نص مفرّغ من التسجيل الصوتي ومحرّر للقراءة. يمكنك الرجوع إلى الصوت عبر علامات الوقت.
12 مواضع تحتاج مراجعة التسجيل
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
- توجد عبارة أو قيمة غير مؤكدة في هذا الموضع؛ يُرجى مقارنتها بالتسجيل.
أنا محمد قاسم، وأهلًا وسهلًا بكم في سايوير بودكاست. نكمل «رحلة مع الذرة عبر الزمن» في جزئها الثاني مع المهندس عيد العجمي. ونبدأ من السؤال الذي طرحه في نهاية الحلقة الماضية: ما الذي يمسك البروتونات داخل النواة؟
لا بد من تفسير آخر، لأن القوانين المعروفة عند وضع هذا النموذج تقول إن البروتونات يجب أن تتنافر وتدمر النواة ذاتيًا، وهذا لا يحدث. فما الذي يجعل البروتونات والنيوترونات متماسكة داخل النواة؟ بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من سايوير بودكاست.
تقدم شبكة أبو نواف مواد ترفيهية وأخرى هادفة. ولحرصها على تقديم مواد مفيدة وبناءة، تقدم سايوير بودكاست ضمن باقتها المتنوعة ليصل إلى أكبر عدد من المستمعين في العالم العربي. كانت الإجابة عن السؤال ثورية بقدر السؤال نفسه: هناك قوة جديدة في الطبيعة،
بخلاف الجاذبية والكهرومغناطيسية، تعمل داخل النواة وتحافظ على تماسك محتوياتها. سميت القوة النووية القوية. تعمل بين البروتونات والنيوترونات جميعًا، ولا تميز بينها بحسب الشحنة. والغريب أن مداها قصير جدًا، يقتصر على أبعاد النواة، ولا تأثير لها خارجها.
تمسك هذه القوة البروتونات والنيوترونات معًا وتمنع تفلتها من النواة. ورغم محدودية مداها، فإنها شديدة جدًا؛ هي أقوى قوة في الكون بلا منافس، وأقوى من الجاذبية بأكثر من تريليون تريليون تريليون مرة. تخيل أنك تنجذب إلى الأرض، لا بقوة الجاذبية،
بل بالقوة النووية القوية؛ ستبدو حينها كأنك تزن أكثر من المجرة بأكملها. هذا يوضح الفارق الهائل بين القوتين. باكتشاف القوة النووية القوية بدأ العلماء يفهمون ما يحدث داخل النواة الذرية، وأن الظواهر النووية ترتبط
بالتوازن بينها وبين القوة الكهرومغناطيسية: الأولى تمسك البروتونات والنيوترونات معًا، والثانية تباعد البروتونات عن بعضها. النواة إذن ساحة معركة بين القوتين. وقد فسرت هذه المعركة كثيرًا من الأسئلة، وربما من أقدمها: كيف تنتج الشمس طاقتها؟ بسبب
الحرارة العالية والضغط الشديد في قلب الشمس، تتغلب القوة النووية على القوة الكهرومغناطيسية، وتندمج نواتا هيدروجين لتصبحا نواة هيليوم. دعني أسأل لتتضح الصورة: عندما كان رذرفورد، أو بور، لا أذكر أيهما ذكرت، يقذف نوى الهيليوم... رذرفورد، كان يقذفها على الذهب؟
كانت جسيمات ألفا تقترب من نواة الذهب، ثم ترتد بسبب التنافر بين الشحنات، صحيح؟ هذه موجبة وتلك موجبة، فتدفع إحداهما الأخرى. لكن المشكلة أن جسيمات ألفا لا تملك القوة الكافية للاقتراب من نواة الذهب بالقدر اللازم
لتتغلب القوة النووية القوية التي تمسك النواة على تنافر الشحنات؛ فهي لا تقترب بما يكفي. أما في الشمس، فبسبب الانفجارات وقوتها تقترب الأنوية من بعضها إلى حد تصبح فيه القوة النووية القوية
هي الغالبة على تنافر الشحنات، أليس كذلك؟ نعم، كلامك صحيح 100%. بسبب الحرارة والضغط العاليين تندمج نواتان من الهيدروجين وتصبحان نواة واحدة من الهيليوم، ويصاحب ذلك إطلاق طاقة عالية في صورة ضوء وحرارة. وتسمى هذه العملية الاندماج النووي.
يتضح الآن أن القوتين تتنافسان على السيطرة على نوى العناصر. ومن التجارب المثيرة تجربة العالم الألماني أوتو هان، الذي قذف ذرات اليورانيوم بالنيوترونات. فقد كانت النيوترونات قد اكتُشفت، وأصبح بالإمكان استخدامها لقذف ذرات
اليورانيوم. لماذا النيوترونات؟ لأنها لا تحمل شحنة، فلا توجد هذه المشكلة عند اصطدامها بنواة اليورانيوم الثقيلة أصلًا. وجد هان أن نواة اليورانيوم، بعد قذفها بالنيوترونات، انشطرت إلى نصفين وتحولت إلى عنصر أخف هو الباريوم. هذا عكس ما يحدث في الشمس، حيث ذرتان من عنصر خفيف
تندمجان لتكوين عنصر أثقل، بينما تنشطر ذرة اليورانيوم إلى ذرتين من عنصر أخف. وصاحَب هذا التحول من اليورانيوم إلى الباريوم إطلاق طاقة عالية جدًا. انشطرت نواة اليورانيوم الضخمة لأن القوة النووية القوية خسرت معركتها للحفاظ على تماسك النواة،
فمزقتها القوة الكهرومغناطيسية، وانطلقت الطاقة التي ذكرناها. تخيل أن الطاقة الناتجة من انشطار ذرة يورانيوم واحدة كانت كافية لتحريك حبة رمل. وحبة الرمل التي نعرفها تحتوي على تريليونات من الذرات.
