نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.
6 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في سايوير بودكاست. نكمل في هذه الحلقة الحديث عن نظرية التطور مع الدكتور فيصل الصائغ. أبدأ بتنويه مهم: طرح النظرية لا يعني بالضرورة الاقتناع بها وتبنيها. ما نطرحه هنا وما طرحناه في الحلقة السابقة علم من العلوم،
كما أن النسبية الخاصة والعامة، وميكانيكا الكم، ونظرية نشأة الكون، والنظرية الذرية، علوم، فكذلك نظرية التطور. فيها مئات آلاف الأوراق العلمية وكتب كثيرة، وكما طرحت علومًا أخرى في حلقات سابقة،
أطرح التطور لوجوده ضمن العلوم. ربما تتصور أن المطلوب بعد الاستماع هو الإيمان بالنظرية، لكن ذلك ليس هدف الطرح. الهدف أن نعرفها، ثم نتابع بالقراءة واستكشافها بصورة أوسع،
وإذا كنت تعدها خصمًا، فمن الواجب أن تعرف خصمك جيدًا قبل الاعتراض. مناقشة النظرية لكشف خلل فيها لا تكون بين غير المتخصصين وحدهم، بل تحتاج إلى الخوض في الأوراق العلمية، التي يقدر عددها بـ120،
ألف ورقة في الأكاديمية الوطنية للعلوم وحدها، بحسب إحصائية قديمة، إضافة إلى أوراق تستند إلى التطور وتصل إلى نحو 350000. التفنيد يكون من خلال هذه الأوراق، أما النقاشات البسيطة فقد لا تحقق ما يرجوه المعترض. وأكرر أن الهدف هو الفهم،
أما الاقتناع والتبني فقرار كل شخص بعد القراءة والتعلم. والتفنيد العلمي الحقيقي يأتي من الدراسة في المؤسسات العلمية والتجارب الدقيقة وكتابة الأبحاث. وعدت المستمعين بطرح أسئلتهم، وأشكرهم عليها، وسأفعل بعد،
أن نتعرف إلى النظرية وأدلتها، فاصبروا معي وستأتي أسئلتكم إن شاء الله. ومن لديه أسئلة أخرى أو يريد معلومات إضافية يستطيع مراسلة الدكتور فيصل الصائغ بالبريد الإلكتروني،
وستجدون عنوانه في صفحة سايوير على ووردبريس [عنوان الموقع غير مكتمل في التفريغ]. دكتور، تحدثنا عن الحيوانات عمومًا،
ولمحت إلى الإنسان. هل ينتمي إلى هذه الشجرة؟ أريد أدلة واضحة وقاطعة يصعب ردها. — يقول العلم إن الإنسان جزء مهم منها، ولا يرى أحد في الأوساط العلمية أنه،
منفصل عنها، للأسباب التالية: أولًا نتشارك مع الكائنات لبنات البناء الأساسية، من الحمض النووي ببنيته الأساسية، إلى البروتينات المكونة للأنسجة، وأنواع الدهون وتركيبها،
وكثير من دورات الأيض، إن لم يكن كلها، واستخلاص الطاقة من الجلوكوز والدهون. تتم هذه بعمليات كيميائية متشابهة من البكتيريا إلى الإنسان. — هل التشابه دليل؟ — نعم، هو أحد الأدلة، كتَشابه الأحماض الأمينية،
والخلايا وعمليات الأيض. — نسيت أن أشكرك على مراجعة مقال البودكاست السابق وتصحيح معلوماتي، فأنا لست متخصصًا في التطور. — لم تكن هناك تصحيحات كثيرة، بل ملاحظة واحدة،
