نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.

4 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل

أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في سايوير بودكاست. نكمل في هذه الحلقة الحديث عن نظرية التطور مع الدكتور فيصل الصائغ. أبدأ بتنويه مهم: طرح النظرية لا يعني بالضرورة الاقتناع بها وتبنيها. ما نطرحه هنا وما طرحناه في الحلقة السابقة علم من العلوم،

كما أن النسبية الخاصة والعامة، وميكانيكا الكم، ونظرية نشأة الكون، والنظرية الذرية، علوم، فكذلك نظرية التطور. فيها مئات آلاف الأوراق العلمية وكتب كثيرة، وكما طرحت علومًا أخرى في حلقات سابقة،

أطرح التطور لوجوده ضمن العلوم. ربما تتصور أن المطلوب بعد الاستماع هو الإيمان بالنظرية، لكن ذلك ليس هدف الطرح. الهدف أن نعرفها، ثم نتابع بالقراءة واستكشافها بصورة أوسع،

وإذا كنت تعدها خصمًا، فمن الواجب أن تعرف خصمك جيدًا قبل الاعتراض. مناقشة النظرية لكشف خلل فيها لا تكون بين غير المتخصصين وحدهم، بل تحتاج إلى الخوض في الأوراق العلمية، التي يقدر عددها،

بحسب إحصائية قديمة، بـ120000 ورقة في الأكاديمية الوطنية للعلوم وحدها، إضافة إلى أوراق تستند إلى التطور وتصل إلى نحو 350000. التفنيد يكون من خلال هذه الأوراق، أما النقاشات البسيطة فقد لا تحقق ما يرجوه المعترض،

وأكرر أن الهدف هو الفهم، أما الاقتناع والتبني فقرار كل شخص بعد القراءة والتعلم. والتفنيد العلمي الحقيقي يأتي من الدراسة في المؤسسات العلمية والتجارب الدقيقة وكتابة الأبحاث. أقدم هذه الحلقة بالتعاون مع شبكة أبو نواف، التي،

تقدم مواد ترفيهية وهادفة. ومن اهتمامها بالمحتوى المفيد والبنّاء، تضم سايوير بودكاست إلى باقتها المتنوعة ليصل إلى أكبر عدد من المستمعين العرب. أهلًا بك دكتور فيصل الصائغ في لقاء آخر عن نظرية التطور،

في اللقاء السابق، الذي قسمت تسجيله إلى حلقتين، طرحت عليك أسئلة كثيرة وأجبت عنها. استمتع به المستمعون، أو على الأقل كل من راسلني، وأسعدني ذلك، وخصوصًا أن أسئلتهم،

كانت غالبًا للاستفهام والرغبة في معرفة المزيد، لا للهجوم. أظن أن السبب هو تناول الموضوع علميًا دون المساس بأفكار لا يحب أصحابها التعرض لها. — أهلًا بك دكتور محمد. — سنناقش اليوم أسئلة المستمعين،

التي وصل بعضها قبل بدء حديثنا عن التطور. ربما أجبت عن بعضها سابقًا، لكن أرجو أن نعيد شرح ما قد يكون مبهمًا، ونضيف أمثلة وتفاصيل إن أمكن،

وسأذكر أسماء السائلين. للأسف لم يحدد الجميع بلدانهم؛ بعضهم من الكويت أو السعودية أو غيرهما، وبعضهم ذكر كنيته فقط. سأطرح أسئلتهم كلها إذا سمحت. يبدأ مساعد الشطي بسؤال: هل عُثر على سلسلة تطور الإنسان،

رجوعًا إلى الخلية الأولى؟ — شكرًا دكتور محمد على الاستضافة. يسعدني حجم الأسئلة عن الحلقات السابقة، فالهدف هو إثارة عقل المستمع للسؤال. كثرة الأسئلة التي تبدأ بـ«لماذا» و«كيف»،

تكفيني دليلًا على نجاح الحلقة. ليس الهدف إقناع الجميع بالتطور، بل تشجيع البحث والقراءة والنقاش وحتى المعارضة؛ هذه أهداف العلم ومنهجه. وللإجابة عن مساعد، أدعوه عند زيارة لندن،