لتبسيط المقارنة، كأنك أخرجت القمر من مداره بقذفه بكرة قدم. طاقة ذرة يورانيوم صغيرة تحرك حبة رمل فيها تريليونات من الذرات؛ تخيل أنني أركل كرة قدم نحو القمر، فأحركه وأخرجه من مداره. إنها مقارنة في النسب. فما بالك بالطاقة
التي تنتج من تريليونات ذرات اليورانيوم؟ وضعت هذه التجربة أسس الانشطار الذري، الذي أدى بدوره إلى صنع القنبلة الذرية المستخدمة في الحرب العالمية الثانية على هيروشيما وناغازاكي. وقد اتضح مقدار الطاقة والدمار الناتجين. بعد تجارب الاندماج والانشطار النووي وقياساتهما، ترسخت لدى العلماء فكرة عن استقرار
الأنوية الذرية أو عدم استقرارها. لماذا بعض العناصر مستقرة وأخرى غير مستقرة؟ إنه نتيجة مباشرة للتنافس بين القوة النووية القوية، التي تجمع مكونات النواة، والقوة الكهرومغناطيسية، التي تفرقها. في العناصر الخفيفة تكون القوة النووية القوية أكبر من الكهرومغناطيسية، فتميل ذراتها إلى الاندماج،
لأن أمام القوة النووية مجالًا لضم المزيد، ولا تمنعها القوة الكهرومغناطيسية في حالة الذرات الخفيفة. أما في العناصر الثقيلة فتكون القوة الكهرومغناطيسية أكبر، فتميل ذراتها إلى الانشطار. درس العلماء القوتين بدقة في معظم العناصر، ووجدوا أن أكثر العناصر استقرارًا في الطبيعة
هو الحديد، لأن القوتين تتساويان فيه تمامًا؛ فلا يميل إلى الاندماج ولا إلى الانشطار، ويكون شديد الاستقرار. لذلك تحاول العناصر جميعًا أن تصبح مستقرة كالحديد: تندمج الذرات الخفيفة، وتنشطر الذرات الثقيلة، لتصبح
مستقرة مثله. ومعدل الانشطار يختلف من مادة لأخرى؛ فاليورانيوم مثلًا ينشطر بكثرة بحسب عمر النصف للتحلل. لن ندخل في تفاصيل ذلك الآن، لكن المعدل يختلف بين المواد. والعناصر الثقيلة تميل إلى الانشطار، والخفيفة إلى الاندماج. وقد وجد العلماء علاقة بين استقرار المادة ومدى انتشارها في الكون.
وجدوا أن ذرات الحديد، وهي الأكثر استقرارًا، من أكثر الذرات شيوعًا في الكون، وأن كميتها تزداد باستمرار. فلو قست كمية الحديد بعد مليون سنة أو مليار سنة، ستجد أنها زادت، لأن المواد الخفيفة
تندمج، والمواد الثقيلة تنشطر، لتصبح كالحديد. لذلك فهو منتشر وكميته تتزايد. وفي المقابل، وجدوا أن الراديوم، وهو شديد عدم الاستقرار، نادر في الكون. ومع مرور الزمن تختفي هذه المواد بانشطارها.
أما الألمنيوم، الذي يتمتع باستقرار نسبي، فهو شائع نسبيًا. نعرف إلى هنا أن الهيدروجين أول مادة تكونت في الكون، وأن الهيليوم تكون باندماج ذرات الهيدروجين. لكن كيف تكونت العناصر الأثقل من الهيليوم؟ أول من حاول الإجابة عالم إنجليزي اسمه فريد هويل.
اقترح أن العناصر الأخرى تتكون أيضًا بالاندماج النووي تحت حرارة وضغط شديدين لا يتوفران إلا في النجوم. وبعد حساب حرارة الشمس وضغطها، وجد أنها حارة بما يكفي لدمج الذرات وتكوين الأكسجين والكربون والنيتروجين أيضًا. فالشمس تتكون تقريبًا من 25% هيليوم و70% هيدروجين،
ونسبة بسيطة من مواد أخرى. لكن لم يكن هناك تفسير لتكون العناصر الأثقل من الأكسجين والكربون والنيتروجين، مثل النحاس والزنك والحديد. كيف تكونت؟ ألا تتكون في النجوم؟ ليس في الشمس، على الأقل ليس في شمس مجموعتنا الشمسية؛ إنها تحتاج إلى حرارة وضغط أشد مما توفره
شمس بحجم شمسنا. وبعد الحسابات والبحث في نجوم الكون، وجد أن النحاس والزنك يتكونان في نجوم تسمى العمالقة الحمراء: نجوم ضخمة تقترب من نهاية حياتها. في هذه المرحلة تكون الحرارة والضغط شديدين بما يكفي لدمج الذرات وتكوين
عناصر ثقيلة كالنحاس والزنك والحديد. لحظة، لدي سؤال: من أين أتى النحاس الموجود على الأرض؟ من الكون، وليس من الشمس. هل هو غبار كوني تجمع تدريجيًا، وجزء بسيط منه نحاس، والغالبية...؟ لا، عفوًا؛ المجموعة الشمسية نفسها لم تتكون من ذاتها، بل من المجرة، من غبار المجرة،
لكن هذا الغبار كان خليطًا من انفجارات نجوم مختلفة أكبر حجمًا، موجودة في المجرة، في قلبها، بينما نحن على أطراف المجرة. إذن المواد الثقيلة كلها، مثل النحاس، جاءت من الخارج، عدا المواد التي ذكرتها مما يمكن أن يتكون في الشمس؟ واليورانيوم أيضًا؟ نعم، كلها من الخارج.