تكاد لا تذكر؛ كانت مقالة ممتازة. تحدثنا إذن عن تشابه الحمض النووي والبروتينات والدهون وطرق استخلاص الطاقة، التي يعرفها من درس الكيمياء الحيوية. الطاقة أساسية، ولولاها لما كانت حياة أو كون،
فكل شيء مبني عليها. ثانيًا، التشابه التكويني الذي يدرسه علم الأجنة. ضع جنين إنسان في الأسبوع 4 أو 5 أو 6 بجانب جنين أي ثديي آخر،
فيصعب جدًا التفريق بينهما إلا على خبير يميز التغيرات الدقيقة. توجد صور منشورة على الإنترنت. نتحدث عن بدايات التكون في بطن الأم، سواء الإنسان أو البقرة أو غيرهما من الثدييات،
بل تشبه بدايات الطيور والأسماك أيضًا؛ ففي أول 4 أو 5 أسابيع توجد أوجه تشابه كثيرة. وهناك تفاصيل تقنية لا أريد التوسع فيها. ثم يأتي الدليل الأحفوري، وهو قوي جدًا وغني بالسجلات،
لكثير من الكائنات منذ بداية الحياة حتى اليوم. يقول المشككون إن هناك حلقات مفقودة؛ وهذا، في رأيي، حق يراد به باطل، لأن المكتشفات تسد فجوات باستمرار. علم الأحافير حديث نسبيًا، نشأ في منتصف القرن 19،
ومن المصادفات أن كثيرًا من مؤسسي العلوم الحديثة جاءوا من اسكتلندا. لا أتذكر اسم مؤسس علم الأحافير، لكنه جاء من بريطانيا. مشكلة البقايا أنها تتحلل؛ إذا دفنت حيوانًا وعدت بعد 10 سنوات قد لا تجد شيئًا. — حتى العظام؟ — نعم، إلا في بيئات تحفظها،
فالحرارة وقلة الرطوبة عندنا قد تجففانها وتحفظانها أطول، لكن اختلاطها بالرمل عبر الزمن قد يحللها؛ فهي بروتينات وأملاح كالسيوم تتفاعل مع معادن الرمل وتتحلل،
فما بالك بملايين السنين؟ يصعب العثور على بقايا كائنات عاشت منذ ذلك الزمن، ومع ذلك لدينا أحافير لا تحصى. من أقدمها «الستروماتوليت»، الذي عاش في قاع البحار وأنتج الأكسجين، وجعل البيئة ملائمة لازدهار الحياة،
وما زال يحيط ببعض جزر المحيط الهادئ، وتقوم بنية جزر كاملة على المادة الكلسية الصلبة التي ينتجها. لا أريد أن أخلط بين موضوعين، وهذه نقطة مهمة: هناك خلط بين نظرية التطور،
بالانتخاب الطبيعي ونشأة الخلية الأولى. يسأل كثيرون من أين جاءت الخلية الأولى، لكن هذا لا يندرج تحت التطور، بل ضمن علم نشوء الحياة [المصطلح الإنجليزي والعبارة التالية غير واضحين]،
وهو مجال منفصل بفرضيات ودراسات مختلفة. حديثنا محصور فيما بعد نشوء الحياة والخلية الأولى. — هذا سؤال شائع: التطور يصف مسيرة الحياة، لكن من أين جاءت الخلية الأولى؟ وتقول الآن،
إن ذلك ليس موضوع النظرية. — نعم، التطور يصف تغير الكائنات البسيطة إلى أعقد، أو إلى كائنات بسيطة مختلفة عن الأصل، بتراكم الطفرات، ولا يفسر أصل مادة الحياة أو الخلية الأولى. — هل يعني ذلك أن العلماء لا يدرسونه؟ — بل هناك أبحاث وفرضيات ونظريات كثيرة،
وتجارب لصناعة خلايا في المختبر. سمعنا عن الحمض النووي الصناعي الذي أُنتج مؤخرًا، ووضع في خلية أفرغت بالكامل، فأخذ الكروموسوم الصناعي يتكاثر وعملت كخلية بدائية. لكن الموضوع متشعب وقد يُفهم منا ما لا نقصد،