إلى متحف التاريخ الطبيعي، وهو شيق وجميل، ويعرض قصة تطور الحياة. يخصص أجنحة لتطور مجموعات معينة، مثل الإنسان والحيتان والثدييات العاشبة والحيوانات البحرية،

والمعروض عينة تفي بالغرض، مع وجود آلاف الأحافير غير المعروضة. وكذلك متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك ومتاحف المدن العالمية. أما إذا كان يقصد تتبع أسلاف الإنسان،

حتى الخلية الأولى، فالعلم صريح: لا يمكن التأكد بنسبة 100% من بعض الحلقات، لوجود حلقات مفقودة تُسد مع الوقت. لكن الشجرة شبه كاملة،

والسلف المشترك للإنسان والرئيسيات معروف. — هل شجرة الحياة كاملة بلا فجوات في الأحافير والعظام المكتشفة؟ — الفجوات، إن وجدت، تقع بين كائنين مصنفين ومعروفين، حُددت هويتهما بالأحافير،

فتأتي الأحفورة الجديدة لتأخذ مكانها بينهما. المخطط العام للشجرة موجود. ولتبسيط الموضوع لا نقتصر على الإنسان؛ لنتحدث عن الثدييات في قمة المملكة الحيوانية من حيث التعقيد والتطور، والإنسان في القمة،

وإذا تتبعناها إلى الوراء نصل إلى سلفها المشترك، وهو معروف وأحافيره موجودة، ثم إلى الكائنات التي تطورت منها الثدييات، وهكذا. — هل الخلية الأولى موجودة أيضًا؟ ليست عظمًا، بل مادة هلامية؟ — نعم،

هناك بدائيات النوى وحقيقيات النوى، ولا أريد التوسع في علم الأحياء. خلايانا حقيقية النوى، أما البدائية فأقدم، وتحتوي على الحمض النووي دون جدار، أو أن مكوناتها الداخلية لا يحميها جدار، فتشبه الحساء داخل الخلية،

وبعض البكتيريا والكائنات المجهرية الحالية بهذه الصورة تمثل أقدم الكائنات. والأقدم منها الفيروسات، التي تسمى «عتبة الحياة» لأنها بين الحياة والجماد؛ قد تظل خامدة عشرات أو مئات السنين ثم تنشط لسبب معين،

بل توجد سلاسل بروتينية دون حمض نووي تسبب أمراضًا، مثل جنون البقر. لا تصنف فيروسات، وهي أبسط منها: سلاسل لا يحيط بها غشاء أو جدار، تعيش داخل الخلايا وتنتقل باستهلاك لحوم،

تحتوي عليها، وتتكاثر باستغلال آليات الخلايا الحية، فتتلف الأنسجة العصبية. حتى لو تركنا الأحافير جانبًا ونظرنا إلى تنوع الحياة الحالي، سنجد،

السلسلة من كائنات بالغة البساطة إلى كائنات معقدة. وإجابة مساعد هي أنه «لا يستطيع» [صياغة الإجابة غير واضحة في التفريغ] تتبع،

أسلاف الإنسان حتى الخلية الأولى. وللأمانة، قد تبقى أمور لا نستطيع تفسيرها. مثل الانفجار الكامبري، قبل نحو 500 إلى 600 مليون سنة، حين حدث تنوع مفاجئ خلال 20 أو 30 مليون سنة،

من ديدان وعوالق وكائنات بسيطة متعددة الخلايا في قاع البحر، إلى أسماك بدائية وكائنات أعقد. توجد أدلة لتفسير تلك الحقبة. قرأت دراسة تقول إنها لم تكن قصيرة نسبيًا، حتى مع أن 20 مليون سنة مدة طويلة جدًا،

بل ربما استغرقت أكثر مما قدر العلماء سابقًا. وتدرس أبحاث أخرى ظروف ذلك الزمن، وننتظر نتائجها. — أضيف أن بعض معارضي التطور يقولون إن الكائنات ظهرت كلها في الوقت نفسه،

