نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.

13 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل

أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في السايوير بودكاست. أبدأ الحلقة بتنويه مهم: طرح النظرية لا يعني بالضرورة الاقتناع بها وتبنيها. ما سأطرحه، وما طرحته في الحلقة السابقة، هو علم من العلوم.

فكما أن النظرية النسبية الخاصة، والنسبية العامة، وميكانيكا الكم، ونظرية تكوّن الكون، والنظرية الذرية علوم، كذلك نظرية التطور علم أيضًا. تتناولها مئات الآلاف من الأوراق العلمية، وكُتب عنها الكثير من الكتب. وكما طرحت العلوم الأخرى في حلقات سابقة، أطرح

نظرية التطور لأنها أحد أبواب العلوم. ربما تتصور أن المطلوب بعد الاستماع إلى هذه الحلقات أن تؤمن بنظرية التطور، لكن ذلك ليس من أهداف الطرح. أحد الأهداف بالتأكيد هو المعرفة، وأن تتابعها بالقراءة واستكشاف النظرية بصورة أوسع.

فإذا كنت تعتبر نظرية التطور خصمًا لك، فمن الواجب أن تعرف خصمك جيدًا قبل محاولة الاعتراض عليه. ومن المهم أن تعرف أن كشف الخلل في النظرية لا يأتي من نقاشات بين غير المتخصصين، بل يحتاج إلى الخوض في الأوراق العلمية، التي يُقدّر عددها بـ

120 ألف ورقة في الأكاديمية الوطنية للعلوم وحدها، بحسب إحصائية قديمة، إضافة إلى أوراق أخرى تعتمد على نظرية التطور في مضمونها، ويصل عددها إلى نحو 350 ألف ورقة. فتفنيد النظرية يكون من خلال تلك الأوراق، أما النقاشات البسيطة فقد لا تحقق النتيجة التي يرجوها المعترض.

أكرر أن الهدف هو فهم النظرية. أما الاقتناع والتبني فشأن خاص، لكل شخص الحرية فيه، ويأتي بعد القراءة والتعلم. والتفنيد الحقيقي يحتاج إلى دراسة النظرية في المؤسسات العلمية، وكتابة الأوراق، والتجربة العلمية الدقيقة. أهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من السايوير بودكاست. معنا اليوم الدكتور فيصل الصايغ مرة أخرى.

الدكتور فيصل الصايغ أستاذ مشارك في كلية الطب في الكويت، واستشاري أمراض الدم. ألقى محاضرات كثيرة عن نظرية التطور وتطور الإنسان. تحدثنا معه سابقًا عن نظرية التطور عمومًا، وسنتحدث هذه المرة عن تطور البشر تحديدًا. أهلًا وسهلًا بك، دكتور فيصل. — أهلًا بك، دكتور محمد، وشكرًا على الاستضافة الكريمة.

قبل الدخول في تطور البشر، لنذكّر المستمعين بنظرية التطور عمومًا. ما هي، وكيف يحدث التطور؟ — باختصار، التطور هو التغير مع الوقت؛ التغير الذي يحدث للكائن الحي نتيجة تراكم الطفرات الوراثية والانتخاب الطبيعي.

ومع الوقت ينتج كائن جديد. تحتاج هذه العملية إلى أجيال كثيرة وزمن طويل جدًا. هذا تعريف مبدئي عام. — لكن كيف يحدث ذلك؟ هناك كائنات تتطور وتتغير تدريجيًا، فما الذي يسبب هذا التغير؟ — هناك آليتان قويتان جدًا تدفعان عملية التطور،

ولا يدرك قوتهما إلا من يعملون في العلوم وعلم الأحياء. الأولى هي الطفرات الجينية، والثانية هي الانتخاب الطبيعي. هاتان الآليتان مسؤولتان عن دفع التطور. تحدث الطفرات الجينية بصورة حتمية،

بسبب طبيعة المادة الوراثية، أو الحمض النووي الذي تحمله جميع الكائنات الحية. عند انقسام الخلية، لا بد من حدوث أخطاء، وقد تكون هذه الأخطاء غير مفيدة. — ماذا تقصد بأنها حتمية؟ — إنها أخطاء تحدث أثناء نسخ الحمض النووي الأصلي من الخلية الأم

إلى الخلية البنت. خلال النسخ يحدث تغير؛ فالحمض النووي يتكون، على سبيل المثال، من 4 أحماض نووية: الأدينين، واليوراسيل، والغوانين، والسايتوسين. وإذا استُبدل أحدها بآخر

عن طريق الخطأ، وهذا يحدث باستمرار، ينتج جين مختلف تمامًا وله صفات مختلفة. قد تظهر هذه الصفات للعيان أو لا تظهر، وقد تؤدي إلى موت الكائن، أو تمنحه صفات تساعد على بقائه. نحن نتحدث عن أعداد هائلة من الانقسامات التي تحدث في الكائنات عبر أزمنة سحيقة، ولذلك فإن فرصة حدوث

طفرات مؤثرة كبيرة جدًا من ناحية الاحتمالات. — حسنًا، تحدث طفرات تغير الكائن إلى الأسوأ أو الأفضل، فما دور الانتخاب الطبيعي؟ — الانتخاب الطبيعي هو الذي يرسم الطريق لهذه الطفرات. فإذا أدت الطفرة إلى مواءمة الكائن

مع بيئته، أو تأقلمه معها بصورة أفضل من أسلافه، استمر في هذا المسار. والأمثلة أفضل وسيلة للتوضيح: لنفترض أننا استخدمنا مبيدًا حشريًا لقتل مجموعة من الصراصير هذا العام. إنها تجربة يعرفها الجميع؛ إذ تجد

في فترة لاحقة صراصير مقاومة للمبيد نفسه أو للمادة الكيميائية نفسها. كيف حدث ذلك؟ يحدث الأمر ذاته مع البكتيريا التي تقاوم مضادات حيوية كانت تتأثر بها سابقًا. ما حدث أن طفرة ظهرت لدى بعض الصراصير،

وكانت موجودة بصورة كامنة، ولم تكن هناك حاجة إلى استخدامها. منحت هذه الطفرة المجموعة أفضلية في البقاء ومقاومة المبيد. فيقتل المبيد الصراصير التي لا تملك المقاومة الناتجة عن التغير الجيني، وتبقى الصراصير المقاومة. وحتى لدى طيور داروين في جزر غالاباغوس، رُصد

تطور في المنقار، وقد تحدثنا عنه في حلقات سابقة. خلال السنوات الـ15 الماضية دخل طائر منافس إلى الجزيرة، ونافسها على الحبوب أو البذور التي تأكلها. فتغيرت مناقيرها خلال فترة قصيرة جدًا، ورُصد ذلك، وأصبحت قادرة على أكل بذور لم تكن تستطيع أكلها من قبل.

