نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.
4 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل
أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في سايوير بودكاست. نكمل الحديث عن نظرية التطور في مقابلة مع الدكتور فيصل الصائغ، الذي سأقدمه خلال اللقاء. لكن أبدأ بتنويه مهم: طرح النظرية لا يعني بالضرورة الاقتناع بها وتبنيها،
فما نطرحه هنا وما طرحناه سابقًا علم من العلوم، كما أن النسبية الخاصة والعامة وميكانيكا الكم ونشأة الكون والنظرية الذرية علوم. في التطور مئات آلاف الأوراق العلمية وكتب كثيرة،
وكما طرحت علومًا أخرى في حلقات سابقة، أطرحه لوجوده ضمن العلوم. ربما تتصور أن المطلوب بعد الاستماع هو الإيمان بالنظرية، لكن هذا ليس الهدف، بل المعرفة،
ثم متابعتها بالقراءة والاستكشاف. وإذا كنت تعدها خصمًا، فمن الواجب معرفة خصمك جيدًا قبل الاعتراض. كشف الخلل في نظرية التطور لا يكون بنقاش غير المتخصصين وحده، بل يحتاج إلى الخوض،
في الأوراق العلمية، التي يقدر عددها بحسب إحصائية قديمة بـ120000 في الأكاديمية الوطنية للعلوم وحدها، إضافة إلى نحو 350000 ورقة تستند إلى التطور. التفنيد يكون من خلال هذه الأبحاث،
أما النقاش البسيط فقد لا يحقق ما يرجوه المعترض. أكرر أن الهدف هو الفهم، والاقتناع والتبني شأن كل شخص بعد القراءة والتعلم. التفنيد الحقيقي يأتي بالدراسة في المؤسسات العلمية وكتابة الأبحاث والتجربة الدقيقة،
وقد قسمت المقابلة إلى أجزاء، فأرجو تفهم ذلك. إنها شيقة وغنية، وأحيانًا صعب علي إيقاف سيل معلومات الدكتور فيصل. سنكمل الجزأين الثاني والثالث في حلقات قادمة، ثم أطرح أسئلة المستمعين الذين أشكرهم على إرسالها،
بعد التعرف إلى النظرية وأدلتها، فاصبروا معي وستأتي أسئلتكم إن شاء الله. ومن يريد معرفة المزيد يمكنه التواصل مع الدكتور فيصل بالبريد الإلكتروني،
وستجدون عنوانه في صفحة سايوير. معنا اليوم الدكتور فيصل الصائغ، استشاري أمراض الدم، وصاحب أبحاث في تخصصه، وأستاذ مشارك بكلية الطب في الكويت،
وله عيادة خاصة لعلاج أمراض الدم. ظهر على التلفزيون، وكتب مقالات في صحف متعددة، وألقى محاضرات عن التطور. حضرت له محاضرتين رائعتين. أهلًا بك دكتور فيصل. — شكرًا على الاستضافة دكتور محمد. — سنتحدث عن التطور،
وعن أسئلة المتابعين أيضًا. لكن قبل التفاصيل، لماذا اهتممت بهذا المجال وأنت متخصص في أمراض الدم؟ أعطنا نبذة عن بداية اهتمامك،
— هناك أسباب كثيرة. يتطلب تخصصي معرفة تركيب الجينات والكروموسومات وأحوالها، لأن أمراض دم كثيرة ترتبط بالتغيرات فيها، ومنها ما يكون،
ناشئًا عن خلل جيني أو كروموسومي منذ البداية، ومنها ما يظهر الخلل فيه لاحقًا خلال الحياة. كانت هذه الشرارة الأولى، وقادني موضوع إلى آخر حتى اهتممت شخصيًا بالتطور. وأعتقد أن السؤال الأول،
كان: من نحن، ومن أين أتينا، وإلى أين نذهب؟ هذه الأسئلة حركت الفلاسفة والحكماء والعلماء، وتدفع ناسا ووكالات الفضاء إلى إنفاق المليارات على الاستكشاف. — هل تساعدك معرفتك بالدم وأمراضه،