فلنلتزم بالتطور. السجل الأحفوري موجود، ومن يرفضه بحجة النقص ربما لم يقرأ، أو استقى معلوماته من جماعات تريد تشويه النظرية دون اطلاع علمي. من مؤسسي هذه الأفكار،
«الخلقيون» في أمريكا، وهم جماعتان تنطلقان دينيًا وتتصوران أن التطور يناقض الإنجيل. أعتقد أن هذا الإشكال ليس موجودًا بالطريقة نفسها في مجتمعاتنا المسلمة. يعتقد بعضهم أن عمر الأرض نحو 6000 سنة،
وبعضهم يقول 10000. وعندما تقول إن عمرها 4.5 مليار سنة، وإن الحياة ظهرت بعدها بـ800 [الوحدة غير واضحة؛ وردت «مليار سنة» في التفريغ] واستمرت إلى اليوم، يرون تعارضًا. لذلك ظهروا بلباس العلم،
وانتقدوا النظرية دون أدلة موثقة ومجربة ومنشورة، ويسألون دائمًا عن الحلقة بين كائنين. وعندما تُكتشف أحفورة،
تسد الفجوة، ينتقلون إلى فجوة أخرى. أصبح الدليل الأحفوري قويًا جدًا، ومن يطلع عليه بحياد ويتجرد من الشبهات المثارة،
يرى قوته. طلب مشاهدة كل خطوة طلب للمستحيل؛ كمن لا يقتنع بإدانة مجرم إلا إذا رآه يقتل، رغم أن الكاميرا سجلت خروجه من غرفة الضحية بسكين وكيس ملطخ بالدم، ووجدت دماء أو شعر الضحية على حذائه في بيته،
فيصر على رؤية اللحظة التي بين ذلك كله. — أفهم أن الأدلة قوية، لكن يستحيل أن نعيش الأزمنة الغابرة، فلا نملك آلة زمن،
لنشاهد ما حدث قبل 100 مليون سنة. والأحافير سجل لذلك. — هي أدلة ظرفية قوية تسندها أدلة أخرى: بنية الخلية والحمض النووي، وعلم الأجنة، والأحافير، وهناك أيضًا،
الانتخاب أو التطور الاصطناعي الذي ناقشناه في الكلاب والأبقار وغيرها. — أريد الإنسان تحديدًا: هل هناك أحافير تدل على تطوره؟ — نعم، وفق المعروف الآن، انفصل،
سلف الإنسان عن فرع القردة العليا قبل نحو 6 إلى 7 ملايين سنة. هناك كائن معروف الأحافير يسمى «بروكونسل»، وتطور عنه كائن عُثر عليه في تشاد قبل 5 ملايين سنة،
بجمجمة أكبر من سابقه. الأحافير نادرة، وما زال البحث مستمرًا في الصحراء الوسطى والوادي المتصدع الغني بأحافير الإنسان القديم. ثم تطور [اسم غير واضح] «راميدس»، وبعده «أفريكانس» و«أردي» [تسلسل الأسماء غير واضح]، ثم ظهر «هومو هابيليس»،
الإنسان الصانع الذي بدأ استخدام الأدوات، ولم يكن منتصبًا تمامًا، ثم «هومو إريكتوس». — هل لكل مرحلة أحافير؟ — نعم. تحدثت عن 6 ملايين سنة، لكن في الفترة من 3 ملايين سنة إلى اليوم لدينا ما لا يقل عن 24 جمجمة،
تمثل الوصلات المكتشفة. وبعض الأجناس ظهرت ثم اختفت، وانتهى فرعها التطوري، مثل إنسان [اسم غير واضح]. — أعرف أن هناك نحو 400 جمجمة على الأقل،
— وهو موثق، واستخلص حمضه النووي أيضًا. النياندرتال والإنسان الحديث يشتركان في سلف من «هومو إريكتوس». ظهر «هومو نياندرتال» قبل 500000 سنة، وانقرض قبل 30000 سنة مع بداية دخول الإنسان الحديث أوروبا. عاش في حوض المتوسط،
