نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.
8 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في سايوير بودكاست. أقدم هذه الحلقة بالتعاون مع شبكة أبو نواف، التي تقدم مواد ترفيهية وهادفة. ومن اهتمامها بالمحتوى المفيد والبنّاء تضم سايوير إلى باقتها المتنوعة، ليصل إلى أكبر عدد من المستمعين العرب.
ضيفنا المهندس عيد العجمي، الحاصل على الماجستير، والذي يدرّس معي في كلية الدراسات التكنولوجية. وهو من عشاق الفيزياء وميكانيكا الكم،
والنسبية، وممن يستطيعون تصحيح أخطائي في هذه المجالات. يعمل حاليًا على ورقة في تكنولوجيا النانو، يأمل نشرها في مجلة علمية. موضوعنا «رحلة مع الذرة عبر الزمن». أهلًا بك مهندس عيد،
— أهلًا بك دكتور، وشكرًا على الاستضافة. — لعلنا نبدأ بتاريخ الذرة؟ — سنمر بمراحل نموذج الذرة حتى اليوم، ونعود أولًا إلى زمن بعيد: القرن 5 قبل الميلاد،
حين سأل الفلاسفة اليونانيون: إذا قسمنا المادة إلى أجزاء أصغر وأصغر، فهل يستمر ذلك بلا نهاية، أم نصل إلى جزء لا ينقسم؟ أول من اقترح إجابة كان ليوسبوس وتلميذه ديموقريطس،
فاقترحا في القرن 5 قبل الميلاد جسيمات صغيرة غير مرئية وغير قابلة للانقسام، وسمياها ذرات. — أي نصل إلى جزء لا يمكن تصغيره أكثر؟ — نعم،
لكن فلاسفة آخرين رفضوا الفكرة، واقترح فيلسوف اسمه [اسم غير واضح] نظرية بديلة سنة 440 قبل الميلاد، مفادها أن كل شيء في الكون يتكون من 4 عناصر: الأرض والهواء،
والنار والماء. سادت الفكرة في أوروبا نحو 2000 سنة، من القرن 5 قبل الميلاد إلى نحو سنة 1500 أو 1600. كان كل ما يكتشف ينسب في النهاية إلى أحد العناصر الـ4، حتى أعيد طرح الذرة،
على أيدي علماء مثل روبرت بويل وروبرت هوك وإسحاق نيوتن في القرن 17 الميلادي. — هل اكتشفوا الذرة؟ — لا، بل رفضوا تفسير العناصر الـ4 بوصفه غير علمي، وأكدوا ضرورة وجود ذرات،
تكوّن المواد؛ فالتفسير الآخر غير منطقي ولا يصف تفاعلات تنتج مركبات جديدة. ومع إدراك المفهوم في عصر نيوتن، لم تبدأ معرفة حقيقة الذرات وخصائصها إلا في أوائل القرن 19،
— متأخر جدًا. — نعم، على يد الإنجليزي جون دالتون، الذي درس العناصر المعروفة، ووجد أن قواعد اتحادها لتكوين المركبات تفسر إذا افترضنا أن كل عنصر يضم نوعًا من الذرات غير القابلة للانقسام، المتشابهة فيما بينها،
والمختلفة عن ذرات العناصر الأخرى. — عادوا إلى فكرة عدم قابلية الذرة للانقسام؟ — نعم. واستطاع دالتون تحديد الأوزان الذرية أيضًا، ولو تقريبًا،
لـ20 عنصرًا معروفًا آنذاك. — إذن كان الجدول الدوري يضم 20 عنصرًا؟ — للدقة، لم يكن جدولًا دوريًا، فالجدول يرتب وفق خصائص معينة، بل كانت مجموعة من 20 عنصرًا. وفي سنة 1808،
رتبها دالتون من الأخف وزنًا ذريًا إلى الأثقل، قياسًا إلى الهيدروجين الأخف. وضعه أولًا ثم ما يليه، وانتهى بالزئبق،
وأخطأ حين جعل الزئبق أثقل من الرصاص، بينما نعرف الآن العكس. السبب أنه لم يعرف نسب العناصر في المركبات، واعتمد في الوزن الذري على أوزان المركبات وافتراض نسب مكوناتها،