كنت أظنها إنتاجًا محليًا! لا، ليس لدينا مصنع قادر على تكوين هذه الذرات؛ تحتاج إلى ضغط وحرارة عاليين، وهذه المصانع موجودة في شموس أخرى. كانت العمالقة الحمراء قادرة على تكوين النحاس والزنك والحديد، لكنها ليست ساخنة بما يكفي لصنع الذرات الثقيلة جدًا، كالذهب واليورانيوم.
وبعد حسابات مكثفة، اكتشف فريد هويل أن الذهب واليورانيوم تكونا في انفجارات أشد، وبحرارة وضغط أكبر مما يوجد في العمالقة الحمراء. إنها انفجارات السوبرنوفا، أي انفجار النجوم الضخمة. وفي لحظة الانفجار
تتوفر الحرارة والضغط العاليان اللازمان لإنتاج العناصر الثقيلة. إذن الذهب الموجود على الأرض أتى أيضًا من انفجارات خارج المجموعة الشمسية؟ نعم، لا يوجد في المجموعة الشمسية ما يكوّن هذه العناصر؛ الشمس بالكاد قادرة على إنتاج الهيليوم والأكسجين كحد أقصى. وهكذا استطاع
فريد هويل تفسير تكون معظم العناصر، لكن بقيت معضلة لم يفسرها: كيف تكون الهيدروجين نفسه؟ وكان هناك سؤال آخر... عفوًا، ما المقصود بتكون الهيدروجين؟ فهو بروتون وإلكترون. نعم، كيف تكون؟ نحن نعود إلى الأصول، إلى أصل الهيدروجين، وهذا سيصل بنا إلى تكون الكون نفسه.
من خلال هذا الجزء الصغير من الكون، الذرة، دخل الفيزيائيون في أكبر نقاش علمي بعد الحرب العالمية الثانية حول تكون الهيدروجين. وكان في قلب النقاش فريد هويل والعالم الأوكراني جورج غاموف. حاول كلاهما الإجابة، واقترح غاموف أن الكون كان مضغوطًا في نقطة صغيرة جدًا،
ثم وقع انفجار كوني عظيم، هو ما نسميه الانفجار العظيم، وتكونت ذرات الهيدروجين في لحظاته الأولى. لم يقبل فريد هويل الفكرة؛ فالانفجار يعني لحظة خلق، ولأنه كان ملحدًا رفض النظرية رفضًا قاطعًا وهاجم غاموف في المؤتمرات العلمية. وانتظر المجتمع الفيزيائي حتى عام 1965
ليعرف أيهما أصح: هويل أم غاموف. في 1965 اكتشف العالمان الأمريكيان أرنو بنزياس وروبرت ويلسون إشعاع الخلفية الكونية. هذه الأشعة، وهي موجات ميكروويف، كان غاموف قد تنبأ بها من حساباته؛ توقع أنه إذا وقع الانفجار العظيم،
فلا بد من وجود موجات ميكروويف قادمة من الكون في هذا الوقت. كان توقعه في سنة 48، واكتُشفت الأشعة في سنة 65. وبين تحليلها أنها ليست إلا صدى الانفجار العظيم. انتقلنا إذن من الذرة إلى فهم تكون الكون. تخيل أن معرفة هذا الجسم الصغير
مقارنة بالكون مكنتنا من فهم تكون الكون الهائل. لفهم هذه الضخامة، عليك أن تذهب إلى أصغر وحداته؛ ففيها يكمن السر. لنعد الآن إلى سنة 1932، حين توصل العلماء إلى أن كل ما في الكون مكون من 3 جسيمات أولية: الإلكترون السالب، والبروتون الموجب،
والنيوترون المتعادل. في العام نفسه، ومن مراقبة الأشعة الكونية التي تصل الأرض من الفضاء، اكتشف أحد العلماء جسيمًا كتلته مساوية تمامًا لكتلة الإلكترون، لكن شحنته موجبة. هنا بدأ خلل يظهر في التصور القائل إن الكون لا يحتوي إلا على الإلكترون والبروتون والنيوترون.
ظهر جسيم آخر، الإلكترون الموجب، الذي نسميه البوزيترون أو ضديد الإلكترون. وكان الفيزيائي بول ديراك قد تنبأ نظريًا بالمادة المضادة؛ فقد أكدت نظرياته في ميكانيكا الكم أن لكل جسيم ضديدًا. فتقبل العلماء البوزيترون، وقالوا إن هناك 3 جسيمات ولها
ضديدات: للإلكترون ضديد موجب الشحنة هو البوزيترون، وللبروتون مضاد البروتون، وللنيوترون مضاد النيوترون. ارتاحوا لهذا التصور لما فيه من تناظر: 3 جسيمات تقابلها 3 جسيمات من المادة المضادة، بعكس الإشارة.
حتى النيوترون له مضاد؟ نعم، وسنعرف لاحقًا لماذا يوجد مضاد للنيوترون. كان العلماء مرتاحين لهذا التصور، لكن بعد سنوات اكتُشفت جسيمات عديدة: الميون، والبيون، والتاو، والكاون، واللامبدا، و[اسم جسيم غير واضح]، والسيغما، والأوميغا.
وجد العلماء أنفسهم في حديقة من الجسيمات. كانوا سعداء بتصور الكون المؤلف من 3 جسيمات، وكأنهم قد فسروه، ثم ظهرت هذه الحديقة. وفي سنة اكتُشف فيها عدد كبير منها، قال أحد الفيزيائيين ساخرًا:
«جائزة نوبل هذه السنة ستُمنح للعالم الذي لم يكتشف جسيمًا جديدًا!» فقد كان اكتشاف جسيم يعني الحصول على نوبل، والآن صار العكس. مُنحت الجائزة عن اكتشاف الإلكترون، وعن اكتشاف البروتون، وحصل تشادويك عليها لاكتشاف النيوترون. كان اكتشاف جسيم يُعد
إنجازًا بالغ الأهمية يستحق نوبل، لكن الوضع تغير مع كثرة الجسيمات. وأظهر ذلك ضآلة معرفتنا بأسرار الطبيعة، فحاول العلماء حل هذه المعضلة. ومن الذين كرسوا جهدهم لتفسيرها الفيزيائي
موري غيلمان. اقترح في 1964 أن للبروتون والنيوترون بنية داخلية، وأنهما ليسا مجرد جسيمين مصمتين. سندخل إذن إلى البروتون ونجزئه أيضًا. وضع نظرية تقول إن داخلهما جسيمات جديدة سماها الكواركات.