وتضم الكهوف حوله وفي أعماق أوروبا رسومه ومدافنه وآثار طقوسه المعقدة؛ كان ذكيًا. — لماذا اندثر؟ — توجد نظريتان مهمتان: الأولى أنه تنافس مع الإنسان الحديث على الموارد ولم يصمد أمام ذكائه، فقُضي عليه، كما حدث للسكان الأصليين في أمريكا،
الذين بقيت منهم مجموعات قليلة حمتها القوانين الحديثة من الاندثار. أما النظرية الأخرى فجاءت بعد العثور على سن أحفورية للنياندرتال تحمل حمضًا نوويًا صالحًا للتحليل. يمكن نسخ الحمض النووي القديم، وإن لم يعد ينقسم بنفسه، بتقنية «بي سي آر»،
أي تفاعل البوليميراز المتسلسل. ننسخ مقاطعه كآلة الطباعة، وندرسها ونقارنها بحمض الإنسان. وجدوا فرقًا يقل عن 1%، أو في حدود 1%، بينه وبين الإنسان الحديث. نحن نسمى «هومو سابينس سابينس»، أما «هومو سابينس» فقد انقرض،
وجمجمته مختلفة وأصغر قليلًا. بعد تحليل جينات النياندرتال وإجراء مسح في أوروبا، طرحت إمكانية اختلاطه بالإنسان الحديث وتزاوجه معه، ثم ذوبان مجموعاته الصغيرة،
في مجموعات الإنسان الحديث، الذي استخدم الأدوات بكفاءة وتأقلم مع أوروبا أكثر، رغم وصوله حديثًا، بينما عاش فيها النياندرتال نصف مليون سنة. وتشير التحاليل إلى احتمال بقاء بعض صفاته لدى الأوروبيين، كالطول وعرض الجمجمة والعظام وحتى الذكاء،
ولا أريد التوسع، فهناك أوراق مثيرة عن جينات قد تعطي صفات مثل لون العين. لدينا إذن احتمال القضاء عليه، واحتمال التزاوج، الذي يؤيده الدليل الجيني القوي ويتبناه العلماء،
بحيث غلبت جينات الإنسان الحديث لكثرة عدده، وذابت جينات النياندرتال في هذا المحيط مع الزمن. — ذكرت الأحافير والجماجم والهياكل، والأجنة والحمض النووي،
فهل توجد أدلة أخرى على انتماء الإنسان إلى السلسلة؟ — نعم، بقايا في أجسادنا لا نفسرها إلا بأنها موروثة من أسلافنا. لم نعد نحتاجها فبقيت ضامرة. من الأمثلة الواضحة شعر الجسم،
الذي لم يعد الإنسان الحديث يحتاجه، لكنه باقٍ بدرجات مختلفة بين المجموعات والأفراد. ورثناه من أسلاف كانت أجسامهم مغطاة بالشعر كما في القردة العليا الآن،
— هل جئنا إذن من قرد؟ — لا، هذا خطأ شائع. الإنسان الحديث جاء من سلسلة أقدم؛ نحن من «هومو سابينس»، وسبقنا أشباه البشر مثل «هومو هابيليس»، وقبلهم ثديي،
من الرئيسيات العليا تفرع منه سلف الإنسان وسلف الشمبانزي والبونوبو. يشترك ذلك السلف مع سلف الغوريلا، ونحن أقرب إليها من إنسان الغاب الذي يعود إلى سلف أقدم. يطول الكلام هنا، فلنعد إلى أمثلة الإنسان،
لدينا جفن ثالث ضامر عند زاوية العين قرب الأنف، له اسم علمي ويعرفه أطباء العيون. هو غشاء رقيق هلالي يظهر بالفحص، وبقي كاملًا في بعض الرئيسيات والثدييات،