في دراسة التطور؟ — أمراض الدم كغيرها من الباطنية تضم تصنيفات وطرق تشخيص وعلاج لعلل مكوناته، أما التطور فاهتمام شخصي. إذا أردت فهم سبب تركيب الدم الحالي عند البشر،
من بلازما وخلايا وآليات تجلط وسيولة وغيرها، يمكنك الرجوع إلى تطور البروتينات وتغيرها عبر ملايين السنين، وصولًا إلى هذه الأجهزة،
ومن الأسئلة التي راودتني طالبًا: كيف يعالج إنسولين البقر سكري الإنسان؟ لم يخطر لي وقتها مدى تشابه الجينات المشفرة للإنسولين بينهما،
وهذا مثال واحد من مواد بيولوجية كثيرة تؤخذ من الحيوانات للاستخدام الطبي. تستضيف حيوانات أو أنسجتها جينات تشفر لمواد علاجية. عودة إلى الإنسولين، كنا نستخلصه،
من ثدييات كالبقر والخنازير. أعرف حساسية ذكر الخنازير اجتماعيًا، لكنه الواقع. أما الآن، فانتهى الاعتماد على المصادر الحيوانية، ويُنتج الإنسولين بإدخال الجينات البشرية أو ما يقاربها إلى بكتيريا «إيشيريشيا كولاي»،
ثم استزراعها وتحفيز الجينات لإنتاج كميات كبيرة تجاريًا. لولا فهم التطور والجينات وآلياتها وترابط الكائنات،
وأصلها المشترك، لما أمكنت تطورات طبية كثيرة. — هذا مهم، فقد كنت أنوي السؤال عن التطبيقات التي استفادها العلماء من النظرية. أقدم هذه الحلقة بالتعاون مع شبكة أبو نواف، التي تقدم مواد ترفيهية وهادفة، ومن اهتمامها،
بالمحتوى المفيد والبنّاء تضم سايوير بودكاست إلى باقتها المتنوعة، ليصل إلى أكبر عدد من المستمعين العرب.
— حتى لا نطيل الانتظار، أعطنا شرحًا موجزًا للنظرية، ثم أبدأ بأسئلتي قبل أسئلة المستمعين. ما تعريفها باختصار؟ — تعريفها باللغة الإنجليزية،
هو الانحدار من أصل إلى تفرعات مع التغير. تحدث طفرات جينية لدى الأبناء الذين يحملون نصف موروثات كل من الأبوين، كما شرحت سابقًا؛ تنتج أخطاء،
أثناء نسخ الحمض النووي عند التكوين الأولي للحيوان المنوي أو البويضة، وهذه نقطة مهمة: تحدث قبل التلقيح. لا يكون الحيوان المنوي مطابقًا للأب بنسبة 100%، وقد أثبتت الأبحاث ذلك،
فقد يبلغ التشابه 99.99% بسبب خطأ في موضع من شفرة أحد الجينات. تحدث الأخطاء في الأعضاء التناسلية ثم تنتقل، وكذلك في البويضة. أما الأخطاء بعد التلقيح فقد تنتج عنها أمراض وتشوهات خلقية،
مثل توأم لم ينفصل وبقي داخل بطن شقيقه، أو طفل بعيب في الرأس يسمى «أننسيفالي»، أو غياب ذراع. هذه أخطاء في انقسام الخلايا بعد التلقيح، أما التطور فيحتاج،
إلى تغيرات في الخصية أو المبيض، تتراكم في الحيوانات المنوية والبويضات وتنتقل عند التلقيح. ومن الأخطاء الشائعة السؤال: لماذا لا نرى كائنًا يتحول إلى آخر خلال حياتنا؟
التطور يحدث في الجماعات عبر أزمنة طويلة، لا في الفرد نفسه. تتراكم طفرة مفيدة، وهذا شرط، فتنتشر وتتغلب على صفات أو طفرات أخرى تندثر،
وتسود بالتزاوج. — إذن التغير يكون عبر الأجيال، لا خلال حياة الشخص؟ — نعم. وقد يحدث في جماعات كبيرة، لكن لرؤيته أسرع ينبغي أن تكون الجماعة معزولة،
