نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.

12 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل

أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من السايوير بودكاست. في هذه الحلقة سأكمل مشوار نظرية التطور من خلال مقابلة مع الدكتور فيصل الصايغ. أبدأ بتنويه مهم: طرح النظرية لا يعني بالضرورة أن تقتنع بها أو تتبناها. ما سأطرحه، وما طرحته في الحلقة السابقة،

هو علم من العلوم. فكما أن النظرية النسبية الخاصة، والنسبية العامة، وميكانيكا الكم، ونظرية تكوّن الكون، والنظرية الذرية علوم، كذلك نظرية التطور علم أيضًا. تتناولها مئات الآلاف من الأوراق العلمية، وكُتب عنها الكثير من الكتب.

وكما طرحت العلوم الأخرى في حلقات سابقة، أطرح نظرية التطور لأنها أحد أبواب العلوم. ربما تتصور أن المطلوب منك بعد الاستماع إلى هذه الحلقات هو الإيمان بنظرية التطور، لكن هذا ليس من أهداف الطرح. أحد الأهداف بالتأكيد هو المعرفة،

وأن تتابع هذه المعرفة بالقراءة واستكشاف النظرية بصورة أوسع. فإذا كنت تعتبر نظرية التطور خصمًا لك، فمن الواجب أن تعرف خصمك جيدًا قبل محاولة الاعتراض عليه. ومن المهم أن تعرف أن كشف الخلل في النظرية لا يأتي من نقاشات بين غير المتخصصين، بل يحتاج إلى الخوض

في الأوراق العلمية. ووفق إحصائية قديمة، يُقدّر عددها بـ120 ألف ورقة علمية في الأكاديمية الوطنية للعلوم وحدها، إضافة إلى أوراق أخرى تعتمد على نظرية التطور في مضمونها، ويصل عددها إلى نحو 350 ألف ورقة. فتفنيد النظرية يكون من خلال تلك الأوراق العلمية.

أما محاولة تفنيدها بنقاشات بسيطة، فقد لا تحقق النتيجة التي يرجوها المعترض. أكرر أن الهدف هو فهم النظرية. أما الاقتناع والتبني فشأن خاص، لكل شخص الحرية فيه، ويأتي بعد القراءة والتعلم. والتفنيد الحقيقي يحتاج إلى دراسة النظرية في المؤسسات العلمية، وكتابة الأوراق العلمية، والتجربة العلمية الدقيقة. وهذه الحلقة

تكملة للحلقة السابقة التي تحدثت فيها مع الدكتور فيصل الصايغ عن تطور البشر. سندخل في اللقاء مباشرة، لأنها كانت في الحقيقة جلسة واحدة مستمرة، قسمتها إلى جزأين. لذلك، إن لم تستمع إلى الحلقة السابقة، فارجع إليها أولًا، ثم أكمل الاستماع إلى هذه الحلقة.

هذه قصة رائعة فعلًا. تتبعنا التسلسل منذ بداية البشر إلى العصر الحديث، وتحدثنا قليلًا عن الجينات والصفات المشتركة بيننا وبين النياندرتال. والنياندرتال حديث نسبيًا، وليس قديمًا جدًا؛ نتحدث عن نحو 100 ألف سنة. لكن، دكتور، لقد رويت لي هذه القصة كلها،

وربما تكون مجرد قصة ألّفتها أنت، أو ألّفها باحث أو كاتب قصص مشهور: قصة جميلة عن تطور البشر، وانقسامهم إلى عدة فصائل، وصولًا إلى البشر الحاليين، الهومو سابينس. أريد أن أعرف الأدلة. هل العظام موجودة فعلًا؟ هل هناك أدلة جينية أو أدلة أخرى تستطيع بها أن تثبت لي

أن البشر تطوروا أيضًا؟ لننتقل إلى هذا الجانب: هل توجد عظام لكل الفصائل التي ذكرت أسماءها، أو حتى لفصائل أكثر؟ وهل نستطيع رؤيتها؟ — نعم، إنها موجودة في جميع متاحف التاريخ الطبيعي في العالم. وأذكر المتحف العلمي هنا في الكويت، في السبعينيات؛

كنا ننظم رحلات كل سنة ونزور المتحف العلمي، وكان فيه قسم خاص بتطور الإنسان، حسبما أذكر. — وأنا أذكر زيارته مع والدي، وكانت فيه صورة للتطور البشري من القردة العليا إلى الإنسان. — هذا شيء لا يستطيع أحد إنكاره. كان الناس في ذلك الوقت أكثر تسامحًا مع أنفسهم، ويذكرون الحقائق.