إذن، الانتخاب الطبيعي آلية قوية جدًا. وهدف الآليتين، الطفرات الجينية والانتخاب الطبيعي، هو البقاء، لأنه الهدف الأساسي للحياة على الأرض. يعتمد البقاء عليهما بصورة أساسية. — دكتور، قد يقول بعض الناس: صحيح أن الطفرات تحدث،

وأن الانتخاب الطبيعي يحدث، وأن الصرصور يتغير ليقاوم مبيدًا معينًا، أو يكبر منقار الطائر أو يصغر. لكن كيف يؤدي ذلك إلى ظهور فصيلة جديدة؟ هذه تغيرات، لكن الطائر يظل طائرًا والصرصور يظل صرصورًا. — كلام سليم، لكن من ينتقد الفكرة بهذه الطريقة ينظر إليها عند نقطة معينة من الزمن.

إنه يختزل أكثر من 3 مليارات عام من تطور الكائنات في فترة حياته، ويجعلها معيارًا لقياس ما حدث عبر تلك المليارات من السنين، من خلية بدائية إلى خلايا، ثم كائنات معقدة متعددة الخلايا. التطور عملية تراكمية

بطيئة جدًا، لا نستطيع رصدها في فترة حياتنا، مع وجود حالات رُصدت فعلًا. — تقصد أننا لا نستطيع رصد الانتقال من جنس إلى جنس أو من فصيلة إلى أخرى؟ — هناك أدلة على ذلك، وتحدثنا عنها في حلقات سابقة يمكن للمستمعين الرجوع إليها. لكن لنعد باختصار إلى الدليل على هذا التغير

البطيء، الذي احتاج إلى ملايين السنين. نقول «مليون عام» بسهولة، لكنه زمن سحيق، فما بالك بـ10 ملايين أو 100 مليون أو مليار عام؟ يصعب تخيل هذا الزمن وما يمكن أن يحدث خلاله من تراكم بطيء للتغيرات، يؤدي إلى ظهور أجناس مختلفة. ولا تنسَ أيضًا عامل

البعد الجغرافي بين الكائنات. مثلًا، كانت مدغشقر جزءًا من أفريقيا قبل 50 أو 60 مليون عام، ثم انفصلت عنها. الكائنات نفسها التي عاشت في أفريقيا عاشت في مدغشقر، لكنها اتخذت مسارًا تطوريًا مختلفًا تمامًا بسبب الانفصال الجغرافي. لذلك تجد الطيور،

والقردة، والحشرات، والزواحف، وغيرها قد اتخذت مسارًا جديدًا يختلف عن الكائنات الأصلية في أفريقيا. وكذلك جزيرة [كلمة غير واضحة]. — لماذا؟ وما أهمية الانفصال الجغرافي؟ — لأن حوضًا جينيًا واحدًا انقسم إلى حوضين. يتزاوج أفراد كل قسم فيما بينهم، وتتراكم فيهم طفرات مختلفة، ولا يختلطون بالحوض الأصلي.

فلا تذوب الطفرات الجديدة في الحوض الجيني العام، بل تتخذ مع الوقت مسارًا منفصلًا. الأمر يشبه غصنًا جديدًا يبتعد عن أصل الشجرة ويصبح فرعًا مختلفًا، لكنهما مرتبطان بالشجرة نفسها جينيًا، ومن الفصيلة نفسها، وقد تظهر منهما

كائنات جديدة. خذ الجرابيات مثل الكنغر والولابي وغيرها من الحيوانات التي تعيش في أستراليا أو تسمانيا، ومنها شيطان تسمانيا. كان الحيوان الأصلي موجودًا في أمريكا الجنوبية، وخلال انفصال قارة بانجيا وحركة الصفائح التكتونية،

وابتعاد أستراليا عن القطب الجنوبي و[اسم مكان غير واضح]، وكانت هذه المناطق جزءًا واحدًا، انفصل ذلك الحيوان الجرابي البدائي، وتطور في مسار أسترالي لا تجده إلا هناك. لكن الحيوان الأصلي، الذي تطورت منه هذه الحيوانات، ما زال موجودًا في أمريكا الجنوبية. وقد تطور هو أيضًا عن أسلافه، لكنه موجود في صنف أو صنفين.

يمكن إذن للانفصال الجغرافي وحده أن يؤدي إلى تغيرات كبيرة جدًا، ومع وقت أطول تظهر كائنات جديدة. — أعتقد أن بعض الناس لا يعرف الفرق بين فصيلة وأخرى. أرى أحيانًا إعلان العلماء اكتشاف فصيلة جديدة، فما الذي يحدد أنها فصيلة

تختلف عن الأخرى، حتى إن تشابهتا في الشكل؟ مثلًا، بعض الأرانب البرية تختلف عن أرانب المزارع. ما الذي يجعلني أقول إن هذه فصيلة وتلك فصيلة أخرى؟ — لنأخذ الثدييات مثلًا.

هناك ثدييات صغيرة جدًا، كالقوارض، ومنها حيوان يعيش تحت الأرض في كندا، وصولًا إلى الإنسان الذي يمثل قمة هرم الثدييات. نحن، بوصفنا فصيلة بشرية، نختلف عن تلك الحيوانات، لكن

عوامل الاشتراك أكثر من عوامل الاختلاف. — لكن لماذا أعتبره فصيلة؟ الأرنب مثلًا فصيلة والطائر فصيلة؛ ما الذي يحدد أن هذا صار فصيلة جديدة، وليس مجرد تغير بسيط؟ — هذه عملية معقدة. في السابق كان العلماء يدرسون الشكل الخارجي للفصائل.