الديناصور والأسد والأرنب والحشرات والإنسان، وهذا لا ينسجم مع ترتيب الأحافير. — هذا ما أردت قوله: لو صح ذلك لوجدنا أحفورة أرنب، مثلًا، في طبقة الديناصورات أو الأسماك الأقدم،

لكننا نجد ترتيبًا في الطبقات الجيولوجية؛ القديمة جدًا تضم كائنات أبسط، وكلما صعدنا إلى طبقات أحدث زاد التنوع والتعقيد. — لو وجدوا يومًا أرنبًا في طبقة،

الديناصورات، فماذا يحدث للنظرية؟ — هناك احتمال أن يكون الادعاء غير صحيح، وأن أحدًا دس العظام. — دعنا من الدس، أفترض ثبوت الأمر. — ستنهار النظرية بلا شك؛ إذا ثبت أن عظام حيوان أحدث وُجدت في طبقة كائنات أقدم،

وأبسط، بإثبات قاطع، انهارت النظرية. — إذن يستطيع المعارض أن يبحث ويحفر عن عظام كائن معاصر في طبقة قديمة جدًا،

مع كائنات بدايات التطور، لينقض النظرية؟ — نعم، ولم يستطع أحد منذ عشرات السنين إحضار أحفورة واحدة لكائن أحدث وإثبات وجوده في طبقات قديمة مع كائنات عاشت قبل مئات ملايين السنين،

وحاول بعضهم تاريخيًا تصنيع أحافير ودسها في طبقات، لكنهم كُشفوا بسهولة، لوجود وسائل تحدد العمر، مثل التأريخ الإشعاعي باستخدام المعادن ومعدلات تحللها،

فيمكن تحديد عمر الأحفورة والطبقة الجيولوجية. وللتحقق، إذا قدرت في مختبري عمر عظمة بمليون سنة، آخذها إلى مختبر مرجعي أو ضابط،

ليكون شاهدًا مستقلًا. لا يعرف نتائجي ولا العمر الذي قدرتُه، وأطلب منه القياس. غالبًا تكون هذه المختبرات تحت إشراف منظمات علمية كبرى، فإذا تقاربت نتائجه،

مع نتائجي، تأكد التقدير. ليست القياسات دقيقة بلا هامش؛ فهي تتفاوت بحسب الطبيعة، وفي العلم دائمًا زيادة أو نقصان. مثل قياس سرعة الإنترنت: قد يعطيك البرنامج الآن 5 ميجابت للتنزيل، ثم 4.9،

ثم 6.5. هناك هامش مقبول يعطي الصورة العامة، ولا يمكن معرفة عمر الأحفورة باليوم والساعة. — سؤال آخر من مساعد الشطي عن المستقبل: ما التصور المقبل لتطور البشر؟ وهل هناك نموذج،

لأنظمة التطور لدى المخلوقات؟ — سؤال جميل ومتكرر. ما يمنع العمل على تطوير البشر هو الاعتبارات الأخلاقية. جرت مناقشات علمية كثيرة، وخصوصًا عندما تحدثت مؤسسات عسكرية عن أبحاث لإنتاج مقاتل خارق الذكاء،

وقوي البنية، لا تؤثر فيه الجروح أو تلتئم جروحه ذاتيًا كما في بعض الحيوانات. بعد فهم شفرات وآليات هذه الصفات، طُرحت زراعتها في الإنسان، لكن هذا الباب أغلق لأنه غير أخلاقي من الناحية الإنسانية، فهو تلاعب بجينات البشر،

ومن جانب آخر، يسمى الإنسان الحديث «هومو سابينس سابينس»، وقد خرج من أفريقيا قبل نحو 70000 إلى 80000 سنة، وسبقه «هومو سابينس» قبل 200000 سنة. جماجمه موجودة، وهي أصغر من جمجمة الإنسان الحديث بنحو 25 ملليلترًا، إن لم تخني الذاكرة، وقد يكون الفرق أكثر أو أقل،