لنلخص نموذج دالتون: 1، العناصر جسيمات صغيرة صلبة ككرات مصمتة بلا تركيب داخلي. 2، ذرات العنصر الواحد متشابهة، وتختلف عن غيره في الحجم والكتلة والخصائص. 3، لا تقسم الذرة ولا تخلق ولا تدمر،
و4، تتحد ذرات العناصر المختلفة بنسب معينة لتكوين مركب. و5، في التفاعل الكيميائي تتحد الذرات أو تنفصل أو يعاد ترتيبها. — لا يختلف ذلك كثيرًا عما سبق؟
— قد يسأل أحد: أليست فكرة أصغر جزء لا ينقسم قد قيلت قبل 2000 أو 2500 سنة، في القرن 5 قبل الميلاد؟ الفرق أن اليونانيين طرحوها فلسفيًا، أما دالتون فبناها على التجارب. وبعده جاء الروسي ديمتري مندليف،
أستاذ الكيمياء بجامعة سانت بطرسبرغ في روسيا، التي وصفها المتحدث أيضًا بالاتحاد السوفيتي. اقترح سنة 1869 ترتيب العناصر في جدول دوري، بناء على أنماط لاحظها في التفاعلات الكيميائية،
وهو الجدول المستخدم اليوم. صنف 62 عنصرًا معروفًا إلى عائلات، وترك أماكن لعناصر لم تكتشف؛ هنا عبقريته، إذ تنبأ بوجودها من الأنماط الكيميائية. ترك مكانين،
شغلهما لاحقًا الغاليوم والجرمانيوم وفق خصائصهما، وكان ذلك نجاحًا كبيرًا. لاحظ يا دكتور محمد غياب الفيزيائيين؛ دالتون ومندليف كيميائيان. سبب ذلك،
أن الفيزيائيين انشغلوا بالكهرباء والمغناطيسية والحرارة والضوء وقوانين ماكسويل للمجالات، أكثر من الذرة نفسها. — لكن حين يدخل الفيزيائيون مجالًا [عبارة غير واضحة]. — وهذا ما حدث،
ففي الربع الأخير من القرن 19، مع الثورة الصناعية وإنارة المنازل بالكهرباء في أوروبا وأمريكا، وحلول الآلات محل أعمال يدوية خطرة، دخل الفيزيائيون إلى الذرة من دراسة الكهرباء. ومنهم البريطاني ويليام كروكس،
الذي وجد أن مرور الكهرباء في أنبوب زجاجي يحوي غازًا منخفض الضغط ينتج توهجًا خافتًا باردًا في الغاز وعلى السطح. كان الأنبوب أسطوانيًا، وفي طرفيه كاثود وأنود، وعند تشغيل الدائرة،
يتوهج داخله. ثم لاحظ العلماء أن خفض الضغط أكثر يوقف توهج الغاز، رغم استمرار التيار، وتظهر نقطة مضيئة على الجدار المقابل للكاثود، عند الأنود،
فاستنتجوا أن الكاثود يبعث حزمة تسبب توهج الزجاج حيث تصطدم به، وسموها «أشعة الكاثود». اختلفوا في طبيعتها بين مدرستين: إحداهما،
عدتها موجات، والأخرى جسيمات. في سنة 1895 أثبت جان بيرين أنها جسيمات سالبة الشحنة، بتعريضها لمجالات كهربائية ومغناطيسية ورصد انحرافها،
— ما أساس تسمية الشحنة سالبة أو موجبة؟ — التسمية نسبية؛ عرفوا الكهرباء الساكنة وشحن المواد بالفرك، ولاحظوا نوعين،
متعاكسين، فسموا أحدهما موجبًا والآخر سالبًا. المهم تعاكسهما، لا أي اسم نختار؛ ربما يسمي أهل كوكب آخر السالبة موجبة. وفي سنة 1897 أجرى جوزيف جون تومسون، أستاذ الفيزياء في كامبريدج،
تجارب متواصلة توصل بها إلى أن هذه الجسيمات سالبة، وكتلتها أقل بنحو 2000 مرة من ذرة الهيدروجين، أخف الذرات المعروفة. ظهرت إذن أشياء أصغر من الذرة،
وبدأنا تقسيمها. ظهرت فكرة أن جسيمات الكاثود، التي سميت إلكترونات، مكوّن أساسي لكل العناصر. أطلق تومسون عليها الاسم، وحصل على نوبل سنة 1906 عن الاكتشاف،
— وحتى الآن لم يقسم أحد الإلكترون، فهو جسيم أساسي، وقد كشف سرًا مهمًا واستحق نوبل. — نتج نموذج جديد؛ لم تعد الذرة كرة بلياردو مصمتة، بل ذات بنية داخلية،