وهناك الأجناس وغيرها من مستويات شجرة الحياة. أما الآن فقد دخل العامل الجيني أيضًا، أي مدى التشابه الجيني بين الكائنات، لتحديد انتمائها إلى الفصيلة نفسها. مع تطور علم الجينات، عُرف مثلًا أن فرس النهر قريب جدًا من الحيتان،

بينما كان يُعتقد سابقًا أن الحيتان تطورت من ثدييات مختلفة. اتضح جينيًا أن فرس النهر أقرب إليها ويشترك معها في أصل. وهناك عوامل أخرى، مثل البيئة والتزاوج، وهو مهم جدًا. لكن يجب أن نعرف أن الثعلب والذئب مثلًا

فصيلتان تشتركان في سلف، وقد يحدث التزاوج في بعض الحالات. حدث ذلك مثلًا بين الأسد والنمر وظهر «اللايغر». — لكنه لا ينتج نسلًا جديدًا؟ — قد ينتج، لكن بعض النسل يكون عقيمًا. مثل البغل الذي ينتج من تزاوج الحمار والحصان؛ هذه فصيلة

وتلك فصيلة أخرى، وبينهما اشتراك جيني. مسألة التزاوج مهمة، لكن العلم تجاوز بعض حواجزه وأثبت إمكانية تهجين بعض هذه الحيوانات. لنأخذ الكلاب: قبل 20 أو 25 ألف سنة فقط كانت تنتمي إلى فصيلة من الذئاب، ثم تطورت إلى فصيلة مختلفة تمامًا بسبب صفة واحدة، هي التقرب من الإنسان.

يمكن تهجينها، وأصبحت فصيلة مع أنها تنتمي جينيًا إلى الذئاب. لكن الفروق الحالية بين الكلاب هائلة، من الكلاب الضخمة جدًا مثل [اسم سلالة غير واضح] إلى الشيواوا. قد تظن أنها فصائل مختلفة، لكنها تنتمي إلى الفصيلة نفسها. وهناك اختلافات جينية، وحتى في عدد الكروموسومات، بين هذه الفصائل.

حدثت هذه الفروق الكبيرة بسبب الانتخاب الاصطناعي، لا الطبيعي. فالبشر يربّون هذه الحيوانات ويزاوجونها: ينتقون صفة صغيرة ظهرت، ثم يزاوجون حامليها، ويأخذون نسلهم ويكررون العملية حتى تبرز الصفة. وهناك نقطة مهمة جدًا، دكتور محمد:

الصفات الجديدة لا تأتي دائمًا منفردة، لأن الطفرات قد تحدث في جينات متلاصقة، وكل مجموعة من الجينات تشفر لصفة. فعندما يظهر تغير، مثل مقاومة المبيدات الحشرية، قد تكتسب فصيلة الصراصير المقاومة

4 أو 5 صفات جديدة مختلفة، مع أن الانتخاب وقع على صفة البقاء. عُرف ذلك في تجربة الثعلب السيبيري الشهيرة. جرى تدجين ثعلب متوحش لا يستطيع العيش مع البشر، فاختير من نسله أفراد أكثر استعدادًا للاستئناس، ولو قليلًا، وفُصلوا عن غيرهم،

ثم زُوّجت الثعالب الصغيرة الأقل شراسة. بعد 5 أجيال أصبحت أليفة جدًا، وتتصرف بألفة تفوق الكلاب. كان الهدف إنتاج ثعالب أليفة، لكن العلماء اندهشوا من تغير لون الثعلب، وطول ذيله، وشكل وجهه أيضًا.

ظهر كأنه جنس مختلف تمامًا عن أسلافه قبل 5 أجيال. — أي إن العلماء انتقوا الألفة، لكن صفات كثيرة تغيرت معها وظهر نوع جديد؟ — نعم، عندما يحدث التطور لا يقتصر على صفة واحدة، بل قد تأتي معها صفات أخرى في الوقت نفسه، وقد تكون غير مقصودة. فهناك كائنات تستطيع تحمل

الحرارة الشديدة في الصحراء، مثل بعض السحالي والثعابين وغيرها، لكنها اكتسبت أيضًا صفات جديدة مقارنة بأسلافها أو بأقرانها التي تعيش في بيئات مختلفة.

قد يقترب لونها من لون الرمال، وقد تتكيف مع الطعام أو النباتات المتاحة، التي لا يستطيع غيرها أكلها. بعض النباتات الصحراوية قاسية جدًا، ولها طبقة شمعية كثيفة تمنع تبخر الماء، ومع ذلك تستطيع هذه الحيوانات هضم أوراقها. هذه قدرات فسيولوجية داخلية في الجهاز الهضمي والتنفسي،

وفي مناطق كثيرة من الجسم. إنها آلية لا ينتبه إليها كثيرون؛ يعتقدون أن التطور يحدث في صفة واحدة، ثم يحتاج إلى ملايين السنين لظهور صفة أخرى، بينما قد تظهر الصفات في مجموعات. — لننتقل الآن إلى البشر. نحن نسرد تطور الكائنات الحية،

لكن كأننا نترك الإنسان وحده في عالم خاص. بعض الناس يقول: أقبل أن الحيوانات تطورت، لكن لا أستطيع قبول أن البشر من الكائنات التي حدث لها هذا التطور؛ فالإنسان شيء منفصل تمامًا. ما رأيك؟ — العلم الحديث تجريبي بحت، ولا مكان فيه للعواطف

والأفكار الشخصية غير المبنية على الدليل. الناس أحرار في قناعاتهم، والعلم لا يجبر أحدًا على قبول النتائج المثبتة علميًا. من لا يؤمن بالجاذبية حر، لكن إن ألقى بنفسه من أعلى جبل فلا يلومنّ إلا نفسه. وكذلك من لا يعتقد بكروية الأرض، فهو حر.

لا توجد محاكم علمية لمحاكمة من لا يعتقد بهذه الأمور. لكن العلم يقول: إذا كان لديك دليل يخالف الأدلة المثبتة بآلاف الأبحاث والتي تقبلتها المؤسسات العلمية العالمية، فأبرزه ودافع عنه في المجتمعات العلمية،

وانشره في دوريات معترف بها، وناقش رأيك في المؤتمرات. إذا صمد دليلك، فسيأخذ به العلم. أما الرأي الشخصي الذي يصدره إنسان من بيته لأن النتيجة تصطدم بقناعات تربى عليها، فلا يؤخذ به علميًا؛ إنه قناعة شخصية. — لكن لماذا يُعتبر الإنسان جزءًا من

منظومة التطور؟ — هناك أسباب كثيرة. أولًا، الإنسان كائن حي مثل بقية الكائنات. يتكون من خلايا مثلها، وداخل خلاياه مادة وراثية هي الحمض النووي،

وكذلك الحمض النووي الريبي، ومنه الرسول والريبوسومي. الآليات التي تعمل بها الخلية الإنسانية هي نفسها التي تعمل بها الخلية الحيوانية. وحتى عندما نتحدث عن كائنات بدائية جدًا، مثل البكتيريا،

التي يُشار إليها هنا بـ«اليوكاريوتس»، نجد أن لديها الآلية نفسها تقريبًا. فإن أردت استثناء شيء من الكائنات الحية، فلن يكون الإنسان، بل هذه البكتيريا التي نتحدث عنها. ولبنات بناء الأنسجة هي نفسها: بروتينات ودهون وكربوهيدرات. وحتى الثدييات كلها تشترك

في الهرمونات التي تتحكم في النمو والحمل والولادة والرضاعة والمزاج العام. عندما تغضب أو تخاف أو تتأثر عاطفيًا وتحدث لك القشعريرة، يعمل الأدرينالين. الهرمون نفسه موجود عندنا وعند القردة والثدييات الأخرى.