وهذا يدل على تطور الإنسان الحديث من سلف ليس بعيدًا جدًا، بل تفصله عشرات آلاف السنين. خلال الـ10000 سنة الماضية لم يحدث تغير كبير، باستثناء تحسن الغذاء والرعاية الصحية خلال آخر 150 أو 200 سنة،

مع المضادات الحيوية واللقاحات، مما حسن بنية الإنسان وقوة عضلاته وتفكيره وذكاءه. هذا ليس تغيرًا جينيًا، بل نتيجة الطب والرياضة والغذاء. لماذا لم يتغير جينيًا منذ استقراره في المجتمعات الزراعية؟ هناك نظريات،

تقول إنه روض الطبيعة بدل أن تروضه. فتغير الغذاء والبيئة والمنافسة على الموارد تدفع التطور في اتجاهات مختلفة، لكن الإنسان استغل الأرض لصالحه وحمى نفسه من تقلباتها ووفر الغذاء طوال السنة،

وحارب الأمراض وتغلب على المفترسات، فلم تعد هناك حاجة إلى التغير كما كانت؛ أصبح يتحكم في بيئته بدل أن تتحكم فيه، فانقلبت المعادلة،

وتوجد رؤى مستقبلية قد تكون فكاهية، مثل مسلسلات تصور الإنسان مخًا كبيرًا بأطراف ضامرة، لأن الآلات تنجز كل شيء بمجرد التفكير فيه. قد تكون صورة غير صحيحة، لكنها تعبر عن ارتباط الأمور،

باحتياجات الإنسان التي وفرها وتحكم في بيئتها. من كانت تتحكم فيهم رمال الصحراء ورياحها وأمطارها ومواسمها، يعيشون اليوم في منازل مكيفة، ويشربون ماءً محلى من البحر،

ويأتيهم الغذاء من كل مكان. — لم تعد الضغوط الخارجية تقضي على الفئة الأضعف جينيًا؟ — حتى من يحمل جينات تسبب ضعفًا يستطيع البقاء والتكاثر بفضل الطب. في السابق كان مصابون بأمراض جينية وخلقية ووراثية يموتون في طفولتهم،

ولا أريد تسمية مرض معين حتى لا يتأثر مستمع مصاب به. لكن أمراضًا وراثية كثيرة يمكن اليوم العيش معها حياة طبيعية بفضل الطب، بعدما كانت تؤدي إلى الوفاة في بداية الحياة،

قبل فرصة التزاوج ونقل الجينات إلا نادرًا. ومن النقاشات الطبية أن الطب الحديث أتاح انتشار جينات غير مرغوبة، ولذلك يبحث العلماء عن إصلاح الجينات المعطوبة أو تعديلها، ليتمكن حاملها إذا تكاثر،

من نقل جين سليم مستقبلًا. — يذكرني هذا بفيلم ربما شاهدته، يُعدّل فيه البشر جينيًا قبل الولادة؛ يذهب الآباء إلى الأطباء لينجبوا شديد الذكاء أو الرياضي أو المتفوق بصفة معينة، ثم يظهر شخص لا يملك هذا التفوق،

لكنه يتظاهر به. — هذا من الخيال العلمي ورؤية البشر للمستقبل. لا نعرف ما سيحدث، لكن هذه الأفلام لم تأت من فراغ، بل من واقع وتصورات بأن العلم وفهم طبيعة الإنسان سيحكمان المستقبل. — ننتقل إلى آخر سؤال،

لمساعد الشطي. أطرح أسئلة كل شخص معًا حتى لا نترك بعضها: إذا كان الشمبانزي أقرب إلينا منه إلى الغوريلا، فكيف نفسر الفرق الكبير في الذكاء والعلم والثقافة؟ يبدو ذكاؤه أقرب إلى الغوريلا. — بصراحة، لا أعرف شخصيًا إن كان أقرب إلى الغوريلا أو الإنسان،

لكنه ذكي جدًا. — مع ذلك فالفرق كبير وواضح. — قُدر ذكاء الشمبانزي البالغ الذكي بتجارب علمية بما يقارب طفلًا في عمر 5 سنوات. وللشمبانزي والغوريلا قدرات لا يستطيع الإنسان أداءها، مثل بعض مهام الذاكرة، وتوجد مقاطع لها على يوتيوب،