اقترح 3 كواركات: الأعلى، والأسفل، والغريب. ثم اقترح علماء آخرون 3 أنواع أخرى لتفسير مزيد من الظواهر: كوارك الفتنة، وكوارك القمة، وكوارك القاع. فأصبح لدينا 6 كواركات.
هل توجد كلها داخل البروتون؟ لا، للبروتون والنيوترون كواركات معينة سأذكرها، وللجسيمات الأخرى كواركات أخرى. كانت الفكرة نظرية، ثم أكدت التجارب وجود الأنواع الستة جميعًا. وآخر ما اكتُشف منها، في عام 1994، هو كوارك القمة.
وليس كوارك الفتنة، لأن هذا ليس كواركًا! [المقصود بالتعليق غير واضح]. التصور الآن أن الجسيمات غير الأولية تتكون من كواركات. فالبروتون مثلًا يتكون من كواركين أعلى وكوارك أسفل. شحنة الكوارك الأعلى موجبة وتساوي ثلثين؛ فقد وجدوا أن الشحنة التي كانوا يعدونها وحدة أساسية يمكن تجزئتها.
شحنة الكوارك الأعلى موجب ثلثين، وشحنة الأسفل سالب ثلث. جمع كواركين أعلى وكوارك أسفل يعطي: موجب ثلثين، وموجب ثلثين، وسالب ثلث؛ النتيجة موجب 1، وهي شحنة البروتون. أما النيوترون فمن كواركين أسفل وكوارك أعلى. نجمع سالب ثلث وسالب ثلث وموجب ثلثين، فما النتيجة؟
يتعادل كهربائيًا. وهكذا تتكون الجسيمات غير الأولية من تراكيب معينة من الكواركات. دعني أراجع الصورة: لدينا إلكترونات تدور حول النواة، أو بالأحرى لا تدور، بل توجد في سحابة احتمالية حولها. وفي النواة بروتونات ونيوترونات نتصورها كأنها كرات.
وداخل البروتونات والنيوترونات كواركات، من أنواعها الستة؟ في كل بروتون أو نيوترون 3 كواركات، لكن بعض الجسيمات الأخرى قد يحتوي على كواركين. والإلكترون، هل يتكون من كواركات؟ لا، هو جسيم أولي. وصل العلماء بهذا إلى ما يسمى النموذج القياسي.
يبين النموذج القياسي الجسيمات الأولية كلها، وما عداها تركيب منها. فيه 6 كواركات: الأعلى، والأسفل، والفتنة، والغريب، والقمة، والقاع. وهناك اللبتونات: الإلكترون، والميون، وهو جسيم أولي أيضًا أكبر من الإلكترون كتلةً،
وله الشحنة نفسها، والتاو، وهو أكبر كتلةً من الإلكترون والميون وشحنته سالبة. ولا نعرف حاليًا مكونات أصغر من هذه. وإلى جانب الإلكترون والميون والتاو، يوجد النيوترينو، وله 3 أنواع؛ منها نيوترينو الإلكترون. فعند انحلال
الجسيمات إلى جسيمات أخرى، إذا خرج إلكترون يخرج معه نيوترينو يسمى نيوترينو الإلكترون، وإذا تكون ميون يخرج معه نيوترينو الميون. وهذا هو المستخدم في التجربة الشهيرة التي حدثت قبل أسابيع،
والتي أُعلن فيها أنه أسرع من الضوء. سنعود إليها في أسئلة نهاية الحلقة. نعم، المستخدم تحديدًا هو نيوترينو الميون. إذن لدينا 6 كواركات و6 لبتونات، وتقابلها مادة مضادة؛ لكل جسيم ذكرناه ضديد. لكوارك القمة مضاد، وللكوارك الأعلى مضاد، وللإلكترون مضاد
هو البوزيترون، وللميون مضاد، وهكذا. اسمح لي أن أخرج قليلًا عن الموضوع: تحدثت من قبل عن الأكوان الموازية، وبعض الأفكار تقول إنه قد توجد مجرة أخرى مكونة من الجسيمات المضادة. وقد يوجد فيها عيد العجمي مضاد لعيد الذي نعرفه،
في الطرف الآخر من الكون؟ نعم، قد يكون، لا نعرف، لكن رصد الكون بين أن المادة هي الغالبة فيه. وسنحاول في النهاية الحديث عن سبب
اندثار المادة المضادة وندرتها. أي لا يوجد مضاد لمحمد قاسم أو عيد العجمي؟ السؤال أن لا شيء يميز المادة عن المادة المضادة من حيث المبدأ، سوى تعاكس الشحنة. فقد يوجد مجتمع على كوكب آخر يعد ما نسميه مادةً مادةً مضادة، وما نسميه مادةً مضادة يعده مادة.
وصلنا إلى النموذج القياسي للجسيمات. وبالإضافة إلى الجسيمات الأولية، توجد 4 قوى تحكم تفاعلها: القوة الكهرومغناطيسية، وحاملها الفوتون؛ والقوة النووية الضعيفة، وتحملها جسيمات دبليو؛
والقوة النووية القوية، وحاملها [اسم غير واضح]. هي جسيمات، أو ليست جسيمات بل الوحدة الأساسية لهذه القوة، كما يوضح المتحدث. واسمها يوحي بالصمغ الذي يربط الجسيمات معًا.