وكذلك الكورتيزون وغيره. وانظر إلى عمل الدماغ: النواقل العصبية بين الخلايا، مثل النورأدرينالين والسيروتونين والدوبامين وغيرها، موجودة عند الإنسان والقردة والكائنات الحية. كل ما تراه تقريبًا في جسمك موجود

لدى هذه الكائنات. وفوق ذلك هناك التشابه الجيني بين الإنسان وغيره. نحمل في جيناتنا مادة وراثية لكائنات بدائية عاشت قبل مليار عام، في منطقة من الحمض النووي تُسمى «الحمض النووي غير الوظيفي» أو «الإنترونات». فالحمض النووي ملفوف، كخيط حول بكرة، على بروتينات تُسمى الهستونات.

إنه شريط طويل جدًا يلتف حول هذه البروتينات تباعًا، فيصبح سلسلة ملفوفة حول بكرات. والجينات التي تشفر صفاتنا موجودة في الخارج وتُسمى «الإكسونات»، وتشكل نحو 4% من مجموع الحمض النووي. أما الجزء الصامت،

الملفوف داخل البكرة، فلا نعرف له وظيفة حتى الآن. والعلم متواضع؛ يقول إننا لم نكتشف وظيفته، وقد تكون له وظائف أخرى. في عام 2001 فُكّت شفرة الحمض النووي للإنسان، وعُرف أن هذه المناطق الصامتة المغلقة والملفوفة داخل البكرات

تحمل جينات وشفرات مشابهة لجينات حيوانات وبكتيريا بدائية موجودة الآن في قيعان المحيطات. وهذا دليل كبير على الأصل المشترك.

— إذن، لدينا حمض نووي يشفر أجسامنا وأدمغتنا وأنوفنا ووجوهنا، وهو يعمل. أما بقية الحمض النووي الذي لا يعمل، أو لا نعرف ما يفعله، فمشترك بيننا وبين الكائنات الأخرى؟ — نعم، ومن الأدلة أيضًا وجود

فيروسات لا تحتوي على الحمض النووي من نوع DNA، بل على الحمض النووي الريبي، RNA، الذي تختلف آلية عمله قليلًا. تستخدم هذه الفيروسات إنزيمًا يُسمى «النسخ العكسي»، يحوّل مادتها من RNA إلى DNA، ثم تغرسها داخل الحمض النووي عند البشر.

لماذا؟ عندما تنقسم الخلية، تمر آلية النسخ على مقطع الحمض النووي الذي زرعه الفيروس، وتنسخه، فيخرج ليصبح فيروسًا آخر. هكذا تتكاثر هذه الفيروسات: تغرس نفسها، ونقوم نحن بنسخ مادتها الوراثية. وبعد خروج نسخة DNA يأتي إنزيم آخر فيحوّلها إلى RNA، فتتكون

الفيروسات. وفي مناطق معينة من مادّتنا الوراثية آثار مزروعة لفيروسات كثيرة، وقد ورثناها من آبائنا. وهناك نقطة مهمة: ما نورثه إلى أبنائنا هو الحمض النووي الذي يخرج مع الحيوانات المنوية، والطفرات التي تحدث عند انقسام الحيوانات المنوية والبويضات هي التي تُورث.

أما الطفرات التي تحدث في الخلايا الجسمية فلا نورثها. ما يُورث يحدث في الخلايا التكاثرية، في المبايض عند الأنثى والخصيتين عند الرجل. وعند الرجل تكون آلية الانقسام غزيرة جدًا،

إذ تحدث تريليونات من الانقسامات. في كل قذف يخرج في المتوسط نحو 150 مليون حيوان منوي. تخيل كمية الأخطاء والتشوهات في بعضها، وبعضها يحمل التغير إلى الأبناء. أبنائي وأبناؤك وأبناء الجميع يحملون نصف المادة الوراثية من الأب،

والنصف الآخر من الأم. لكن إذا حللت جينات أبنائك، فستجد أنهم يحملون نصف موروثك، لكنه ليس مطابقًا تمامًا؛ هناك نسبة ضئيلة جدًا من الاختلاف، وهي الطفرات التي حدثت في الحيوان المنوي أو البويضة. لذلك نرى صفات مشتركة بيننا وبين أبنائنا، وصفات جديدة لم نرها من قبل.

هذه آلية بطيئة جدًا يصعب تمييزها، لكن التغير يحدث خلال فترة طويلة. وقد يسأل بعض المستمعين: لماذا لا يتطور الكائن سريعًا إلى كائن آخر؟ ولماذا لا أرى حيوانًا يتحول أمامي؟ هذه مغالطة، لأن التطور يحدث في الجماعات، لا في الأفراد. تتراكم الطفرات المفيدة أو المرغوبة

داخل الجماعات وتنتشر، وبعد أجيال تكتسب المجموعة الصفة الجديدة، وتختفي الصفة القديمة والكائنات التي تحملها. إذن، التطور عملية بطيئة تحدث في الجماعات، لا الأفراد. — متى بدأ التطور البشري، ومن أي نقطة؟ — إذا أخذنا شريط الزمن

من الأقدم إلى الأحدث، نجد أن الرئيسيات، أو بدايات القردة، انفصلت عن الثدييات قبل نحو 45 مليون سنة. وبعد 20 مليون سنة بدأت القردة العليا. الفرق الذي نشير إليه بين القردة العليا والرئيسيات هنا هو الذيل؛ فالنسانيس وغيرها من القردة لها ذيول،

بينما القردة العليا ليس لها ذيل. — متى بدأت هذه القردة العليا؟ — قبل نحو 25 مليون سنة انفصلت عن الرئيسيات، التي تضم جميع القردة. ثم انفصلت أسلاف الأورانغوتان قبل 14 مليون عام، وبقي السلف المشترك للغوريلا والشمبانزي والإنسان. وانفصل عن هذا السلف