كالقط، الذي يغلق جفنه الثالث من الجانب، وكذلك التماسيح وزواحف أخرى أقدم. — فهو دليل على اتصالنا بالسلسلة؟ — نعم. وفي الأنف جسم أو عقدة عصبية تسمى «جسم جاكوبسون»،
وظيفتها عند الثدييات، وخصوصًا الذكور، شم الفيرومونات التي تفرزها الإناث وقت التزاوج، فتثير الذكور. توجد هذه البنية لدى الإنسان لكنها ضامرة ولا تعمل، ولا أقصد بالضرورة أنها معطلة عند الجميع،
فربما تعمل لدى بعض الناس فيشمون ما لا نشمه. — هل تؤثر في الجنس؟ — لا أعرف. مثال آخر: العضلات المتصلة بالأذن موجودة رغم أننا لا نستخدمها. — رأيت من يحرك أذنه، وأنا أستطيع ذلك. — إذن بعض الجينات التي تتحكم بالحركة لديك نشط،
أو شبه نشط، فيتيح حركة بسيطة لا يستطيعها معظم الناس. — هل بقيت لدي هذه الصفة؟ — ربما بقيت، أو كانت معطلة ثم نشطتها طفرة أخرى؛ هذا تفسير محتمل. وإذا انتقلنا إلى أسفل الجسم، فهناك عصب يسمى،
«العصب الحنجري الراجع»، يخرج من العمود الفقري وينزل عبر الرقبة إلى الصدر، ويلتف حول الأبهر، ثم يعود لتغذية الحنجرة والأحبال الصوتية بالإشارات اللازمة للحركة. — يأتي من المخ وينزل ويلتف ثم يرجع،
إلى الحنجرة، وكأنه ضل طريقه، مع أنه لا يحتاج إلى هذه اللفة؟ — العجيب وجود المسار نفسه في الثدييات، حتى الزرافة برقبتها الطويلة؛ ينزل العصب من أعلى الرقبة إلى القلب، ويلتف حول الأبهر ثم يصعد،
إلى الحنجرة، بدل المسار المباشر. توجد أمثلة تشريحية كثيرة، وقد يتطلب بعضها معرفة بعلم التشريح، لكن هذا واضح. لماذا تشترك الزرافة والبقرة والخروف والإنسان والقرد،
وحتى الفأر في هذه اللفة؟ — تقصد أنه لو لم يجمعها أصل واحد، لربما اختلف العصب أو وجدت وسيلة أخرى. تخيل مساره في الزرافة: من المخ إلى القلب في الصدر،
ثم إلى الحنجرة أعلى الرقبة، مع أن المصمم قد يوصل سلكًا إليها مباشرة. — الطفرات والتطور عملية عمياء لا تفكر؛ ما يبقى يساعد النوع على التكيف مع البيئة،
ومن أين جاء العصب؟ لدى الأسماك العصب نفسه، لكنها بلا رقبة تقريبًا، فيقطع مسافة قصيرة ويكون المسار مناسبًا لها، أما،
الكائنات التي تطورت وخرجت من البحر إلى اليابسة قبل مئات ملايين السنين فحملت هذه التراكيب معها. ومن أمثلة أخرى الحلمات عند الذكر. يسأل البعض عنها،
وقد تصدمهم الإجابة العلمية، لكن العلم لا يجامل. تحت الحلمات لدى الذكور نسيج لبني، وقد يؤدي خلل هرموني، مثل ارتفاع هرمون الحليب بسبب ورم،
إلى إنتاج الحليب. يسأل العلم: على ماذا يدل ذلك؟ يدل على أصل مشترك للذكر والأنثى؛ لا تفسير آخر لوجود الحلمة،
والنسيج اللبني والإستروجين والهرمونات الأنثوية لدى الذكر. وفي بداية تكون الجنين، حتى الأسبوع 6 إلى 8، يصعب تمييز جنسه لتشابه الأجنة وعدم تكون الأعضاء الجنسية. ما يحددها هو،