وهذه الأدلة موجودة أيضًا في متحف التاريخ الطبيعي في لندن؛ وهو متحف جميل جدًا وغني بالأحافير، وكذلك متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك. متاحف التاريخ الطبيعي في العالم غنية بالجماجم والعظام والمعلومات التطورية والأحافير، لا للإنسان وحده، بل لجميع الحيوانات.

لقد بُحث هذا الموضوع بحثًا واسعًا، والأدلة أكثر من أن تُحصى. وما زالت عظام أسلاف البشر تُكتشف في أفريقيا حتى الآن، لأنها مهد التطور البشري. ومؤخرًا اكتُشف

الهومو ناليدي في أفريقيا؛ دخلوا في شق، واكتشفوا المكان بالمصادفة، وكانت فيه عظام كثيرة. أعتقد أنه أحد الأصناف، لكنني لا أذكر الآن هل كان من الأسترالوبيثكس أم من الهومو هابيليس. ليست لدي هذه المعلومة الآن، لكنه أحد أسلاف البشر، وسُمّي باسم المنطقة التي اكتُشف فيها.

إذن، العظام موجودة، والأبحاث العلمية موجودة، وكذلك الأدلة الجينية. يستطيع من يريد البحث أن يصل إلى هذه المصادر بمساعدة الإنترنت، وهي كثيرة. لكن المشكلة أن الأوراق العلمية قد يصعب فهمها على غير المتخصص. فالناس الذين ليست لديهم خلفية في علم الأحياء، وخصوصًا

في علم الجينات الحديث، يجدون صعوبة بالغة في قراءة هذه المقالات العلمية وفهم مقاصدها. نحن نتحدث الآن بصورة مبسطة جدًا، بينما الموضوع في الواقع أكثر تعقيدًا بكثير، لأننا نخاطب جميع فئات المجتمع، من المتخصص إلى غير المتخصص.

لذلك يجب أن تكون لغة الشرح بسيطة. وأعتقد أن هذه إحدى المشكلات التي تواجهنا عندما نشرح نظرية التطور أو نبسطها للآخرين.

يعتقد بعض الناس أنه عندما يرد بالكلام على شخص يشرح نظرية التطور، فإنه بذلك يرد على النظرية نفسها. وهو لا يدرك مدى صعوبة الموضوع وتعقيده. حتى المصطلحات التي ننطقها قد نخطئ أحيانًا في نطقها لأننا لا نحفظها بدقة، فضلًا عن تفاصيل الحمض النووي، وهي معقدة إلى درجة لا يفهمها إلا المتخصص الدقيق في هذا المجال.

أحد الأشخاص الذين أرادوا التقليل من أهمية نظرية التطور أتى في برنامج بقرد وبحبة بطاطا، وقال إن للبطاطا كذا من الكروموسومات، وللقرد كذا. وأخرج الموضوع بصورة مضحكة.

لكن هل يدل هذا على أن النظرية غير حقيقية؟ إنه يدل على جهل في الأسلوب، بل أقول: على تجهيل للعامة. يعتقد هؤلاء أن تصرفاتهم تمنع العلوم من الوصول إلى الأجيال القادمة. وأنا أعتقد أن الأجيال القادمة واعية وفاهمة، وستكون أفضل فهمًا ووعيًا من الأجيال السابقة.