والقوة الرابعة، التي لم أذكرها بعد، هي الجاذبية. لكن قبلها أود توضيح غرابة القوة النووية القوية: فهي تتعامل مع شحنات غير الكهربائية التي نعرفها، تسمى الشحنات اللونية، وعددها 3: الحمراء، والخضراء، والزرقاء.
وهذا مما يميزها. كذلك فإن سلوكها معاكس للقوى الأخرى؛ فالقوى الأخرى تقل مع زيادة المسافة بين الجسيمات، بينما تقل القوة النووية القوية عند اقترابها، وتزيد عند محاولة إبعادها. لنفترض إذن أنني أمسك بروتونين بيدي،
وأسحبهما بعيدًا عن بعضهما؛ كلما زادت المسافة زادت القوة وأعادتهما إلى موضعهما. وعندما يتقاربان، عند أبعاد «10 أو 15» [القيمة غير واضحة]، تكون القوة ضعيفة جدًا، لكنها تشتد كثيرًا عند سحبهما. يشبه ذلك نظام الهيدروليك في بعض السيارات الذي يقاومك حين تضغط عليه. فكلما زادت المسافة
زادت القوة حتى تبلغ ذروتها، وبعد ذلك يمكن أن تتحرر الجسيمات من بعضها، بشرط توفر طاقة كبيرة جدًا تتغلب على القوة النووية. أما القوة الرابعة فهي الجاذبية، وحاملها الغرافيتون،
الذي لم يُكتشف بعد، بل هو نظري. [عبارة غير واضحة عن علاقته بالجاذبية]. نسيت أن أسأل: ما الذي يمسك الكواركات في الداخل؟ القوة النووية؛ هي التي تمسك البروتونات والكواركات والنيوترونات. وبالنسبة للجاذبية، لم يُكتشف حاملها المفترض، الغرافيتون. توقعه العلماء بسبب التناظر، إذ لكل قوة أخرى حامل،
فتوقعوا حاملًا للجاذبية أيضًا. مع أن هناك نظريات تقول إن الجاذبية ليست قوة أساسًا، بل انحناء في الزمكان. وأود ذكر جسيمات نظرية أخرى لم تُكتشف بعد، منها بوزون هيغز؛ بحسب النظريات المطروحة قد يكون موجودًا وقد لا يكون.
كذلك يبقى السؤال عما تتكون منه المادة المظلمة. وجدوا أنها موجودة في الكون، لكنهم لا يعرفون طبيعتها أو مكوناتها. وصلنا إلى نهاية رحلة الذرة، من الفلاسفة اليونانيين إلى وقتنا هذا، وحاولنا أن نستعرض
تطور تصورنا للذرة حتى وصلنا إلى الجسيمات الأساسية المكونة للكون. بدأنا باعتقاد أن الذرة هي المكون الأساسي الذي لا ينقسم، ثم وجدنا أن الأمر أعمق: هناك جسيمات تكون النواة في قلب الذرة، والجسيمات الموجودة في
النواة نفسها، أي البروتونات والنيوترونات، تتكون بدورها من جسيمات. وهذه الجسيمات الأولية هي ما يكون الكون. لننتقل إلى أسئلة فيسبوك وتويتر. سأبدأ بما يبدو أنه يحظى بأكبر قدر من الاهتمام: النيوترينو الذي قيل إنه
أسرع من الضوء. وصلنا سؤال من حسين في الرياض، بالسعودية: هل صحيح، من وجهة نظر المهندس، أن الإلكترون والبروتون أسرع من الضوء، بحسب التجارب الأخيرة؟ المقصود ليس الإلكترون والبروتون؛ التجربة أُجريت على النيوترينو، ونتائجها تبدو كأنها توحي بأنه أسرع من الضوء، بفارق 60 نانوثانية.
فما جوابك؟ ماذا حدث؟ لست في موقع يسمح لي بإبداء رأي في عمل هؤلاء؛ إنهم علماء كبار يجرون تجارب تكلف مليارات. نريد أن نسمع قراءتك للتجربة. سأحاول شرحها: أُجريت في مختبرات غران ساسو بإيطاليا،
حيث توجد كاشفات أوبرا القادرة على قياس النيوترينو. ببساطة، أُطلقت نيوترينوات من مختبرات سيرن في جنيف إلى غران ساسو، عبر القشرة الأرضية. ذكرنا قبل قليل أن البروتونات تخترق الذهب؛
أما النيوترينوات فتخترق كل شيء تقريبًا. تخيل رصاصة تمر في الضباب؛ هل تتأثر؟ أُطلقت النيوترينوات من جنيف إلى إيطاليا، لمسافة 730 كيلومترًا. كان العلماء دقيقين في كل شيء، فحسبوا المسافة؛ لمعرفة سرعة النيوترينو تحتاج ببساطة إلى معرفة المسافة
والزمن الذي يستغرقه للوصول إلى الطرف الآخر، ثم تقسم المسافة على الزمن. هذا ما فعلوه، لكن بدقة عالية جدًا: حسبوا مسافة 730 كيلومترًا بهامش خطأ مقداره 20 سنتيمترًا زيادة أو نقصانًا.
أي زائد أو ناقص 20 سنتيمترًا. ووضعوا ساعات ذرية في سيرن وغران ساسو، وزامنوها باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي، لأن تزامن النقطتين ضروري لمعرفة زمن الوصول. كرروا التجربة طوال 3 سنوات: 2009،
و2010 و2011، وأجروا نحو 16 ألف عملية إطلاق. وبعد تحليل البيانات إحصائيًا وجدوا أن النيوترينو وصل أبكر من المتوقع بـ60 نانوثانية، أي 60 جزءًا من مليار من الثانية، وأنه أسرع من الضوء بـ25 جزءًا من مليون.