كروموسوم Y الموروث من الأب. بدأ التكاثر بانقسام الخلايا، ثم كائنات تحمل أعضاء ذكرية وأنثوية، ثم انفصل الجنسان، في موضوع طويل، وصولًا إلى،
الزمن الحالي. ويمكن رؤية مختلف طرق التكاثر في الكائنات الموجودة اليوم، من وحيدة الخلية إلى المعقدة، فلا نحتاج إلى الأحافير وحدها لرؤية هذا التنوع،
بل نرى أشكاله البسيطة والأعقد وصولًا إلى تزاوج الذكر والأنثى. — هل كانت حلمات الذكر مستخدمة في الأصل؟ — نعم، كانت كائنات بحرية قديمة تغير جنسها بحسب الظروف، وما زالت بعض أسماك القرش،
تتحول من ذكور إلى إناث عند انخفاض الإناث، والعكس. وهناك سمكة المهرج، وبعض الثدييات التي لا تحضرني أسماؤها، قد تتحول تحت ضغوط معينة. هذه بقايا تطورية قديمة حملتها الكائنات معها،
ولدينا دليل آخر: ليست لدينا حلمتان فقط، بل خط من الحلمات. — رأيت حلمات إضافية على خط واحد. — نسميه في الطب «خط الحلمات»، مثل القط وغيره من الثدييات. — أين ذهبت البقية إذن؟
— ضمرت لعدم الحاجة. — هل هي داخل جسمي؟ — قد تكون ضامرة أو غير ظاهرة لأن جيناتها معطلة، وقد يزول التعطيل فتظهر لدى بعض الناس. ومن الأمثلة أيضًا الزائدة الدودية، التي احتاجتها الحيوانات العاشبة لتخمير السليلوز،
وهو من السكريات المعقدة في الأعشاب. مع تغير نمط الغذاء في الثدييات لم تعد تحتاجها فضمرت وبقيت. — ألا يقال إن لها استخدامًا حاليًا؟ — قرأت ادعاءات عن المناعة وغيرها، وأراها غير علمية،
ولم تثبت، لأن ملايين الأشخاص استؤصلت زوائدهم ولم تتأثر مناعتهم. يثير الخلقيون هذه الأقوال، ويتجاهلون بقية الأدلة، ثم يأخذون تصريحًا عن الزائدة هنا أو هناك ويصورونه ورقة أو حدثًا علميًا،
— إذن تعدها بقايا من زمن الغذاء العشبي؟ — بالضبط. وإذا نزلنا إلى أسفل البطن نجد الفتحات التي مرت منها الخصيتان عند الذكور،
— هل هي داخلية؟ — توجد خارجيًا أيضًا، وهي مناطق ضعف قد تسبب الفتق وخروج أجزاء من الأمعاء، لدى الرجال والنساء. وفق التطور، تعود هذه المناطق إلى أسلاف قديمة،
كانت تمشي على 4 أطراف، وتحتاج إلى مساحة لحركة العضلات أثناء العدو. تسمى المنطقة الأربية، أسفل البطن وأعلى الفخذ، ولا توجد فيها عضلة،
حتى تتحرك عضلات الفخذ وغيرها بمرونة؛ لو وجدت لأعاقتها. أما الإنسان عندما انتصب [وردت عبارة متعارضة في التفريغ]، فعانى من هذا الضعف. ومثال آخر آلام الظهر، فمن لم يشكُ منها؟ — أجريت عملية بسببها. — وهناك الذيل أيضًا، وهو موجود لكنه ضامر،
ولدينا صور لأطفال يولدون بذيل عندما ينشط الجين المسؤول لسبب ما. لدينا قابلية لذلك، لكنه ضمر وبقي أثرًا تطوريًا. أما فقرات الظهر السفلية فتحمل وزن البطن والصدر والرأس والكتفين والذراعين والعضلات،
بينما يتوزع الحمل في الثدييات التي تمشي على 4 أطراف على العمود الفقري كله، فلا يتركز على الفقرات السفلية حيث تحدث مشكلات الأقراص والضغط. تحمل فقرات الرقبة الرأس،