لكن العلم يظل علمًا. إذا أنكرنا المعلومات العلمية اليوم، فسنضطر إلى قبولها غدًا. والدليل كروية الأرض؛ نستشهد بها دائمًا، من أيام كوبرنيكوس إلى غاليليو، وحتى قبل ذلك. يُقال إن أرسطو وهيباتيا قالا بها، وتحدث عنها كثير من الفلكيين العرب. لكن في الماضي كان هناك قمع

سلطوي ومجتمعي وديني لمن يقول بكروية الأرض. أما الآن فأصبحت مسألة عادية، ولا يُقصى أو يُكفّر من يقول بها. والشيء نفسه سيحدث، أو حدث بالفعل، مع نظرية التطور. إنها جزء من العلوم؛ إن أخذت بهذا الجزء فأنت تسير مع العلوم. وإذا لم تستطع استيعاب النظرية،

فحاول أن تقرأ عنها من المصادر العلمية الحقيقية، لا من مصادر الرد عليها فقط. هناك من يقول إن فلانًا دكتور أو عالم وقد رد عليها، وأنت تعرف مخرجات هؤلاء وأجنداتهم. وحتى أنا، بوصفي شخصًا أعتقد أنني أفهم قليلًا في نظرية التطور، قرأت بعض تلك الكتب،

فوجدت فيها معلومات مضحكة، وتزويرًا مكشوفًا للحقائق العلمية، وعرضًا لها بطريقة تنفّر الناس منها، للأسف. الكتب المضادة للنظرية قليلة جدًا، وما زالت في أمريكا حركة الخلقيين أو الخلقيين الجدد.

للخلقيين منظمات وجمعيات ومتاحف، ويُطلق عليهم «خلقيّو العصر الجديد». يعتقدون أن عمر الأرض 6000 سنة فقط، وأن الديناصورات عاشت مع البشر، إلى آخره، مثل «فلينتستونز». هؤلاء موجودون، ومتاح لهم التعبير عن أفكارهم، لأن كل إنسان في أمريكا حر في إبداء عقيدته.

لكن هذا لا يعني شيئًا، وسيندثر مع الوقت، لأن الصحيح هو ما يبقى في النهاية. — لنرجع إلى الأدلة الجينية: ما الدليل على أننا نشترك في صفاتنا أو موروثنا أو سلفنا مع القردة العليا؟ — هناك بحث نُشر في مجلة «نيتشر»، وهي من أشهر المجلات العلمية وأقواها، أعتقد في 2004 أو 2005،

قارن الحمض النووي عند الإنسان والقردة العليا. لدى الإنسان 46 كروموسومًا موزعة على 23 زوجًا، بينما لدى الشمبانزي والأورانغوتان والغوريلا 48 كروموسومًا،

موزعة على 24 زوجًا. أي إن لديها كروموسومين إضافيين، أو زوجًا إضافيًا. لو افترضنا أن كروموسومين حُذفا أو مُسحا خلال التطور، فهذه عملية صعبة جدًا، بل مستحيلة. التطور لم يُلغِ كروموسومين كاملين دفعة واحدة.

يمكن أن يُعدّل أو يُغيّر أو يزيد شيئًا قليلًا، لكن إلغاء زوج كامل من الكروموسومات عملية مستحيلة. — إذن، إذا كان هناك فرق مقداره كروموسومان بين البشر والقردة، فهل يعني ذلك أننا لا نقربها بأي شكل، وأن نظرية التطور تسقط؟ — بالضبط، لو كان هذا الاختلاف

لا يمكن تفسيره علميًا، لكان ذلك مسمارًا في نعش النظرية، وربما ألغيتها وبحثت عن سبب علمي آخر. لكن المثير في هذه الدراسة أنه عند تحليل الكروموسوم رقم 2 لدى الإنسان، وُجد أن الكروموسومين المفقودين دخلا في عملية تحدث باستمرار تُسمى «الانتقال الكروموسومي»،

إذ تغير موضعهما والتصقا في الكروموسوم رقم 2 لدى الإنسان. وعندما تحلل هذا الكروموسوم، تجده من أطول الكروموسومات مقارنة بغيره. لنتحدث أولًا عن تركيب الكروموسوم: المنطقة الوسطى تُسمى «السنترومير»، من كلمة «سنتر»، أي المركز،

أما المناطق الخارجية عند الأطراف فتُسمى «التيلوميرات». — هل سُمّيت هكذا لأنها تشبه الذيل؟ — نعم، مثل الذيل. الكروموسوم رقم 2 عند الإنسان يتضمن الكروموسوم رقم 12 أو 13 عند الشمبانزي، لا أذكر الرقم الآن. لقد التصق به، ولذلك يحتوي الكروموسوم رقم 2 عند الإنسان على سنتروميرين، لأن كروموسومين التصقا.