عن غيرها، لأن دخول جينات من جماعات مجاورة قد يذيب أثر الطفرة المفيدة. تخيل جماعة عيون أفرادها زرقاء، ثم ولد فرد بعيون سوداء أو عسلية أو خضراء بسبب طفرة،
إذا منحت الطفرة حاملها ميزة وفضّلت، انتشرت، وربما عدت بعد 5000 سنة فوجدت كل ذريتهم تحملها، واندثرت القديمة. لكن لو عاشت الجماعة في بلدة،
تحيط بها بلدات زرقاء العيون مع تزاوج وتواصل مستمر، لضعفت فرصة انتشار الصفة الجديدة وذابت في المحيط الأكبر. الانعزال أحد شروط التطور وأسباب،
اختصاص جزر معزولة بصفات معينة. وأفضل مثال أستراليا، التي تضم حيوانات ونباتات لا توجد في أي مكان آخر. كانت جزءًا من القارة الأم «بانجيا»، ثم وفق حركة الصفائح التكتونية،
انفصلت عنها من موقع جنوبي قرب أنتاركتيكا، وكانت لها صلة بأمريكا الجنوبية. قبل أكثر من 50 مليون سنة بدأت تتحرك نحو موقعها الحالي. وكذلك كانت الهند ملاصقة لأفريقيا، وأفريقيا لأمريكا الجنوبية،
وتتميز أستراليا بالجرابيات، كالكنغر والأبوسوم وغيرها، ولا توجد هذه الحيوانات في بقية العالم، باستثناء جرابي في أمريكا الجنوبية يختلف عن الأنواع الأسترالية،
وبفهم التطور وانفصال القارات نفسر بقاء هذا الحيوان هناك، وانتقال البقية مع قارة منفصلة، ثم تطور الجرابيات في عزلتها. — دعني أتأكد: كانت هناك كتلة أرضية،
متصلة تحمل حيوانات متشابهة، ثم انفصلت الصفائح فبقيت الحيوانات على قارتين، ومنع الانفصال تزاوجها واختلاط جيناتها،
فتغيرت كل مجموعة باتجاه مختلف؟ — بالضبط. ركز داروين في رحلته إلى جزر غالاباغوس على طيور الشرشور، فلكل جزيرة طير خاص رغم الأصل المشترك. ومن زمنه،
إلى اليوم، خلال 150 سنة، رُصد تطور نوع أو نوعين في الدوريات الحديثة. دخل طير جديد عبر السفن ونافس الطيور على البذور، فتطور منقار أحد الأنواع ليأكل بذورًا أكبر. — كيف طور منقاره؟ — الطائر لا يعرف كيف يفعل ذلك،
ولا الجينات تعرف. في الطبيعة، من لا يأكل يموت أو يؤكل. عندما ظهرت المنافسة مات كثير من الطيور ولم ينقل صفاته، وصمدت قلة تحمل جينات كانت موجودة قبل وصول المنافس، فأعطتها،
مناقير أكبر قليلًا جدًا. كانت تأكل الغذاء نفسه، لكن مع موت أصحاب المناقير الأصغر بقيت وتزاوجت، وأنتجت نسلًا بمناقير أكبر قليلًا. بدأت طفرة صغيرة،
ثم تعززت بالتزاوج وفي الجيل الثالث، حتى صارت الجماعة ذات مناقير أكبر قليلًا من الأسلاف. حفز هذا التعزيز،
شح الغذاء وتوفر بذور لا تؤكل إلا بمنقار أكبر. حاولت الطيور أكلها، فنجح بعضها وانقرض من لم ينجح. أعمار هذه الطيور قصيرة وتتكاثر بكثرة، فقد تمر خلال 10 سنوات 20 أو 30 جيلًا،
والأم التي لا تجد غذاءً تموت مع فراخها، فتفنى مجموعات كثيرة ولا يبقى إلا القادر على كسر البذور الكبيرة والتكيف. للطبيعة عاملان: الزمن الواسع،
بملايين السنين، وتنوع الكائنات ومنافستها على الموارد. تدفع هذه العوامل صفات كامنة إلى الظهور والتعزز عند الشدة. واستغل الإنسان التطور دون أن يعرفه، فيما يسمى التطور الموجّه،