يعرض أحدها شمبانزي، أو نوعًا من القردة أقل منه ذكاءً، أمام أرقام تظهر بسرعة في أقل من ثانية، فيميزها ويضغط مواقعها بالتسلسل نفسه،

بما يستحيل على الإنسان ملاحظته وتسجيله في تلك المدة. لم أصدق التجربة عندما رأيتها. ولأن حضارتنا إنسانية، ولأن الإنسان سبر أسرار الطبيعة،

فهو الذي وضع نفسه في قمة الهرم. — لم يفعل ذلك عبثًا، بل استفاد من تركيب مخه. — أتفق، لكن ذلك لا يعني تفوقه في كل الصفات. فالنسر مثلًا يرى من مسافات شاسعة وهو في الجو،

والدلفين ذكي جدًا، ويصيد مع مجموعته، وكذلك الحوت القاتل، بتكتيكات تشبه الخطط العسكرية، كما نرى في ناشيونال جيوغرافيك وديسكفري. ما يميزنا نحن البشر،

هو حفظ إرثنا الثقافي باللغة. وبعد تدوينها أصبح الإرث المتراكم ينتقل من جيل إلى آخر، ككرة الثلج، ثم حدث انفجار هائل في العلم والثقافة خلال القرنين الماضيين،

إضافة إلى قدرتنا على الكلام، وحركة الإبهام الحرة التي تتيح صنع الأدوات والتحكم بها، وأمور أخرى. — لكن السؤال عن الفرق الكبير. وأضيف إلى سؤال مساعد،

أن الفرق الجيني بيننا والشمبانزي نحو 1% أو 2% فقط. كيف أحدث أثرًا هائلًا حتى سيطر البشر على المملكة الحيوانية؟ قدرة الحيوانات على التحكم في البيئة لا تقارن بنا؛ فهي تبحث عن الغذاء وتأكله وتهرب من المفترس،

فكيف يفسر فرق 2% هذا التفاوت الكبير؟

— سأنتقل إلى مثال آخر لتوضيح الفكرة. لكي ترتفع الطائرة تحتاج إلى التغلب على أثر الجاذبية. اسأل طيارًا عن سرعة الإقلاع،

فيقول إنها نحو 300 كيلومتر في الساعة، أو أكثر من 260، سواء كانت جامبو أو صغيرة، حتى يتولد الرفع. يعتمد ذلك على شكل الجناح المقوس من الأعلى، الذي يحدث اختلافًا،

في الضغط، فيكون تحت الجناح أعلى منه فوقه، فترتفع الطائرة بدفع المحركات وتتغلب على الجاذبية. قد يكون الفرق بين بقائها أرضًا وإقلاعها 1 أو 2 كيلومتر في الساعة. لو كان المدرج 100 كيلومتر وظلت سرعتها 250 أو 260،

وكانت تحتاج إلى 270، فلن تقلع. فرق بسيط يحدث نتيجة كبيرة، وكذلك الجينات. — مثال واضح، فهمته وأتوقع أن يفهمه المستمعون. — نقول 1% لكننا نتحدث عن مئات آلاف الجينات،

— بل ملايين الجينات و3 مليارات من الأحماض النووية والجينات،

— نعم، عدد كبير؛ فحتى أقل من 1% يشمل صفات كثيرة. هذا ما حدث عبر حقب التطور: قد يكفي فرق بسيط لإحداث نقلة كبيرة. انظر إلى الفرق الحضاري قبل الآلة والثورة الصناعية وبعدهما،

فقد كانت المجتمعات زراعية أساسًا، مع بعض العلوم والفنون، ثم قفزت الحضارة والعلوم بعد اختراع الآلة. — ما أستفيده أن الطفرات الصغيرة قد تحدث نقلة نوعية كبيرة. أعجبني المثال والتفسير.