— هل تحول التيلومير إلى سنترومير؟ — لا، بل أصبح لدينا سنتروميران، وتيلوميران ملتصقان. من المستحيل أن يعمل سنتروميران في كروموسوم واحد؛ لا بد من تعطيل أحدهما، أو إسكاته، لأن لكل منهما وظيفة معينة. لكنه يظل موجودًا في الكروموسوم رقم 2 عند الإنسان. إذن، هناك سنتروميران،

وتيلوميران ملتحمان، وتيلوميرات عند الأطراف. كأنك أخذت خيطًا وألصقته بخيط آخر. — لنكمل مثال الخيط؛ إنه مثال ممتاز يساعدني ويساعد المستمعين على التصور. لدينا خيطان، نعتبر كلًا منهما كروموسومًا. نصبغ أطراف الخيطين بالأحمر، ووسط كل منهما بالأصفر.

إذن، طرفا كل خيط أحمران، ووسطه أصفر. نأتي بالخيطين ونلصق طرفيهما معًا، فيصبح لدينا لون أحمر عند الطرفين البعيدين، ونقطة التقاء للأحمر بالأحمر في الوسط، ونقطتان صفراوان. — بالضبط، هذا ما حدث في الكروموسوم رقم 2 عند الإنسان. ومن كان متشككًا من المستمعين،

فليبحث عن ذلك. وأعتقد أن هناك فيديو جميلًا على يوتيوب لأحد الأساتذة يتحدث فيه عن الموضوع. اسألوا خبراء الجينات عن الكروموسوم رقم 2 لدى الإنسان. المسألة ليست مجرد التصاق فقط؛ أُجري ما يُسمى بتحديد التسلسل، أي دراسة جين بعد جين ومقارنته. فقورن

الكروموسوم رقم 2 عند الإنسان بما يماثله عند الشمبانزي، ووُجد التطابق. وإذا أخذت كروموسومي الشمبانزي وألصقتهما، فستحصل على شيء يشبه الموجود عند الإنسان. أي إن الكروموسومين التصقا عند الإنسان، وهما متشابهان. وهذه نقطة الاختلاف في التطور: قلنا إن الإنسان والشمبانزي يلتقيان في سلف مشترك، ثم انعزلت جماعات من هذا السلف،

وحدثت فيها هذه الطفرة مع الوقت، واكتسبت صفات جديدة. واستمرت في مسار منفصل عن جماعات الشمبانزي التي لم تحدث فيها هذه الطفرات. ومع الوقت حصل الانفصال، وظهر أسلاف البشر الذين تحدثنا عنهم، وصولًا إلى

الهومو سابينس، أي الإنسان الحديث. صحيح أن حديثنا اليوم عن الإنسان، لكن لنعد قليلًا إلى الشمبانزي والبونوبو، الذي تحدثنا عنه في المرة السابقة، بوصفه مثالًا على الانفصال الجغرافي. قبل نحو مليون عام، أو أكثر أو أقل، حدث زلزال كبير في أفريقيا، فانشقت الأرض ودخلتها المياه، ونشأ نهر الكونغو.

فصل النهر بين جماعتين من الشمبانزي، إحداهما شرقه والأخرى غربه. كانتا من الفصيلة نفسها قبل مليون عام. في الشرق بقي الشمبانزي الذي نراه الآن، وفي الغرب، مع أن المسافة كانت نحو نصف كيلومتر فقط ويمكن للجماعتين رؤية بعضهما، أدى الانفصال الجيني في منطقة جغرافية مختلفة وتراكم الطفرات إلى ظهور جنس جديد يُسمى البونوبو.