أو الإجباري. كانت الكلاب قبل 15000 إلى 20000 سنة شبيهة بالذئاب. وفق أحد الآراء، ظهرت طفرة في مجموعة جعلتها تألف البشر بدل الشراسة، فتجلس قرب تجمعاتهم البدائية ويطعمونها البقايا،
ثم تعززت الألفة عبر التزاوج والأجيال حتى صار الكلب ملازمًا للإنسان ومختلفًا عن بقية الذئاب. — يذكرني هذا بمن يشترون قططًا من،
مربين معينين لأنهم يحبون صفاتها التي تورثها. — نعم، استغل المربون ذلك لاحقًا. نرى اليوم آلاف أشكال الكلاب، الصغيرة والكبيرة، كالسلوقي والدوبرمان والبيتبول، وكلها انحدرت من شكل واحد،
بسبب انتقاء الإنسان. مثلًا، تلد كلبة راعي ألماني 7 جراء، ويكون أحدها أقصر ساقين من البقية، فيعزله المربي ويزاوجه؛ قد تكون أرجل معظم نسله طبيعية، لكن،
بعضها أقصر، فيزاوجها معًا حتى يظهر راعي ألماني قصير الأرجل. قد يحدث ذلك خلال جيلين أو 3، فتظهر مجموعة مختلفة عن الأصل بتعزيز صفات صغيرة ودمجها بالتزاوج. هذا هو،
التطور الموجه الذي مارسه الإنسان في الحيوانات والنباتات، كالقمح والذرة والأرز. — حتى القمح؟ — نعم، كان الغذاء الذي نأكله اليوم في صورة برية أصلًا. مع الزراعة بدأت المجتمعات والحضارة، كما يقول علماء الأنثروبولوجيا،
وكان من أساسياتها القمح والذرة. عُرفت الذرة لدى المايا والأزتيك في أمريكا الجنوبية، ووصلت لاحقًا بعد اكتشاف الأمريكتين، بينما عُرف القمح والأرز في العالم القديم. كانت صورها البرية تنمو في البراري والغابات،
وعلى ضفاف الأنهار. استغلها الإنسان، لكنها لم تكفِ حاجته، فزرعها قرب بيته وحظائر الحيوان، واكتشف السماد بالمصادفة حين لاحظ نموها بغزارة وسرعة هناك. تعلم ذلك بالتجربة والخطأ،
ثم فهم التلقيح واختار سنابل القمح الأكثر حبوبًا وكاثرها حتى أنتج أصنافًا تفي بالغرض. أما اليوم فقد اتخذ الأمر منحى جينيًا، بعد فهم مورثات القمح،
وسبب نموه في موسم دون آخر، فتعدلت مورثاته ليزرع في كل موسم. لهذا لا توجد الآن أزمات غذائية عالمية رغم زيادة السكان، ويأكل الناس أكثر من أسلافهم. ينطبق ذلك على الأرز والقمح والموز؛ فصورته البرية،
كانت ثمرة مربعة قبيحة ذات بذور وطعم لا يستساغ. جُمعت الصفات الجيدة وهُجنت حتى صار الموز الحالي. وتحتفظ شركات بشتلات تنحدر من أسلاف،
أُنتجت قبل مئات السنين، مثل «دول» و«تشيكيتا». قد تلاحظ اختلافًا بسيطًا في الطعم لاختلاف السلف والتهجين. وينطبق ذلك على التفاح؛ سمعت قبل نحو سنة عن اكتشاف سلفه في آسيا الوسطى، في أوزبكستان أو قربها،
أشجار تنتج فاكهة تشبه التفاح، لكن شكلها وطعمها مختلفان. قد لا تظنها تفاحًا، لكن الجينات تثبت ذلك بنسبة 100%. لا تستساغ بسبب الحموضة أو البذور،
ثم دجنت حتى أعطت أصناف التفاح الحالية، بتعزيز صفات أو طفرات سابقة. — ما التدجين؟ — تزاوج الأنواع ذات الصفات الجيدة. — هل يتعلق بالجينات؟ — نعم، فالصفة الجيدة نتيجة تغير جيني،
ولم يعرف الناس قديمًا أن الجينات مسؤولة. اليوم يتدخل العلم بتعديل جينات البذور أو إدخال جينات، ولذلك ظهرت جماعات تطلب الغذاء العضوي وتعارض المعدل وراثيًا. لكن هذا موضوع آخر،