حاول العلماء بكل ما استطاعوا البحث عن خطأ قد يكون أثر في النتيجة وجعل النيوترينو يبدو أسرع من الضوء. وبحسب علمي، لم يجدوا خطأ، أو على الأقل غالبيتهم لم يجدوه. شارك في التجربة أكثر من 170
شخصًا. رأيت معك أسماء الباحثين في الورقة العلمية؛ كان الخبر مذهلًا، والجميع يريد ظهور اسمه معه. لكن ليس الجميع وضع اسمه؛ بعضهم عارض النشر، قائلًا: نحن نطعن في ركيزة من ركائز العلم،
فلنتأكد أكثر ولنأخذ وقتنا. خصوصًا أن غيرنا لا يستطيع إجراء هذه التجربة ليسبقنا إلى الاكتشاف. لنجرب أكثر، فربما أغفلنا أمرًا لم يخطر ببالنا. اختلفوا إذن حول النشر، فقال المتحدث باسم المجموعة:
لنصوت على النشر أو عدمه. وبسبب المعارضة الشديدة، اقترح حلًا أخف: نشر البحث أولًا في مجلة أرشيفية غير محكمة، تقبل الأبحاث التي ما زالت قيد العمل، لرؤية ردود الفعل، ثم إجراء مزيد من التجارب ومحاولة نشره في
مجلة علمية محكمة. وحتى الآن لم يُنشر في مجلة محكمة، لأن احتمال رفضه كبير جدًا [عبارة غير واضحة عن مدى التأكد]، لمخالفته القوانين المعروفة. قُبل الاقتراح بالأغلبية، وتُرك لكل عضو أن يوقع باسمه أو يمتنع. ومن 170 شخصًا، وقع نحو 160،
وامتنع 10 حتى عن النشر الأرشيفي، لاعتقادهم أن هناك شيئًا لم يأخذوه في الاعتبار. وماذا حدث بعدها؟ هل رد علماء على الموضوع؟ نعم، نُشر خلال أسبوع واحد أكثر من 70 بحثًا في تلك المجلة الأرشيفية ردًا على
التجربة. يقول أحد العلماء إنه حتى لو صحت النتائج وأكدوا أن النيوترينو أسرع من الضوء، فهذا يخالف تجارب وقياسات سابقة على انفجارات السوبرنوفا التي تطلق نيوترينوات. فبحسابات معينة، تتعارض النتيجة مع قياسات أُجريت في التسعينيات.
هناك نقاش، لكن الاتفاق العام أن التجربة قوية إلى حد ما، وأخذت تقريبًا كل شيء في الاعتبار، وأنها مقنعة نسبيًا. وما يمنع المجتمع الفيزيائي من قبولها
أنها تطعن في ركيزة أساسية. فاكتشافات الجسيمات والكواركات التي تحدثنا عنها بُنيت مع أخذ النظرية النسبية في الاعتبار. ماذا يعني أن تكون النيوترينوات أسرع من الضوء؟ هل عادت في الزمن وفق نظرية أينشتاين مثلًا؟ إذا قبلنا صحة التجربة وسرعتها الأعلى من الضوء، فهناك أكثر من تفسير؛ الأول
أنها ربما عادت في الزمن؛ كان يفترض وصولها في وقت معين، لكنها عادت إلى وقت سابق فوصلت مبكرًا. وتفسير آخر يقول إن النيوترينو ربما مر ببعد آخر، واختصر المسافة، فوصل في زمن أقل لأن المسافة كانت أقصر.
هذه تفسيرات مطروحة، لكن وفق النظرية النسبية لا يمكن لشيء تجاوز سرعة الضوء. أعلم أنك لا تحب أن يقال إن نظرية أينشتاين انكسرت! لكن العودة في الزمن والأبعاد الأخرى أفكار لم تُثبت أبدًا. لنأخذ الآن سؤالًا آخر،
من سيف في الإمارات عبر تويتر: هل نواة الذرة دائمًا قطعة واحدة متراصة، أم توجد فيها فراغات كالفراغ بين النواة والإلكترونات؟ كما قلنا، تمسك القوة النووية القوية البروتونات والنيوترونات وتضمها إلى بعضها. فهل بينها فراغ؟
نعم، لكنه صغير جدًا، بحيث لا يمكن أن يمر فيه شيء. نتحدث عن حجم للنواة من رتبة 10 أس سالب 15، فالفراغات أصغر من ذلك بكثير. أما الفراغ بين النواة والإلكترون فشاسع نسبيًا. وجود الفراغات داخل النواة مرتبط بخاصية القوة النووية القوية؛
فهي تقل كلما اقتربت الجسيمات. لذلك نتوقع أنها ليست ملتصقة تمامًا، بل تفصل بينها مسافات متناهية الصغر. لدينا عمار من مصر يسأل: هل يمكن تجزئة الإلكترون؟ ولماذا لا يمكن تحديد مكانه وسرعته في وقت واحد؟
هذا سؤال مركب: جزء سهل الإجابة، وآخر حير العلماء. أولًا، لا يمكن تجزئة الإلكترون، بحسب النظريات والتجارب المتاحة حتى الآن؛ إنه جسيم أولي. أما تحديد مكانه وسرعته معًا، فهذه إحدى غرائب النظرية الكمية: لا يمكن تحديد سرعة
الإلكترون ومكانه في الوقت نفسه بسبب طبيعته الموجية. عندما لا تنظر إليه فهو موجة، وبمجرد قياسه أو النظر إليه يتصرف كجسيم. قد تسأل: كيف عرف العلماء أنه موجة إذا لم ينظروا إليه؟ ما الذي يجعلهم متأكدين؟ سأحاول شرح تجربة الشقين التي
قادت إلى هذا الاستنتاج، بأبسط صورة ممكنة. تخيل مجموعة فئران أمام نفقين صغيرين طول كل منهما، لنقل، 5 سنتيمترات. إذا دخل الفأر النفق الأول رُش عليه لون أحمر، وإذا دخل الثاني رُش عليه لون أخضر. دع الفئران تدخل النفقين،
ثم انتقل إلى الطرف الآخر. المرور في النفق باتجاه واحد، ولا يمكن الرجوع. تجد أن كل الفئران خرجت ملطخة بالأحمر والأخضر معًا! وهذا لا يبدو ممكنًا؛ دخول نفق واحد يفترض أن يعطي لونًا واحدًا، أحمر أو أخضر. لكنها خرجت باللونين.