كرة موجبة تتخللها إلكترونات سالبة، كثمرة برتقال موجب لبّها وسالب بذورها. لكن النظريات تجيب عن أسئلة وتترك غيرها: أين الشحنة الموجبة بالضبط في نموذج تومسون؟
وكيف نكتشفها عند فحص الذرة؟ قاد النشاط الإشعاعي إلى الإجابة. اكتشف قبل إلكترون تومسون بسنة، من بحوث في منتصف تسعينيات القرن 19 حول ظاهرة،
أشعة إكس. سنتتبع اكتشافها لأنها قادت إلى الإشعاع، ثم إلى داخل الذرة. مع انتشار أنابيب كروكس، درس الأستاذ الألماني فيلهلم رونتغن ضوءها الغريب،
نحو سنة 1895. ترك بالمصادفة ألواحًا فوتوغرافية غير مكشوفة بجوار الأنبوب، وكانت مغلفة بإحكام يمنع الضوء، الذي يغيرها عادة،
لكنه وجدها ضبابية كأن شيئًا أثر فيها. كرر التجربة بألواح جديدة فظهر البياض دائمًا؛ هناك ما يخترق الغلاف ويؤثر في ألواح كان المعروف أنها حساسة للضوء،
لكن المؤثر غير مرئي. وفي ليلة عاد إلى المختبر المظلم لإطفاء أنبوب نسيه مشغلًا، فرأى ورقة مطلية ببلاتينوسيانيد الباريوم تتوهج،
وهي مادة تتوهج بعد تعرضها لضوء قوي ثم نقلها إلى الظلام. استنتج أن ما أثر في الألواح هو ما يجعلها تتوهج: أشعة أو ضوء غير مرئي،
يتولد من أنبوب كروكس، فسماه أشعة X، رمز المجهول، كما نستخدم «س» بالعربية، ولذلك نسميها السينية. سرعان ما اكتشف قدرتها على اختراق الأجسام والحواجز،
والتأثير في اللوح، وهو ما نستخدمه في الطب لتصوير الجسم باختلاف درجات الاختراق. واكتشف قدرتها على شحن الهواء، أي التأين: حين تفقد الذرة إلكترونًا سالبًا تصبح شحنتها،
موجبة بعد تعادلها. انتشرت أخبار الأشعة التي تكشف ما بداخل الأشياء، وشاعت مخاوف من رؤية ما وراء الملابس، حتى قلق بعض المحافظين من إمكانية رؤية النساء عاريات بها،
لكن العلماء اهتموا بمصدرها. ومنهم الفرنسي هنري بيكريل، الذي ربطها بالنقطة المتوهجة حيث تصطدم أشعة الكاثود بجدار الأنبوب، وتوقع،
أن تصدر أيضًا من مواد تتوهج، لا من الأنبوب وحده. استخدم ملح اليورانيوم الذي يبقى متوهجًا بعض الوقت في الظلام بعد تعرضه للشمس،
وظن أنه قد ينتج أشعة إكس أيضًا. وجد أنه يصدر أشعة غير مرئية تؤثر في الألواح الفوتوغرافية، فاقترب من الاعتقاد بأنها أشعة إكس،
مثل تجربة رونتغن. تشابهت الأشعتان في عدم رؤيتهما، وتأثيرهما في الألواح، والتأين، فكاد يقتنع بأنهما من النوع نفسه،
لكنه لاحظ استمرار إشعاع ملح اليورانيوم طويلًا، بينما تتوقف أشعة إكس بفصل كهرباء أنبوب كروكس. سمعت بهذه الأخبار مدام كوري وزوجها بيير كوري،
وقررت دراسة هذا الإشعاع الذي اتضح اختلافه عن إكس. — نتحدث إذن عن علماء يرصدون ظواهر ستقودهم،
إلى الذرة وداخلها، مع أن الصورة لم تتضح لهم بعد؛ يرون نوعين من الإشعاع، من الأنبوب ومن ملح اليورانيوم، دون تفسير كامل؟ — بالضبط،
درست مدام كوري الإشعاع في الدكتوراه، وسألت إن كان يختص باليورانيوم. اختبرت مواد كثيرة، واكتشفت البولونيوم والراديوم، وكان الراديوم أشد إشعاعًا،
بنحو مليون مرة من اليورانيوم. جعل البلور المحتوي عليه يتوهج؛ نعرف الآن أن الإشعاع يثير الذرات، ثم تطلق ضوءًا عند عودتها إلى حالتها، وإن كنا نسبق التسلسل التاريخي بهذا التفسير،