يسأل أبو إبراهيم، مع إقراره بإمكانية التطور: لماذا لم يتطور البشر طوال وجودهم على الأرض؟ لماذا لم تظهر أجنحة للطيران، أو تتحول الأرجل إلى حوافر تساعد على الركض والقفز والصيد؟

ولماذا لم يتحول الأنف إلى خياشيم للعيش والصيد تحت الماء، مع أن أقدم أحفورة بشرية لا تختلف عنا؟ السؤال منطقي؛ فنحن نستخدم كلمة «تطور» بمعنى الأفضل، وقد أرى أن الأفضل أن أملك جناحين، فلماذا لا يحدث؟

— تطورت الأجنحة والريش في زمن قديم، منذ الديناصورات ونهاية العصر الجوراسي. أما الإنسان الحالي فلا يحتاج إلى أجنحة، لأنه طوع المعادن وصنع الآلة،

وطار عليها بل تجاوز ذلك. — لا أقصد الزمن الحالي، بل لماذا لم تبدأ الأجنحة بالظهور في بدايات سلسلته التطورية، حين ربما احتاجها؟ — يمكن أن أسأل أيضًا: لماذا لا يملك 10 أصابع أو عيونًا في الخلف،

أو 20 أذنًا؟ يمكن طرح افتراضات بلا نهاية، لكننا وجدنا بهذه الهيئة. — لحظة دكتور، لا أظن أن هذا مقصده،

واسمح لي أن أضغط قليلًا لأن المستمعين يريدون إجابات عن أسئلتهم. الجناح موجود فعلًا، وليس كالعين الخلفية المفترضة. لماذا لم يظهر لدينا، إذا كان التطور انتقالًا إلى الأفضل؟ — لننظر إلى السلف المشترك تطوريًا،

فسلف الطيور والثدييات قديم جدًا. الطيور أتت من الديناصورات، والريش من المادة الكيراتينية نفسها التي تكوّن الطبقة الخارجية للجلد والأظافر، لكن طفرات معينة جعلتها خيوطًا. أما لماذا لا توجد أجنحة للإنسان،

فهل تقصد الإنسان الحديث وحاجته الحالية، أم الماضي؟ — لنتحدث عن الماضي؛ حتى لا تكون الإجابة أننا صنعنا الطائرات ولم نعد نحتاج الهرب من المفترسات. الإنسان اليوم أصبح مسيطرًا على الأرض،

فلا تضغط عليه البيئة بالطريقة نفسها لاستبعاد الجينات السيئة. السؤال عن الماضي وإمكان أن تكون الأجنحة أفضل له. — الإنسان حديث، ولم يكن موجودًا في الحقب التي ظهر فيها الجناح، بل تطور من سلف أقدم. — سأضيف سؤالًا مشابهًا،

لماذا لا يتحول الشمبانزي إلى إنسان؟ — الشمبانزي حديث نسبيًا أيضًا، ولماذا يتحول إلى إنسان؟ — أريد فهم اتجاه الإنسان إلى مسار والشمبانزي إلى آخر، ولماذا لم يصبح بالذكاء نفسه. — التطور مثل فروع الشجرة؛ يأخذ كل فرع اتجاهًا مختلفًا، ولا تخرج كلها،

في اتجاه واحد، وإلا غاب التنوع. تكيفت فروع مع بيئات وأساليب صيد وتكاثر معينة، واستمرت في اتجاهها. لماذا يعود فرع إلى الجذع ليأخذ اتجاه فرع آخر؟ تحكم ذلك عوامل طبيعية كثيرة،

والتنوع يتضمن العشوائية: الطفرات الوراثية تحدث عشوائيًا، كما شرحنا، وما يلائم البيئة يبقى وما لا يلائمها يندثر، فتنتج اختلافات كبيرة،

وهذا التنوع أساس التطور. لا يمكن اشتراط أجنحة لكل الكائنات في الوقت نفسه أو في حقب مختلفة؛ وإلا غاب التنوع، ولا نعرف إلى أين تقود الأمور. — هل تعرف الطفرة أنها ستنتج جناحًا أو ذكاءً؟ — لا، تحدث بصورة عمياء. الجين،