البونوبو أذكى من الشمبانزي، وله صفات اجتماعية مختلفة تمامًا. إنه حيوان ذكي جدًا وغير عنيف، ويحل مشكلاته بالجنس. ومن يريد التوسع في معرفة البونوبو فالمعلومات موجودة على الإنترنت. تخيل أن حدثًا كالزلزال أدى خلال مليون عام إلى ظهور فصيلتين مختلفتين، فما بالك بالحركة التكتونية للأرض،

وتغير المناخ والعصور الجليدية؟ مرت الأرض بـ5 أو 6 عصور جليدية، وانحسر آخرها قبل 20 أو 30 ألف عام. وهذا ما أدى إلى انتشار الهومو سابينس وخروجه من أفريقيا، والتقائه بالنياندرتال، الذي كان قادرًا، بسبب تكوينه البنيوي، على العيش في الأماكن الباردة.

لكن الهومو سابينس لم تكن لديه القدرات نفسها. ومع انحسار طبقات الجليد والكتل الجليدية، أُتيحت للإنسان الحديث فرصة الخروج واستكشاف تلك المناطق. وكان أيضًا يتبع الصيد والرعي؛ كانوا صيادين وجامعين للطعام.

إذن، هناك أحداث مناخية وأحداث أرضية تغير طبيعة الكائنات الحية، وكذلك تغير الغذاء والمنافسة عليه. مهما بدت لنا هذه الأمور صغيرة، فإنها مؤثرة جدًا.

لنعد إلى الأدلة. ذكرتَ العظام والحمض النووي، وربما كان الحمض النووي من أهم الأدلة وأقواها لإثبات العلاقة، التي أحب أن أسميها «علاقة العمومة» بيننا وبين القردة. نريد أدلة أخرى: ما الذي يوجد في الإنسان ويدل على انتمائه إلى

طيف الكائنات الحية وتطوره منها؟ — لدينا أعضاء ضامرة موجودة أيضًا عند كائنات أخرى، وتُسمى الأعضاء الأثرية أو الضامرة. مثلًا، هناك أطفال يولدون بذيل كامل. الجين الذي يشفر للذيل موجود عندنا، لكن في المنطقة التي تسبق الجينات توجد

عناصر تشبه مفاتيح التشغيل، تُسمى المحفزات؛ تنشّط الجين أو تقمعه وتمنع عمله. وقد تحدث طفرات تجعل الجين يعمل أو يتوقف. الجين المسؤول عن تكوين الذيل عندنا مُعطّل، لكن قد تحدث طفرات في هذه الجينات التي

تشفر للذيل، فتصبح نشطة، ويولد أطفال لديهم ذيل. إذن، الذيل من البقايا التطورية عندنا. وتحدثنا في حلقات سابقة عن الجفن الثالث: هو موجود عند الإنسان داخل العين، لكنه ضامر. الطيور والزواحف، وحتى بعض الثدييات، لديها جفن ثالث. اسأل أي طبيب عيون، وسيقول لك إنه موجود عندنا لكنه ضامر.

فما فائدته إن لم يكن من البقايا التطورية عند الإنسان؟ نعرف جميعًا الزائدة الدودية، وهي طويلة جدًا عند الكائنات العاشبة، وتعيش فيها بكتيريا تخمّر السليلوز وتفككه. بذلك يستفيد الحيوان من هذه المادة الكربوهيدراتية المعقدة التي لا يستطيع جهازه الهضمي هضمها.

هناك بقايا تطورية كثيرة، ويمكننا الاسترسال في الحديث عنها، منها شعر الإنسان، وكذلك الثدي والحلمتان. لدينا جميعًا حلمتان، ذكورًا وإناثًا، وهناك من يولد بأكثر من حلمتين. عندما كنت في كلية الطب ودرسنا علم الأجنة، تعلمنا أن هناك خطًا يُسمى

«خط الحلمات»، وهو موجود عند البشر وعند جميع الثدييات. ما زال موجودًا عندنا، لكنه ضامر جدًا. الذي يظهر فقط هو الثديان العلويان، أما البقية فلا تظهر لأن التعبير عنها قُمع جينيًا. وهناك ثدييات لديها ثديان، كالفيل مثلًا،

وثدييات لديها أثداء كثيرة، مثل القطط والكلاب وغيرها. ونحن نشترك مع هذه الحيوانات الثديية في وجود هذه البنى، لكنها ضامرة بسبب قمعها، ومع ذلك يولد بعض الناس وهي ظاهرة لديهم.