وكان توهجه يتيح القراءة في غرفة مظلمة. — لكنه يقتلك بينما يضيء لك! — لم تكن أخطاره معروفة. انتشرت أخباره،
وافتتن به الفرنسيون، وظن كثيرون، لجهلهم بمخاطره، أنه صحي ومفيد. استخدموه في تطبيقات غريبة، مثل كريم الوجه،
— تخيل طلاء الوجه بأشد المواد إشعاعًا، ما يسبب التلف والسرطان، وهم يتوقعون نضارة، وربما وجهًا يشع نورًا! سمعت أنهم وضعوه في معجون الأسنان أيضًا. — نعم،
وفي شفرات الحلاقة، وطلت راقصات باليه ملابسهن به للظهور مضيئات على مسرح مظلم. لكن من حول اكتشافات بيكريل والزوجين كوري إلى أداة للبحث كان إرنست،
رذرفورد، الذي درس النشاط الإشعاعي وتجرب به، وميز 3 مكونات للإشعاع الصادر عن هذه المواد. الأول،
كثيف سهل الامتصاص، وسماه ألفا، والثاني أقل كثافة وأكثر اختراقًا، وسماه بيتا، والثالث شديد الاختراق، وسماه غاما. درسها علماء آخرون،
فوجدوا أن ألفا جسيمات موجبة اتضح لاحقًا أنها نوى هيليوم، وبيتا جسيمات سالبة هي إلكترونات، لكنها تصدر من النواة،
لا من الإلكترونات المحيطة بها. — كأن النواة تنقسم؟ — سنصل إلى ذلك؛ هي تطلق جسيمات سالبة. أما غاما فموجات كهرومغناطيسية. شعر رذرفورد أنه يملك الآن أدوات اقتحام الذرة،
فاستخدم جسيمات ألفا الثقيلة نسبيًا قذائف نحو صفيحة ذهب رقيقة جدًا، ووضع مصدرًا مشعًا أمامها،
وأحاطها بكواشف تومض عندما يصيبها جسيم. — أتخيل المصدر يمينًا، والذهب وسطًا، والكواشف خلفه لتعرف ما يمر،
— كانت الكواشف حوله من كل الجهات، لا خلفه فقط. مرت معظم جسيمات ألفا عبر الذهب، فرصد ومضات كثيرة وراءه، واستنتج أن معظم الذرة فراغ،
لأن الجسيمات مرت بسهولة. وانحرف بعضها قليلًا، ما يعني تنافرها مع شحنة داخل الذرة. وبما أن ألفا موجبة، فالشحنة التي تنافرها موجبة أيضًا،
وارتد عدد ضئيل جدًا إلى الخلف، فاستنتج تركز كتلة موجبة في قلب الذرة. — بدأ يتضح شكلها إذن،
أفهم أولًا أن المرور عبر الذهب يعني وجود فراغ كبير، وثانيًا أن بعض جسيمات ألفا الموجبة،
ارتدت كضوء عن مرآة بسبب شحنة موجبة مركزة. هذا يختلف عن الكرة المصمتة التي لا يمر عبرها شيء، وعن نموذج تومسون،
الذي وزع الشحنة الموجبة كلب البرتقالة. وجد رذرفورد أنها مركزة في المركز، وسماه النواة. تشغل جزءًا ضئيلًا، أقل من جزء من مليون مليار من حجم الذرة،
أي نحو 10 أس سالب 15. تخيل الذرة بحجم الأرض والنواة ملعب كرة قدم؛ الفراغ هائل، ومع ذلك تحمل النواة معظم الكتلة،
فكتلة الإلكترون صغيرة جدًا مقارنة بها. اقترح رذرفورد نموذجًا يشبه النظام الشمسي: النواة الموجبة في الوسط،
وحولها الإلكترونات السالبة كالكواكب حول الشمس. رغم نجاحه وتسميته «مقتحم الذرة»، واجه نموذجُه سؤالًا،
بسيطًا: الدوران حركة متسارعة، ووفق كهرومغناطيسية ماكسويل يجب أن تشع الشحنة المتسارعة طاقة، فيفقد الإلكترون جزءًا من طاقته،
ويقترب في مسار حلزوني حتى يصطدم بالنواة. — أتخيل الأرض تدور حول الشمس وتفقد طاقتها، فتقترب تدريجيًا حتى،
يلتحم السالب بالموجب وتنهار الذرة، لكن ذلك لا يحدث. لماذا؟ — تصدى الدنماركي نيلز بور للمشكلة، وكان مهتمًا بنموذج رذرفورد،