لا يتكلم ولا يفكر ولا يخطط للمستقبل. يتغير ترميزه فتظهر صفة تنتشر وتسود، أو تندثر، أو تصبح متنحية. لا توجد آلية داخل الجسم تخطط لمسار العملية. — أستخلص إذن،

أن ظهور صفة فينا لا يقتضي انتقالها إلى فروع الشجرة الأخرى؛ فقد مرت الفروع الأخرى بتغيرات عشوائية، ولا يعرف أحد خطوتها التالية. — مثل الطيور: ظهر الريش أولًا في كائنات يثبتها السجل الأحفوري ولم تكن تطير، ثم طار بعضها،

وبعض ما طار فقد الطيران لاحقًا، كالنعام والدجاج المنزلي، مع أن بعض الدجاج يستطيع الطيران لمسافات محدودة، كما يعرف مربوه، لكنه ليس كبقية الطيور. تطور الطيران لأسباب منها البحث عن الفرائس،

والهرب من المفترسات، والوصول إلى الجبال وأعلى الأشجار لحماية البيض والفراخ. هذه ضغوط الطبيعة التي ساعدت على نجاح الطيور، بقدرتها على الهرب والمناورة. وإذا كان هذا النظام ناجحًا جدًا،

فلماذا عادت بعض الطيور إلى الأرض؟ ربما وجدت بيئة بلا مفترسات وبغذاء وفير، فتكيفت معها وضمرت أجنحتها، كما تحدثنا عن ضمور الزائدة الدودية والذيل لدى الإنسان،

أما الريش وبداية تحول الأذرع إلى أجنحة فظهرا قبل زمن طويل، يقدر بأكثر من 100 مليون سنة، بينما الإنسان الحديث ظهر في حقبة قريبة جدًا،

فالفاصل الزمني كبير والتفرعات بعيدة. — أظن أن النقطة التي ذكرتها مهمة. أفكر الآن: لو اتجهت الكائنات كلها في اتجاه واحد، لما وُجد هذا السؤال أصلًا،

لأن أساس التطور هو التنوع الناتج عن اختلاف الجينات. أوجد التنوع نوعًا يطير وآخر ذكيًا وغيرهما، فسأل النوع الذكي هذا السؤال بسبب اختلاف الكائنات. ولولا هذا التنوع،

لصب كل شيء في مسار واحد ولم يستطع السؤال. — لخصت كلامي بصورة جميلة. وأضيف أننا لا نعرف ما تفكر فيه بقية الكائنات. عندما يحلق الطائر فوق بيوتنا وسياراتنا، لا نعرف أفكاره ولا الرسائل التي ينقلها إلى أسرابه. نحن معزولون عن الكائنات الأخرى،

وإن استطعنا التحكم في بعضها أو دفعها، للأسف، إلى الانقراض. لدينا رؤيتنا وأسئلتنا، لكن لا نعرف أسئلتها أو تصورها عنا. وحتى الحشرات، فمن السذاجة أن نفترض أنها لا تستطيع،

تكوين تصور عن بيئتها ورصد الخطر؛ تهرب عندما تراك، وتعرف أين تختبئ، بما يدل على تحليل الخطر واحتمال إيذائك لها. الصرصور، أو «الزهيوي» كما نسميه، مثال قريب وذكي جدًا،

في طريقة الهرب، بل وفي تطور مقاومته للمبيدات. — لسؤال أبي إبراهيم جانب علمي وآخر فلسفي، وقد أعجبني. ويسأل أبو علي الفلكاوي: إذا تطور القرد عبر العصور وأصبح إنسانًا، فهل يصبح الإنسان مستقبلًا،

كائنًا جديدًا، بذيل إذا عاش في الغابة أو زعانف قرب البحر؟ أظن أننا أجبنا بصورة غير مباشرة: الإنسان سيطر على بيئته فلم تعد تضغط عليه كما كانت، وربما يأتي التغير مستقبلًا من تعديلنا جيناتنا بأنفسنا. — نعم.