سلف الغوريلا بعد انفصال الأورانغوتان بنحو 4 أو 5 ملايين عام، واتخذ مسارًا تطوريًا مختلفًا. وبقي السلف المشترك للإنسان والشمبانزي. ونحن نتحدث عن الشمبانزي البدائي،

لا الشمبانزي الحالي الذي تطور أيضًا. — عندما يقول الناس إننا تطورنا من قردة، فما الجواب الصحيح؟ هناك من ينفي ذلك ومن يؤكده. — لنؤجل الإجابة قليلًا، لأن هناك واقعًا ينبغي الاعتراف به، ويكابر فيه كثيرون للأسف. قد يصدم البعض ولا يعترفون به:

تصنيفيًا، يُعتبر الإنسان من القردة العليا، وهو في قمة الهرم بيولوجيًا. كيف؟ لنأخذ مثالًا بسيطًا: إذا عرضت عليك صور حمامة ونعامة ودجاجة وخروف، فأيها لا ينتمي إلى المجموعة؟ ستقول: الخروف، لأن البقية طيور. وإذا عرضت

شمبانزي وغوريلا وأورانغوتان وأسدًا، فستقول إن الأسد لا ينتمي إلى المجموعة. وإذا عرضت إنسانًا وشمبانزي وأورانغوتان وفأرًا،

فالفأر هو الذي لا ينتمي. هذا مثال بسيط لتقريب الفكرة. نحن أقرب إلى هذه الكائنات من حيث الشكل، ومن الداخل أيضًا نكاد نتطابق معها فسيولوجيًا وكيميائيًا، وفي الجهاز الهضمي والقلب وغيرها. وكانت هناك حتى تجارب

لزراعة قلب [كلمة غير واضحة] لمرضى القلب، لكنها لم تنجح بسبب جهاز المناعة وغيره. الفكرة أن سلف الإنسان انفصل عن سلف الشمبانزي، الذي يختلف عن الشمبانزي الحالي؛ فقد كان حيوانًا مختلفًا، والشمبانزي نفسه تطور. النسخة الموجودة الآن تطورية،

واحتاجت إلى أكثر من 6 إلى 7 ملايين عام. في ذلك الزمن انفصل سلف الإنسان عن سلف الشمبانزي، واتخذ كل منهما طريقًا مختلفًا. لهذا يستحيل أن يتحول الشمبانزي إلى إنسان،

أو الغوريلا إلى شمبانزي. ونحن لا نعرف كيف سيغير التطور الشمبانزي بعد مليارات السنين، إن بقي أصلًا؛ فقد ينقرض بسبب اعتداء الإنسان على بيئات هذه الحيوانات. — لنراجع ما فهمته: الإنسان تطور من القردة العليا، وليس من القردة التي تعيش معنا اليوم،

وهذه القردة العليا القديمة سلف مشترك للقردة الموجودة حاليًا، وكذلك الإنسان، مع أنه ليس قردًا، بوصفه وارثًا لتلك الصفات. كم مضى على هذا الأصل المشترك؟

نحو 6 إلى 7 ملايين عام منذ بداية الانفصال عن سلف الشمبانزي تحديدًا، لأنه أقرب كائن حي موجود الآن إلى الإنسان جينيًا وغيره. ظهرت أشباه بشرية تُسمى «هومينيدز». وكانت في البداية تعتمد على 4 قوائم، ثم استغرقت الرحلة ملايين السنين، نحو 6 ملايين عام،

للوصول إلى الشكل الحالي. يتذكر الجميع أخبار اكتشاف «أردي» أو «لوسي». عاش الأرديبيثكس قبل نحو 4 ملايين عام، وخرج من أسلاف أقدم، منها «أورورين توجينينسيس»، وكائنات أخرى وُجدت في الصحراء الكبرى. وُجدت هذه الأحافير في أفريقيا، وخصوصًا

في الوادي المتصدع الممتد من إثيوبيا إلى جنوب أفريقيا. عُثر على معظم أحافير أسلاف البشر هناك، مع وجود أحافير قديمة في أماكن أخرى من العالم. — إذن، كان انفصالنا الأول في أفريقيا؟ — نعم. قلنا في البداية إن تراكم الطفرات الوراثية، والانعزال الجغرافي،

والانتخاب الطبيعي تدفع التطور. كل فصيلة تعيش في منطقة معينة تتأثر بالمناخ والمفترسات ووفرة الغذاء والمنافسة وغيرها. تتراكم فيها طفرات بحسب المتغيرات، ويبقى الأصلح فيها. وهكذا تغيرت هذه المجموعات، ورُصدت أصناف

من أشباه البشر ثم انقرضت. وقبل مرحلة الإنسان ظهرت فصيلة الأرديبيثكس التي تنتمي إليها أردي، ثم الأسترالوبيثكس التي تنتمي إليها لوسي، واسمها «أسترالوبيثكس أفارينسيس». عاشت لوسي قبل نحو 3.2 أو 3.5 ملايين عام. وهي تمثل مرحلة مهمة، لأنها كانت

أول كائن استطاع المشي على قدمين والنزول من الأشجار إلى الأرض. — هل كانت أردي تتعلق بالأشجار؟ — نعم، وكانت تمشي على الأرض أيضًا. التعلق بالأشجار يحمي من الضواري، ويساعد على التقاط الطعام. لكن تغيرات مناخية أدت إلى انحسار الغابات وظهور السافانا في أفريقيا،

فاضطرت هذه الكائنات إلى النزول. وبقيت الكائنات التي امتلكت القدرة الجينية على الوقوف ورؤية المفترسات. سمعت قبل أيام على إذاعة بي بي سي عن بحث جديد في العظام. نحن نسميها عظامًا، لكنها أحافير صخرية؛ استُبدلت المواد العضوية فيها بمعادن فأصبحت كالصخور.

هناك تقنية جديدة تستخدم نوعًا معينًا من الأشعة. تقول دراسة حديثة إن لوسي ربما كانت تتعلق بالأشجار أكثر مما تمشي على الأرض. قلت أردي أولًا، وأصحح: أقصد لوسي. عندما اكتُشفت لوسي، شاع الاعتقاد بأنها منتصبة وتقضي معظم حياتها على الأرض، بسبب شكل الحوض وعظمي الفخذ. لكن البحث الحديث

يقول العكس: إنها ظلت تقضي معظم حياتها على الأشجار، مع قدرتها على النزول والتحرك على الأرض بسهولة. — نلاحظ هنا طول رحلة الإنسان: من فصيلة إلى أخرى، ومن حياة على الأشجار إلى النزول التدريجي إلى الأرض. لقد استغرقت هذه الرحلة زمنًا طويلًا.