واستخدم أفكار الفيزياء الكمية التي أسسها ماكس بلانك نحو سنة 1900، ثم طورها أينشتاين. قال بلانك إن الطاقة الكهرومغناطيسية مكممة، لا متصلة،
— أي يمكن أن تكون 1 أو 2 مثلًا، دون 1.5 بينهما؟ — بصورة مبسطة، نعم. واستخدم أينشتاين الفكرة لتفسير التأثير الكهروضوئي،
وأعطى الضوء صفة جسيمية، بالفوتونات أو كمات الطاقة. استفاد بور واقترح سنة 1913 أن الإلكترونات لا تدور إلا في مدارات محددة، لها طاقات محددة،
فلا تفقد الطاقة باستمرار، بل تطلق أو تكتسب كمية محددة. وفسر بذلك خطوط طيف الهيدروجين؛ حين يثار غازه ثم يعود،
إلى الاستقرار يطلق ألوانًا مميزة. يقفز الإلكترون من مدار إلى آخر ويطلق مقدارًا معينًا من الطاقة بتردد معين. ورغم النجاح،
بقيت أسئلة. — مهندس عيد، أريد فهم الفرق عن رذرفورد: نواة كالشمس وإلكترونات كالكواكب،
فما الذي غيره بور؟ هل تغير الشكل أم بقي؟
— الفرق الرئيسي تحديد المدارات، كقشور البصلة: يدور الإلكترون في قشرة معينة، ولا يكون بين قشرتين. هذا مثال للتوضيح، لكن النموذج،
لم يفسر لماذا تقتصر المدارات على هذه القيم، ولا بعض الخطوط الفرعية في طيف الهيدروجين،
ولا طاقات إلكترونات العناصر الأخرى كالهيليوم. ظلت الأسئلة 11 سنة، حتى اقترح الفرنسي لويس دي برولي سنة 1924،
أن للجسيمات طبيعة موجية، كما للضوء طبيعة جسيمية. كانت معاملة الإلكترون كموجة حاسمة للحصول على نتائج دقيقة،
فأخذ النمساوي إروين شرودنغر الفكرة وطبقها على الهيدروجين، فأجاب عن الأسئلة حول نموذج بور. لم تعد الصورة إلكترونات ككرات صغيرة تدور حول نواة كروية، بل موجة،
— هنا يلتبس الجسيم بالموجة: هل هو كرة كالأرض أم موجة حول الشمس؟ — معالجة الإلكترون موجيًا أجابت عن الأسئلة، لكنها طرحت آخر،
عن طبيعة هذه الموجة: هل تشبه موجة صوت مادية، أم الضوء الكهرومغناطيسي؟ وما علاقتها بالإلكترون؟ أجاب الألماني ماكس بورن،
بأنها تمثل احتمال وجود الإلكترون في الذرة. — لن نتعمق الآن في ميكانيكا الكم، فموضوعنا رحلة الذرة، وقد نعود إليها مستقبلًا أو ضمن أسئلة فيسبوك وتويتر. — وصلنا إلى النموذج الأخير،
بنواة موجبة وإلكترونات حولها، وتحدد موجة شرودنغر احتمالات وجودها بدل مكان ثابت. وحتى تسجيل الحلقة تؤكد التجارب،
تنبؤات النظرية الكمية للذرة. — للتأكد: نواة في الوسط وموجة حولها، لكن المقصود ليس موجة تدور بقدر ما هي احتمال وجود الإلكترون،
هنا أو هناك حول النواة، لا كرة تدور حول كرة؟ — نعم، كأن حول النواة سحابة تمثل وجوده. — سحابة ما دمنا لا نرصدها،
ثم يتغير الأمر عند الرصد! لنتحدث عن ذلك في النهاية. — أما رذرفورد فظل متحمسًا، وبعد الذرة أراد اقتحام النواة نفسها ومعرفة ما بداخلها،
عرف أن الشحنة الموجبة في المركز، لكن ما الذي يحملها؟ نعرف أن الإلكترون يحمل السالبة. — ألم يكتشفوا الإلكترون؟ — نعم. — عفوًا، كنت أفكر في البروتون أو النواة،
لكننا لم نصل بعد إلى البروتون والنيوترون؛ سبقتُ التسلسل وأردت تقسيم البروتون. — لم نعرف بعد مكونات النواة، بل فقط شحنتها الموجبة ومكانها في المركز. هل يحملها جسيم كما يحمل الإلكترون السالبة؟