قد تقول إن الفئران احتكت ببعضها عند الخروج، فنقل الأحمر لونه إلى الأخضر والعكس. فتجري تجربة أخرى تمنع ذلك: تمرر الفئران واحدًا واحدًا، الأول ثم الثاني. ومع ذلك، عندما تنظر في الجهة الأخرى، تجدها ملطخة
باللونين. هذا الفأر لم يحتك بغيره، فمن أين جاء اللون الثاني؟ هل مر من الشقين في الوقت نفسه؟ تحتار، وتركب كاميرات في النفقين لتعرف من أين مر كل فأر. تمررها مجموعة أو واحدًا واحدًا، ثم تراقب ما يحدث في الطرف الآخر.
يتغير الوضع: لكل فأر لون واحد، إما الأحمر أو الأخضر. تندهش، فتزيل الكاميرات وتعيد التجربة، فتعود الفئران ملطخة باللونين. أريد أن أضعك يا دكتور محمد أمام هذه المعضلة: ما استنتاجك؟ فكر فيها؛ هذا ما واجهه العلماء مع كون الإلكترون
جسيمًا أو موجة. ولماذا لا؟ بالطبع، لا ينقسم الفأر نصفين ليمر من الشقين. وهناك سؤال مكمل من مراد، لم أستطع قراءة اسمه الثاني: كيف يؤثر وعي المراقب على الإلكترون؟ ووضع مجسات تراقب الفئران جزء من إجابتك عن سؤاله.
تخيل أنك أجريت التجربة وأصبحت في موضع العلماء؛ ما استنتاجك؟ أستنتج أن الفئران تتأثر بالمراقبة وتغير سلوكها حين نراقبها. وكيف تفسر اللونين؟ ما دامت لا تستطيع الرجوع من الشق، فتلطخها باللونين يوحي بأنها مرت من الشقين
في الوقت نفسه. وهذا الاستنتاج الذي تقود إليه التجربة. في تجربة الشقين تُرسل إلكترونات نحو حاجز فيه شقان، وخلفه لوحة تومض حين تصطدم بها الإلكترونات. إذا لم تُراقب الإلكترونات، تصرفت كموجات وظهر على الشاشة نمط تداخل، بما يعني أنها مرت من
الشقين. حتى لو أرسلناها واحدًا واحدًا؟ نعم، فعل العلماء ذلك، وجمعوا آثار الإلكترونات على الشاشة لساعات، فظهر نمط التداخل أيضًا. وقد قلنا إن الإلكترون لا ينقسم؛ فكيف مر إلكترون واحد من شقين في الوقت نفسه
دون أن ينقسم؟ التفسير الوحيد، رغم إزعاجه وعدم منطقيته، الذي يفسر ظواهر العالم دون الذري هو أن الإلكترون، أو الجسيم الأولي، يتصرف كموجة ما لم يُقَس، وبمجرد قياسه يتصرف كجسيم. فعندما وضعوا مجسات على الشقين لمعرفة الشق الذي مر منه الإلكترون،
اختفى نمط التداخل، ودخل الإلكترون من الشق الأول أو الثاني بوصفه جسيمًا. أما حين يتصرف كموجة، فالموجة لا تملك مكانًا محددًا. هذه نظرة شرودنغر. وهناك نظرة هايزنبرغ، الذي وضع
مبدأ عدم الدقة، أو الشك، أو الريبة. لنتحدث من منظوره: لا يمكن تحديد مكان الإلكترون وسرعته معًا. سأضرب مثالًا لحالة خاصة، مع أن المبدأ أعم وأشمل. تخيل أنك تريد تحديد مكان الإلكترون، فتطلق عليه فوتونًا ضوئيًا لتراه، في تبسيط للفكرة.
يجب أن يكون طول الفوتون الموجي صغيرًا جدًا، على مقياس حجم الإلكترون، لتكون دقة تحديد المكان عالية. لكن الطول الموجي الصغير يعني ترددًا أعلى وطاقة أعلى؛ سيصطدم الفوتون عالي الطاقة بالإلكترون ويرتد، فيحدد مكانه،
لكنه يمنحه زخمًا ويغير سرعته، فلا تعود تعرف سرعته الآن. والعكس: إذا قللت طاقة الفوتون حتى لا يؤثر في سرعة الإلكترون، أمكنك قياس السرعة، لكن الطاقة القليلة تعني طولًا موجيًا كبيرًا، وبالتالي
دقة أقل في تحديد المكان، إذ يغطي الطول الموجي مساحة كبيرة لا تعرف موضع الإلكترون فيها تحديدًا. لكن هل العجز عن القياس سببه تأثير الفوتون؟ سؤال ممتاز. طرح هايزنبرغ نفسه هذا المثال للتبسيط، لكن فيزيائيًا، مهما كانت الوسيلة المستخدمة، سواء أثرت في سرعة الإلكترون أم لا، لا يمكن
قياس موقعه وسرعته معًا بدقة عالية. مهما طورنا الأجهزة، تظل هذه طبيعة الجسيمات دون الذرية. نزار بن عباس من المغرب يسأل: يا مهندس عيد العجمي، هناك سؤال يحيرني منذ الدراسة:
كيف عرفوا وزن الإلكترون؟ أعرف أن هناك علاقة رياضية لحسابه، لكنني أريد جوابًا ملموسًا أو طريقة عملية لوزنه. شكرًا لك. سؤال ممتاز، وأنا نفسي
كنت أحتار فيه قبل سنوات. ليس لديهم ميزان نضع عليه الإلكترون بالملعقة! في النهاية نحاول قياس الكتلة، ومنها نعرف الوزن. حدث ذلك في تجربة مشهورة أجراها العالم الأمريكي ميليكان عام 1909، تسمى تجربة قطرة الزيت.