— يسأل عبد العزيز القرني: هل يجب الانتظار آلاف السنين لنرى التطور؟ وهل يستطيع العلم تسريعه،

وهل لدينا مثال ملموس؟ — تحدثنا سابقًا عن الانتخاب الاصطناعي في كائنات يحتاجها الإنسان، كالطيور والأبقار والأغنام، وحتى الكلاب والقطط التي تعيش معه. تطورت هذه بالتزاوج والتهجين،

وتعزيز صفات وراثية. تثبت تجارب كثيرة إمكان تسريع التطور، وتحدثنا عن الثعلب الروسي والتجارب التي أجريت عليه في سيبيريا. هناك مقطع مثير على يوتيوب تحدثنا عنه معًا،

يعرض تجربة روسية منشورة علميًا. جمعوا ثعالب شديدة التوحش، يستحيل استئناسها في البداية، ومع التوالد في الأسر ظهر بعد 3 أو 4 أجيال، خلال زمن قصير، نسل يألف الإنسان،

ويتعامل معه كما يفعل الكلب. تغير الحجم أيضًا، مع أن تغيير الشكل لم يكن الهدف، لكنه صاحب تغير السلوك،

فتغير الشعر والحجم وطول الذيل واللون عن الجد الثاني أو الثالث. انبهر العلماء بقوة آلية التطور لهذه الثعالب في الأسر. — إذن انتقلنا من،

ثعلب إلى شيء شبيه بالكلب؟ — يظل ثعلبًا، لكنه مستأنس بصفات تشبه الكلب، والمقصود الألفة مع الإنسان وانخفاض الشراسة والهجوم عليه،

ومن أبسط أمثلة التطور التي أراها طبيبًا تغير البكتيريا سنويًا وظهور أنواع مقاومة للمضادات. وتحدثنا أيضًا عن طيور الشرشور. — ربما يريد المستمع تحول صنف إلى آخر؛ فتطور البكتيريا معروف من كثرة ما يؤكده الطب،

لكنهم يريدون انتقالًا أوضح بين الأصناف. — يحتاج ذلك إلى زمن، ويمكن للإنسان إنتاج أصناف جديدة علميًا، لكن القوانين والاعتبارات الأخلاقية الحديثة تمنع إنتاج صنف لم يكن معروفًا،

فأي بحث في الأحياء أو الطب يجب أن يمر بلجان أخلاقية للموافقة. — هل عُدل كائن جينيًا حتى تغير بصورة واضحة تمامًا؟

— مثل «اللايجر»، الناتج عن تزاوج الأسد والببر، وهناك البقرة الخارقة التي عُدل جين في عضلاتها فأصبح حجمها 3 أو 4 أمثال السابق، وتنتج لحومًا أكثر بـ4 مرات، لعشاق شرائح اللحم. الهدف خدمة البشر وزيادة الغذاء،

وبعد فك الشفرات الوراثية للإنسان ومعظم الحيوانات، يسهل إدخال بعض الجينات إلى الكائنات. وهناك تجربة على ذبابة الفاكهة، التي يعرفها العلماء جيدًا لكثرة دراستها، أخذوا فيها الجين الذي ينظم،

ظهور العيون في التكوين الجنيني. ينتمي، إن لم تخني الذاكرة، إلى مجموعة «هوكس»، ووظيفته تنظيم ظهور أعضاء معينة. عندما يجاور جينات صفات العين يحفز ظهورها. وضعوه في مواضع معينة،

من الحمض النووي لأجنة الذباب، فظهرت أجيال بأشكال مشوهة،

تحمل عيونًا في البطن والظهر. يمكن مشاهدة المقاطع على يوتيوب، الذي أصبح أرشيفًا هائلًا. — أتوقع أن من يرى هذه الذبابة متعددة العيون قد لا يعدها النوع نفسه، بل نوعًا مختلفًا تمامًا. — لكن الأخلاقيات تفرض ألا،

نجري تجارب كهذه على الثدييات، فضلًا عن الإنسان. يركز معظم العلماء على علاج الجينات المسببة للأمراض أو تغييرها، أما إبراز صفات بشرية جديدة فيثير جدلًا علميًا وأخلاقيًا كبيرًا يدفع إلى تجنب هذا الاتجاه.

✦

نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.