قرر رذرفورد قصف النواة بجسيمات ألفا كما فعل مع الذرة. أراد كسرها أو اختراقها، رغم أنه لم يعرف بعد البنية الداخلية لألفا نفسها، بل يحاول ضرب شيء بآخر لتفكيكه،
وفشل أولًا مع الذهب، الذي نعرف اليوم أن عدده الذري 79، أي 79 بروتونًا. آنذاك عرفوا فقط أنه ثقيل، وبما أن معظم الكتلة في النواة فهي ثقيلة،
وألفا نواة هيليوم أخف بكثير، فغير الهدف إلى الهيدروجين. لكن لنوضح سبب الفشل مع الذهب،
فشحنته النووية الموجبة الكبيرة تنافر ألفا الموجبة قبل أن تصل إليها، فلم يستطع إخراج النوى،
أما الهيدروجين فأخف وأصغر نواة وأقل شحنة، فاقتربت منه ألفا وصدمته وأخرجت نواته. قاس رذرفورد شحنتها،
وسماها بروتونًا، أي «الأول». شحنته موجبة تساوي شحنة الإلكترون مقدارًا وتعاكسها إشارة. اقترح باستخدام البروتون والإلكترون،
أن العناصر كلها مبنية منهما: نواة الهيدروجين بروتون واحد وحوله إلكترون، وتتكون نواة الهيليوم، بحسب الوصف المطروح آنذاك، من بروتونين وإلكترونين،
والليثيوم 3 بروتونات، حتى اليورانيوم، الأثقل، بـ92 بروتونًا و92 إلكترونًا. يميز عدد البروتونات كل عنصر عن الآخر،
فكل شيء، وفق تلك الصورة، بروتونات وإلكترونات. — لدينا نواة فيها كرات موجبة، واحدة في الهيدروجين،
وإلكترون سالب حولها، وفي العناصر الأخرى بروتونات أكثر وإلكترونات بالعدد نفسه. — لكن النموذج واجه انتكاسة جديدة،
إذ صنع فرانسيس أستون أداة لوزن الذرات بدقة، دون الدخول في تفاصيلها، وأظهرت نتائجه مشكلة في تصور النواة،
فالعناصر غير الهيدروجين أثقل مما يفترضه عدد البروتونات. الهيليوم، ببروتونين، يفترض أن يكون ضعف الهيدروجين، لكنه يزن 4 أمثاله،
والليثيوم المفترض أن يزن 3 أمثاله يزن 6. أدرك رذرفورد أن في النواة شيئًا آخر غير البروتون،
وعمل عليه بجهد. كان رئيس مختبر كافنديش في كامبريدج، من أهم مختبرات العالم، مثل فيرمي ومختبر أوروبي [اسمه غير واضح] اليوم. أشرف على طلبة،
وضغط عليهم بالترغيب والترهيب لاكتشاف الجسيم، وكأنه ديكتاتور من أجل العلم. سخّر إمكاناته طوال 12 سنة، حتى اكتشف تلميذه جيمس تشادويك،
سنة 1932 جسيمًا يقارب البروتون وزنًا، لكنه بلا شحنة، فسماه النيوترون، من معنى الحياد. كان اكتشافًا بالغ الأهمية للفيزياء النووية،
وحل مشكلة الوزن: نواة الهيليوم بروتونان ونيوترونان، فتزن نحو 4 أمثال نواة الهيدروجين ذات البروتون الواحد. تغيرت صورة النواة، وبقيت حولها،
سحابة الإلكترونات. اكتملت العائلة الذرية سنة 1932: 3 مكونات بدل 2، إلكترونات سالبة حول نواة من بروتونات موجبة ونيوترونات،
متعادلة. — ليست كل ذرة، فالهيدروجين نواته بروتون فقط. — هذه الصورة العامة. ولم يدم الرضا طويلًا؛ وفق القوانين المعروفة آنذاك يفترض أن تدمر النواة نفسها،
لأن بروتوناتها الموجبة تتنافر. ما الذي يمسكها معًا، بصرف النظر عن النيوترونات؟ لا بد من تفسير، وإلا تنافرت،
وانهارت النواة، وهذا لا يحدث. ما الذي يجعل البروتونات والنيوترونات تلتصق؟ وصلنا إلى نهاية الجزء الأول مع المهندس عيد العجمي. سأطرح الجزء الثاني خلال اليومين القادمين، لتكتمل الرحلة مع الذرة عبر الزمن.
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