قبل شرحها، كان جوزيف جون تومسون قد اكتشف الإلكترون وحسب نسبة شحنته إلى كتلته. لم يكن يعرف مقدار الشحنة أو مقدار الكتلة منفصلين، بل حاصل قسمة أحدهما على الآخر. لذلك حاول ميليكان،
لقياس كتلة الإلكترون، أن يقيس شحنته أولًا؛ فإذا عرفها استخدم علاقة تومسون ليستنتج الكتلة. تتلخص التجربة في حجرتين إحداهما فوق الأخرى. استخدم مرذاذًا في الحجرة العليا لرش قطرات زيت، وكانت الحجرة السفلى فارغة، وبين الحجرتين ثقب.
تسربت قطرات الزيت عبر الثقب إلى الحجرة السفلى بفعل الجاذبية، لأن لها كتلة. عرض ميليكان الحجرة السفلى، التي تحتوي أيضًا على هواء، للأشعة السينية. فأيّنت ذرات الهواء وجعلتها موجبة بعد فقد إلكترونات سالبة، والتقطت قطرات الزيت
هذه الإلكترونات فأصبحت سالبة الشحنة. ربما التقطت قطرة إلكترونين، وأخرى 5، وثالثة 10. وصل ميليكان الطرف السالب لبطارية أسفل الحجرة السفلى، والطرف الموجب أعلاها. فأصبحت قطرة الزيت تتأثر بقوتين: الجاذبية التي تسحبها إلى الأسفل،
والقوة الكهربائية التي ترفعها نحو الطرف الموجب لأنها سالبة الشحنة. عدل قيمة البطارية حتى أصبحت قطرات الزيت معلقة في المنتصف. عندئذ تساوت قوة الجاذبية
مع القوة الكهربائية، ودليل ذلك سكون القطرة في المنتصف. كيف رآها ساكنة؟ كان ينظر إليها بالمجهر ويعدل البطارية حتى تتوقف. عند تلك القيمة تتساوى القوتان. قوة الجاذبية نعرف أنها كتلة القطرة مضروبة في تسارع الجاذبية، والقوة الكهربائية
تساوي شحنة القطرة مضروبة في المجال الكهربائي للبطارية. ما المعلوم والمجهول في هذه المعادلة؟ كتلة القطرة معلومة؛ حسب ميليكان سرعتها وهو يراقبها بالمجهر، ومنها استنتج كتلتها. إذن الكتلة وتسارع الجاذبية معلومان،
وكذلك المجال الكهربائي، إي، وهو جهد البطارية بحسب شرح المتحدث. بقي مجهول واحد: شحنة القطرة. حسبها ميليكان وكرر التجربة، وزاد الأشعة السينية في كل مرة، فتحررت إلكترونات أكثر واكتسبت القطرات شحنات إضافية. وبعد تجارب عديدة استنتج
أن شحنة القطرات تأخذ مضاعفات قيمة معينة. لنفترض للتوضيح أنه حسبها أولًا 4، ثم 6، ثم 8؛ كلها مضاعفات 2. وبالطريقة نفسها وجد أن الشحنة في كل مرة مضاعف لقيمة مقدارها 1.59
مضروبة في 10 أس سالب 19، وهي شحنة الإلكترون. فالقطرات تكتسب إلكترونات إضافية، وهذه هي وحدة الشحنة الأساسية. كانت التجربة دقيقة جدًا؛ فالقيمة الحالية لشحنة الإلكترون 1.6 مضروبة في 10 أس سالب 19، بينما حصل ميليكان على 1.59. ومن معرفة الشحنة
حُسبت الكتلة بالعلاقة التي شرحناها. لدينا سؤال من أسامة في الأحساء: هل تقول النسبية إن الأجسام، إذا بلغت سرعة الضوء، تتحول من مادة إلى طاقة؟ وإن صح ذلك، ألا يتناقض مع القول إن فوتونات الضوء جسيمات؟
الجزء الأول، أن الجسم يتحول إلى طاقة عند بلوغ سرعة الضوء، غير صحيح بحسب النظرية. لا يمكن للجسيم الوصول إلى سرعة الضوء؛ فكلما سرعناه زادت كتلته واحتاج إلى طاقة أكبر. وعند سرعة الضوء ستصبح كتلته لا نهائية، لا أنها تتلاشى، وسيحتاج إلى طاقة لا نهائية.
لا يمكننا توفير طاقة لا نهائية، لذلك لن يبلغ تلك السرعة. أما الفوتون، فلماذا نعده جسيمًا؟ هناك لبس: وصف الشيء بالجسيم لا يشترط أن تكون له كتلة، بل أن يتمتع بخصائص الجسيمات؛ له طاقة وكمية حركة وموقع محدد. هذا المقصود، مع أن الفوتون لا كتلة له.
يعطيك العافية يا مهندس عيد. أخذنا وقتًا طويلًا، لكن الموضوع يستحق؛ فتاريخ الذرة عميق، يرجع إلى 500 قبل الميلاد كما ذكرت، ويمتد إلى اليوم، وما زال العلماء يكتشفون الجديد. أشكرك جزيل الشكر على وقتك الثمين.
وأنا أشكرك على الاستضافة، وأتمنى أن أكون قدمت، بقدر المستطاع، ولو قدرًا بسيطًا من المعرفة لمن يحب الفيزياء ويريد فهم بعض أسرارها. وستكون ضيفنا مجددًا إن شاء الله لأسئلة أخرى. يشرفني أن أكون ضيفًا في البودكاست. شكرًا جزيلًا.
نهاية الحلقة. بداية سؤال جديد.