وهناك القشعريرة التي تحدثنا عنها: عندما تخاف يقف شعر جسمك. وتشاهد ذلك عند الحيوانات؛ فالقط ينفش شعره عندما ينزعج. هذه صفة بدائية جدًا عند الإنسان.

وجود هذه الصفات البدائية في جيناتنا يبيّن أننا نشترك مع الكائنات الحية الحالية والقديمة، لأننا ورثنا هذه الصفات منها. وليس ذلك فقط؛ فالاشتراك موجود أيضًا على المستوى الجيني. تحدثنا عن فيروس الحمض النووي الريبي الذي يغرس مادته الوراثية في الحمض النووي. ونحن نحمل هذه الآثار في مناطق من جينومنا.

هذه الفيروسات موجودة مع الحيوانات منذ ملايين السنين. إذا حللت الثدييات، فستجد آثار بعض الفيروسات التي غرست حمضها النووي في الموضع نفسه من مادتها الوراثية. من الثدييات البدائية إلى الإنسان، تجد أثر الفيروس في المنطقة نفسها.

وإذا جاء فيروس جديد وغرس حمضه النووي في منطقة أخرى، فيمكن اتخاذ ذلك علامة تطورية جديدة. وسيورّث الحيوان الذي اكتسب هذه الصفة أثرها إلى الأجيال التالية، مهما كانت تلك الأجيال والأنواع التي ستظهر مستقبلًا. يُسمى ذلك «دليل الفيروسات القهقرية»، وهو دليل قوي جدًا، وهناك أمور كثيرة أخرى.

حسنًا، دكتور، أخذنا مجموعة من الأدلة، لكن أريد العودة إلى العظام. هناك قصة شهيرة عن عالم زوّر جمجمة؛ هل تذكر اسم القصة؟ من يريد التشكيك في النظرية، أو في تطور البشر تحديدًا،

يستخدمها دليلًا على أن بعض العلماء زوّروا جماجم. فكيف أعرف أن الجماجم الأخرى ليست مزورة أيضًا؟ ربما اتفق العلماء حول العالم على صنع جماجم مزيفة! — إنها قصة «إنسان بلتداون». كان أحد البريطانيين، قرابة عام 1910، يشعر بنوع من التحسر والغيرة، لأن عظام أسلاف البشر

وُجدت في مناطق مختلفة من أوروبا، وخصوصًا فرنسا وألمانيا ومناطق من حوض البحر المتوسط، بينما لم يكن هناك دليل على وجود أشباه البشر أو أسلافهم في إنجلترا، في المملكة المتحدة. ففي 1910 أخذ فك غوريلا وركّبه على جمجمة بشرية. لم يكن التحقق العلمي آنذاك بقوته الحالية،

ولم تكن الأجهزة المتاحة اليوم لقياس أعمار هذه العظام موجودة.

كذلك لم يكن النقد العلمي بالقوة نفسها، ناهيك عن التواصل. اليوم أستطيع قراءة أي بحث علمي وقت نشره، كما يقرأه غيري في الصين أو أمريكا، ويمكننا نقده في الوقت نفسه، وحتى إعادة التجربة في اليوم ذاته. لم تكن تلك المقومات متاحة في الماضي.

كان نقل المعلومات إلى المجتمعات العلمية صعبًا، وقد يستغرق سنوات طويلة. لكن العلوم تطورت. — قلت إنه ركّب فك غوريلا على جمجمة إنسان؛ ماذا حدث بعد ذلك؟ — اعتقدوا أنها تعود إلى نوع منقرض من البشر البدائيين، وأنها حلقة مفقودة بين الإنسان والقردة العليا.