ومثال آخر الأبقار: لم تكن في الحضارات القديمة كالأبقار البيضاء والسوداء الكبيرة التي تراها في أوروبا وتحب التصوير معها، وتنتج بعض الأبقار نحو 100 لتر حليب في اليوم،
لم يكن ذلك مألوفًا؛ كانت الأبقار برية تشبه الجاموس قبل نحو 10000 سنة. حين استقر الإنسان بدأ تدجينها للحرث واللحم والحليب، ويكاثر ما يظهر فيه من صفات جيدة، كإدرار حليب أكثر،
فتكون ذرية البقرة مرغوبة، ويستخدم ذكر منها لتلقيح أبقار كثيرة الحليب، فتتعزز الصفة في الجيل الثالث، وهكذا. عرف الناس التلقيح وتعزيز الصفات، وهي عملية جينية وتطورية،
— هل تنتقل من صنف إلى آخر؟ — لم نصل إلى ذلك بعد. — ألح في السؤال لأن أمثلتك ما زالت بقرة تعطي بقرة وموزًا يعطي موزًا، لكن الأمثلة رائعة. قبل أن تكمل، لنعد إلى التعريف،
وهو الانحدار مع التغير: انتقال عبر الأجيال مع تغير الصفات؟ — باختصار نعم. — وكيف يحدث الانتخاب الطبيعي؟ — هذا لب نظرية داروين،
فالظروف الخارجية تفضل صفة على أخرى، كما في الشرشور الذي دفعت قلة الموارد تغيره. ومن العوامل أيضًا انفصال الجماعات،
بقارة أو جبل أو نهر. مثال ذلك الشمبانزي القريب جينيًا من الإنسان، وهو ذكي، لكن البونوبو المشابه له أذكى، ويعيش قريبًا منه، ويفصل بينهما نهر الكونغو. الشمبانزي،
شرق النهر والبونوبو غربه فقط. قبل نحو مليونين أو مليون ونصف سنة، أدت تغيرات جيولوجية إلى تشكل النهر تدريجيًا وفصل مجموعتين من الشمبانزي. — ثم أصبحت إحداهما بونوبو؟ — بالضبط،
ربما ترى المجموعتان بعضهما عبر النهر، لكن الشمبانزي لا يسبح، فبقيت معزولة، وتغيرت عبر مئات آلاف السنين حتى صارت البونوبو، بسلوك اجتماعي مختلف، وأقل عنفًا وأكثر ذكاءً. وهي موصوفة،
في الكتب، ويمكن البحث عنها في جوجل ويوتيوب. مجرد نهر فصل حوضًا جينيًا واحدًا، فتراكمت صفات دون دخول جينات خارجية تذيبها،
كما حدث لحيوانات أستراليا، التي عزلت وتطورت في اتجاه مختلف، فتميزت حيواناتها ونباتاتها وطيورها. حتى تمساحها يختلف عن تمساح النيل،
وعن الكايمان مثلًا. — اسمح لي أن أستعجل بهذا السؤال: ذكرت الفكرة عدة مرات، لكن ما زال غير واضح لي كيف،
تظهر فصائل مختلفة تمامًا لا تستطيع التزاوج مع غيرها. الموز أعطى موزًا رغم تغير شكله وطعمه، والبقرة أعطت بقرة، لكن الحصان والزرافة مختلفان ولا يتزاوجان، وأتوقع،
وجود أصل مشترك عميق في الشجرة؛ فكيف ظهرت هذه الفصائل؟ — سؤال مفهوم؛ يسهل تصور التنوع داخل مجموعة، فالقط والفهد،
والنمر والأسد متشابهة، وكذلك الكلاب والذئاب والثعالب و[اسم غير واضح]، أو الحصان والحمار والحمار الوحشي. — لكن الأسد يظل نوعًا. — نعم، وقد زُوّج الأسد والببر بسهولة،
لإنتاج «اللايجر»، والحصان والحمار لإنتاج البغل. ولا أريد التوسع. هناك أيضًا أنواع الدجاج؛ دجاج اللحم هُجّن ودُجّن وعدلت جيناته، وكذلك دجاج البيض ليبيض يوميًا،
لحاجة البشر. أما الدجاج البري القديم، الذي عاش قرب الأنهار والمستنقعات قبل عشرات آلاف السنين، فكان شرسًا جدًا، ويمكنه التزاوج مع كائنات مشابهة. لفهم سؤالك نميز بين التطور الصغير،
