأل كيف تبدو الخلية فعلًا تحت المجهر، فأعطيته صورًا وشرحت له طريقة العمل. بعد 2 أسبوع، أرسل رسالة من نحو 10 صفحات؛ كان قد،
درس تاريخ المجاهر الضوئية والظواهر البصرية الغريبة التي ظهرت أثناء تطويرها وطرق تصحيحها. بدأ يشرح ويسألني، فقلت: أنا فقط أنظر في المجهر،
وتحتاج إلى فيزيائي ليجيب عن هذه الأسئلة! بالنسبة إلى «إكس ماكينا»، هل اعترضت على أشياء فعدلوها، أم كان مكتملًا؟ الحقيقة أن 90% منه كان موجودًا قبل أن أرى السيناريو. غارلاند يتمتع بعقل،
علمي جدًا؛ يبحث ويأخذ الموضوع بجدية، وناقش مستشار الذكاء الاصطناعي كثيرًا. وله رؤية واضحة. ذكرتَ اختبار تورنغ؛ أصبح شائعًا في الحديث العام عن الذكاء الاصطناعي والروبوتات، لكننا،
كنا نميل في نقاشاتنا إلى أنه قد يكون أقرب إلى حيلة، وربما يخبرنا عن البشر أكثر مما يخبرنا عن إمكان وجود الذكاء الاصطناعي. أراد غارلاند تجاوزه: هل تتعاطف مع كيان اصطناعي وأنت تعرف أنه اصطناعي؟
بدل سؤال اختبار تورنغ: هل تميز بين الإنسان والآلة إذا لم تعرف مسبقًا؟ يقول الفيلم إننا تجاوزنا ذلك؛ المطلوب فهم ما إذا كانت واعية، مع معرفتك بأنها روبوت. وأنت ترى آلياتها تحت الجلد. كان ذلك مذهلًا فعلًا.
أذكر صدمتي بهذا التحول. تعودنا اعتبار اختبار تورنغ الاختبار النهائي لقدرة الروبوت، لكن الفيلم بدا لي اختبارًا للإنسان؛ تجاوز الروبوت ما اقترحه تورنغ،
وأصبح البشر يُختبرون في قدرتهم على فهمه. هذا هو بالضبط. هل تعمل على مشاريع أخرى حاليًا؟ قبل الإجابة، أظنك أصبت الفكرة تمامًا. شاهدت الفيلم عشرات المرات أثناء التصوير والمونتاج، وكان تعاطفي يتغير كل مرة،
فنيثان، رجل التقنية الشبيه برجال غوغل، منطقي ومباشر ويعرف ما يفعل. وكاليب، الذي يجري الاختبار، يشبهنا؛ لا يفهم تمامًا ما يحدث. لكنني أعود دائمًا إلى النتيجة نفسها: آفا تتحكم في الأحداث منذ البداية، وقد خدعت الاثنين،
بوعيها. كانا يسألان السؤال الخطأ، ويحاولان إيجاد وعي إنساني، لكنها ليست إنسانًا. وعيها فريد، مرتبط بآلياتها وكيف صُنعت. الخدعة أنهما افترضا أنها تملك وعيًا بشريًا، لكنها لا ترى العالم،
كما يريانه مطلقًا. هذه روعة الفيلم؛ يفاجئك عندما تدرك ذلك في النهاية. وبالنسبة إلى العمل الحالي، أوشكنا على إطلاق مسلسل أليكس الجديد،
الذي سيعرض في أمريكا منتصف مارس، وأظنه يصل إلى بريطانيا على بي بي سي في أبريل. لا أعرف التوزيع في بقية العالم. سيعجبك؛ اسمه «Devs»، بالحروف «D-E-V-S»، وتدور أجواؤه في عالم يشبه «إكس ماكينا»، داخل شركة تقنية متقدمة مثل غوغل أو فيسبوك. فريق «ديفز» باحثون شديدو السرية، استطاعوا،
ولا أريد إفساد الأحداث، إنجاز شيء. تفضل، أخبرني. لا أفسد كثيرًا، فذلك في الحلقة الأولى: حلّوا مسألة الحوسبة الكمية، ويعملون على بناء آلة تحاكي كل حدث محتمل وقع في التاريخ.
وهناك مشكلة، بل مشكلات عديدة طبعًا. تتحسن قدرتهم على النظر إلى الماضي ومحاكاة كل الاحتمالات وتحديد المطابق للتاريخ. إنهم لا يرون الماضي نفسه، بل محاكاة لما قد يكون عليه. لكن حين ينظرون إلى المستقبل،
لا يرون إلا 8 أسابيع، ثم تسود الصورة، ولا يعرفون السبب. لن أخبرك به؛ يُكشف في الحلقة 8. دائمًا توجد حدود زمنية في قصص السفر عبر الزمن: ثوانٍ إلى الوراء أو 3 أيام. لا أدري لماذا يضعونها،
بدل عائق آخر، وكأن الزمن نفسه يمنع ظهوره. هنا سبب محدد جدًا. أفهم قصدك؛ فيلم «سورس كود»، الذي أحبه، يسمح بالعودة 8 دقائق فقط، على ما أذكر. في هذه الحالة، أنت محق؛ إنه حد موضوع لخدمة الحبكة.
وهناك مفارقة الجد، وفكرة عدم إمكان العودة إلى ما قبل إنشاء آلة الزمن وأفكار مشابهة. لا أستطيع قول المزيد لأنه أساسي للحبكة. لا أطيق الانتظار لمشاهدته. إنه أفضل أعماله، ومدته 8 ساعات، فيحتاج إلى التزام، لكنه مذهل. هل سيعرض على نتفليكس؟
لا أعرف، وأظن أن الأمر لم يتحدد. اشترته بي بي سي في بريطانيا، ويعرض على FX، التابعة لفوكس في أمريكا، لكنني لا أعرف التوزيع العالمي. أنا متأكد أنك ستجد وسيلة لمشاهدته. نعم، هناك دائمًا طرق. شكرًا، آدم؛ أخذت كثيرًا من وقتك، وأقدر ذلك جدًا. شكرًا لك.
شكرًا يا صديقي. اعتنِ بنفسك، وإلى اللقاء.
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