وسُمّي «إنسان بلتداون». صدقته المجامع العلمية لأنه جاء من مؤسسات بريطانية، وكانت بريطانيا في قمة الهرم العلمي آنذاك. لكن في 1950، أو حول ذلك الوقت على ما أعتقد، ظهر متشككون. والتشكك آلية قوية جدًا في العلوم. فإذا أتيت بجمجمة،

فلا يحللها مختبر واحد فقط، بل تُرسل العينات إلى مختبرات مرجعية في قارات مختلفة. ويُستخدم إجراء يُسمى «التعمية»، بحيث لا يعرف أي مختبر ما يعمل عليه الآخر، ثم تُقارن النتائج. لم يكن ذلك معمولًا به سابقًا، لكن في الخمسينيات تطورت المنهجية العلمية وفلسفة العلوم والنقد العلمي،

وجاء من شكك في الجمجمة. وكان التأريخ بالكربون متاحًا في بداياته، فحُللت العظام، وتبين أن عظام الغوريلا حديثة، وأن الجمجمة كذلك ليست من زمن بعيد. وهكذا اكتُشف التزوير.

— إذن، لم يكشف الخطأَ المشككون في نظرية التطور، بل العلماء الذين يقبلونها؟ — بالضبط. داخل المؤسسة العلمية نفسها يوجد من يشكك. نحن نعمل في العلوم، وأنت تعرف صعوبة نشر الأبحاث. قد تجري بحثًا،

وتظن أنك مررت بمراحل صعبة، لكن الأصعب أن تجد مجلة علمية محترمة تنشره. فهناك اعتراضات ونقد شديد للبحث، وحتى بعد نشره يستمر التدقيق فيه. نُشرت دراسات كثيرة ثم سُحبت من المجلات العلمية، فالمنهجية صارمة جدًا. — إذن، عندما يستخدم شخص

هذا المثال ضد نظرية التطور، فهو يؤكد في الحقيقة أن علماء التطور أنفسهم يدققون في الموضوع لكشف أي خطأ موجود فيه. إنهم يدققون في النظرية بدرجة

كبيرة جدًا، بحيث يزيلون كل شائبة تدخل فيها. ولو كانت النظرية خاطئة لكشفوا ذلك، لأنهم يبحثون عن الأخطاء، ولا ينطلقون مما يُسمى بالأفكار المسبقة. العلم ليس أيديولوجية.

العلم إثبات لحقائق معينة، ومحاولة جادة ومخلصة لفهم الكون وتفسير الظواهر الطبيعية، لا أكثر ولا أقل. ليس محاولة لإثبات معتقداتك أو أفكارك المسبقة، ولا لإخفاء الأدلة التي تعارضها. هناك أحد المحاضرين في موضوع الكروموسوم رقم 2

يقول: «أنا مسيحي كاثوليكي، لكنني عالم». طلبت المحكمة شهادته في قضية تتعلق بتدريس التطور في بعض مدارس الجنوب الأمريكي والجنوب الأوسط أو الوسط الغربي. تُسمى بعض هذه المناطق «الحزام الإنجيلي»، وهي مناطق متشددة تعارض نظرية التطور وتعليمها في المدارس.

رفع بعض الآباء المتنورين قضية على المجالس التي تحدد ما يُدرّس في المدارس، لأنها منعت تدريس التطور. ووصلت القضية إلى المحكمة العليا في أمريكا، واستُدعي خبراء، منهم هذا العالم الذي قال للمحكمة: «أنا كاثوليكي مؤمن، وأذهب إلى الكنيسة كل أحد، لكن هذه هي العلوم ونتائجها». إنه صاحب كتاب «البحث عن إله داروين». لدي كتابه وقد قرأته قبل فترة. [كلمة غير واضحة]

هناك نقطة أخرى يسأل عنها كثيرون: نحن تطورنا من قردة عليا، مع أن مصطلح «قردة» قد يستفز البعض، وهي ليست القردة التي تعيش معنا اليوم. لقد حدث هذا التطور،

وظهر البشر. فلماذا لم تتحول القردة كلها إلى بشر؟ — ويمكن أن نسأل أيضًا: لماذا لم تتطور جميع الكائنات الحية إلى بشر؟ المسألة ليست بهذه الصورة؛ فقد اتخذ كل حيوان مسارًا تطوريًا مختلفًا واستمر فيه. الحياة متنوعة.