الذي يحدث داخل المجموعة، والتطور الكبير الذي ينتقل من صنف إلى آخر. يمكن توثيق الصغير باستمرار؛ فالدوريات تسجل طيورًا وأسماكًا جديدة تطورت من غيرها، وكطبيب أرى،
أنواعًا جديدة من البكتيريا تتطور سنويًا. أما التطور الكبير، فهو تراكم واسع للصغير خلال حقبة طويلة. يستحيل أن ترى سمكة في قاع المحيط، ثم تصبح فجأة،
ذات 4 قوائم تمشي على اليابسة؛ ليست هذه النظرية. تتراكم طفرات صغيرة تحت ظروف الغذاء والمناخ، وتظهر أنواع داخل المجموعة، ثم صفات وأصناف أخرى، وإذا انعزلت،
أصبحت جماعات مختلفة عبر أجيال طويلة. تتفرع الجماعات مرارًا مع الزمن، وقد تعجز عن تزويج الفرع الرابع أو الخامس بالفرع الأول لتراكم الاختلافات الجينية،
وتغير عدد الكروموسومات وشكلها، فلا ينجح التلقيح. وأحيانًا ينجح بين أصناف تبدو بعيدة لكنها متقاربة جينيًا. التنوع الكبير في الأشكال،
نتيجة تراكم التطور الصغير عبر مدد هائلة. نعد 7000 سنة منذ الحضارة الفرعونية، أو 5000 قبل الميلاد، زمنًا طويلًا، فكيف بـ100000 أو مليون أو 10 ملايين أو 100 مليون سنة؟ أضاعف بمقدار 10 كما في المقاييس اللوغاريتمية،
— هل يكفي الزمن؟ — أكثر من كافٍ. شهدت الأرض كوارث قاربت إفناء الحياة، ثم تنوعت ثانية. آخر هذه الكوارث قبل 65 مليون سنة، مع انقراض الديناصورات بعد سقوط نيزك يقال إنه وقع في خليج المكسيك،
فحجب ضوء الشمس وماتت نباتات، ثم حيوانات عاشبة، ومنها الديناصورات، ثم آكلات اللحوم. لم يصمد إلا المهيأ جينيًا، ومنه بعض الطيور. الطيور كانت ديناصورات، وما زالت متصلة جينيًا بالزواحف الحالية،
وهذا موضوع آخر. ومن الناجين الثدييات الصغيرة التي كانت تختبئ تحت الأرض من الحيوانات الأكبر، وخصوصًا الديناصورات. ولم تنقرض الديناصورات في يوم أو أسبوع أو شهر، بل عبر آلاف السنين،
خلاف تصور أن النيزك قتل الجميع فورًا. تأثرت النباتية بانقراض كثير من النباتات، ثم اللاحمة. هذه الحقبة موثقة في السجل الأحفوري، بحيواناتها وأشجارها،
فحديثنا عن الحياة يشمل النباتات أيضًا. ما صمد منها قبل 50 أو 65 مليون سنة تطور إلى هذا التنوع. حتى 50 مليون سنة تكفي لتنوع هائل. وقد تتساءل: إذا اختفت معظم الحيوانات،
فمن أين جاءت الأنواع الحالية خلال 65 مليون سنة؟ وفق الأحافير والدراسات المنشورة في المجلات الكبرى، بدأت الثدييات من كائن صغير شبيه بالقوارض، وانتشرت أجياله في بيئات صحراوية ومطيرة،
وقارصة البرودة وخصبة وغيرها. يفرض الغذاء والظروف في كل بيئة تكيفًا، ثم يؤدي التفرع والبعد الجغرافي إلى التنوع الهائل. والثدييات، التي يقع الإنسان في قمتها، مجموعة،
تشترك في صفات درسناها في الأحياء. — ما دليل أصلها المشترك؟ — تقودنا الأدلة إلى البقايا التطورية. الحيتان مثلًا كانت ثدييات،
تعيش على ضفاف البحار والأنهار قبل أكثر من نحو 20 مليون سنة. مع المنافسة على الغذاء أخذت تدخل البحر لصيد السمك، ومن استطاع الغوص أعمق حصل على الغذاء،
ومن عجز اندثر ومات جوعًا. — هل تقصد أن أصل الحوت بري ثم ترك اليابسة وعاش في البحر؟ — أولًا، الحوت ثديي يلد ويرضع، ومن الفقاريات،