والوسط ما يقابله، فتتوازن الأحمال. لن تسمع بقرة تقول إن لديها انزلاقًا غضروفيًا وتطلب العلاج! — كيف عرفت؟ — أمزح فقط. لدينا أمثلة كثيرة، لكن لضيق الوقت ننتقل إلى الدليل الجيني، وهو الأقوى،
— صدمتني في محاضرتك معلومة الكروموسومات. — يتشارك الإنسان والقردة العليا في نحو 98% إلى 99% من الجينات. لا أعتقد أن ذلك مصادفة؛ تفسيره العلمي هو السلف المشترك،
والفروق التي تبلغ 1% إلى 2%، أو 3% مع الغوريلا، جعلت كلًا منها مختلفًا. هذا أولًا. وثانيًا، ينبغي للنظرية الصحيحة أن تفسر مسألة مهمة،
فالإنسان لديه 46 كروموسومًا في 23 زوجًا، والشمبانزي والغوريلا لديهما 48 في 24 زوجًا. — إذن نحن مختلفون، وقد يكون ذلك دليلًا على خطأ النظرية،
إذا كان التقارب يقتضي اشتراك العدد أيضًا؟ — نعم، إلا إذا فسرنا أين ذهب الزوج الناقص. العثور عليه، بوصفه حلقة مفقودة بيننا وبين القردة العليا،
سيثبت النظرية بقوة. نُشرت ورقة في مجلة «نيتشر» عام 2005، ثم أعيدت التجربة ونشرت نتائج مؤيدة في مجلات مرموقة. ماذا وجدوا؟ وجدوا أن الكروموسوم،
رقم 2 لدى الإنسان أطول نسبيًا من نظيره لدى الشمبانزي والقردة العليا. وباستخدام تحديد التسلسل، نحلل هذا الخيط الطويل إلى أجزاء جينية صغيرة ونتتبعها. ولمن لا يملك خلفية علمية،
فالكروموسوم، كما شرحتَ سابقًا يا دكتور محمد، يحمل الجينات المشفرة لصفات الجسم، ويأتي في أزواج تتصل في الوسط كحرف X، في منطقة تسمى «سنترومير»، من معنى المركز، أما الأطراف،
فتسمى «تيلوميرات»، من الذيل. لكل شكل X مركز واحد و4 أطراف. والمفاجأة في كروموسوم الإنسان رقم 2 هي العثور على مركزي اتصال،
كأن حرفي X اندمجا، فصار لهما مركزان، و4 أطراف خارجية و4 متصلة ببعضها. أظهر تحليل التسلسل ذلك،
وطابق كروموسوم الإنسان رقم 2 كروموسومي الشمبانزي رقم 2 ورقم 13 معًا، كأن 13 التصق به في حقبة ما. هذه تغيرات معروفة تسمى انتقالًا كروموسوميًا أو انزياح إطار القراءة، ويعرفها المتخصصون،
وقد تحدث كخلل لا ينجح ويسبب وفاة الجنين مبكرًا، لكنها أحيانًا تنتج شكلًا جديدًا. — إذن قلت إن اختلاف العدد قد ينقض السلف المشترك،
لكن تبين أن الكروموسومات نفسها موجودة، وقد التصق اثنان فظهرا كواحد؟ — بالضبط. أحدث البحث ضجة في الجامعات، وإن لم يكن هذا الدليل ضروريًا وحده لمؤيدي التطور، فالنظرية مثبتة لديهم أصلًا،
لكنه دليل إضافي قوي؛ فما التفسير سوى وقوع طفرة في فرع السلف المشترك الذي أدى إلى الإنسان، حتى ظهرنا بهذا الشكل ومعنا 46 كروموسومًا؟
أقدم هذه الحلقة بالتعاون مع شبكة أبو نواف، التي تقدم مواد ترفيهية وهادفة. ومن اهتمامها بالمحتوى المفيد والبنّاء، تضم سايوير بودكاست إلى باقتها المتنوعة، ليصل إلى أكبر عدد من المستمعين في العالم العربي.