لو لم يكن هناك تطور، لكان على الأرض كائن واحد، وغالبًا لكان وحيد الخلية. تنوع الكائنات الحالية من أكبر الأدلة على وجود التطور. لماذا لم يتطور الشمبانزي إلى إنسان؟ لأنه اتخذ مسارًا مختلفًا. وإذا قُدّر له البقاء، فسيتطور مستقبلًا، وربما إلى كائن

يختلف عما نراه اليوم. لكن هذه العملية تحتاج إلى ملايين السنين، وليس للتطور اتجاه محدد سلفًا. ما دام الكائن متأقلمًا يستطيع الاستمرار، كما تفعل البكتيريا. أما الديناصورات فلم تستطع التأقلم في مرحلة ما فانقرضت جميعها. ويقول بعض علماء التطور إن التطور عند الإنسان أصبح بطيئًا جدًا، لأنه تحكم في البيئة،

وفي الطقس ومصادر الغذاء، فأصبح الطعام متاحًا طوال العام، وتحكم في الأمراض التي تفتك به. كذلك انتشر جغرافيًا، وأصبحت المسافات البعيدة قريبة، وصار العالم كالقرية الواحدة. لم يعد هناك انعزال جغرافي يسمح لمجموعة بأن تتطور وحدها طوال مئات الآلاف من السنين، ثم يظهر منها جنس مختلف.

ومع اختلاط البشر من جميع الأجناس والألوان، أصبحنا كأننا حوض جيني واحد.

إذن، جواب سؤال «لماذا لا تتطور الكائنات لتصبح بشرًا؟» هو أن التطور لا يهدف أصلًا إلى إنتاج البشر؛ إنه مواءمة وتكيف مع المتغيرات. وإذا كان الكائن ناجحًا جدًا، فقد لا يتطور. الصراصير موجودة منذ مئات الملايين من السنين، ولها أشكال مختلفة، لكنها من أقوى الحيوانات تأقلمًا وأفضلها، ويمكن القياس عليها في كائنات كثيرة. — دكتور، لقد أتعبناك معنا.

سنقسم اللقاء إلى جزأين. المستمعون لا يعرفون أننا جلسنا قرابة ساعتين نتحدث في هذا الموضوع. شكرًا على هذه المعلومات القيمة، في لقائنا الثاني أو الثالث أو الرابع. — العفو، وأنا أيضًا ممتن وسعيد بمحاورتك وإيصال هذا الصوت إلى كثير من المستمعين. نحب أن نسمع دائمًا الصوت العقلاني والعلمي.

هدفنا في النهاية فتح العقول، وتشجيع الناس على التفكير خارج الصندوق. — لدي طلب، دكتور: بعد نشر الحلقة، نطلب من المستمعين إرسال أسئلتهم، ولا بد أن لديهم أسئلة كثيرة. نجمعها من تويتر أو البريد الإلكتروني. حسابي على تويتر هو

«إم قاسم». وماذا عن حسابك، دكتور فيصل؟ — أفضل أن نجيب عبر البودكاست، فمن الصعب الإجابة عن سؤال معقد على تويتر. نجمع الأسئلة التي يرسلونها إليك أو إليّ. أعطهم حسابك، ويمكنك لاحقًا الإشارة إلى حسابي. — ممتاز، سأشير إليك.

إذن، أرسلوا الأسئلة إلى حسابي أو حساب الدكتور فيصل. سنجمعها ونلتقي مرة أخرى للإجابة عنها، فهذه أمور لا نستطيع عادة حصرها في حلقة واحدة. سردنا الآن قصة تطور البشر، وبعد ذلك ننتقل إلى الأسئلة والتشكيكات في نظرية التطور وغيرها. — وهناك جانب آخر لتطور البشر،

هو تطور الحضارة بعد استقرار الإنسان، وكيف شكلت عقله، وكذلك تدجين الحيوانات، وتطور الزراعة واللغات المختلفة، إلى آخره. هذا تطور أنثروبولوجي واجتماعي، وليس بيولوجيًا. يُسمى التطور الموازي للتطور البيولوجي، وقد غيّر التطور الحضاري كثيرًا من صفات البشر،

وأمزجتهم وأذواقهم، وحتى طريقة تفكيرهم، ونمّى عقولهم. — سنكمل الجانب البيولوجي أولًا، ثم ننظر في هذه القضايا الأخرى. يعطيك العافية، دكتور، وما قصّرت. — شكرًا.

✦

نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.