ومن الأدلة على امتلاكه 4 قوائم سابقًا، أن تصوير زعنفته الأمامية بالأشعة يظهر عظامًا كالتي لدى الإنسان وبقية الثدييات: السلاميات والزند وعظمتا الساعد. هي ضامرة لكنها موجودة، ويمكن رؤية الرسوم التشريحية على الإنترنت،
فعظام الأطراف الأمامية والخلفية متشابهة لدى الثدييات. — وبهذا يختلف عن السمك؟ — نعم، وليس بذلك وحده. قد تسأل عن الرجلين الخلفيتين: إذا صورت،
وسط جسم الحوت بالأشعة، رأيت حوضًا وعظام فخذ ورجل ضامرة مدفونة داخله. — هل يستخدمها؟ — لا، ضمرت واختبأت مع الزمن. لو ظهر في البحر دون تطور، لكان وجود حوض ضامر عبثًا،
— تقصد أنه لو لم ينحدر بالتطور لما وجدت عظام لا يستخدمها؟ — نعم. — وللتأكد، هل العظام في الحوض،
بلا استخدام نهائيًا؟ — نعم، يتحرك الحوت بعضلات الذيل والجسم. وحركته تختلف عن السمك، وهذا دليل على أنه لم ينحدر منه. له عمود فقري وقفص صدري ورئة،
كالإنسان. أما السمك فعظامه طولية، كما نرى عند صيده وأكله، وذيله عمودي فيتحرك بتموج جانبي. ذيول الحيتان والدلافين وفيل البحر، وهي ثدييات مائية، أفقية،
فتتحرك صعودًا وهبوطًا، لأنها امتداد للذيل المتصل بالعمود الفقري. لو تحركت كذيل السمك لانكسر العمود الفقري، ولذلك تتحرك بحسب اتجاهه ومرونته،
— الغريب أن الكائنات خرجت من الماء، ثم عاد هذا الحيوان إليه. خطر ببالي فرس النهر، الذي لا أعرف مدى قربه الجيني، لكنه،
يمشي على اليابسة ويعيش في الماء، فكأنه خطوة في هذا الاتجاه. لماذا لم يكمل طريقه إلى البحر؟ — أولًا، فرس النهر أقرب أقرباء الحيتان والدلافين، كما أثبت تحليل الجينات،
بعد فك شفرات الكائنات من الإنسان إلى أصغر حيوان وبكتيريا. نقول إن الجينات لا تكذب، وهي تحمل موروثنا وموروث الأسلاف وصولًا إلى الخلية الأولى. فرس النهر جينيًا،
هو الأقرب إلى الحيتان، مما يدل على أصل مشترك. أما بقاؤه دون التحول إلى كائن بحري كالحوت، فيعتمد على البيئة التي تكيف معها. قد ينجح حيوان في بيئة وغذاء معينين،
فلا يحتاج إلى تغير؛ حتى الصفات الجديدة قد لا تتفوق على صفاته الحالية. لو تعرضت أفراس النهر في بيئة أخرى لمنافسة غذائية أو ضغط وتغيرات، لربما تطورت إلى كائنات أخرى،
فالأنواع الموجودة اليوم تكيفت مع بيئاتها، لكنها ما زالت تتغير. مثال ذلك عثة بريطانيا والثورة الصناعية؛ كانت،
بيضاء، تقف على جذوع الأشجار دون أن تلتهمها الطيور. حين سوّد الدخان والكربون الجذوع أصبحت واضحة للمفترسات، ثم انتشرت عثة سوداء من الأصل نفسه بطفرة حفزت الظروف القوية ظهورها. أؤكد أن التطور،
والطفرات من أقوى الظواهر في الكائنات، لكن تغيير الشكل كليًا يحتاج إلى أزمنة طويلة. لو عشنا مليون سنة لرأينا كائنات جديدة حولنا؛ المسألة زمن. ولنعد إلى فرس النهر،
فلم يكمل المسار نفسه لأن المجموعتين انحدرتا من أصل مشترك ثم انفصلتا، وتكيفت مجموعته مع بيئتها دون الضغط نفسه. إلى اللقاء في الحلقة القادمة.
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