— نطرح سؤالًا أخيرًا اليوم، ونكمل في الحلقة القادمة بقية الأسئلة وأسئلة المستمعين الذين ينتظرون معرفة النظرية ومدى صمودها أمام أسئلتهم. هناك سؤال يتكرر، وقد طرح أخي فكرته مؤخرًا،
وهو أن التطور «مجرد نظرية»، والنظرية ليست بالضرورة صحيحة، ويمكن الأخذ والرد فيها كالفرضية. ما جوابك؟ — يوجد التباس لدى غير المنخرطين في العلوم حول معنى النظرية العلمية، وهي تختلف عن النظريات،
الاجتماعية والاقتصادية. لا تأخذ الصفة العلمية إلا بعد أن تسندها دراسات وملاحظات وأدلة وقوانين كثيرة، فهي تحتوي قوانين وحقائق ومشاهدات وأبحاثًا،
وتفسر لماذا يحدث الشيء. يفسر التطور تنوع الكائنات بأدلة من الكروموسومات والملاحظة والأحافير وغيرها. النظرية العلمية من أرقى صور الدليل وأقواها. خذ النسبية مثلًا: هل نقول،
إنها غير صحيحة أو مجرد رأي؟ عليها إثباتات لا تحصى. بل إن الحقائق لا ترقى إلى النظرية، وقد يتغير ما نعده حقيقة، أما النظرية فتتطور وتتسع مكوناتها وفهمها. منذ بدأ داروين،
بالانتخاب الطبيعي، أضيفت آلاف الأدلة إلى نظرية التطور بالانتخاب الطبيعي. لم يكن في زمنه دليل كروموسومي أو جيني، وكان الدليل الأحفوري ضعيفًا جدًا أو غير متاح، ولم يكن فهم تنوع الكائنات،
وعلاقتها ببيئاتها كما هو الآن. النظرية المبنية على أسس سليمة تتطور وتحسن فهمنا. ولا نسمي شيئًا علميًا إلا إذا أمكن إخضاعه للمفاهيم العلمية، وهذا مصدر القوة. ولهذا نسأل رافض التطور،
لماذا تثق بالطب الحديث، أو تركب طائرة مبنية على الفيزياء، أو تستخدم الهاتف؟ كل مظاهر الحضارة والتقنية والطب واستكشاف الفضاء جاءت بالمنهج نفسه، القائم على الملاحظة والتجربة وقابلية التفنيد،
فلا أدعي العلمية دون محاولة التحدي والتشكيك. الشك مبدأ أساسي، ولولاه لم يتقدم العلم. — تقصد أن العلماء شككوا واختبروا؟ — نعم. وأنت تعرف يا دكتور محمد أننا عندما نجري دراسة،
لا نبدأ بقولنا إننا نريد إثبات أمر ما، بل نستخدم في الرياضيات العلمية أو علم الوبائيات «الفرضية الصفرية»، ونحاول نقض الفكرة. إذا أثبتت النتيجة عكسها، تدعمت الفكرة. هذه الطريقة قوية لأنها تقلل مجال الانحياز الشخصي،
وتأثيره في النتائج. كلنا بشر ننحاز إلى موروثنا وعاداتنا وجنسنا وطريقة حياتنا، لذلك يجب تحييد هذه الانحيازات قبل التجربة. — إذن وصفها بالنظرية لا يجعلها مجرد فرضية،
فوراءها أدلة، وقد طرحت أمثلة كثيرة، وأتوقع أن لديك أكثر. أقاطعك أحيانًا حتى لا يطول الوقت، وقد طالت الحلقة بالفعل. سنعود لأمثلة أخرى مع الأسئلة القادمة. لا أعرف كيف أشكرك على الجلسة،
— يسعدني ويشرفني ذلك. أتابع سايوير منذ ما قبل تطبيقه على متجر أبل، حين كانت تصلني حلقاته بالبريد من الأصدقاء. إنه جهد جميل، وأرجو أن يستمع إليه العرب. ليس هدفنا فرض قناعاتنا، بل البحث. أطلب من الناس،
ألا يصدقوا كلامي لمجرد أنني قلته؛ أقول لطلبتي أيضًا: اذهبوا وحاولوا نقضي، وأتوني بما يخالفني. قد تتعارض الآراء العلمية فتثير نقاشًا أو فكرة تجربة للإثبات أو النفي. اقرؤوا في المصادر العلمية الصحيحة،
فالغث والسمين موجودان، والأمر كسوق يختار فيه كل إنسان بضاعته. — يعطيك العافية. — الله يعافيك. — إلى اللقاء في الحلقة القادمة.
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