وخرجت من الأسترالوبيثكس مجموعات كثيرة، انقرض معظمها وعظامها موجودة. ثم ظهر صنف أكثر انتصابًا، وتغير حجم دماغه. نتحدث أولًا عن كائن بحجم جمجمة الشمبانزي، نحو 450 سنتيمترًا مكعبًا. أما الهومو هابيليس، فهو من أوائل من نطلق عليهم

أسلاف البشر. فكلمة «هومو» تشير إلى الإنسان. الهومو هابيليس هو الإنسان الماهر؛ وُجدت بقايا عظامه قبل نحو 2 مليون أو 1.8 مليون عام، ووُجدت معه الآلات والأدوات الحجرية التي صنعها، كالحجارة البدائية التي كان يقطع بها الفرائس أو يصطاد بها الحيوانات.

سُمّي الهومو هابيليس، أو الإنسان الصانع، وكأن هذه نقلة جديدة في الذكاء أتاحت له استخدام الأدوات. حجم جمجمته يقارب ضعف حجم جمجمة لوسي أو أفراد مجموعة الأسترالوبيثكس. هناك إذن زيادة في حجم المخ، وقدرة أكبر على الانتصاب والوقوف،

وعلى صنع الأدوات. لكن صنع الأدوات ليس حكرًا عليه؛ نرى اليوم فيديوهات لطيور تصنع أدوات، والشمبانزي يستخدم العيدان وغيرها. — وهناك النوع الأحمر، الأورانغوتان، الذي صنع فراشًا. — نعم، هذا ذكاء فطري موجود، وربما استطاعت هذه الفصائل الصمود

والتطور مع الوقت. احتاج الهومو هابيليس إلى أكثر من نصف مليون عام، أو 700 ألف سنة، ليتطور إلى الهومو إريكتوس، أي الإنسان المنتصب بالكامل. وهو يمثل النقلة الرئيسية التي استمر بعدها تطور الذكاء. كان الهومو إريكتوس شغوفًا بالمغامرة والاكتشاف،

فخرج من أفريقيا وانتشر في أراضٍ كثيرة كانت مجهولة له. — تقصد أنه انتقل من أفريقيا إلى القارات الأخرى؟ — نعم. كانت الجغرافيا مختلفة في ذلك الزمن، ونتحدث عن فترة تتراوح بين مليون ونصف مليون عام ومليون عام.

كان العصر الجليدي قائمًا، واختلف منسوب مياه المحيطات. وكان مستوى البحر الأحمر منخفضًا، فسهلت الهجرة إلى الجزيرة العربية، التي كانت منطقة سافانا وامتدادًا لأفريقيا، وتعيش فيها الحيوانات الأفريقية نفسها. وامتدت الهجرات إلى آسيا وحوض البحر المتوسط، وكذلك

إلى أوروبا، ووصلوا حتى الصين. «إنسان بكين»، الذي اكتُشف منذ زمن في أحد الكهوف، هو هومو إريكتوس. وكذلك الهومو فلوريسينسيس الذي وُجد في كهف بإندونيسيا: كان إنسانًا قزمًا، لكنه أحد أشكال الهومو إريكتوس الذي انعزل جغرافيًا،

فتطور إلى إنسان قزم. الحجم الكبير يتطلب طاقة وغذاء أكثر. عندما يسمع الناس كلمة «تطور» قد يسألون: كيف يُعتبر صغر الحجم تطورًا؟ استغرق ذلك آلافًا أو عشرات الآلاف من السنين. الكائن الكبير يحتاج إلى طعام أكثر، ومع نقص الطاقة صغر حجمه تدريجيًا ليتلاءم مع البيئة والغذاء المتاح.

هذه عملية تكيف تحتاج إلى آلاف السنين، كما ذكرنا في البداية. — حسنًا، لنكمل الرحلة. — تطورت من الهومو إريكتوس أشكال كثيرة، أهمها إنسان هايدلبرغ، أو الهومو هايدلبرغينسيس. ظهر قبل نحو نصف مليون عام، أكثر أو أقل، وكان نسخة متطورة من الهومو إريكتوس.

ففي عصره ظهرت أدوات ذكية. نحن نتحدث عن العصر الحجري؛ كانت الأدوات من الحجارة، مثل السهام، واستُخدم الخشب أيضًا في العصي وغيرها. واكتُشفت النار في عصر الهومو إريكتوس. بعض الدراسات تضع ذلك قبل مليون ونصف مليون عام، وأخرى قبله أو بعده. كان اكتشاف النار مهمًا جدًا لتطور الإنسان،

فقد استخدمها لإبعاد الضواري، والتحكم في بيئته، وحماية نفسه من البرد. وبدأ يطبخ الطعام، وخصوصًا اللحوم، فاستفاد من مواد غذائية في اللحوم وغيرها لم يكن يستطيع الاستفادة منها سابقًا.

وفرت النار وسيلة لتفكيك الغذاء، ولم يعد بحاجة إلى مضغه بقوة، فنما عقله. — ما علاقة العقل بالمضغ؟ — عندما تمضغ وتمتص البروتينات والدهون وغيرها، يكبر جسمك مع الوقت، ويتحسن أداؤك، وتستطيع الانتقال إلى مسافات أبعد. والمخ يستهلك 20% من الطاقة التي تتناولها.

كلما وفرت له طاقة أكثر، زاد نشاط خلاياه وسهل التفكير. هكذا تطور المخ وكبر حجمه. كان حجم تجويف الجمجمة الذي يحتوي مخ الهومو إريكتوس أكثر من 1000 سنتيمتر مكعب تقريبًا. وهذا تطور عن

الأرديبيثكس والأسترالوبيثكس، التي كانت جماجمها بحجم جمجمة الشمبانزي، أي نحو 450 إلى 500 سنتيمتر مكعب. لدى الهومو هابيليس بلغ الحجم نحو 850 سنتيمترًا مكعبًا، أي إن المخ كبر، ثم وصل عند الهومو إريكتوس إلى نحو 1100 سنتيمتر مكعب.

— إذن، مع التطور كبر المخ والجمجمة، وزادت القدرة على التفكير؟ — نعم، مع توفر الغذاء وتغير البيئات واكتشاف مناطق وأطعمة جديدة. وهناك أيضًا دور للعضلات في نمو المخ والجمجمة؛ حدثت طفرة قبل نحو 500 ألف أو 600 ألف سنة،

في عضلات الفك السفلي، ومنها العضلة الصدغية والعضلة الماضغة. هذه عضلات ضخمة تبدأ من جانبي الجمجمة، وتمتد أوتارها إلى الفك. العضلة الصدغية أكبر، وهناك الماضغة الأصغر منها. وكانت الصدغية تضغط على المخ، ثم حدثت الطفرة،

فجعلت العضلة أكثر رخاوة، وأتاحت للمخ مساحة أكبر للتمدد داخل الجمجمة. وهناك حالات مرضية يولد فيها الأطفال بتضيق أو التحام الخطوط بين عظام الجمجمة. يولد الطفل عادة وجمجمته مرنة وطرية، ونحو نصفها مادة غضروفية

غير متكلسة، لتسمح بنمو المخ. لكن بعض الأطفال يولدون بجمجمة مغلقة وصغيرة، فيتأثر نموهم العقلي وإدراكهم لأن المخ لم يستطع بلوغ حجمه الطبيعي. — تقصد صغر الرأس؟ — صغر الرأس، أو حالة تُسمى «كرانيوستينوسيس». وتوجد الآن جراحات لتقويم الجمجمة،

تُجرى منذ بداية العمر لمنع انغلاقها الكامل وإتاحة نمو المخ. — دعني أراجع ما قلت لأتأكد من فهمي، وأذكر أنني قرأت مقالات في هذا الموضوع: بدأ الإنسان بشواء الطعام،

فصار الطعام، وخصوصًا اللحم، طريًا، ولم يحتج إلى المضغ مدة طويلة أو بقوة كبيرة. ثم حدثت طفرة خففت ضغط العضلات على الجمجمة، فلم تعد تقيدها مثل جمجمة الغوريلا. اتسعت الجمجمة واستوعبت مخًا أكبر، فنما المخ وزادت القدرة العقلية والذكاء.

— نعم، في النهاية نتحدث عن الذكاء. وصلنا من الهومو إريكتوس إلى السلف المباشر للهومو سابينس وإنسان النياندرتال، وهو الهومو هايدلبرغينسيس. ومن هذا الإنسان، أو من إنسان هايدلبرغ المتفرع عن الهومو إريكتوس، خرج النياندرتال

قبل نحو 250 ألفًا إلى 300 ألف سنة. استوطن حوض البحر المتوسط، ودخل أجزاء من آسيا. وقبل 200 ألف سنة ظهر الإنسان الحديث، الهومو سابينس، أي أسلافنا. حدث تطور لاحق؛ فنحن هومو سابينس، لكننا نُسمى الآن «هومو سابينس سابينس». و«سابينس» تعني الإنسان المعرفي.

أما اسم النياندرتال فمأخوذ من المنطقة التي اكتُشفت فيها أول عظامه، في ألمانيا على ما أعتقد. كان ذكيًا جدًا ومشابهًا للإنسان الحديث، لكنه يختلف عنه جينيًا. يشترك معه في أكثر من 99.5% من الجينات، والاختلاف أقل من نصف بالمئة،

لأن السلف واحد. — لكننا نتحدث عن 99.5% من 3 مليارات، وهذه أعداد كبيرة. — نعم، حتى 1% أو ربع بالمئة تعني ملايين ضمن تلك المليارات. أدت فروق بسيطة إلى ظهور هذا الإنسان المختلف عن الإنسان الحديث.

خرج الهومو سابينس من أفريقيا قبل 200 ألف سنة، ووجد النياندرتال مستوطنًا تلك المناطق، فالتقت الفصيلتان. كان يُعتقد أن الإنسان الحديث، لأنه أذكى، هو الذي قضى على النياندرتال. لكن الدراسات الحديثة أثبتت أن

الإنسان الحديث، الهومو سابينس سابينس، يحمل نحو 2.5% من الجينات الواقعة ضمن الجزء المختلف بينه وبين النياندرتال، أي الأقل من 0.5%. إذا أخذت نسبة الـ0.5% المختلفة، فإن 2.5% منها مشتركة.

— إذن، حدث تلاقح؟ — نعم، واستُوعب النياندرتال في الحوض الجيني للإنسان الحديث. وما زلنا نحمل بعض صفاته. مثلًا، بعض الناس لا يواجه أي مشكلة مع ضرس العقل؛

يخرج لديهم بصورة طبيعية. بينما يسبب ظهوره عند آخرين ألمًا، أو يخرج في اتجاه غير صحيح، لعدم وجود مساحة كافية، فيُخلع. كان فك النياندرتال أكبر من فك الإنسان الحديث، وكان يستخدم ضرس العقل أكثر في مضغ الطعام.

فك الإنسان الحديث متراجع إلى الداخل. فإذا ظهر ضرس عقلك ولم تعانِ منه ولم تضطر إلى خلعه، فهذه صفة نياندرتالية بامتياز. — يبدو أن لدي هذه الصفة! — وهناك صفات ظاهرية أخرى رُصدت، لا نتحدث هنا عن الجينات فقط. لدى بعض الناس بروز قليل في مؤخرة الجمجمة،

يُسمى البروز القذالي. وهذه من صفات النياندرتال، لأن جمجمته ممدودة إلى الخلف، بينما جمجمة الإنسان الحديث أكثر تكورًا.

وقد تجد لدى بعض الناس بروزًا كبيرًا في العظم فوق العينين، مثل النياندرتال. هذه من صفاته، وهناك صفات كثيرة رُصدت، وهي دليل على التقاء الفصيلتين.

ربما حدثت منافسة فعلًا، وربما قضى الإنسان الحديث على بعض المجموعات، لكن الدليل الجيني يقول إننا استوعبناهم أيضًا. كان النياندرتال ذكيًا جدًا؛ صنع الرماح والأدوات الحجرية، ودفن موتاه، وكانت لديه طقوس وثقافة تتصل بالموت والحياة.

لكنه لم يترك رسومات كالإنسان الحديث، ولم يمتلك تلك الموهبة الخيالية الفائقة في الإبداع والرسم. لم يترك على جدران الكهوف رسومات شبيهة بما تركه الإنسان الحديث قبل 50 ألفًا أو 40 ألف سنة، من حيوانات وطقوس وتراث طويل.

الميثولوجيا البشرية تدل على ثراء عقلي هائل وخيال واسع في تفسير الظواهر الكونية، أدى إلى ظهور القصص والأساطير. وربما امتلك النياندرتال نوعًا من التراث، لكنه افتقد صفة مهمة هي الخيال، أو ربما امتلكه لكنه لم يستطع توثيقه وتوريثه

إلى الأجيال اللاحقة. ما العلامة الفارقة إذن؟ مرة أخرى، طفرة جينية عشوائية. — كيف حدثت، وما هذه الطفرة تحديدًا؟ — قبل نحو 200 ألف سنة، مع بداية ظهور الهومو سابينس، حدثت طفرة في جين يُسمى «فوكس بي»، على الكروموسوم رقم 7. هذا الجين مسؤول

عن الحنجرة؛ فأصبحت حنجرة الإنسان الحديث منخفضة. كانت الحنجرة عند النياندرتال والهومو إريكتوس والقردة العليا مرتفعة. ترى القرد يستطيع التنفس والأكل في الوقت نفسه من دون مشكلة، أو بمشكلات قليلة، بينما لا نستطيع نحن ذلك.

وكذلك الحال لدى الثدييات الأخرى. نحن لا نستطيع، لأننا نشترك في مجرى واحد للأكل والتنفس قبل أن ينقسم. — هل لديهم مجريان؟ — المقصود أن الحنجرة التي تحتوي الأحبال الصوتية عندهم أعلى منها لدى البشر،

فيصنع ارتفاعها زاوية تسمح بدخول الهواء إلى القصبة الهوائية بسهولة، بينما يسقط الطعام عموديًا بفعل الجاذبية، فلا يدخل مجرى الهواء بزاوية حادة. تمنحهم هذه البنية ميزة التنفس أثناء الأكل، لكنها تمنع ميزة التخاطب. هذه الطفرة أدت إلى انخفاض

الحنجرة عند الإنسان، فاستطاع تكوين أصوات أكثر، وخصوصًا حروف العلة. أتاحت له فرصة أوسع للتخاطب وتكوين الحروف والكلمات والتعبير عن نفسه، ثم اختراع اللغة. والكائن الوحيد القادر على التخاطب وتكوين اللغة، وبالتالي نقل تراثه

الحضاري إلى الأجيال اللاحقة، هو الإنسان، أو الهومو سابينس تحديدًا. اكتُشف أولًا أن قاع جمجمة النياندرتال شبه مسطح، بينما هو مقعر عند الإنسان الحديث، وهذا مرتبط بنزول الحنجرة. وهناك مثال آخر: تكون حناجر جميع الأطفال مرتفعة عند الولادة،

ولذلك لا يستطيعون الكلام، بل يصدرون أصواتًا فقط. بعد سنة أو سنتين أو 3 سنوات تبدأ الحنجرة بالنزول، وفي هذه الفترة يبدأ تكوين الحروف والكلمات. حتى أطفالنا يحملون هذه الصفة البدائية. تختلف قدراتهم مع سرعة نزول الحنجرة. — عن أي عمر نتحدث؟ — الطفل حديث الولادة

يستطيع التنفس وشرب الحليب من دون مشكلة، وهذا معروف طبيًا. لكن بعد 6 أشهر يبدأ بفقدان هذه الخاصية، ومع بلوغه سنة أو سنتين تكون الحنجرة قد بدأت بالنزول إلى وضعها الطبيعي،

وتبدأ اللغة والتخاطب بالتبلور. — ومتى ظهرت هذه الطفرة؟ — قبل نحو 200 ألف سنة، لدى الهومو سابينس، لا النياندرتال. وهذا ما منحه السبق، وجعله أكثر تحضرًا وقدرة على مقاومة المتغيرات. — وربما أيضًا الاتفاق مع الجماعة، ومناداتهم، وتنظيم القتال؟

بالضبط. تكوين اللغة، والتراكم المعرفي، والتخاطب، ونقل التجارب من مجتمع إلى آخر؛ كانت هذه القدرات مفقودة عند أسلاف الإنسان الأقدم، كالنياندرتال والهومو إريكتوس والهومو هابيليس وغيرها. — لا أعرف إن كان لديك جواب لهذا السؤال: كل هذه الفصائل البشرية السابقة استطاعت صنع الأدوات،

فهل كانت لا تتكلم مع بعضها؟ — كانت تصدر أصواتًا مفهومة، لكنها لم تستطع

إثراء تلك اللغة البدائية جدًا. لو أردت تعليم أحدهم صنع أداة، لكان الأسلوب المتاح أن أريه بيدي مع بعض الأصوات. لكن لا أستطيع نقل ذلك شفهيًا إلى شخص يذهب به إلى جماعات بعيدة. وكما يُقال، اللغة وعاء الحضارة، ومن يمتلك الحضارة يمتلك التفوق والتميز.

وهذا واضح في عصرنا: الشعوب ذات الحضارة المتفوقة تكون لغتها أغنى وأكثر تقدمًا. قلنا إن الطفرات تحدث، وبعضها يُحدث تغيرًا جذريًا يؤدي إلى ظهور صنف جديد. طفرة الصوت ونزول الحنجرة أدت إلى ظهور الهومو سابينس وتفوقه وانتشاره على نطاق أوسع،

وسيطرتِه، وانقراض النياندرتال قبل نحو 30 ألفًا أو 25 ألف سنة. وقد كنا محظوظين بوجود عظام لطفل من النياندرتال في جنوب روسيا، في أوزبكستان أو في كهف معين. اكتُشفت عظمة صغيرة احتفظت، بسبب الظروف الجوية، ببعض الخلايا المجمدة التي لم تتلفها عوامل الزمن.

لذلك أمكن تحليل الحمض النووي للنياندرتال. — فاكتشفوا علاقته بالبشر؟ — نعم، فقد يسأل أحدهم: كيف عرفنا ذلك وقد انقرض منذ زمن؟ وأعتقد أنه اكتُشف أيضًا سن احتوت على مادة حية بسبب الظروف الجوية، فاستُنسخت بالتقنيات الحديثة وحُللت، وفُكّت الشفرة الجينية للنياندرتال.

للأسف، لا تتوفر هذه الإمكانية للأصناف الأقدم. لكن الأحافير والعظام الموجودة من أكبر الأدلة على هذه الصلة المشتركة والتطورية، من الأسلاف الأقدم إلى الإنسان الحديث.

✦

نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.